Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب قراءة القرآن
قوله: ((ولا يخلق من كثرة الرد)) بضم اللام ويجوز فتحها والياء فيهما
مفتوحة ويجوز ضم الياء مع كسر اللام يقال: خلق الشيء يخلق إذا بلى
والمراد هنا لا تذهب جلالته، وحلاوته استظهره حفظه ظاهراً(١).
قوله: ((رواه الحاكم من رواية صالح بن عمر عن إبراهيم الهجري عن أبي
الأحوص)) [إبراهيم الهجرى هو ابن مسلم الهجري: ضعفه ابن معين وقال
أبو حاتم ليس بقوي ووثقه ابن حبان وابن خزيمة وأخرجا له في صحيحيهما
غير ما حديث عن أبي الأحوص، وقال ابن عدي إنما أنكروا عليه كثرة روايته
عن أبي الأحوص عن عبد الله وعامتها مستقيمة، وأبو الأحوص هو عوف بن
مالك بن نضلة الأشجعي ، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن
بكر بن هوازن، روى عن ابن مسعود وعلى وغيرهما ثقة مشهور قتلته
الخوارج في أيام الحجاج بن يوسف].
٢٢٠٩ - وَعَن أنس ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن الله أهلين من النَّاس
قَالُوا من هم يَا رَسُول الله قَالَ أهل الْقُرْآن هم أهل الله وخاصته رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَابْن مَاجَهُ وَالْحَاكِم كلهم عَن ابْنِ مُهْدي حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن بديل عَن أَبِيه
عَن أنس وَقَالَ الْحَاكِمِ يرْوى من ثَلَاثَة أوجه عَن أنس هَذَا أَجودهَا(٢).
(١) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٢٠١).
(٢) النسائي (٨٠٣١)، وابن ماجه في المقدمة (٢١٥)، والحاكم (٥٥٦/١)، وأحمد
(١٢٢٧٩)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦٣/٣)،
والبيهقي في شعب الإيمان (٢٩٨٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١٧٩).

٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قَالَ المملي الْحَافِظ عبد الْعَظِيم: وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح.
قوله: وعن أنس زقوته، تقدم الكلام علیه.
قوله وَّي: ((إن الله أهلين من الناس)) قالوا: من هم يا رسول الله؟ الحديث،
أي: حفظة القرآن العاملون به هم أولياء الله والمختصون به اختصاص أهل
الإنسان به وكانوا يسمون أهل مكة أهل الله تعظيما لهم كما يقال بيت الله،
ويجوز أن يكون المراد أهل بيت الله لأنهم كانوا سكان بيت الله قاله في
النهاية (١)، وسئل أبو بكر الوراق عنه فقال: أهل القرآن من يحوطه القرآن ولا
يسلمه الشيطان ولا يسلك به غير طريق الرحمن هل رأيتم أحدا أسلم أهله
إلى أعدائه فانظر أسلمك القرآن إلى عمل الشيطان أم إلى عبادة الرحمن؟
فإن أسلمك إلى عبادة الشيطان فلست من أهل القرآن وإن أسلمك إلى عبادة
الرحمن فأنت من أهل القرآن ذكره صاحب المغيث(٢).
قوله: حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس [٢٠٤/ ب] [عبد
الرحمن بن بديل بن ميسرة العقيلي البصري قال يحيى بن معين وأبو داود
والنسائى: ليس به بأس، وقال الطيالسى: حدثنا عبد الرحمن بن بديل
العقيلي، وكان ثقة، صدوقا، وأبوه ثقة وثقه يحيى بن معين والنسائى وابن
سعد].
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٤).
(٢) المجموع المغيث (١١٤/١).

٦٣
كتاب قراءة القرآن
٢٢١٠ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ◌َّهَا أَنْه مر على قارىء يقْرَأ ثمَّ سَأَلَ
فَاسْتَرْجِع ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَهِ يَقُول من قَرَأَ الْقُرْآن فليسأل الله بِهِ فَإِنَّهُ
سَيَجِيءُ أَقوام يقرؤون الْقُرْآن يسْأَلُون بِهِ النَّاسِ رَوَاهُ التَّْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث
(١)
حسن(١).
قوله: وعن عمران بن حصين نَّنَا، تقدم الكلام عليه.
قوله: أنه مر على قارىء يقرأ ثم سأل فاسترجع، يعني: قال عمران بن
حصين إنا لله وإنا إليه راجعون، يقال: منه رجع واسترجع.
قوله: ثم قال سمعت رسول الله و 98 يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به
فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس)) الحديث، وروي عنه أَل
أنه قال: «تعلموا القرآن واسألوا الله به الجنة قبل أن يجيء أقوام يسألون به
الدنيا وإن القرآن يتعلمه ثلاثة رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرؤه
لله)(٢) وقال عبد الله بن مسعود: سيجيء على الناس زمان يسأل فيه بالقرآن
فإذا سألوكم فلا تعطوهم(٣)، وقال ميمون بن مهران: لا تتخذوا القرآن
(١) الترمذي (٢٩١٧)، وقال: حديث حسن، زاد في طبعة د. بشار: حديث حسن ليس إسناده
بذاك، وأحمد (١٩٩١٧)، والطبراني في الكبير (٣٧٠)، وسعيد بن منصور (١ /١٨٧)،
والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦٢٨)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦٧).
(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٤٨)، والمروزي في مختصر قيام الليل (ص ١٧٩ -
١٨٠)، والبيهقي في الشعب (١٦/٢ رقم ٢٣٨٩)، والبغوى (١١٨٢). وصححه الألباني
في الصحیحة (٢٥٨).
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٣٥٩).

٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بضاعة تلتمسوا به الشف في الدنيا، يعني الربح واطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة
بالآخرة(١)، وروي عن عبد الله بن عمرو أنه جاء من المسجد الجامع حتى
إذا بلغ أصحاب الدر إذا رجل والناس مجتمعون عليه، نظر فإذا رجل يقرأ
ويسأل الناس فالتمس سوطا فوجده ثم أتى الناس فقال: افرجوا فعلا رأسه
ضربا حتى سبقه عدوا فقال: يا لعباد الله ما كنت أرى أن أبقى حتى أرى أحدا
يسأل بكتاب الله (٢)، قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: فلا ينبغي لمن حفظ
القرآن أن يسأل به غير الله تعالى وكان بعض السلف إذا ختم القرآن يقول:
اللهم اغفر لي بالقرآن اللهم ارحمني بالقرآن اللهم اهدني بالقرآن اللهم
عافني بالقرآن وإنما كان هذا لأن القرآن كلامه سبحانه وتعالى فلا ينبغي أن
ينال به غيره ذكره القرطبي في كتابه التذكار(٣) ..
٢٢١١ - وَعَنِ بُرَيْدَة رَّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َيَّةِ مِن قَرَأَ الْقُرْآن وَتعلم
وَعمل بِهِ ألبس والداه يَوْم الْقِيَامَة تاجا من نور ضوؤه مثل ضوء الشَّمْس
ويكسى والداه حلتين لا يقوم لَهما الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ بِمَ كسينا هَذَا فَيُقَال بِأخذ
ولد كما الْقُرْآنِ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرط مُسلم (٤).
قوله: وعن بريدة زَّه [هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو
الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن
(١) تاريخ ابن عساكر (٣٥٤/٦١)، وتهذيب الكمال (٢١٩/٢٩).
(٢) المنهاج (٢/ ٣٦٠).
(٣) التذكار (ص ٩٧ - ٩٨).
(٤) الحاكم (١/ ٥٦٨)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

٦٥
كتاب قراءة القرآن
عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم
البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من
الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. روى له عن رسول الله وَّله مائة حديث
وأربعة وستون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على حديث، وانفرد البخارى
بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل:
أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (١)].
قوله وَله: ((من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والداه يوم القيامة تاجا
من نور)) الحديث، وذكر أبو بكر الأنباري فذكر الحديث إلى أن بلغ إلى
العوام بن حوشب أن أبا عبد الرحمن السلمي كان إذا ختم عليه الخاتم
القرآن أجلسه بين يديه ووضع يده على رأسه وقال له: يا هذا اتق الله فما
أعرف أحدا خيرا منك إن عملت بالذي علمت(٢)، وروي سفيان عن حبيب
بن أبي عمرة قال: إذا ختم الرجل القرآن قبل الملك بين عينيه، حدث به
أحمد بن حنبل فاستحسنه وقال هذا من مخبئات سفيان (٣) ذكره القرطبي في
كتابه التذكار (٤).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٣٣ ترجمة ٨١).
(٢) تفسير القرطبي (١٣/١-١٤) والتذكار (ص ٦٧).
(٣) المجالسة (٣٩٥ و٣٣٨٠)، وشعب الإيمان (٤٢٣/٣ رقم ١٩١٠)، وتاريخ بغداد
(٤٤/١٣).
(٤) التذکار (ص ٨٨).

٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٢١٢ - وَرُوِيَ عَن عَلَيّ بن أبي طَالب ◌ََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َطِّ من
قَرَأَ الْقُرْآن فاستظهره فأحل حَلَاله وَحرم حرَامه أدخلهُ الله بِهِ الْجنَّة وشفعه فِي
عشرَة من أهل بيته كلهم قد وَجَبت لَهُم النَّارِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ
لَهُ وَقَالَ حَدِيثٍ غَرِيب(١).
قوله: وعن علي بن أبي طالب زظلم، تقدم الكلام عليه.
قوله وقال: ((من قرأ القرآن فاستظهره)) أي: حفظه يقول: قرأت القرآن عن
ظهر قلبي أي قرأته من حفظي وفيه [ما نزل من] القرآن آية إلا ولها ظهر
وبطن، قيل: ظهرها لفظها، وبظنها معناها، قيل: أراد بالظهر ما ظهر تأويله
وعرف معناه وبالبطن ما بطن تفسيره، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار وفي
الباطن عبرة وتنبيه وتحذير وغيره ذلك، قيل: أراد بالظهر التلاوة وبالبطن
[التفهيم] (٣) والتعظيم قاله في النهاية(٣).
قوله: ((فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله به الجنة)) الحديث، وعن أبي
نضرة أن رجلا من التابعين كان إذا جلس إليه أصحاب رسول الله وَالخلال
أعجبهم مجلسه وحديثه، فقالوا يوما إن مثل القرآن مثل المطر حلو طيب
(١) الترمذي (٢٩٠٥)، وقال: حديث غريب من هذا الوجه، وليس له إسناد صحيح، وابن
ماجه في المقدمة (٢١٦)، والطبراني في الأوسط (٥١٢٦)، وعبد الله بن أحمد في زيادته
على المسند (١٢٦٨)، وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٥٧٦١).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٦٦/٣) [التفهم].
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٦٦/٣).

٦٧
كتاب قراءة القرآن
طهور مبارك أنزله الله تعالى فأصاب به الشجر حلوه ومره فزاد الحلاوة
حلاوة إلى حلاوتها والمرارة مرارة إلى مرارتها وكذلك القرآن هدى وشفاء
للذين آمنوا(١).
٢٢١٣ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس ◌َّهَا قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن لم يرد إِلَى أرذل الْعُمر
وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٢) قَالَ
الَّذِين قرؤوا الْقُرْآن رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ(٣).
قوله: وعن ابن عباس نَّهَا، تقدم الكلام عليه.
قوله وَدي: ((من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾(٤) قال: الذين قرأوا القرآن.
[٢٠٥ / أ]
٢٢١٤ - وَعَنْ أَبِى ذَرِ رَّوَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّيَا أَبَا ذَر لِأَن تَغْدُو فتعلم
آية من كتاب الله خير لك من أَن تصلي مائَة رَكْعَة وَلِأَن تَغْدُو فتعلم بَابا من
الْعلم عمل بِهِ أَو لم يعْمل بِهِ خير من أن تصلي ألف رَكْعَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه
بِإِسْنَاد حسن (٥).
(١) التذكار (ص ٦٧).
(٢) سورة التین، الآيتان: ٥-٦.
(٣) الحاكم (٥٢٨/٢)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في
شعب الإيمان (٢٧٠٦).
(٤) سورة التين، الآيتان: ٥-٦.
(٥) ابن ماجه (٢١٩)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٧٣).

ت
٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي ذر قال﴾ تقدم الكلام علیه، وعلى تفسير الحديث في كتاب
العلم وكذلك تقدم الكلام على الحدیث الذي بعده في قيام الليل.
فائدة: روى أبو محمد عبد الغني الحافظ عن جابر بن عبد الله قال: قال
رسول الله ير: ((من قرأ القرآن أو جمع القرآن كانت له عند الله دعوة
مستجابة إن شاء عجلها له في الدنيا وإن شاء ادخرها له يوم القيامة)) (١)، وهذا
عام في كل مسلم قرأ القرآن إذ الكافر والمنافق ليست لهما عند الله دعوة
مستجابة تدخر والله أعلم، روى ابن لهيعة فذكر الحديث إلى أن قال:
سمعت عقبة بن عامر يقول قال رسول الله وَالر: ((لو كا القرآن في إهاب لم
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٥٥/٦ رقم ٦٦٠٦)، وابن عدى في الكامل (١٨٨/٨ -
١٨٩)، والخولاني في تاريخ داريا (ص ٩٧)، والخطيب في الموضح (٤٨٤/٢).
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن جابر إلا شرحبيل، ولا رواه عن شر حبيل إلا مقاتل
ابن دوال دوز، تفرد به المحاربي، ولم يسند مقاتل غير هذا الحدیث.
وقال ابن عدى: ولمقاتل غير ما ذكرت من الحديث حديث صالح، وعامة أحاديثه مما لا
يتابع عليه، على أن كثيرا من الثقات والمعروفين قد حدث عنه، والشافعي محمد بن
إدريس، يقول: الناس عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير، وكان من أعلم الناس
بتفسير القرآن، وله كتاب الخمسمائة آية، التي يرويها عنه أبو نصير منصور بن عبد الحميد
الباوردي، وفي ذلك الكتاب حدیث کثیر مسند، وهو مع ضعفه یکتب حديثه.
كذا جعله ابن عدى مقاتل بن حيان وهو منصوص عليه كذلك في تاريخ داريا وعند
الآخرين ابن سليمان أو ابن دوال دوز وكلاهما معروف بالتفسير.
قال الهيثمي في المجمع ٧/ ١٦٣: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مقاتل بن دوال دوز،
فإن کان هو مقاتل بن حیان کما قيل فهو من رجال الصحيح، وإن كان ابن سليمان فهو
ضعيف، وبقية رجاله ثقات.

٦٩
كتاب قراءة القرآن
تأكله النار)) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وجه هذا عندنا أن يكون أراد
بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعي القرآن(١)، أ.هـ قاله القرطبي في
التذكار (٢)، وفي رواية أخرى: ((لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما
احترق)) (٣) قيل: كان هذا معجزة القرآن في زمن النبي وَّكما تكون الآيات
في عصور الأنبياء وقيل: المعنى من علمه الله القرآن لم تحرقه نار الآخرة
فجعل جسم حافظ القرآن كالإهاب له والله أعلم قاله في النهاية (٤).
٢٢١٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَهِ مِن قَرَأَ عشر آيَات
فِي لَيْلَة لم يكتب من الغافلين رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرط مُسلم(٥).
(١) فضائل القرآن (٢٤٤/١/ ح ١٤).
(٢) التذكار (ص ٦٢).
(٣) أخرجه أحمد ١٥٤/٤ (١٧٤٠٩) و١٥٥/٤ (١٧٤٢٠)، والدارمى (٣٣٥٣)، وابن عبد
الحكم في فتوح مصر (ص ٢٢٠)، وأبو يعلى ٢٨٤/٣ (١٧٤٥)، والطحاوى في المشكل
(٩٠٦) والطبراني ١٧ / ٣٠٨ (٨٥٠).
وقال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا خالد بن خداش قال: قال لي ابن وهب-ورآني لا
أكتب حديث ابن لهيعة: إني لست كغيري في ابن لهيعة، فاكتبها. وقال لي: حديثه عن عقبة
بن عامر أن النبي وَل﴾ قال: لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار، ما رفعه لنا ابن لهيعة قط،
أول عمرهالعلل رواية عبد الله (١٧٨٤)، (٥١٩٠). وصححه الألباني في الصحيحة
(٣٥٦٢).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٣).
(٥) الحاكم (٥٥٥/١)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخراجه، ووافقه
الذهبي، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧٠٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(٥٧٧٤).

٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٢١٦ - وَعِنْهُ نَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِّ مِن حَافظ على هَؤُلَاءِ
الصَّلَوَات المكتوبات لم يكتب من الغافلين وَمن قَرَأَ فِي لَيْلَة مائة آية كتب من
القانتين رَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْحَاكِمِ وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ صَحِيح على
شَرطهمَا (١). قَالَ الْحَافِظِ وَقد تقدم فِي صَلَاة اللَّيْلِ أَحَادِيث نَحْوِ هَذَا.
٢٢١٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ إِذا قَرَأْ ابْن آدم
السَّجْدَة فَسجدَ اعتزل الشَّيْطَان یبکی یَقُول یَا ويله.
وَفِي رِوَايَة يَا ويلي أمر ابْن آدم بِالسُّجُودِ فَسجدَ فَلهُ الْجَنَّة وَأمرت بِالسُّجُود
فأبيت فلي النَّار رَوَاهُ مُسلمٍ وَابْن مَاجَه(٢).
وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس (٣).
وَرَوَاهُ الطََّرَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفًا قَالَ إِذا رأى
الشَّيْطَان ابْن آدم سَاجِدا صَاحِ وَقَالَ يَا ويله يَا ويل الشَّيْطَان أَمر الله ابْن آدم أَن
يسْجد وَله الْجِنَّة فأطاع وَأَمَرَنِي أَن أَسجد فعصيت فلي النَّار(٤).
(١) ابن خزيمة (١١٤٢)، والحاكم (٣٠٨/١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (١٣٣)، وابن ماجه (١٠٥٢)، وأحمد (٩٧١٣)، وابن خزيمة (٥٤٩)، وابن حبان
(٢٧٥٩).
(٣) البزار (٧٥٤)، وابن عدي (١٤٢٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٤/٢)، وفيه
كنانة بن جبلة؛ وثقه أبو حاتم وضعفه غيره، وسهيل بن أبي حزم؛ وثقه ابن معين وضعفه
جماعة، وبقية رجاله ثقات.
(٤) الطبراني في الكبير (٩٤٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٤/٢)، ورجاله رجال
الصحيح إلا أن أبا إسحاق لم يسمع من ابن مسعود.

٧١
كتاب قراءة القرآن
قوله: وعن أبي هريرة زُقْ لَّهُ، تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا
ويله)) وفي الرواية الأخرى ((يا ويلي)) يجوز فيه فتح اللام وكسرها، فقوله: ((إذا
قرأ ابن آدم السجدة فسجد)) فمعناه آبة السجدة، فقوله ((اعتزل الشيطان يبكي))
فقوله ((يا ويله)) وأضاف الويل إلى ضمير الغائب حملا على المعنى وعدل
عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، وقد يرد
الويل بمعنى التعجب، أ.هـ كلامه في النهاية(١).
وقال غيره في قوله: ((يا ويله)) هو من آداب الكلام وهو أنه إذا عرض في
الحكاية عن الغير ما فيه سوء واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم
صرف الحاكي الضمير عن نفسه تصاونا عن صورة إضافة السوء إلى
نفسه(٢)، أ.هـ
فقوله ((ويله)) الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في
هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر
فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادي الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر
الفظيع وهو الندم على تركه السجود لآدم بالتله)، أ.هـ كلام النهاية(٣).
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٣٦/٥).
(٢) قاله النووي كما في شرح مسلم (٧١/٢)، وعنه ابن مفلح كما في الآداب الشرعية
(٣٦/١).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٣٦/٥).

٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واعلم أن مقصود الإمام مسلم بذكر هذا الحديث هنا أن من الأفعال ما
تركه يوجب الكفر إما حقيقة وإما تسمية فأما كفر إبليس بسبب السجود
فمأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ
۵﴾(١) قال الجمهور: معناه وكان
إِبْلِيسَ أَبَى وَاُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم وصار من الكافرين (٢).
فائدة: اعلم أن أول معصية عصى الله بها الحسد، قال الكرابيسي صاحب
الشافعي: الحسد أول معصية عصى الله تعالى بها في السماء وهو سابق على
الكفر وذلك أن إبليس لعنه الله حسد آدم ،فَلَلم فلم يسجد له فكفر(٣)، قال
العلماء زَرِهَا: وكفر إبليس من ثلاثة أوجه: الأول: أنه استنقص نبيا وهو آدم
البَلامنا ومن استنقص نبيا كفر (٤)، قال صاحب اللمع: عبد إبليس ربه ثمانين
ألف سنة ثم كفر نعوذ بالله من ذلك(٥).
الثاني: أنه خالف إجماع الملائكة في السجود ومن خالف الإجماع كفر (٦).
الثالث: أنه نسب البارئ جل جلاله وتعالى إلى التجوير وعدم الحكمة في
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٤.
(٢) شرم النووي على مسلم (٢/ ٧٠).
(٣) انظر: نزهة المجالس (٤٩/٢).
وقال مالك: إن أول معصية عصي الله بها الحسد، حسد إبليس لآدم، وحسد قابيل لهابيل.
القبس (ص ١٠٤٨)، والمسالك (٢٦٨/٧).
(٤) كشف الأسرار (لوحة ١٢).
(٥) انظر: منهاج العابدين (ص ١٢٠).
(٦) كشف الأسرار (لوحة ١٢)، والبرهان (٤٩/٣).

٧٣
كتاب قراءة القرآن
أمره، بالسجود لآدم ،علىالنَّلام وهو خير منه بدعواه لأن الأشرف لا يسجد
للأدنی(١) [سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضى نفسه
وزنة عرشه ومداد كلماته سبحان الحكيم العليم سبحانه وتعالى عما يقولون
علوا كبيرا سبحان من لا يسلم قدره غيره ولا يبلغ الواصفون صفته الحمد لله
رب العالمين، ينبغي أن تذكر هذه الكلمات في هذا المحل مع حضور قلب
والله الموفق] قالوا: وأخطأ إبليس لعنه الله تعالى في دعواه الخيرية
[٢٠٥/ ب] بقوله إنه خلق من نار وآدم عليكلما خلق من طين والنار تأكل
الطين فهو خير منه وأخطأ لعنه الله في قياسه من وجهين، الأول: أنه قاس في
معرض النص والقياس في معرض النص لا يجوز إلا عند إبليس ومن قاس
في معرض النص كان كقياس إبليس؛ الثاني: أن الأصل ممنوع فإن الطين خير
من النار لأنه يثبت وينتفع به في غالب الأشياء ومن طبعه الرزانة والسكون،
والنار من شأنها الخفة والإحراق والطيش وكذلك إبليس لعنه الله لما خلق
منها طاش فقاس(٢)، قال الكرابيسي: والحسد أيضاً أول معصية عصى الله
بها في الأرض وذلك أن قابيل حسد هابيل أخاه حين قربا القربان ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ
أُحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اُلْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ (٣) الآية(٤)، فهو أول من سن
(١) كشف الأسرار (لوحة ١٢) وحياة الحيوان (١/ ٣٠٢).
(٢) انظر: تفسير الطبرى (٨٦/١٠)، والتفسير الوسيط (٣٥٣/٢)، وتفسير القرطبى
(١٧١/٧)، وتفسير الخازن (١٨٥/٢)، وكشف الأسرار (لوحة ١٢).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢٧.
(٤) انظر: نزهة المجالس (٤٩/٢).

٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القتل في الأرض كما ورد في الحديث المشهور (١)، قاله ابن العماد في شرح
العمدة.
مسألة: قال القرافي: واتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم
وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود
فامتنع منه كافرا وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد أدم ◌َالثَآا على منزلته من
الله عز وجل وإلا لكان كل حاسد كافرا، ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه وإلا لكان
كل عاص وفاسق كافر، قد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء، وينبغي أن يعلم
أنه إنما كفر لنسبته الحق سبحانه وتعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرض،
وأظهر ذلك من فحوى كلامه ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن
طِينٍ﴾(٢) ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير بالسجود للحقير من
الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله، وقد أجمع المسلمون على أن من نسب
الله تعالى لذلك كافر، واختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا وأنه أول
من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض، واختلفوا
أيضاً: هل كفر إبلي جهلا أو عناداً، على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه
كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال كفر جهلا قال: إنه سلب العلم عند كفره،
ومن قال: کفر عناداً ومعه علمه.
قال ابن عطية المفسر: والكفر مع بقاء العلم مستبعد (٣)، إلا أنه عندي جائز لا
(١) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (٢٧ - ١٦٧٧) عن ابن مسعود.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢.
(٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١٢٦/١).

٧٥
كتاب قراءة القرآن
يستحيل مع خذلان الله تعالی لمن شاء(١) [کما خذل سبحانه وتعالى بعدله أحبار
اليهود والنصارى عن اتباع رسوله ول مع رسوخ قدمهم في معرفته وانكشاف
أوصافه الشريفة لديهم انكشاف الشمس لذوي الأبصار، قال جل من قائل:
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الْقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾(٢) فسبحان مقلب القلوب، والله أعلم، قاله
كاتبه]؛ واختلفوا هل بعث الله تعالى من الجن إليهم رسولا قبل بعثة نبينا وَله،
فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾(٣)
الآية (٤).
وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط
وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا هو الصحيح المشهور (6).
وقد احتج أبو حنيفة وأصحابه بقوله: ((أمر ابن آدم بالسجود فسجد)»
الحديث على أن سجود التلاوة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق
بين الواجب والفرض، ومذهب مالك والشافعي والأكثرين أنه سنة، وأجابوا
(١) حياة الحيوان (٣٠١/١-٣٠٢).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٦.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٣٠.
(٤) تفسير الطبرى (٩ / ٥٦٠).
(٥) وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جريج انظر تفسير الطبرى (٩/ ٥٦١) وتفسير ابن أبي
حاتم (١٣٨٩/٤ رقم ٧٩٠٣) وتفسير الثعلبى (١٩١/٤-١٩٢) والتفسير البسيط
(٤٤٢/٨-٤٤٤)، وتفسير البغوى (١٩٠/٣) وتفسير القرطبى (٨٦/٧) و(٢١٧/١٦)،
وفتاوى السبكى (٦٠٩/٢).

٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عن هذا بأجوبة أحدها: أن تسمية هذا أمرا أنه من كلام إبليس فلا حجة فيها.
فإن قالوا: قد حكاها النبي ◌َّ فلم ينكرها.
قلنا: قد حكى غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية وهي
باطلة، الثاني: أن المراد أمر ندب لا إيجاب، والوجه الثالث: أن المراد
المشاركة في السجود لا في الوجوب(١).
ومستند الشافعي والجمهور ما ثبت عن عمر زَّاللّهُ أنه قرأ يوم الجمعة
على المنبر سورة النحل حتى إذا جاء إلى السجدة نزل فسجد وسجد الناس
معه حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأها حتى إذا جاء إلى السجدة قال: ((إنما
أمرنا بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) ولم يسجد
عمر زَوَّهُ، وروي أنه قال: إن الله لم يفرض السجود إلا لمن شاء.
روى البخاري [٢٠٦ / أ] الروايتين في صحيحه(٢) ولم ينقل أنهم أنكروا
عليه، وهذا من عمر زَقْتَهُ في هذا الموطن العظيم دليل على إجماعهم على
أنه ليس بواجب (٣)، فإن قيل: ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾﴾﴾(٤)؟ فالجواب: أن الآية في الكافرين
بدليل ما قبلها وما بعدها(6) والله أعلم.
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٧١-٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٧).
(٣) المجموع (٤ / ٦٢)، والنجم الوهاج (٢٦٩/٢ -٢٧٠).
(٤) سورة الانشقاق، الآية: ٢١.
(٥) شرح الصحيح (٦١/٣-٦٢) لابن بطال، والنجم الوهاج (٢٧٠/٢).

٧٧
كتاب قراءة القرآن
٢٢١٨ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌َّهُ أَنْه رأى رُؤْيا أَنْه يَكْتب ص فَلَمَّا
بلغ إِلَى سجدتها قَالَ رأى الدواة والقلم وكل شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلب سَاجِدا
قَالَ فقصصتها على النَّبِي ◌َِّ فَلم يزل يسْجد بهَا رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته رُوَاة
الصَّحِيحِ(١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري نَّهُ، تقدم.
قوله: أنه رأى رؤيا أنه يكتب ص - يعني سورة ص - فلما بلغ إلى سجدتها
قال رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا، فقال فقصصتها
على النبي وَليه فلم يزل يسجد بها؛ اعلم أن سجود التلاوة مشروع عند قراءة
آيات السجدات مطلوب بالإجماع، ففي الصحيحين عن ابن عمر أنه قال:
كان رسول الله وله: ((يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه
لا يرى بعضنا موضعًا لمكان جبهته))، وفي رواية لمسلم ((في غير صلاة))(٢)
وهو سنة للقارئ والمستمع له، ويستحب أيضا للسامع الذي لا يستمع لكن
لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي، والسجدات في القرآن أربع
عشرة سجدة على مذهب الشافعي: سجدة في آخر سورة الأعراف وسجدة
في الرعد وسجدة في النحل وسجدة في سبحان وسجدة في مریم وسجدتان في
(١) أحمد (١١٧٤١)، والحاكم (٢/ ٤٣٢)، والبيهقي (٣٢٠/٢)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢٨٤/٢)، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه البخاري (١٠٧٥) و(١٠٧٦) و(١٠٧٩)، ومسلم (١٠٣ و١٠٤ - ٥٧٥) عن ابن
عمر.

٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحج وسجدة في الفرقان وسجدة في النمل وسجدة في ألم تنزيل وسجدة في
حم السجدة وسجدة في النجم وسجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ ﴾﴾ وسجدة
في اقرأ باسم ربك الذي خلق، وموضعها معروف مذكور في كتب الفقه
وموضع السجدة في حم السجدة عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾(١)، وفي
سورة النمل عند قوله ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾(٢) على الأصح فيهما(٣)، وأما
سجدة سورة ص فسجدة شكر أي لله تعالى على قبول توبة داود عليه الصلاة
والسلام ليست من عزائم السجود أي من متأكداته لحديث ابن عباس
أنه وَّ سجد في ص وقال: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكراً)) رواه
النسائي(٤)، فإن قرأها الإنسان في الصلاة لم يسجد كما لا يسجد في غيرها من
سجود الشكر وهذا هو الأصح، فإن سجد عامدا عالما بالتحريم بطلت
صلاته فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا(٥).
تنبيه: وأما عدد السجدات فمذهب الشافعي الصحيح أن عددها أربع
عشرة منها: سجدتا الحج لا ص، وتقدم ذلك، وعن مالك روايتان إحداهما
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٨.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٩.
(٣) انظر: التبيان (ص ١٣٧ -١٣٩)، والنجم الوهاج (٢٧٠/٢-٢٧١).
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ٣٧٥/٢ (٩٦٩) والكبرى (١٠٣١ و١١٣٧٤)، والطبراني في
الأوسط (٣٠١/١ رقم ١٠٠٨) والكبير (٣٤/١٢ رقم ١٢٣٨٦ و١٢٣٨٧). وصححه
الألباني في المشكاة (١٠٣٨) وصحيح أبي داود (١٢٧٠).
(٥) التبيان (ص ١٤٠).

٧٩
كتاب قراءة القرآن
كمذهبنا وأشهرهما إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل، قال: لا سجدة
فيه، وعن أحمد روايتان إحداهما كمذهبنا والثانية خمس عشرة بإثبات
[ص] وإلى هذا ذهب إسحاق بن راهويه وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق
المروزي وأجمعوا على السجدة الأولى من الحج واختلفوا في الثانية (١).
فرع: قال الرافعي: لو سجد أمامه في ص لكونه يرى السجود فيها
كالحنفي لم يتابعه بل ينتظره قائما ويفارقه، وإذا انتظره هل يسجد للسهو فيه
وجهان قال النووي (٢) في الروضة: قلت الأصح لا يسجد وهذا الصحيح
مشكل لا يمشي على القواعد، والصواب أنه يسجد لأنه يعتقد أن إمامه زاد
في صلاته شيئا جاهلا والاعتبار بنية المقتدي ثم إن تخصيص السجود بحالة
الانتظار لا وجه له بل يجزيء مع نية المفارقة أيضً(٣).
فائدة: وسجود التلاوة عندنا وعند الجمهور سنة ليس بواجب وعند أبي
حنيفة واجب ليس بفرض على اصطلاحه في الفرق بين الواجب والفرض وهو
سنة للقارئ والمستمع له وهو سنة، ويستحب أيضاً للسامع الذي لم يستمع
لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي كما تقدم، وإذا سجد
المستمع لقراءة غيره [٢٠٦/ ب] وهما في صلاة لم يرتبط به بل له أن يرفع قبله
وله ان يطول السجود بعده وله أن يسجد إن لم يسجد القارئ، وسواء كان
(١) المجموع (٤ /٦٢).
(٢) روضة الطالبين وعمدة المفتين (٣١٩/١).
(٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٧٣).

٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القارئ متطهراً أو محدثا امرأة أو صبيا أو غيرهم ولأصحابنا وجه ضعيف أنه لا
يسجد لقراءة الصبي والمحدث والكافر والصحيح الأول(١)، أ.هـ.
تنبيه: واعلم أنه يشترط لجواز سجود التلاوة وصحته شروط صلاة النفل
من الطهارة عن الحدث والنجس وستر العورة واستقبال القبلة وسائر
الشروط ولا يجوز السجود حتى تتم قراءة السجدة ويجوز عندنا سجود
التلاوة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لأنها ذات سبب ولا يكره عندنا
ذوات الأسباب وفي سجود التلاوة مسائل وتفريعات مشهورة في كتب الفقه
لا يحتملها هذا التعليق فمن أراد شيئا من ذلك فليطلبه من مظانه.
٢٢١٩ - وَعَن ابْن عَبَّاس ◌ََّّهَا قَالَ جَاءَ رجلٍ إِلَى رَسُول الله ◌َِّ فَقَالَ يَا
رَسُول الله إِنِّي رَأَيْتِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَة فِيمَا يرى النَّائِمِ كَأَنِّي أُصَلِّي خلف شَجَرَة
فَرَأَيْت كَأَنِّي قَرَأْت سَجْدَةٍ فَرَأَيْتِ الشَّجَرَة كَأَنَّهَا تسْجد لسجودي فسمعتها
وَهِي سَاجِدَةٍ وَهِي تَقول اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عنْدك أجرا وَاجْعَلْهَا لي عنْدك
ذْرا وضع عني بهَا وزرا واقبلها مني كَمَا تقبلت من عَبدك دَاوُد قَالَ ابْن
عَبَّاس فَرَأَيْتِ رَسُول الله ◌َِّ قَرَأَ السَّجْدَةِ فَسَمعته وَهُوَ ساجد يَقُول مثل مَا قَالَ
الرجل عَن كَلَام الشَّجَرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه
وَاللَّفْظِ لَهُ(٢).
(١) شرح النووي على مسلم (٥/ ٧٤).
(٢) الترمذي (٥٧٩)، وابن ماجه (١٠٥٣)، وابن حبان (٢٧٦٨)، والعقيلي (٢٤٣/١)، وابن
خزيمة (٥٦٣)، والحاكم (٢١٩/١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٦٥).