Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الجهاد
وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخير كله محمول على
من فعل ذلك الله مخلصًا(١) اهـ. والله أعلم.
٢٠٨١ - وَعَن شَدَّاد بن الْهَادِ رَوَهُ أَن رجلا من الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِي
وَّ فَآمَن بِهِ وَاتبعهُ ثُمَّ قَالَ أُهَاجِرِ مَعَك فأوصى بِهِ النَِّي ◌َّ بعض أَصْحَابِه
فَلَمَّا كَانَت غزاته غنم النَّبِي ◌َّ فقسم وَقسم لَهُ فَأَعْطِى أَصْحَابِهِ مَا قسم لَهُ
وَكَانَ يُرْعَى ظهْرِهِمْ فَلَمَّا جَاءَ دفعوه إِلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا قسم قسمه لَك
النَّبِيَِِّ فَأَخذه فجَاء بِهِ إِلَى النَّبِيِ وَّ فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ قسمته لَك قَالَ مَا على
هَذَا اتبعتك وَلَكِن اتبعتك على أَن أرمي إِلَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حلقه بِسَهْم
فأموت فَأَدْخلِ الْجِنَّة فَقَالَ إِن تصدق الله يصدقك فلبثوا قَلِيلا ثمَّ نهضوا إِلَى
قتال الْعَدو فَأْتِي بِهِ إِلَى النَّبِي ◌َّة يحمل قد أَصَابَهُ سهم حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَِّي
وَلِّ أَهوَ هُوَ قَالُوا نعم قَالَ صدق الله فَصدقهُ ثمَّ كَفنه النَّبِي ◌َّ فِي جبته الَّتِي
عَلَيْهِ ثُمَّ قدمه فصلى عَلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا ظهر من صلَاته اللّهُمَّ هَذَا عَبدك خرج
مُهَاجرا فِي سَبِيلك فَقتل شَهِيدًا أَنَا شَهِيد على ذَلِك رَوَاهُ النَّسَائِيّ(٢).
قوله: وعن شداد بن الهاد زَقُوَّه هو شداد بن أسامة بن عمرو بن عبد الله
بن جابر والهاد لقب لأسامة، وقيل لعمرو، ولقب به لأنه كان يوقد نارا
ليهتدي إليه الأضياف وغيرهم والله أعلم.
قوله: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي (وَلّ فآمن به واتبعه)) فذكر
الحديث إلى أن قال: ما على هذا اتبعتك ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى
(١) شرح النووي على مسلم (٥١/١٣).
(٢) النسائي (٤ / ٦٠)، وقال الألباني صحيح، في صحيح سنن النسائي.

٥٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال إن تصدق الله
يصدقك فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به إلى النبي وَلا يحمل قد
أصابه سهم حيث أشار فقال النبي وَاللّ أهو هو قيل نعم قال صدق الله فصدقه
ثم كفنه النبي ◌َّ في جبته التي عليه ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من
صلاته اللهم هذا عبدك خرج مجاهداً في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على
ذلك. فانظر رحمك الله كيف شهد الله له النبي وَلّ بالشهادة مع أنه ما أراد
غير الجنة ولو كانت هذه النية غير صحيحة لأرشده النبي وَل إلى غيرها
حين ذكرها له [قاله ابن النحاس (١)].
قوله: أنا شهید علی ذلك)) شهید بمعنی شاهد.
٢٠٨٢ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ◌ََّا قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَله
مَا مِن غَازِيَةٍ أَو سَرِيَّة تغزو فِي سَبِيل الله يسلمُونَ ويصيبون إِلَّا تعجلوا ثُلثي
أجرهم وَمَا من غَازِيَةٍ أَو سَرِيَّة تخفق وتخوف وتصاب إِلَّ تمّ أجرهم (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فِي سَبِيل الله فيصيبون الْغَنِيمَة إِلَّا
تعجلوا ثُلثي أجرهم من الآخِرَة وَيبقى لَهُم الثُّلُث وَإِن لم يُصِيبُوا غنيمَة تمّ
لَهُم أجرهم رَوَاهُ مُسلم وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه الثَّانِيَةِ (٣).
يُقَال أخفق الْغَازِي إِذا غزا وَلم يغنم أَو لم يظفر.
(١) مشارع الأشواق (ص ٦١٢).
(٢) مسلم (١٩٠٦).
(٣) مسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، وابن ماجه (٢٧٨٥)، وأحمد (٦٥٧٧)، والحاكم
(٧٨/٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٤٥).

٥٢٣
كتاب الجهاد
قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاصي نَ ◌ّهلهما تقدم الكلام علیه.
قوله وَي ((ما من غازية أو سرية تغزو في سبيل الله)) الحديث، والغازية
تأنيث الغازي وهو ههنا صفة لجماعة غازية.
قوله ((أو سرية)) ليس هو من قول الراوي وإنما هو من قول الرسول
صلى الله
علجية
وسلم
أتى به للتقسيم وإثبات الحكم المذكور في القليل منهم والكثير، والسرية
طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو وسموا بذلك لأنهم
يكونون خيار العسكر، من السرى وهو الشيء النفيس كذا في النهاية (١).
قوله ◌َيلة: ((يسلمون ويصيبون إلا تعجلوا ثلثي أجرهم)) الحديث، معنى
الحديث والصواب الذي لا يجوز غيره أن معناه أن الغزاة إذا سلموا وغنموا
يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم وأن الغنيمة هي في
مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم
المرتب على غزوهم وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر (٢) فقد أصاب
مرتبتين من المراتب الثلاثة للغزو وبقي له الثالثة وهي دخول الجنة وهذا
موافق الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله منا من مات ولم
يأكل من أجره شيئا ومنا من [١٧٣ / أ] أينعت له ثمرته فهو يهدبها أي
يجنيها(٣).
(١) النهاية (٢/ ٣٦٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٥٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٥٢).

٥٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال النووي(١): وهذا الذي ذكرناه هو الصواب وهو ظاهر الحديث ولم
يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا فتعين حمله على ما ذكرنا وقد اختار
القاضي عياض(٢) معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالا فاسدة
منها قول من زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز أن ينقص ثوابهم
بالغنيمة كما لم ينقص ثواب أهل بدر وهم أفضل المجاهدين وهي أفضل
غنيمة. وذکر کلاما طويلا لا طائل تحته.
قوله وَالله: ((تخفق وتخوف وتصاب إلا تم لهم أجرهم)) أي تقتل وتهلك
قاله القاضي عياض (٣) الحديث معناه رجعت ولم تغنم شيئا، قال الحافظ (٤)
يقال أخفق الغازي أذا غزا ولم يغنم أو لم يظفر اهـ، وقال أهل اللغة الإخفاق
أن يغزوا فلا يغنم شيئا وكذا كل طالب حاجة إذا لم تحصل فقد أخفق ومنه
إخفاق الصائد إذا لم يقع له صيد فإذا غزا ولم يغنم شيئا وليصاب في نفسه أي
قتل دخل الجنة وأصاب أجور المراتب كلها والله أعلم.
تنبيه: الناس في الغزو على ثلاثة أحوال:
إما أن يغنموا ويسلموا. أو لم يسلموا ولم يغنموا. أو يخفقوا ويصابوا
بقتل أو جراحة ، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة وسلم لهم
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٢).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٩٣/٦).
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٣٣٧).
(٤) فتح الباري لابن حجر (١٦/٦).

٥٢٥
كتاب الجهاد
ثلثا الأجر بمحاربتهم أعداء الله و[الأجر] الكامل إنما يستوفيه من أخفق
وأصیب اهـ
خاتمة: اختلف العلماء أيهما أفضل من قتل في سبيل الله أو غنم ورجع
سالما فالأكثرون على الأول وأما الشيخ عز الدين بن عبد السلام فرجح
الثاني لما فيه من نكاية العدو وبقائه كذلك بخلاف من انقطع فعله فيهم
بالقتل والله تعالى أعلم.

٥٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترهيب من الفرار من الزحف
٢٠٨٣ - عَن أبي هُرَيْرَة رَِّلَّهُ عَنِ النَّبِي وَلِّ قَالَ اجتنبوا السَّبع الموبقات
قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا هن قَالَ الْإِشْرَاك بِالله وَالسحر وَقتل النَّفْس الّتِي حرم الله
إِلَّا بِالْحَقِّ وَأكل الرِّبَا وَأْكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف وَقذف
الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَاتِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد
(١)
وَالنَّسَائِيّ(١).
وَالْبَزَّارِ وَلَفِظُه قَالَ رَسُول الله ◌َّةِ الْكَبَائِرِ سبع أولَاهُنَّ الْإِشْرَاك بِالله وَقتل
النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقّهَا وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والفرار يَوْم الزَّحْف وَقذف
الْمُحْصِنَات والانتقال إِلَى الْأَعْرَاب بعد هجرته(٢).
قوله: عن أبي هريرة زقالله تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َّ ((اجتنبوا السبع الموبقات))، أي: المهلكات.
قوله: قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: ((الشرك بالله والسحر وقتل
النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم
الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)»، أما عده السحر من الكبائر
(١) البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩)، وأبو داود (٢٨٧٤)، والنسائي (٦٤٩٨)، وابن حبان
(٥٥٦١).
(٢) البزار (١٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٣)، وفيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه
شعبة وغيره، ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما.

٥٢٧
كتاب الجهاد
فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير أن السحر حرام من
الكبائر تعلمه وتعلیمه، ذکره النووي(١).
قوله: ((والتولي يوم الزحف))، التولّي: هو الإعراض، والزحف: الجيش
يزحفون إلى العدو أي يمشون نحوهم(٢) ويوم الزحف يوم الجهاد ولقاء
العدو في الحرب ويحرم الانصراف عن الصف إذا لم يزد عدد الكفار على
مثلينا، فإن فَرَّ متحرفًا لقتال أو متحيزا إلى فئة يستنجد بها جاز هذا في حال
الغزوة، أما من عجز بمرض أو نحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف
بكل حال، فالعبد إذا شهد الوقعة بغير إذن سيده فلا يحرم عليه الانصراف،
والنساء إذا شهدن القتال فلا يأثمن بالتولي (٣) والله أعلم.
٢٠٨٤ - وَرُوِيَ عَن ثَوْبَانِ رََّهُ عَنِ النَِّ نَِّ قَالَ ثَلَاثَة لا ينفع مَعَهُنَّ عمل
الشّرك بِالله وعقوق الْوَالِدين والفرار من الزَّحْف رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير (٤).
قوله: وعن ثوبان ظُهُ، تقدم الكلام على ثوبان.
قوله وَالر: ((ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين،
والفرار من الزحف))، تقدم الكلام على ذلك.
(١) شرح النووي على مسلم (٨٨/٢).
(٢) النهاية (٢/ ٢٩٧).
(٣) النجم الوهاج (٣٢٩/٩-٣٣١).
(٤) الطبراني في الكبير (١٩٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١ /١٠٤)، وفيه یزید بن
ربيعة، ضعيف جدا. وقال الألباني ضعيف جدا، في ضعيف الجامع (٢٦٠٦).

٥٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٠٨٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََِّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ مِن لَقِي الله عز وجل
لَا يُشْرك بِهِ شَيْئًا وَأدّى زَكَاة مَاله طيبة بهَا نَفسه محتسبا وَسمع وأطاع فَلهُ
الْجِنَّةِ أَو دخل الْجِنَّة وَخَمْس لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَة الشّرك بِالله وَقتل النَّفْسِ بِغَيْرِ
حق وبهت مُؤمن والفرار من الزَّحْف وَيَمِين صابرة يقتطع بهَا مَالا بِغَيْر حق
رَوَاهُ أَحْمد وَفِيهِ بَقِيَّةٌ بِنِ الْوَلِيد(١).
قوله: وعن أبي هريرة زقالله، تقدم الكلام عليه.
قوله وَليّة: ((من لقي الله عز وجل لا يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها
نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة)) تقدم الكلام عليه في الزكاة.
قوله وَّة: ((خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله وقتل النفس بغير حق
و[بهت] مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق))
سیأتي الكلام على ذلك في بابه.
قوله: [١٧٣/ ب] وفيه بقية بن الوليد، وبقية بن الوليد [أحد الأعلام ثقة
عند الجمهور لكنه مدلس ، قال النسائي: وغيره إذا قال حدثنا أو أخبرنا فهو
ثقة وقال أحمد هو أحب إلي من إسماعيل بن عياش، وروى له مسلم في
صحيحه شاهدا حدیث ((من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب)) لم يرو له غيره
وفيه كلام كثير مبسوط في كتب الرجال ].
(١) أحمد (٨٧٣٧)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢٧٨)، وابن أبي حاتم في العلل (٣٣٩/١)
(ح ١٠٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٨٤).

٥٢٩
كتاب الجهاد
٢٠٨٦ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو رَّوَّهَا قَالَ صعد رَسُول اللهِ وَّهِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ
لا أقسم لا أقسم ثمَّ نزل فَقَالَ أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا من صلى الصَّلَوَات الْخمس
واجتنب الْكَبَائِرِ دخل من أَي أَبْوَابِ الْجِنَّةَ شَاءَ قَالَ الْمطلب سَمِعت رجلا
يسْأَل عبد الله بن عَمْرو أسمعت رَسُول اللهِ وَّه يذكرهن قَالَ نعم عقوق
الْوَالِدِين والشرك بالله وَقتل النَّفْس وَقذف الْمُحْصنَاتِ وَأكل مَال الْيَتِيم
والفرار من الزَّحْف وَأكل الرِّبَا رَوَاهُ الطََّرَانِيّ وَفِي إِسْنَادِهِ مُسلم بن الْوَلِيد بن
الْعَبَّاس لا يحضرني فِيهِ جرح وَلَا عَدَالَةٍ (١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو أَقُّهَا، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّ: ((من صلى الصلوات الخمس واجتنب الكبائر، قَالَ الْمُطَّلِّبُ:
سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَذْكُرُ هُنَّ؟،
قَالَ: نَعَمْ: ((عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ،
وَأَكْلُ مَالِ الْيَِّيمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا)»
[قوله: وفي إسناده (مسلم بن الوليد بن العباس].
٢٠٨٧ - وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ◌ََّهُ عَن أبيه عن جده
أَن رَسُول الله وَّهِ كتب إِلَى أهل اليمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات
فَذكر فِيهِ وَإِن أكبر الْكَبَائِرِ عِنْدِ الله يَوْمِ الْقِيَامَة الْإِشْرَاكِ بِالله وَقتل النَّفس
(١) الطبراني في الكبير (١٤٥٨٧)، وابن بشران في أماليه (٤٣٦)، والفاكهي في حديثه (١٣٧)،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٠٤)، وفيه مسلم بن الوليد بن العباس، ولم أر من
ذكره.

٥٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المؤمنة بِغَيْرِ الْحق والفرار فِي سَبِيل الله يَوْمِ الزَّحْف وعقوق الْوَالِدین وَرمي
المحصنة وَتعلم السحر وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيمِ الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان
فِي صَحِیحه(١).
قوله: وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده [أبو بكر
بن محمد بن عمرو ابن حزم، أنصارى مدنى من تابعى التابعين، وثقات
المسلمين وأئمتهم، يقال: اسمه كنيته لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه أبو بكر،
وكنيته أبو محمد. واتفقوا على توثيقه، وإمامته، وجلالته، قال محمد بن
سعد: كان ثقة، كثير الحديث، توفى بالمدينة سنة عشرين ومائة، وهو ابن أربع
وثمانين سنة (٢)، وأبوه هو أبو عبد الملك، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو
القاسم محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان، المدنى. ولد فى حياة
رسول الله وَ له بنجران، وأبوه عامل عليها لرسول الله وَّةٍ، وهو من كبار
التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، له عقب بالمدينة وببغداد،
قتل يوم الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين، وكان فقيها، فاضلا من صالحى
المسلمين(٣)، وجده هو أبو الضحاك، ويقال: أبو محمد عمرو بن حزم بن
زيد بن لوزان، بفتح اللام وإسكان الواو بذال معجمة، ابن عمرو بن عبد
عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدنى،
(١) ابن حبان (٦٥٥٩).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٩٥/٢ - ١٩٦ ترجمة ٧٣٩).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٨٩/١ ترجمة ٢١).

٥٣١
كتاب الجهاد
وقيل فى نسبه غير هذا، أول مشاهده مع رسول الله - وَالله - الخندق،
واستعمله رسول الله وَ ل على نجران باليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وبعث
معه كتابا فيه الفرائض، والسنن، والصدقات، والجروح، والديات، وكتابه
هذا مشهور فى كتب السنن. توفى بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثلاث، وقيل:
أربع وخمسين(١)].
قوله: أن رسول الله وَّلل كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن
والديات فذكر فيه وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله وقتل
النفس المؤمنة بغير حق والفرار في سبيل الله يوم الزحف وعقوق الوالدين
ورمي المحصنات وتعلم السحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم)) الحديث،
الكبائر جمع كبيرة، وهي: ما كان حراما محضا شرع عليها عقوبة محضة
بنص قاطع في الدنيا أو في الآخرة(٢)، وقيل: كل صغيرة جاءت مخالفة لأمر
الله تعالى فهي كبيرة، قال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة (٣) [وقالت
طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما
لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة، وقيل: کل ما ترتب عليه حد في الدنيا
أو وعيد في الآخرة، فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا، فهو صغيرة
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦/٢ ترجمة ٤٤٨).
(٢) التعريفات للجرجانى (ص ١٨٣).
(٣) تفسير الطبرى (٦/ ٦٥٠) وشعب الإيمان (٤٦٢/١-٤٦٣ رقم ٢٨٨) و(٣٤٩/٩ رقم
٦٧٤٩).

٥٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
، وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه
في شريعة دون شريعة فهو صغيرة ، وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو
كبيرة، وقيل: كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ
مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾(١)، وقالت طائفة الذنوب كلها
بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره، كبائر، فالنظر
إلى من عصى أمره وانتهك محارمه، يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر،
وهي مستوية في هذه المفسدة](٢)، وسيأتي الكلام على كل واحدة من الكبائر
المذكورة في الحديث في بابها إن شاء الله تعالى.
٢٠٨٨ - وَعَن عبيد بن عُمَيْرِ اللَّيْتِيّ عَن أَبِه قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ نَّهِ فِى
حَجَّة الْوَدَاعِ إِن أَوْلِيَاء الله المصلون وَمن يُقيم الصَّلَوَات الْخمس الَّتِي كتبهن
الله عَلَيْهِ ويصوم رَمَضَان ويحتسب صَوْمِه وَيُؤْتِى الزَّكَاة محتسبا طيبة بهَا نَفسه
ويجتنب الْكَبَائِرِ الَّتِي نهى الله عَنْهَا فَقَالَ رجل من أَصْحَابِه يَا رَسُول الله وَكم
الْكَبَائِرِ قَالَ تسع أعظمهن الْإِشْرَاك بِالله وَقتل الْمُؤمن بِغَيْر حق والفرار من
الزَّحْف وَقذف المحصنة وَالسحر وَأكل مَال الْيَتِيمِ وَأكل الرِّبَا وعقوق
الْوَالِدِينِ الْمُسلمين وَاسْتِخْلَال الْبَيْتِ الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتا لَا يَمُوت
رجل لم يعْمل هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرِ وَيُقِيم الصَّلَاة ويؤتي الزَّكَاة إِلَّا رافق مُحَمَّدًا وَه
(١) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٢) انظر: الجواب الكافي (ص ٢٩٢ -٢٩٤)، شرح عقيدة الطحاوية ص ٤١٨، والزواجر
(١٢/١- ١٣).

٥٣٣
كتاب الجهاد
فِي بحبوحة جنَّةٌ أَبْوَابَهَا مصاريع الذَّهَب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاه
حسن(١).
بحبوحة الْمَكَان بحاءين مهملتين وياءين موحدتين مضمومتين هُوَ وَسطه
قَالَ الْحَافِظُ كَانَ الشَّافِعِي ◌ََّ يَقُولِ إِذا غزا الْمُسلِمُونَ فَلَقوا ضعفهم من
الْعَدو حرم عَلَيْهِمْ أَن يولوا إِلَّ متحرفين لقِتَال أَو متحيزين إِلَى فِتَة وَإِن كَانَ
الْمُشْرِكُونَ أَكثر من ضعفهم لم أحب لَهُم أَن يولوا وَلَّا يستوجبون السخط
عِنْدِي من الله لَو ولوا عَنْهُم على غير التحرف لِلْقِتَالِ أَو التحيز إِلَى فِئَة وَهَذَا
مَذْهَب ابْن عَبَّاس الْمَشْهُور عَنْهُ(٢).
قوله: وعن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه [هو أبو عاصم، عبيد بن عمير بن
قتادة بن سعد بن عامر الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول
الله - وَّ-، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر، وأبا ذر،
وعبد الله بن عمرو بن على توثيقه، أخرج له الجماعة، وأبوه صحابى ذكره
البرقي وقال له حديثان].
قوله وَّل: ((إن أولياء الله المصلون ومن يقيم الصلوات)) فذكر الحديث إلى
أن قال ((ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها)»، فقال رجل من أصحابه: یا
رسول الله وكم الكبائر؟ قال: ((تسع أعظمهن الإشراك بالله وقتل المؤمن بغير
(١) الطبراني في المعجم الكبير (١٠١)، والحاكم (٥٩/١)، والبيهقي (١٨٦/١٠)، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٨/١)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(٢) الأم، للإمام الشافعي (٤ / ٩٢).

٥٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حق والفرار من الزحف وقذف المحصنة والسحر وأكل مال اليتيم وأكل
الربا وعقوق الوالدين واستحلال البيت الحرام))، تقدم في حديث أبي هريرة
في أول الباب أن الكبائر سبع، وفي حديث أبي بكر بن محمد بن حزم عدها
ثمانية، وفي حديث عبيد بن عمير عدها تسعا(١).
قوله: ((والفرار من الزحف)) قال الحافظ (٢): كان الشافعي رحمه الله يقول:
إذا غزا المسلمون فلقوا ضِعفهم (ضِعف الشيء: مثلاه) من العدو حرم
عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإن كان المشركون
أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا يستوجبون السخط عندي من الله
لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، وهذا مذهب ابن
عباس المشهور عنه، ا.هـ.
قال غيره: اعلم أن الفرار من الزحف حيث لا يجوز من أعظم كبائر
الذنوب عند الله تعالى بإجماع العلماء وفعله مستحق لغضب الله ومقته وأليم
عذابه، وقد ورد في الترهيب من ذلك والتحذير من فعله جملة أحاديث(٣)،
واعلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية على الإنسان ثم حضر الصف صار
عليه فرض عين وحرم عليه الفرار، وإنما يحرم الفرار إذا لم يزد عدد الكفار
على المسلمين فإن فر متحيزا القتال كمن ينصرف ليكمن في موضع ويهجم
(١) بياض في الأصل بمقدار سطرين .
(٢) أى المنذرى .
(٣) مشارع الأشواق (ص ٥٦٦).

٥٣٥
كتاب الجهاد
أو يكون [١٧٤ / أ] في مضيق فينصرف فيتبعه العدو لمتسع يسهل القتال فيه
أو يتحول من مقابلة الشمس والريح ونحو هذا جاز وسواء كانت تلك الفئة
قليلة أو كثيرة قريبة أو بعيدة على الصحيح، ومن عجز بمرض ونحوه أو لم
يبق معه سلاح فله الانهزام كما تقدم إن لم يمكنه الرمي بالحجارة فإن أمكنه
الرمي بالحجارة حرم عليه الانهزام على الأصح وإن زاد عدد الكفار على
المثلين جاز الانهزام وإن كانوا رجالة والمسلمون فرسانا، فلو كان
المسلمون رجالة والكفار فرسانا حرمت الهزيمة، ويحرم انهزام مائة بطل من
مائتين وواحد ضعفاء على الأصح لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا وإنما يراعي
العدد عند تقارب الأوصاف والله أعلم، ذكره ابن النحاس عفا الله عنه(١).
(١) مشارع الأشواق (ص ٥٦٩).

٥٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في الغزاة في البحر وأنها أفضل من عشر غزوات في البر
٢٠٨٩ - عَن أنس رَ ◌ّهُ أَن رَسُول الله وَّلِ كَانَ يدْخل على أم حرَام بنت
ملْحَان فتطعمه وَكَانَت أم حرَامٍ تَحت عبَادَة بن الصَّامِت ◌َوَّهُ فَدخل عَلَيْهَا
رَسُول الله ◌َّهِ فأطعمته ثمَّ جَلَست تفلي رَأْسه فَنَامَ رَسُول الله ◌َّهِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ
وَهُوَ يضْحِك قَالَت فَقلت يَا رَسُول الله مَا يضحكك قَالَ نَاس من أمتِي
عرضوا عَليّ غزَاة فِي سَبِيل الله يركبون ثبج هَذَا الْبَحْر ملوكا على الأسرة أَو
مثل الْمُلُوك على الأسرة قَالَت فَقلت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَنِي مِنْهُم
فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وضع رأسه فَنَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يضْحك قَالَت فَقلت مَا
يضحكك يَا رَسُول الله قَالَ نَاس من أمتِي عرضوا عَليّ غزَاة فِي سَبِيل الله
كَمَا قَالَ فِي الأولى قَالَت فَقلت يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ
أَنْت من الأَوَّلين فركبت أم حرَام بنت ملْحَان الْبَحْرِ فِي زمن مُعَاوِيَة
فصرعت عَن دابتها حِين خرجت من الْبَحْرِ فَهَلَكَت ◌َوَلَّهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَمُسلم وَاللَّفْظِ لَهُ(١).
قَالَ المملي رَوَلَّهُ كَانَ مُعَاوِيَة رََِّّهُ قد أغزى عبَادَة بن الصَّامِت قبرس
فَركب الْبَحْرِ غازيًا وَركبت مَعَه زوجته أم حرَام.
(١) البخاري (٢٧٨٨)، وفي الأدب المفرد (٩٥٢)، ومسلم (١٩١٢)، وأحمد (١٣٧٩٠)،
وأبو داود (٢٤٩١)، والترمذي (١٦٤٥)،.

٥٣٧
كتاب الجهاد
ثبج الْبَحْرِ هُوَ بِفَتْحِ الَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْبَاء الْمُوَحِدَة بعدهمَا حِيمٍ مَعْنَاهُ وسط
الْبَحْر ومعظمه.
قوله: عن أنس رَقْوَهُ، تقدم الكلام على أنس زَّ لَ.
قوله: أن رسول الله ولو كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، الحديث،
ملحان: بكسر الميم وإسكان اللام، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام،
وأم حرام بفتح الحاء والراء المهملتين وبعد الألف ميم، قيل: اسمها
الرميصاء، وقيل: غير ذلك، وهي أخت أم سليم أم أنس بن مالك زوجة أبي
طلحة الأنصاري، وقيل: النمري، لم أقف لها على اسم صحيح وهي
أنصارية نجارية خالة أنس بن مالك نسبً وخالة رسول الله وَخلال رضاعا،
واتفق العلماء على أن أم حرام كانت محرما لسيدنا رسول الله وَّة، واختلفوا
في ذلك فقال ابن عبد البر(١) وغيره كانت إحدى خالاته من الرضاع، وقال
آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني
النجار وكان رسول الله وَ﴾ يأتيها زائرا والزيارة من صلة الرحم وكانت أم
حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله وَيقر فأطعمته ثم
جلست تفلي رأسه، الحديث، قال المنذري في حواشي مختصر سنن أبي
داود: ظاهره أنه كان زوجها حين نام النبي ◌َّ غير أنه جاء في الحديث الآخر
ما يبين ذلك وأن عبادة بن الصامت تزوجها بعد ذلك فأخبر الابن في
(١) ينظر الاستذكار (١٢٤/٥) والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٢٢٢/١٦).

٥٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث الأول عن حالها بعد لا فى ذلك الوقت، وفسره في الثاني (١)، ا.هـ.
فتحمل الرواية الأولى على موافقة الثانية ويكون قد أخبر عما صار حالها
بعد ذلك، وقوله ((ثم جلست تغلي رأسه)) تفلي بفتح التاء وإسكان الفاء
وكسر الميم فيه جواز فلي الرأس وقتل القمل منه ومن غيره، قال النووي (٢).
قال أصحابنا قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب وفيه جواز ملامسة
المحرم في الرأس وغيره مما ليس بعورة وجواز الخلوة بالمحرم والنوم
عندها وهذا كله مجمع عليه، ا.هـ وما نقله في الإجماع في المسائل الثلاث
صحيح، وما ذكره من الاتفاق على أن أم حرام كانت محرما له وَّ ليس
بصحيح ومن أحاط علما بنسب النبي وَّ ونسب أم حرام علم أنه ليس
محرما لها وقد بين ذلك الحافظ شرف الدين الدمياطي في جزء مفرد ٣°أما
الجواب عن قصة أم حرام فهو أن النبي ◌َّ لم يكن يفعل ذلك مع كل أحد
لكن أم حرام لها خصوصية فلذلك كان يقيل عندها وتفلي رأسه ◌َّة، وأيضًاً
فقد صح أن أبا بكر قبل خد عائشة وهي نائمة، وكان قد دخل عليها وهي
مضطجعة أصابتها حمى فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها، وفي رواية: أن
فاطمة كانت إذا دخلت على رسول الله وَّخلال قام إليها ورحب بها وأخذ بيدها
فقبلها وأجلسها في مجلسه، وقال مالك: ولا بأس أن يقبل الرجل خد ابنته
(١) إكمال المعلم (٣٤٠/٦-٣٤١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٥٨/١٣).
(٣) خصائص النبي ◌ُ لو لابن الملقن (ص ٢٢٠-٢٢١).

٥٣٩
كتاب الجهاد
وَلَا يُقَبِّلُ خَدَّ ابْنِهِ ولا غيره لأنه لم يكن من فعل الماضين(١)، وقال
النووي (٢): وفي الحديث جواز أكل الضيف عند الأمة المزوجة [١٧٤/ب].
قوله: إلا أن يعلم أنه من مال الزوج ويعلم أنه يكره أكله من طعامه.
قوله: فنام رسول الله وَّ ثم استيقظ إلى آخره، هذا الضحك مرحا وسروراً
بكون أمته تبقى بعده متظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر (٣)،
وسروره بما يفتح الله عليهم في الدنيا وما يجب لهم من الأجر في الآخرة (٤).
قوله وثيقة: ((ثبج هذا البحر)) معناه: وسط البحر ومعظمه، قاله المنذري،
وقال غيره: هو ظهره ووسطه(٥).
قوله: (( مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ: مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، شَكَّ إِسْحَاقُ))
ابن عبد الله أنه قال: ملوكًا أو مثل الملوك . والأسرة: جمع سرير شبههم
بالملوك لفضل الجهاد في سبيل الله، وقيل: هو صفتهم في الآخرة إذا دخلوا
الجنة كما قال الله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾﴾(٦) و﴿عَلَى الْأَرَابِكِ
مُتَّكِئُونَ﴾ (٧)، وقيل: يحتمل أن يريد حالهم في الدنيا من ركوب البحر
(١) قضاء أرب في أسئلة حلب (ص ٢٥٦-٢٥٨) للسبكى.
(٢) شرح النووي على مسلم (٥٨/١٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٥٨/١٣).
(٤) إكمال المعلم (٣٣٨/٦).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٣ /٥٨).
(٦) سورة الواقعة، الآية: ١٦.
(٧) سورة يس، الآية: ٥٦.

٥٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مراكب الغزاة أو الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم وكثرة عددهم وجودة
آلاتهم فكأنهم الملوك على أسرتهم وهذا هو الأصح(١).
قوله: فقالت أم حرام: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم فدعا
لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، إلى قوله: فقلت يا رسول
الله: ادع الله أن يجعلني منهم! قال: ((أنت من الأولين))، ومعنى قوله ((أنت من
الأولين)) أي: لا تركبين البحر ثانيً، وكان النبي ◌َّو قد دعا لها في الأولى فهذا
يدل على أن عرض فيها عليه غير الطائفة الأولى، ففي هذا الحديث دليل على
جواز الركوب في البحر للجهاد، ولسرور النبي وَّ بما عرض عليه من ذلك،
وفيه دليل على أن رؤياه الثانية غير الأولى فيه وجه من إعلام نبوءته وَلا أخبر
بها ګ قبل وقوعها فكانت كما أخبر، منها جهاد أمته في البحر وضحكه دلیل
على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم، وفيه معجزات للنبي وَّ منها إخباره
ببقاء أمته بعده وأنه يكون لهم شوكة وقوة وعدد وأنهم يغزون وأنهم يركبون
البحر وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان وأنها تكون معهم وقد وجد بحمد
الله تعالى كل ذلك وفيه فضيلة لتلك الجيوش وأنهم غزاة في سبيل الله(٢).
قوله: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها
حين خرجت من البحر فهلكت زَالَّهَا، الحديث، قال الحافظ(٣) - رحمه الله -:
(١) إكمال المعلم (٣٣٩/٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (٥٨/١٣-٥٩).
(٣) أى المنذرى .