Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
كتاب الحج
المشهور فيه المد والتذكير والصرف (١) وهو قرية عرفت باسم بئر هناك وبها
مسجد التقوى وهو على ثلاثة أميال من المدينة عواليها وما حواليها والأصحاب
ذكروا تفضيل المساجد الثلاث على سائر المساجد ولم يذكروا في مسجد قباء
وينبغي أن يتعين بالنذر للاعتكاف فيه(٢) كما يتعين المسجد الأقصى ومسجد
مكة والمدينة، قاله ابن العماد(٣)، وذكر ابن عبد البر(٤) والقاضي عياض(6) أن
أدناها ميلان وأبعدها ثمانية فليست مما يشد إليها(٦) [١٣٤ / أ] الرحال فلا
يتناولها الحديث المشهور المذكور في الباب في ذلك والظاهر أنه من جملة
العوالي فإنها القرى التي حول المدينة من جهة أعلاها، وفي هذه الأحاديث بيان
فضل قباء وفضل مسجده والصلاة فيه وفضيلة زيارته(٧).
واتفق العلماء على استحباب زيارته والصلاة فيه، وهكذا جميع المواضع
الفاضلات يستحب زيارتها راكبا وماشيا (٨) وكونه عليه الصلاة والسلام يأتيها
يأتيها راكبا وماشيا بحسب ما اتفق له وكان تعاهده لقباء لفضيلة مسجدها،
ولتفقد أهلها اعتناء بهم وتشريفا لهم وليس في تعاهده عليّاها مسجد قباء ما
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٠).
(٢) النجم الوهاج (١٠/ ١٢٣).
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٤).
(٤) ينظر: التمهيد (٢٠٥/٨).
(٥) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (١٧٦/٤).
(٦) اللوحة ١٣٣ تكرار للوحة ١٣٢.
(٧) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٠)
(٨) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٠)
٢٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يدل على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه محمد بن مسلمة
المالكي (١) وفي هذا الحديث أنه يستحب أن تكون صلاة النفل بالنهار ركعتين
كصلاة الليل وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وفيه خلاف أبي حنيفة(٢).
وقوله: ((كل سبت)) فيه جواز تخصيص بعض الأيام بالزيارة وهذه هو
الصواب وقول الجمهور أ.هـ قاله النووي (٣)، وأصل مذهب الإمام مالك
كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من القرب إلا ما ثبت به توقيف (٤)
فلذلك كرهه ابن مسلمة المالكي، وقالوا: لعله لم تبلغه هذه الأحاديث(٥) أ.هـ
قاله ابن عقیل.
وقوله: ((كل سبت)) معنى هذا أنه كان يزوره في كل أسبوع وعبر بالسبت
عن الأسبوع كما يعبر عنه بالجمعة ذكره أبو شامة المقدسي في كتابه في البدع
المحدثة (٦) وهو أحد شيوخ الشيخ محي الدين النووي هكذا قاله قاضي
القضاة العسقلاني الشهير بابن حجر تغمده الله بالرحمة والرضوان.
١٨٤٨ - وَعَن عامر بن سعد وَعَائِشَة بنت سعد سمعا أباهما زَّوَهُ يَقُول
لِأَن أُصَلِّي فِي مَسْجِد قبَاء أحب إِلَيّ من أَن أُصَلِّي فِي مَسْجِد بَيَتِ الْمُقَدّس
(١) المفهم (٤٨/١١)
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧١).
(٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧١).
(٤) المفهم (١١ / ٤٨).
(٥) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧١).
(٦) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٥٣).
٢٠٣
كتاب الحج
رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمًا(١).
قوله: وعن عامر بن سعد وعائشة بنت سعد، هو: سعد بن أبي وقاص.
قوله: أنهما سمعا أباهما رَّالَّهُ يقول: لأن أصلي في مسجد قباء أحب إلي
من أن أصلي في مسجد بيت المقدس، تقدم الكلام على مسجد بيت
المقدس في الأحاديث المتقدمة.
١٨٤٩ - وَعَن ابْن عمر رَّوََّا أَنْه شهد جَنَازَة بالأوساط فِي دَار سعد بن
عِبَادَة فَأقبل مَاشِيا إِلَى بني عَمْرو بن عَوْفٍ بِفْنَاء الْحَارِث بن الْخَزْرَج فَقيل لَهُ
أَيْنِ تؤم يَا أَبًا عبد الرَّحْمَن قَالَ أَوْمِ هَذَا الْمَسْجِدِ فِي بني عَمْرو بن عَوْفٍ فَإِنِّي
سَمِعت رَسُول الله {َ ل﴿ يَقُول من صلی فِيهِ كَانَ كَعدْل عمْرَة رَوَاهُ ابن حبان فِي
صَحِيحه(٢).
قوله: وعن ابن عمر زَقْريّهنا، تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله: أنه شهد جنازة بالأوساط في دار سعد بن عبادة فأقبل ماشيا إلى بني
عمرو بن عوف بفناء الحارث بن الخزرج، الأوساط اسم [موضع تلقاء
الحديبية].
قوله: فقيل له أين تؤم يا أبا عبد الرحمن، أي تقصد.
١٨٥٠ - وَعَن جَابر يَعْنِي ابْن عبد الله ◌َّهَا أَنْ النَّبِيِ نَّهِ دَعَا فِي مَسْجِد
الْفَتْحِ ثَلَاثًا يَوْمِ الإِثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء وَيَوْم الْأَرْبَعَاء فاستجيب لَهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء
(١) الحاكم (١٢/٣)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يرخاه، ووافقه الذهبي.
(٢) ابن حبان (١٦٢٧).
٢٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بَين الصَّلَاتَيْنِ فَعرف الْبشر فِي وَجهه قَالَ جَابر فَلم ينزل بِي أَمر مُهِمّ غليظ إِلَّا
توخيت تِلْكَ السَّاعَة فأدعو فِيهَا فأعرف الْإِجَابَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَغَيرِهمَا
وَإِسْنَاد أَحْمد جيد(١).
قوله: وعن جابر يعني ابن عبد الله، تقدم الكلام على جابر.
قوله: أن النبي وَلّ دعا في مسجد الفتح أي على الأحزاب ثلاثا يوم الاثنين
ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين))
الحديث، يعني الظهر والعصر، والمعنى فيه: ان أبواب السماء تفتح بعد
زوال الشمس فلا ترتج أي لا تغلق حتى يفرغ من الصلاة، كذا رواه أبو أيوب
الأنصاري عنه وَّة، وإذا فتحت أبواب السماء استجيب الدعاء ولهذا أمر
النبي وَّ أصحابه بالدعاء وأمرهم أن يسألوا الله العافية، قال الإمام القرطبي
رحمه الله تعالى(٢): وقد ورد حديث خاص باستجابة الدعاء يوم الأربعاء بعد
الزوال أو أثر عن بعض الصحابة والله أعلم قاله ابن العماد.
قوله: قال جابر فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو
فيها فأعرف الإجابة)) التوخي التحري وتقدم معناه في الصوم المطلق.
(١) أحمد (١٤٥٦٣)، والبزار (٤٣١)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٠٤)، والبيهقي في
شعب الإيمان (٣٨٧٤)، والمقدسي في الترغيب في الدعاء (٤٧)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (١٢/٤)، رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) ينظر: تفسير القرطبي (٤١٤/٢).
٢٠٥
كتاب الحج
الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات
وما جاء في فضلها وفضل أحد ووادي [القرى]
قَالَ الْحَافِظِ تقدم فِي الْبَاب قبله مِمَّا يَنْتَظِم فِي سلكه وَیقرب مِنْهُ حَدِيث
بِلَال بن الْحَارِثِ رَمَضَان بِالْمَدِينَةِ خير من ألف رَمَضَان فِيمَا سواها من
الْبِلدَانِ وجمعة بِالْمَدِينَةِ خير من ألف جُمُعَة فِيمَا سواها من البلدَانِ.
وَحَدِيث جَابر أَيْضًا وَفِيهِ إِلَّا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
١٨٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَيِّ قَالَ لَا يصبر على لأواء
الْمَدِينَة وشدتها أحد من أمتِي إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة أَو شَهِيدا رَوَاهُ
مُسلم وَالتِّرْ مِذِيّ وَغَيرهمَا(١).
١٨٥٢ - وَعَن أبي سعيد رََّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول لا يصبر
أحد على لأوائها إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة إِذا کَانَ مُسلما رَوَاهُ
(٢)
مُسلم (٢).
اللأواء مهموزا ممدودا هِيَ شدَّة الضّيق.
قوله: وعن أبي هريرة رقّته، تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وله: ((لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي)) الحديث،
(١) مسلم (١٣٧٨)، والترمذي (٣٩٢٤)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأحمد
(٧٨٦٥)، وابن حبان (٣٧٤٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٦٩).
(٢) مسلم (١٣٧٤).
٢٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال المنذري: اللأواء مهموز ممدود هي شدة الضيق أ.هـ.
وقال غيره: اللأواء هو الجوع وشدة الكسب فيها والمشقات الحاصلة
للمقيم بها(١) فيستحب المجاورة بالمدينة لما [١٣٤ / ب] يحصل من ذلك
من نيل الدرجات ومزيد الكرامات قاله الزركشي (٢).
قوله: ((إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيداً)) وفي حديث أبي سعيد
الذي بعده: ((إذا كان مسلما)) فيكون المعنى أن الصابر على شدة المدينة
صنفان: من يشفع له النبي وَّ من العصاة ومن يشهد له بما نال فيها من
الشدة ليوفي أجره، وشفاعته وَّه وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن
العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص، وذلك والله أعلم بأن يشفع لهم
قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم أو يشفع في رفع درجاتهم أو في السبق إلى
الجنة أو فيما شاء الله من ذلك(٣)، أ.هـ.
وقال في شرح مشارق الأنوار(٤) القول الأقوم في هذا الحديث أن (أو)
للتقسيم لا على الشك من بعض الرواة والمراد منه على هذا كنت شفيعا
لبعضهم شهيدا لبعضهم وهو الذي وفى الله تعالى بعهده والرسول وَلو لا
يشهد إلا لمن هذه صفته ويشهد على سائر أمته بالبلاغ وإن ذهب ذاهب إلى
(١) المفهم (٢٩/١١).
(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٢٤٥).
(٣) المفهم (١١/ ٣٠).
(٤) حدائق الأزهار (لوحة ١٦٩/ خ ٨٧٧٨١ كتبخانة) للأرزنجانى.
٢٠٧
كتاب الحج
أن أو بمعنى الواو لورود الرواية أيضا بالواو فالتأويل أن يقال: إنه أشار إلى
اختصاص أهل المدينة بالجمع بين الفضيلتين الشهادة والشفاعة كذا في
الميسر(١)، وقال ابن عقيل في شرح الأحكام والمراد به أن يكون شاهدا لأهل
الطاعة شفيعا لأهل المعصية (٢).
فإن قيل: شفاعته عامة في العصاة فما وجه اختصاص أهل المدينة بذلك؟
قلنا: يجوز أن يكون وجه اختصاصهم حمايتهم من دخول النار بالكلية
بخلاف غيرهم فإنهم يعذبون ثم يخرجون بالشفاعة أ.هـ.
قال القاضي عياض(٣) رحمه الله تعالى: سُئِلْتُ قَدِيمًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ
وَلِمَ خُصَّ سَاكِنُ الْمَدِينَةِ بِالشَّفَاعَةِ هُنَا مَعَ عُمُومٍ شَفَاعَتِهِ وَّهِ وَادِّخَارِهِ إِيَّهَا؟
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابٍ شَافٍ مُقْنِعٍ فِي أَوْرَاقِ اعْتَرَفَ بِصَوَابِهِ كُلُّ وَاقٍِ عَلَيْهِ،
قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا (أَوْ)) هُنَا لِلشَّكِّ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ وْ لِأَنَّ
هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ جَابِرٌ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وجماعة كثيرة من الصحابة عن
النبيِ وَّةِ بهذا اللفظ وَيَبْعُدُ اتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ أَوْ رُوَاتِهِمْ عَلَى الشَّكِّ وَيُطَابِقُهُمْ
فِيهِ عَلَى صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَِّ قَالَهُ هَكَذَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِهَذِهِ
الْجُمْلَةِ هَكَذَا، وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ ((أَوْ)) لِلتَّقْسِيمِ وَيَكُونُ شَهِيدًا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
(١) الميسر (٦٤٥/٢-٦٤٦).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٣٦/٩)، وحدائق الأزهار (لوحة ١٦٩/ خ ٨٧٧٨١
كتبخانة) للأرزنجانى.
(٣) إكمال المعلم (٤/ ٤٨٢-٤٨٣).
٢٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَشَفِيعًا لِبَاقِيهِمْ، إِمَّ شَفِيعًا لِلْعَاصِينَ وَشَهِيدًا لِلْمُطِيعِينَ، وَإِمَّا شَهِيدًا لِمَنْ
مَاتَ فِي حَيَاتِهِ وَشَفِيعًا لِمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ رَائِدَةٌ
عَلَى الشَّفَاعَةِ لِلْمُذْنِينَ أَوْ لِلْعَاصِينَ فِي الْقِيَامَةِ، وَعَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى جَمِيعِ
الْأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ وَّهِ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: (أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ) فَيَكُونُ
لِتَخْصِيصِهِمْ بِهَذَا كُلِّهِ مَزِيَّةٌ وَزِيَادَةُ مَنْزِلَةٍ وَحُظْوَةٌ، قَالَ: وَيحتمل أن تَكُونُ
(أَوْ)) بِمَعْنَى الْوَاوِ فَيَكُونُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ شَفِيعًا وَشَهِيدًا. قَالَ وَقَدْ رُوِيَ إِلَّا
كنت له شهيدا أوله شَفِيعًا قَالَ وَإِذَا جَعَلْنَا أَوْ لِلشَّكِّ كَمَا قَالَهُ الْمَشَايِخُ فَإِنْ
كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَهِيدًا انْدَفَعَ الإِعْتِرَاضُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ
الْمُدَّخَرَةِ الْمُجَرَّدَةِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ الصَّحِيحَةُ شَفِيعًا فَاخْتِصَاصُ أَهْل
الْمَدِينَةِ بِهَذَا مَعَ مَا جَاءَ مِنْ عُمُومِهَا وَادِّخَارُهَا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ أَنَّ هَذِهِ شَفَاعَةٌ
أُخْرَى غَيْرُ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ لِإِخْرَاجِ أُمَّتِهِ مِنَ النَّارِ وَمُعَافَاةِ بَعْضِهِمْ مِنْهَا
بِشَفَاعَتِهِ نَّهِ فِي الْقِيَامَةِ وَتَكُونُ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ
أَوْ تَخْفِيفِ الْحِسَابِ أَوْ بِمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بِإِكْرَامِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَاع
مِنَ الْكَرَامَةِ كَإِوَائِهِمْ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ أَوْ كَوْنِهِمْ فِي رَوْحِ وَعَلَى [١٣٥/أ]
مَنَابِرَ أَوَ الْإِسْرَاعِ بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِ الْكَرَامَاتِ الْوَارِدَةِ
لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَاللهُ أَعْلَمُ أ.هـ
قوله: في قتلى أحد ((أنا شهيد)) والشهيد بمعنى الشاهد، والشفاعة هي
السؤال في التجاوز عن الذنوب.
٢٠٩
كتاب الحج
١٨٥٣ - وَعَن سعد زَوَ أَن رَسُول الله ◌َّةٍ قَالَ إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي
الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها أَو يقتل صيدها وَقَالَ الْمَدِينَةِ خير لَهُم لَو كَانُوا
يعلمُونَ لَا يَدعهَا أحد رَغْبَةٍ عَنْهَا إِلَّا أبدل الله فِيهَا من هُوَ خير مِنْهُ وَلَا يثبث
أحد على لأوائها وجهدها إِلَّ كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا يَوْم الْقِيَامَة.
وَزَادٍ فِي رِوَايَةٍ وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بِسوء إِلَّا أذابه الله فِي النَّار ذوب
الرصاص أَو ذوب الملح فِي المَاء رَوَاهُ مُسلم(١).
لابتا الْمَدِينَة بِفَتْحِ الْبَاء مُخَفّفَة هُوَ حرتاها وطرفاها
والعضاه بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة وَبعد الألف هَاء جمع
عضاهة وَهِي شَجَرَة الخمط وَقيل بل كل شَجَرَة ذَات شوك وَقيل مَا عظم مِنْهَا
قوله: وعن سعد رَظَّ الَّهُ، هو: سعد بن أبي وقاص، تقدم الكلام على مناقبه،
أعاد الله علينا من بركاته.
قوله: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة)) وفي رواية أخرى ((ما بين جبليها)) قال
الحافظ المنذري: لابتي المدينة بفتح الباء مخففة هو حرتاها وطرفاها، أ.هـ.
وقال بعض العلماء: لابتا المدينة تثنية لابة وهي الحرة، والحرة هي
الأرض ذات الحجارة السود، ومعناه: اللابتان وما بينهما، وقال بعضهم:
اللابتان من جهة المشرق والمغرب والجبلان جهتا الشمال والجنوب
[والمراد تحريم المدينة ولابتيها](٢).
(١) مسلم (١٣٦٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣٥/٩-١٣٦) و(١٤٣/٩).
٢١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[قوله]: ((أن يقطع عضاهها)) والعضاه بكسر العين المهملة وبالضاد
المعجمة وبعد الألف هاء جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل كل
شجرة ذات شوكة، وقيل: ما عظم منها، أ.هـ، قاله المنذري.
[وعضاهها: بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة] جمع عضاهة
وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة وشجرة الخمط
هي شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، وعضهت العضاه إذا قطعتها
ومنه الحديث: ((ما عضهت عضاة إلا بترك التسبيح)) قاله في النهاية (١).
وفي هذا الحديث تصريح ودلالة للشافعي ومالك وأحمد والجمهور على
تحريم صيد المدينة وقطع شجرها على الحلال والمحرم كمكة، وخالف أبو
حنيفة في ذلك واحتج له بحديث أنس أن رسول الله ونهاية قال: ((يا أبا عمير ما
فعل النغير)) (٢) وكان النغير صيدا فأقرهم على اصطياده، ولو كان صيد
المدينة حراما لأنكر عليهم؟ وأجيب عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن ذلك
كان قبل النهي وفي هذا الجواب ضعف فإنه مجرد دعوى، والجواب الثاني:
لعل ذلك كان من صيد الحل، وهذا الجواب أيضا ضعيف فإن الخصم يرى
أن صيد الحل متى دخل الحرم التحق بصيد الحرم(٣)، وقد ثبت عن أبي
هريرة أنه قال: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، قال رسول الله وَظله :
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٥٥/٣)، وكشف المناهج (٤٤٤/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٢٩) و(٦٢٠٣)، ومسلم (٣٠- ٢١٥٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٤).
٢١١
كتاب الحج
((ما بين لابتيها حرام)) وأراد بقوله ((ما ذعرتها))(١) أي: ما أفزعتها وخوفتها قاله
ابن عقيل.
وقوله في حديث أنس: ((يا أبا عمير ما فعل النغير)) والنغير تصغير النغر
بضم النون وفتح الغين المعجمة قال الجوهري (٢) أنه طير كالعصافير حمر
المناقير والجمع نغران كصرد وصردان ومؤنثه نغرة كهمزة وأهل المدينة
يسمونه البلبل، وفي الصحيحين(٣) عن أنس قال: كان رسول الله وَالْ أَحْسَنَ
النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ - قَالَ: أَحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا
جَاءَ قَالَ: (يَا أَبَا عُمَيْرِ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ)).
وعمير: تصغير عمر أو عمرو والفطيم بمعنى المفطوم(٤)، قال وكيع يعني
طيرا كان يلعب به، وقيل: نوع من الحمر وقيل هو طائر أسود اللون أحمر
المنقار(٥)، وأبو عمير المذكور في الحديث هو ابن أبي طلحة الأنصاري أخو
أنس بن مالك لأمه (٦)، قال النووي (٧): في هذا الحديث فوائد كثيرة، منها:
جواز تكنية من لم يولد له، وتكنية الطفل وأنه ليس كذبا،، وفي الحديث
(١٩) أخرجه مسلم (٤٧١ و٤٧٢- ١٣٧٢)، والترمذي (٣٩٢١) وهو في الموطأ (٢٦٠٠).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٨٣٣).
(٣) البخاري (٦١٢٩)، مسلم (٢١٥٠).
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).
(٥) مطالع الأنوار (٤ / ١٨٧)
(٦) عمدة القارى (١٧٠/٢٢).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٢٩/١٤).
٢١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بادروا بكنى أولادكم لا يسبق لها ألقاب السوء (١)، وفيه جواز المزاح فيما
ليس بإثم، وفي الترمذي(٢) من حديث ابن عباس عن النبي وَّةٍ قال: ((لا تمار
أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه)) قال العلماء المزاح المنهي عنه
هو الذي فيه إفراط [ويداوم] عليه فإنه يورث الضحك وقسوة القلب ويشغل
عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين (ويؤول فى] كثير من الأوقات إلى الإيذاء
ويورث الأحقاد ويسقط المهابة [١٣٥/ ب] والوقار، فأما ما سلم من هذه
الأمور فهو المباح الذي کان رسول الله ټټ يفعله فإنه څچل إنما كان يفعله في نادر
من الأحوال لمصلحة ولتطبيب نفس المخاطب ومؤانسته وهذا لا منع منه
مطلقا بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة (٣) قاله في الديباجة. أ.هـ
وفيه: جواز تصغير بعض المسميات وفيه جواز السجع في هذا الكلام
الحسن بلا كلفة وفيه ملاطفة الصبيان وتأنيسهم وفيه بيان ما كان عليه رسول
الله من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع وزيارة أهل الفضل لأن أم
(١) روى مرفوعا عن ابن عمر وموقوفا على عمر بن الخطاب:
أما المرفوع عن ابن عمر: أخرجه ابن حبان (١٧٢/١)، وابن عدى (١٧٢/٢) بلفظ
بادروا أولادكم بالكنى لا يغلب عليهم الألقاب. وقال الألباني موضوع الضعيفة (١٧٢٨).
وأما الموقوف: أخرجه الغسانى في ألقاب الصحابة (ص ٢٥) وتقييد المهمل
(١٠٨٧/٢) من طريق بقية، عن عبدالملك بن النعمان، أن رجلاً حدثه أن عمر بن
الخطاب قال: ((عجلوا بكنى أولادكم، لا تسرع إليهم ألقاب السوء)).
(٢) سنن الترمذي (١٩٩٥) وقال الألباني ضعيف ينظر: ضعيف الأدب المفرد (٣٩٤/٥٨).
(٣) الأذكار (ص ٥٠٨) للنووى.
٢١٣
كتاب الحج
الفضل والدة أبي عمير وأنس من محارمه ولة، واستدل به بعض المالكية
على جواز الصيد من حرم المدينة ولا دلالة فيه لذلك لأنه ليس في الحديث
[صراحة ولاكناية أنه من] حرم المدينة بل يقال إنه صيد من الحل وأدخل
الحرم ويجوز للحلال أن يفعل ذلك ولا يجوز له أن يصيد من الحرم فيفرق
بينه وبين ابتداء صيده وبين استحباب إمساكه، وقد صحت أحاديث كثيرة
عن النبي وَلّ في تحريم صيد المدينة فلا يجوز تركها بمثل هذا الاحتمال
ومعارضتها به، وفي الحديث أيضاً دليل على جواز لعب الصغير بالطير
الصغير(١).
قال الإمام العباس القرطبي (٢): لكن الذي أجاز العلماء أن يمسك له وأن
يلهو بحبسه وأما تعذيبه والعبث به فلا يجوز لأن النبي وَخلاله نهى عن تعذيب
الحيوان إلا لمأكلة.
وقال غيره معنى قوله: (يلعب به)) يتلهی بحبسه وإمساكه، وفيه دليل على
جواز حبس الطير في القفص لهذا الغرض وغيره ومنع ابن عقيل الحنبلي من
ذلك وجعله سفها وتعذيبا لقول أبي الدرداء ◌َّالله تجيء العصافير يوم القيامة
تتعلق بالعبد الذي كان يحبسها في القفص عن طلب أرزاقها وتقول: هذا
عذبني في الدنيا؟ والجواب: ان هذا فيمن منعها المأكول والمشروب(٣) وقد
(١) المفهم (١٧ / ١٣٧ -١٣٨)، وشرح النووي على مسلم (١٢٩/١٤).
(٢) المفهم (١٧ / ١٣٨).
(٣) حياة الحيوان (٤٩٣/٢).
٢١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سئل القفال عن ذلك لسماع أصواتها وغير ذلك، فأجاب بالجواز إذا كفاها
مالكها المؤنة لما تحتاج إليه لأنها كالبهيمة [تربط وقال](١) كذلك ابن
يونس في النفقات من شرح التعجيز، وقال: إن الطائر كالدابة والقفص
کالاصطبل وهذا واضح لا توقف فيه(٢)، أ.هـ.
بل في الحديث دليل على جواز قصها للعب الصبيان بها وكان بعض
الصحابة يكره ذلك(٣).
لطيفة: ورأيت لأبي العباس أحمد بن القاضي تصنيفا حسنا على هذا
الحديث قال فيه: إن أبا حنيفة سمع صوت امرأة يضربها بعلها وهي تصيح
فقال: صدقة مقبولة و حسنة مكتوبة، فقال له رجل من أصحابه، کیف ذلك یا
أستاذ، فقال لقوله {َله: ((أدب الجاهل صدقة عليه وأنا أعرفها جاهلة)) (٤).
قوله ◌َّيقر في الحديث: ((أن تقطع عضاهها أو يقتل صيدها)) العضاه قد
ضبطها الحافظ(٥) وفسرها فقال جمع عضاهة وهي شجرة الخمط، وقيل: بل
كل شجرة ذات شوك، وقيل: ما أعظم منها (٦)، أ.هـ.
وقال غيره واحدها عضاهة وعضيهة وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية
(١) النجم الوهاج (٩/ ٢٨١).
(٢) الفتاوى الكبرى (٢٤١/٤) للهيتمی.
(٣) فوائد حديث أبي عمير (ص ٢٩) لابن القاص، وحياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).
(٤) حياة الحيوان (٢/ ٤٩٣).
(٥) المراد بالحافظ المنذرى.
(٦) لسان العرب (٥١٦/١٣).
٢١٥
كتاب الحج
كما حذفت من الشفة وهي شجرة أم غيلان(١).
فرع: من قطع شيئا من شجر المدينة أو اصطاد صيدا ففي ضمانه قولان
للشافعي قديم وجديد، الجديد: أنه لا يضمن وهو قول مالك لأنه مكان
يجوز دخوله بغير إحرام فلا يضمن، والقديم: يضمن لحديث عامر بن سعد
عن أبيه: [أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد غلاما يخبط شجرا أو يقطعه
فسلبه، فلما رجع سعد جاءَ أهل الغلام فكلموه أن يرد ما أَخذ من غلامه.
فقال معاذ الله أن أَرد شيئا نَفَّلنيه رسول الله وَّةِ، فأبى أن يرده عليهم (٢)] قال
النووي في شرح المهذب ومسلم وتصحيح التنبيه وهذا القول هو المختار
فإن فيه حديث صحيح يعني ما ذكرنا، وقال ابن المنذر: ثبت [عن ]رسول الله
وَالّ أنه أخذ سلب القاتل وقاطع الشجر ولكن [١٣٦/ أ] لم يقل به أحد إلا
ابن أبي ليلى والشافعي في القديم وهو المختار وعمل به سعد بن أبي
وقاص، وإذا قلنا به فقيل كضمان مكة، والأصح أنه يسلب الصائد والقاطع
وعلى هذا ففي المراد بالسلب وجهان: أحدهما أنه ثيابه فقط وأصحهما أنه
كسلب القتيل فيدخل فيه فرسه وسلاحه وهل هو للسالب أو لمساكين
المدينة أوبيت المال فيه ثلاثة أوجه، أصحها: الأول وإذا سلب أخذ جميع ما
عليه إلا ساتر العورة على الأصح وسلبه بمجرد الاصطياد سواء أتلف أو لا
نعم يستثنى علف البهائم والعلف بإسكان اللام مصدر علف علفا وأما
(١) كشف المناهج (٤٤٤/٢).
(٢) أخرجه مسلم (٤٦١ - ١٣٦٤).
٢١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بمفتوحها فاسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها قاله الزركشى(١).
وقال ابن النحاس في تنبيهه(٢): ففي ضمانه قولان القديم يضمن، وفي
ضمانه وجهان أحدهما أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر والصحيح أنه
كسلب المقتول من الكفار وأنه للسالب أ.هـ.
قوله {َّه: ((والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) يعني للمرتحلين عنها إلى
غيرها(٣).
وقوله ◌َّه: ((لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه))
الحديث، أي: كراهية لها، يقال: رغبت في الشيء أحببته، ورغبت عنه
كرهته(٤)، يعني: أن الذي يخرج من المدينة راغبا عنها أي زاهدا فيها إنما هو
إما جاهل بفضلها وفضل المقام بها وإما كافر بذلك، وكل واحد من هذين إذا
خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه وأفضل على كل حال قال: وقد
خص الله تعالى مكة والمدينة بأنهما لا تخلوان من أهل العلم والفضل
والدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (6).
قوله وَ له: ((ولا يثبث أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو
(١) إعلام الساجد (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٨١).
(٣) المفهم (٢٩/١١).
(٤) المفهم (١١ / ٢٩).
(٥) المفهم (٣٨/١١).
٢١٧
كتاب الحج
شهيدا)) تقدم تفسير الألواء، وأما الجهد فهو المشقة وهو بفتح الجيم وفي لغة
قليلة بضمها، وأما الجهد بمعنى الطاقة فبضمها على المشهور وحكي
فتحها(١).
وقوله في الرواية الأخرى: ((ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في
النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء)) سيأتي الكلام عليه في آخر
الباب.
١٨٥٤ - وَعَنِ جَابرِ زَّوَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ لِيَأْتِيَن على أهلِ الْمَدِينَة
زمَان ينْطَلقِ النَّاس ◌ِمِنْهَا إِلَى الأرياف يَلْتَمِسُونَ الرخَاء فيجدون رخاء ثمَّ يأْتُونَ
فيتحملون بأهليهم إِلَى الرخَاء وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ أَحْمد
وَالْبَزَّارِ وَاللَّفْظِ لَهُ وَرِجَاله رجال الصَّحِيح(٢).
الأرياف جمع ريف بِكَسْرِ الرَّاء وَهُوَ مَا قَارب الْمِيَاه فِي أَرْض الْعَرَب وَقيل
هُوَ الأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعِ وَالْخصب وَقيل غيرِ ذَلِك.
قوله: وعن جابر نَظَّتَهُ، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّالية: «ليأتين على أهل المدينة زمان ينطلق الناس منها إلى الأرياف
يلتمسون الرخاء)) الأرياف جمع ريف، قد ضبطه المنذري وفسره فقال: وهو
ما قارب المياه من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: هو الأرض التي فيها
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٦).
(٢) أحمد (١٤٦٨٠)، والبزار (١١٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٠/٣)، رواه
أحمد والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح.
٢١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الزرع والخصب ومنه حديث العرنيين: كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف أي
إنا من أهل البادية لا من أهل المدن(١)، وقيل: غير ذلك أ.هـ قاله الحافظ(٢).
١٨٥٥ - وَعَن سُفْيَان بن أبي زُهَيْرِ رَِّلَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَ يَقُول
تفتح الْيمن فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير
لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وتفتح الشَّام فَيَأْتِي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وَمن
أطاعهم وَالْمَدِينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ وتفتح الْعَرَاقِ فَيَأْتِي قوم يبسون
فيتحملون بأهليهم وَمن أطاعهم وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا يعلمُونَ رَوَاهُ
البُخَارِيّ وَمُسلم(٣).
البس السُّوق الشَّديد وَقيل البس سرعَة الذّهاب.
قوله: وعن سفيان بن أبي زهير رَّالَّهُ [واسمه: القرد الأزدي الشنائي، قاله
ابن المديني، وشباب، وقيل: سفيان بن نمير بن مرارة بن عبد الله بن مالك بن
نصر بن الأزد بن الغوث، وقيل: إنه نميري، وقيل: نمري، والأول أكثر، ولا
يختلفون أنه من أزد شنوءة، فربما كان في أجداده من اسمه نمر أو نمير،
فنسب إليه، قال أبو أحمد العسكري: يعني أنه من النمر بن عثمان بن نصر بن
(١) النهاية (٢/ ٢٩٠).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤٢٣/٣).
(٣) البخاري (١٨٧٥)، ومسلم (١٣٨٨)، ومالك في الموطأ (٢٥٩٦)، وأحمد (٢١٩١٥)، وعبد
الرزاق (١٧١٥٩)، والحميدي (٨٦٥)، والنسائي في الكبرى (٤٢٦٤)، وابن أبي عاصم في
الآحاد والمثاني (١٥٩٦)، وابن قائع في معجم الصحابة (٣١٣/١)، وابن حبان (٦٦٧٣).
٢١٩
كتاب الحج
زهران ، من ازد شنوءة، شنوءة، وشنوءة: هو عبد الله بن كعب بن عبد الله بن
مالك بن يعرب بن الغوث. وإنما سموا شنوءة لشنئان كان بينهم وقال
بعضهم، في نسبه: النمري، وبعضهم: النميري. له صحبة يعد في أهل المدينة
أخرج له في الصحيحين حديثان متفق عليهما(١)].
قوله ◌َّية: ((تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم))
الحديث، يبسون قال أهل اللغة بفتح الياء المثناة من تحت وبعدها باء موحدة
تضم وتكسر ويقال أيضا بضم المثناة مع كسر الباء الموحدة وبالسين المهملة
المشددة فتكون اللفظة ثلاثية ورباعية فحصل في ضبطه ثلاثة أوجه (٢)، قال
الحافظ المنذري: البس السوق الشديد، وقيل: البس سرعة الذهاب أ.هـ، وقال
غيره: قيل: هو السَّوْق اللين وقال الزمخشري في فائقة (٣): إنه يخرج قوم من
المدينة إلى العراق والشام يَيُسُّون ، قالوا: والبس السوق والطرد وبه فسر قوله
تعالى ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾(٤) والمعنى: يسوقون بهائمهم سائرين، أ.هـ
وقال إبراهيم الحربي (٥): بسست الغنم والنوق إذا دعوتها فمعناه يدعون
الناس إلى بلاد الخصب ومعنى الحديث يحملون بأهليهم، وقال ابن وهب :
(١) تلقيح أهل الفهوم (ص ٢٨٥)، وأسد الغابة (٤٩٥/٢)، وتهذيب الكمال (١١ / ترجمة
٢٤٠٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٨/٩).
(٣) الفائق في غريب الحديث (١ / ١٠٧).
(٤) سورة الواقعة، الآية: ٥.
(٥) إكمال المعلم (٤ / ٥٠٥).
٢٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
معناه يزينون [١٣٦ / ب] البلاد ويحببونها إليهم ويدعونهم إلى الرحيل إليها
ونحوه، قال العلماء: وهذا الحديث من دلائل نبوته وصدقه وَّه فإنه أخبر
بوقوع أمور ثم وقعت بعد ذلك فكان ذلك دليلا على صدقه فإنه ◌َّ أخبر
بفتح هذه الأقاليم وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة وأن
هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب ووجد جميع ذلك كذلك بحمد الله
وفضله، وفيه فضيلة سكنى المدينة والصبر على شدتها وضيق العيش بها(١)
والله أعلم.
١٨٥٦ - وَعَن أبي أسيد السَّاعِدِيّ ◌َوَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله وََّ على قبر
حَمْزَة بن عبد المطلب فَجعلُوا يجرونَ النمرة على وَجْهه فتنكشف قدماه
ويجرونها على قَدَمَيْهِ فينكشف وَجهه فَقَالَ رَسُول اللّهِ وَلِّ اجْعَلُوهَا على
وَجهه وَاجْعَلُوا على قَدَمَيْهِ من هَذَا الشّجِرِ قَالَ فَرفع رَسُول الله وََّ رَأْسِه فَإِذا
أَصْحَابِه يَيْكُونَ فَقَالَ رَسُولِ اللهِ وَّةٍ إِنَّه يَأْتِي على النَّاس زمَان يخرجُون إِلَى
الأرياف فيصيبون مِنْهَا مطعما وملبسا ومركبا أَو قَالَ مراكب فيكتبون إِلَى
أَهْلِيهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا فَإِنَّكُم بِأَرْض حجاز جدوبة وَالْمَدينَة خير لَهُم لَو كَانُوا
يعلمُونَ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد حسن(٢).
النمرة بِفَتْحِ النُّون وَكسر الْمِيم وَهِي بردة من صوف تلبسها الأَعْرَاب.
قوله: وعن أبي أسيد الساعدي زَقْوَلَهُ، أبو أسيد الساعدي بضم الهمزة
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٥٩)
(٢) الطبراني في الكبير (٢٩٤٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠١/٣)، وإسناده حسن.