Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب الصدقات
ملتصقا بالآخر(١) وفيه دلالة على كمال قدرته سبحانه وتعالى لأن العرش
مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى ممسك
ذلك بغير عمد لما استقام (٢).
لطيفة: قال: ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ (٣)
قال: كان يصعد [بخار]من الماء إلى السماء فاستصبر فعاد صبيرا فذلك
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾(٤)(٥) الصبير سحاب
أبيض متراكب متكاثف يعني تكاثف البخار وتراكم فصار سحابا قاله في
النهاية (٦) ا.هـ
وحكى أبو جعفر الطبرى في تاريخه (٧) عن ابن عباس إن أول ما خلق الله
العرش فاستوى عليه وحكى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله
الماء قبل العرش ثم وضع العرش عليه وذكر أيضا عن وهب بن منبه قال:
كان العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض على الماء فلما أراد الله
تعالى أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاء الماء قبضة ثم فتح
(١) تفسير الرازى (٣١٩/١٧).
(٢) تفسير الرازى (٣١٩/١٧)، واللباب (٤٤٠/١٠).
(٣) سورة هود، الآية: ٧.
(٤) سورة فصلت، الآية: ١١.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٩٠٨٩).
(٦) النهاية (٨/٣).
(٧) تاريخ الطبرى (٣٩/١).

٤٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القبضة فارتفعت دخانا فخلق منه السموات وقال الطبري(١): أيضًا وأولى
القولين عندي بالصواب قول من قال: أن الله تعالى خلق الماء قبل العرش
لصحة الحديث الذي رواه أبو رزين العقيلى(٢) والله أعلم وقال ابن عباس:
((كان العرش على الماء وكان الماء على الريح)) (٣).
لطيفة: في رواية مقاتل بن سليمان جعل الله جل جلاله العرش أربعة أركان
وجعل بين كل ركن وركن وجوها لا يعلم عددها إلا الله سبحانه أكثر من
نجوم السماء وتراب الأرض وورق الشجر وليس لطول العرش ولا لعرضه
منتهى يعلمه أحد إلا الله جل جلاله وتحت العرش الماء الذي قال الله تعالى
فيه ﴿وَكَانَ عَرْشُهُو عَلَى الْمَآءِ﴾ (٤) وهو بحر عظيم لا يعلم مقدار عظمته إلا
الله تعالى والكرسي تحت العرش وهو قدر سبع سموات والأرض كما أخبر
الله تعالى عنه في كتابه العزيز وسع كرسيه السموات والأرض ا.هـ.
سؤال: إن قيل لم خلق الله العرش بعد أن لا حاجة له إليه قيل لوجوه:
أحدها جعله موضع خدمة ملائكته لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَافِّينَ
(١) تاريخ الطبرى (١ /٤٠).
(٢) أخرجه أحمد ١١/٤ (١٦١٨٨) و١٢/٤ (١٦٢٠٠)، وابن ماجه (١٨٢)، والترمذي
(٣١٠٩). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وضعفه الألباني في الظلال (٦١٢)،
مختصر العلو (١٩٣ و٢٥٠)، والضعيفة (٥٣٢٠)، والمشكاة (٥٧٢٥).
(٣) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١٥٢/٣) وقول ابن عباس
سبق تخريجه.
(٤) سورة هود، الآية: ٧.

٤٨٣
كتاب الصدقات
مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾(١)، الثاني: أراد إظهار قدرته وعظمته كما قال مقاتل
السماء والأرض في عظم الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي مع السماء
والأرض في عظم العرش كحلقة في فلاة وكلها في جنب عظمة الله كذرة في
جنب الدنيا فخلقه لذلك ليعلم أن خالقه أعظم منه، والثالث خلق العرش
إشارة لعباده لطريق دعوته ليدعونه من الفوق لقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم
مِّن فَوْقِهِمْ﴾(٢) والرابع خلقه لإظهار شرف محمد بَّه وهو قوله تعالى:
﴿عَسَىّ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾(٣) وهو مقامه تحت العرش،
والخامس خلقه معدن كتاب الأبراب لقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ
لَفِى عِلِّينَ ﴾﴾(٤) السادس قيل هو مرآة الملائكة يرون الأدميين وأحوالهم
كي يشهدوا عليهم في القيامة السابع العرش أعلا العالم وليس مكان أعلا منه
ولا أظهر ولذلك فالإستواء عليه والإستواء الإستيلاء عند قوم فمن استولى
على أعظم المخلوقات فقد استولى على ما دونه والله أعلم(٥).
قوله وَّة: ((وبيده الميزان يخفض ويرفع)) الحديث، قال: الخطابي:
(١) سورة الزمر، الآية: ٧٥.
(٢) سورة النحل، الآية: ٥٠.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٤) سورة المطففين، الآية: ١٨.
(٥) كشف الأسرار (لوحة ٩)، وكنز الدرر (٦٦/١). تفسير الاستواء بمعنى الاستيلاء هو
تأويل الجهمية والمعتزلة وقد أنكره أئمة السلف واللغة كابن الأعرابي وغيره وأنكره
الإمام أبو الحسن الأشعري في كتاب الإبانة، وغيره.

٤٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الميزان هنا مثل وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق يخفض ويرفع أي يوسع
الرزق على من يشاء ويقتر [٩٣/ أ] كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة
ويخفض أخرى(١) وفي الحديث أيضا أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام
يخفض القسط ويرفعه، والقسط [الميزان، سمي] به من القسط العدل أراد
أن الله تعالى يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد [المرتفعة إليه، وأرزاقهم
النازلة منآعنده كما يرفع الوزان يده ويخفضها [عند الوزن] وهو تمثيل لما
[يقدره] الله تعالى [وينزله وقيل: أراد] بالقسط القسم من الرزق الذي يصيب
كل مخلوق وخفضه تقليله ورفعه تكثيره قاله في النهاية (٢) فقد يكون عبارة
عن الرزق ومقاديره وقد يكون عبارة عن جملة المقادير وهذا أظهر وقد
يكونان عبارة عن تصاريف المقادير بالخلق بالعزة والذل كما قال تعالى:
﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءٌ﴾(٣) ذكرهما القاضي عياض والنووي(٤)
ومن أسمائه تعالى الخافض الرافع وفسر الخافض بأنه الذي يخفض
الجبارين والفارعنة أي يضعهم ويهينهم ويخفض كل شيء يريد خفضه(٥)
وفسر الرفع بأنه الذي يرفع المؤمنين بالأسعاد وأولياؤه بالتقريب (٦) ا.هـ
(١) أعلام الحديث (٣/ ١٨٦٣).
(٢) النهاية (٤ /٦٠).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.
(٤) إكمال المعلم (٣/ ٥١١)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٨١).
(٥) النهاية (٢/ ٥٣).
(٦) النهاية (٢٤٣/٢).

٤٨٥
كتاب الصدقات
١٣٥٦ - وَعَن أبي أَمَامَة رَّوَُّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَ: ((يَا ابْن آدم إِنَّك إِن
تبذل الْفضل خير لَك وَإِن تمسكه شَرّ لَك وَلَا تلام على كفاف وابدأ بمن
تعول وَالْيَدِ الْعليا خير من الْيَدِ السُّفْلِى)) رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ(١).
الكفاف بِفَتْحِ الْكَاف مَا كف عَن الْحَاجة إِلَى النَّاس مَعَ القناعة لَا یزِيد
على قدر الْحَاجة. وَالْفضل: مَا زَاد على قدر الْحَاجة
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.
قوله وثيقة: ((يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا
تلام على كفاف)) قد فسر الحافظ (٢) رحمه الله الفضل بما زاد على قدر
الحاجة والكفاف: بما كف عن الحاجة إلى الناس مع القناعة لا يزيد على
قدر الحاجة ا.هـ.
فقوله: ((أن تبذل الفضل خير لك)) الحديث هو بفتح الهمزة من أن ومعناه
أن بذلك الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك خير لك لبقاء ثوابه لك وإن
أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسكه عن الواجب استحق العقاب عليه وإن
أمسكه عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله
شر ومعنى ولا تلام على كفاف أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه وهذا إذا
لم يتوجه في الكفاف حق شرعی کمن كان له نصاب زكوي ووجبت الزكاة
فيه بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفايته وجب عليه إخراج الزكاة
(١) مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٣).
(٢) يعني به المنذري كما سبق في أعلى الصفحة وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣).

٤٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ويحصل كفايته من جهة مباحة(١) أ. هـ.
وقال القرطبي: فإمساكه عن الواجبات شر على كل حال بلا شك
وإمساكه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شر بالنسبة إلى ما فوت الممسك
على نفسه من الخير (٢). وقال: في حدائق الأولياء(٣): في هذا الحديث بيان ما
يؤدي إليه إمساك الفضل الذي هو شر لابن ءادم دينا ودنيا وما زاد على
المهم ملوم عليه ما يتقرب به سواء تناولته حتى سمنت أو أمسكته وبخلت به
على نفسك وغيرك ولا تلام على كفاف فهو الحسنة بين سيئتين الغلو
والتقصير.
وروى ابن أبي الدنيا (٤) عن أبي هريرة ◌َّهُ قال: قال: رسول الله
وَسَلم
صَلى الله
((اللهم من أحبني فارزقه العفاف والكفاف ومن أبغضني فأكثر ماله وولده)»
ومنه قوله: وَّ ((اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا))(٥). وقال الإمام الشافعي
رحمه الله تعالى:
(١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٧).
(٢) المفهم (٩/ ٥٠).
(٣) حدائق الأولياء (١/ ٥٣٨).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة والتعفف (١٤٧)، والدينورى في المجالسة (٢٩٨٠)،
وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣١٢)، والبيهقي في الشعب (٦٣/٣ -٦٤ رقم
١٤٠٠)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٣٥٠). قال البيهقي: عبد الله بن سعيد
غير قوي في الحديث.
(٥) البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥).

٤٨٧
كتاب الصدقات
يَا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى شَيْتَيْنِ لَوْ جُمِعَا عِنْدِي لَكُنْتَ إِذَا مِنْ أَسْعَدِ الْبَشَرِ
كَفافُ عَيشٍ يَقيني ذُلَّ مَسألةٍ وخِدمَةُ العِلم حتَّى يَنقَضي عُمُري (١)
وأنشد أبو العتاهية:
تَبْغِي مِنَ الدُّنْيَا الْكَثيرَ وَإِنَّمَا يَكْفيكَ مِنْها مِثْلُ زادِ الرّاكِبِ
لا يُعْجِبَنَّكَ ما تَرِى فَكَأَنَّهُ قَدْ زالَ عَنْكَ زَوالَ أَمْسِ الذّاهِبٍ(٢)
[٩٣/ ب]
١٣٥٧ - وَعَن أبى الدَّرْدَاءِ زَّوَهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ مَا طلعت شمس
قطّ إِلَّا وبجنبيها ملكان يناديان اللَّهُمَّ من أنفق فأعقبه خلفا ومن أمسك فأعقبه
تلفًا رَوَاهُ أَحْمد وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ بِنَحْوِهِ وَقَالَ صَحِيح
الإِسْنَاد(٣).
وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقِ الْحَاكِمِ وَلَفظه فِي إِحْدَى رواياته قَالَ رَسُول الله وَِّ مَا
من يَوْم طلعت شمسه إِلَّ وبجنبيها ملكان يناديان نِدَاء يسمعهُ خلق الله كلهم
غير الثقلَيْن يَا أَيَهَا النَّاس هلموا إِلَى ربكُم إِن مَا قل وَكفى خير مِمَّا كثر وألهى
وَلَا آبت الشَّمْسِ إِلَّا وَكَانَ بجنبيها ملكان يناديان نِدَاء يسمعهُ خلق الله كلهم
(١) محاسن الجزيرة (٥٢٤/٨).
(٢) ديوان أبي العتاهية (ص ٥٢-٥٣).
(٣) أحمد (٢١٧٢١)، وابن حبان (٦٨٦)، والحاكم (٤٤٥/٢)، وأبو نعيم في الحلية
(٢٢٦/١)، والطيالسي (١٠٧٢)، وعبد بن حميد (٢٠٧)، والطبراني في الأوسط
(٢٨٩١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨١٠)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٩٠٨).

٤٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
غير الثقلَيْنِ اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكا تلفا وَأنزل الله فِي ذَلِك قُرْآنًا
فِي قَول الْمِلكَيْنِ يَا أَيَّهَا النَّاس هلموا إِلَى ربِكُمْ فِي سُورَة يُونُس: ﴿وَاللَّهُ
يَدْعُوّأْ إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَبَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾﴾(١) وَأنزل
فِي قَوْلهمَا اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ ممسكًا تلفًا: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾
إِلَى قَوْله:
.(٢)
وَالتَّهَارِ إِذَا تَجَلَّ ه وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأَنْثَىّ
﴿لِلْعُسْرَى﴾ (٣)(٤)
قوله: وعن أبي الدراداء تقدم الكلام على أبي الدراداء زَّ لَهُ.
قوله: و((ابدا بمن تعول واليد العيا خير من اليد السفلى)) تقدم الكلام على
ذلك في السؤال وصدقة السرا.هـ.
قوله وَله: ((ما طلعت شمس قط إلا وبجنبتيها ملكان يناديان)) الجنب
بسكون النون وفتحها الناحية.
قوله وَجّة: ((اللهم من أنفق فأعقبه خلفا ومن أمسك فأعقبه تلفا)) تقدم
الكلام على ذلك في أول الباب.
قوله وَالله: ((وكان بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير
الثقلين)) والثقلان في اللغة الإنس والجن لأن التكليف عليهما وما سواهما لا
(١) سورة يونس، الآية: ٢٥.
(٢) سورة الليل، الآية: ١- ٣.
(٣) سورة الليل، الآية: ١٠ .
(٤) البيهقي في شعب الإيمان (٣٤١٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٨).

٤٨٩
كتاب الصدقات
وزن له ولا يعبأ به فكأنه لا ثقل له(١) وقيل سميا بذلك لتفضيلهما بالعقل
والتمييز [قاله عياض(٢) وقال] غيره وسمي الجن والإنس ثقلين لأنهما فضلا
بالتمييز على سائر الحيوان وكل شيء له وزن وقدر يتنافس فيه فهو ثقل(٣) ا.هـ،
وذكر أبو عمرو الزاهد أن أصل الكلمة من النفاسة لا من الثقل، والثقل: بيض
النعام لاستوائه ونقائه ويقال لعزيز القوم بيضة البلد ويقال لكل خاطر نفيس
ثقل فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما وتفخيما لشأنهما كذا في النهاية وجمل
(٤)
الغرائب (٤).
قوله ◌َيلة: ((ولا أبت الشمس إلا وكان بجنبتيها ملكان يناديان)) الحديث.
قوله: ((آبت)) أي غربت من الأوب وهو الرجوع يقال: آب أي رجع لأن
الشمس ترجع بالغروب إلى موضعها الذي طلعت منه ولو استعمل ءابت
الشمس إذا طلعت لكان له وجه من حيث أنها رجعت إلى مطلعها لكنه لم
يستعمل والله أعلم قاله في النهاية(٥).
قوله: فإن ما قل و کفی خیر ممن کثر والھی وروى ابن أبي الدنيا عن عمر
أنه كان يقول في دعائه اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى ولا تقل لي فيها
(١) انظر سراج الملوك (ص ١٦٠).
(٢) مشارق الأنوار (١/ ١٣٤).
(٣) شرح السنة (١١٨/١٤)
(٤) جمل الغرائب (ص ٧٣)، والنهاية (١/ ٢١٦)
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٧٩).

٤٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فأنسى فإن ما قل وكفى خير ممن كثر وألهى (١) ا. هـ.
قوله: وَحلو عن قول المالكين ((اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا))
تقدم.
١٣٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَنْه سمع رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُول مثل الْبَخِيل
والمنفق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان من حَدِيد من ثديهما إِلَى تراقيهما فَأَمَا
الْمُنفق فَلَا ينْفق إِلَّا سبغت أَو وفرت على جلده حَتَّى تخفي بنانه وَتَعْفُو أَثَره
وَأما الْبَخِيلِ فَلَا يُرِيدُ أَن ينْفُقِ شَيْئًا إِلَّا لَزِمت كل حَلقَة مَكَانِهَا فَهُوَ يوسعها فَلَا
تتسع رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ(٢).
الْجِنَّة بِضَم الْحِيمِ مَا أجن الْمَرْء وستره وَالْمَرَاد بِهِ هَهُنَا الدرْع وَمعنى
الحَدِيثِ أَن الْمُنفق كلما أنْفق طَالَتْ عَلَيْهِ وسبغت حَتَّى تستر بنان رجلَيْهِ
وَيَدِيه والبخيل كلما أَرَادَ أَن ينْفق لَزِمت كل حَلقَةٍ مَكَانِهَا فَهُوَ يوسعها وَلَا
تتسع شبه وَّةٍ نعم الله تَعَالَى ورزقه بِالْجنَّةِ وَفِي رِوَايَة بالجبة فالمنفق كلما
أنْفق اتسعت عَلَيْهِ النعم وسبغت ووفرت حَتَّى تستره سترا كَامِلا شَامِلًا
والبخيل كلما أَرَادَ أَن ينْفق مَنعه الشُّح والحرص وَخَوف النَّقْصِ فَهُوَ بِمَنْعِه
يطْلب أَن يِزِيد مَا عِنْده وَأَن تتسع عَلَيْهِ النعم فَلَا تتسع وَلَا تستر مِنْهُ مَا يروم
ستره وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد (٤٠) والقناعة (١٥٩).
(٢) البخاري (١٤٤٣)، ومسلم (١٠٢١).

٤٩١
كتاب الصدقات
قوله: وَخله ((مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد من
ثديها إلى تراقيهما)) الحديث والجنة الستر والدرع وتقدم الكلام على ذلك
في الصدقة، وقوله: {وَ﴾ ((فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت عليه ووفرت على
جلده حتى تخفى بنانه وتعفو أثرة أي أثر مشية)) وسبغت عليه أي امتدت
وطالت وإسباغ الوضوء [إكماله] وإتمامه وهو المبالغة فيه (١) والبنان بفتح
الباء الموحدة الأنامل وتقدم الكلام على هذه الألفاظ مبسوطا وقد تكلم
الحافظ على الجنة ومعنى الحديث والله أعلم، وقال: الكرماني (٢)
أيضا: حاصل الحديث أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره وطاوعت
يداه فامتدت بالعطاء وإن البخيل يضيق وتنقبض يده عن الإنفاق وقيل ضرب
المثل بهما لأن المنفق يستره الله بنفقته ويستر عوراته في الدنيا والآخرة كستر
هذه الجنة لابسها والبخيل كمن لبس جبة إلى ثديه فيقي مكشوفا ظاهر
العورة مفتضحا في الدارين (٣) قال: ابن بطال يريد أن المنفق إذا أنفق كفرت
الصدقة ذنوبه ومحتها كما أن الجنة إذا سبغت عليه سترته [ووقته] والبخيل
[لا تطاوعه نفسه على البذل فيبقى غير مكفر عنه الآثام كما أن] الجنة تبقى
من بدنه ما لا يستره [فيكون] معرضا للأفات [انتهى] وقال ابن قيم الجوزية
ولولم يكن في [الصدقة] يعني المذكورة في الحديث إلا هذه الفائدة وحدها
(١) مشارق الأنوار (٢٠٥/٢).
(٢) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٠٦/٧) و(٣/٨).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٠٩/٧).

٤٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[لكان العبد حقيقا] بالاستكثار منها والمبادرة إليها(١).
١٣٥٩ - وَعَن قيس بن سلع الْأَنْصَارِيّ رَّهُ أَن إخْوَته شكوه إِلَى رَسُول
اللّهَ وَّهِ فَقَالُوا إِنَّه يبذر مَاله وينبسط فِيهِ قلت يَا رَسُول الله آخذ نَصِيبي من
التمرة فأنفقه فِي سَبِيل الله وعَلى من صحبني فَضرب رَسُول الله وَّهِ صَدره
وَقَالَ أنْفِقِ ينْفِقِ الله عَلَيْك ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك خرجت فِي سَبِيل
الله وَمَعِي رَاحِلَة وَأَنَا أَكثر أهل بَيْتِي الْيَوْم وأيسره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط
وَقَالَ تفرد بِهِ سعيد بن زِيَادِ أَبُو عَاصِم (٢) عن قيس بن سلع الأنصاري [٩٤/ أ]
[هو قيس بن سلع بفتحتين وقيل: قيس بن أسلع، والأول أكثر، وهو أنصاري
من أهل المدينة وروى عن النبي وَّ حديثا واحدا(٣)].
قوله: إن أخوته شكوه إلى رسول الله وَ لاه فقالوا: أنه يبذر ماله ويتبسط فيه
الحديث، التبذير هو إنفاق المال فيما لا ينبغي والإسراف هو الصرف فيما
ينبغي زائدا على ما لا ينبغي قال النووي في المنهاج(٤): الأصح أن صرف
المال في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس
بتبذير والله أعلم.
(١) الوابل الصيب (ص ٣٣).
(٢) الطبراني في الأوسط (٨٥٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٨/٣)، رواه الطبراني
في الأوسط، وقال: تفرد به سعيد بن زياد أبو عاصم، ولم أجد من ترجمه.
(٣) معجم الصحابة للبغوى (٣٦/٥)، وأسد الغابة (٤ /٤٠٦ ترجمة ٤٣٥٦)، والإصابة
(٣٦٢/٥ ترجمة ٧١٩٧).
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).

٤٩٣
كتاب الصدقات
قوله تفرد به سعيد بن زياد أبو عاصم [سعد بن زياد أبو عاصم مولى
سليمان بن علي سكن البصرة وأدرك عمر بن عبد العزيز وأحسبه كان مع
مواليه بالحميمة سمع نافعا مولى بنت شجاع وعمر بن مصعب وكيسان
مولى عبد الله بن الزبير، عمر العبشمي العبلي حكى عنه الأصمعي وموسى
بن إسماعيل وأبو عبد الله بن أبي الأسود وإسحاق بن أبي إسرائيل وعبد
الرحمن بن المبارك العبشي والقواريري ومحمد بن أبي بكر المقدمي، قال
إسحاق بن أبي إسرائيل: نا سعد بن زياد أبو عاصم مولى سليمان بن علي،
مات الحجاج وأنا ابن عشر سنين، قال أبو حاتم: يكتب حديثه وليس
بالمتين].
١٣٦٠ - وَعَن أنس ◌َّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ الأخلاء ثَلَاثَة فَأَمَا خَلِيل
فَيَقُولِ أَنَا مَعَك حَتَّى تَأْتِي قبرك وَأَمَا خَلِيلٍ فَيَقُول لَك مَا أَعْطَيْت وَمَا أَمْسَكت
فَلَيْسَ لَك فَذَلِك مَالك وَأْمَا خَلِيلِ فَيَقُولِ أَنَا مَعَك حَيْثُ دخلت وَحَيْثُ
خرجت فَذَلِك عمله فَيَقُول وَالله لقد كنت من أَهْون الثَّلَاثَة عَلَيّ رَوَاهُ الْحَاكِم
وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا وَلَا عِلّة لَهُ(١).
قوله عن أنس تقدم الكلام عن أنس.
قوله وَالـ ((الأخلاء ثلاثة)) [وتفسير هذا: أن ابن آدم في الدنيا لا بد له من
أهل يعاشرهم، ومال يعيش به، فهذان صاحبان يفارقانه ويفارقهما، فالسعيد
من اتخذ من ذلك ما يعينه على ذكر الله تعالى، وينفعه في الآخرة، فيأخذ من
(١) الحاكم (٧٤/١)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٠).

٤٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المال ما يبلغ به إلى الآخرة، ويتخذ زوجة صالحة تعينه على إيمان، فأما من
اتخذ أهلا ومالا يشغله عن الله تعالى، فهو خاسر (١)]
١٣٦١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ◌َََّّ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَيَّكُم مَال وَارثه
أحب إِلَيْهِ من مَاله قَالُوا يَا رَسُول الله مَا منا أحد إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ من مَال
وَارثه قَالَ فَإِن مَاله مَا قدم وَمَال وَارثه مَا أَخرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ(٢).
قوله: وعن ابن مسعود قال تقدم الكلام عن ابن مسعود.
قوله ◌َلخير: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله)) [فى هذا الحديث تنبيه
للمؤمن على أن يقدم من ماله لآخرته، ولا يكون خازنا له وممسكه عن
إنفاقه فى طاعة الله، فيخيب من الانتفاع به فى يوم الحاجة إليه، وربما أنفقه
وارثه فى طاعة الله فيفوز بثوابه(٣)].
١٣٦٢ - وَعنْهُ رَّ ◌َّهُ قَالَ دخل النَّبِيِ وَِّ على بِلَال وَعِنْده صَبر من تمر فَقَالَ
مَا هَذَا يَا بِلَال قَالَ أعد ذَلِك لأضيافك قَالَ أما تخشى أن يكون لَك دُخان فِي نَار
جَهَنَّمَ أَنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِإِسْنَاد حسن(٤).
وَالطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَقَالَ أما تخشى أَن يفور لَهُ بخار فِي نَارِ جَهَنَّمُ(٥).
(١) مجموع رسائل ابن رجب (٢/ ٤٢١ جزء يتبع الميت).
(٢) البخاري (٦٤٤٢).
(٣) شرح الصحيح (١٦٢/١٠) لابن بطال.
(٤) البزار (٢٦٥٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٢).
(٥) الطبراني في الكبير (١٠٣٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٦/٣)، رواه الطبراني
في الكبير، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات،
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩١٢).

٤٩٥
كتاب الصدقات
قوله: وعنه أَقَ الَّله تقدم الكلام علیه.
قوله: قال دخل النبي گی﴾ علی بلال وعنده صبر من تمر)) بلال هو أبو عبد
الله ويقال أبو عبد الكريم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عمرو بلال بن
رباح الحبشي القرشي التيمي مولى أبو بكر الصديق أمه حمامة مولاة لبني
جمح وكان بلال ◌ُوّ قديم الإسلام والهجرة شهد بدار وأحدا والخندق
والمشاهد كلها مع رسول الله و ◌َلا وكان ممن يعذب في الله تعالى فيصبر على
العذاب وكان أمية بن خلف يعذبه ويتابع عليه العذاب فقدر الله تعالى أن
بلالا قتله يوم بدر وكان بلال ممن أسلم أول النبوة ومن أول من أظهر
إسلامه وكانوا يطوفون به ويعذبونه اشتراه أبو بكر بخمس أواق وقيل بسبع
وقيل بتسع وأعتقه لله عز وجل وآخى رسول الله وَّه بينه وبين أبي عبيدة بن
الجراح وكان بلال يؤذن لرسول الله وَ ل حياته سفرا وحضرا وهو أول من
أذن في الإسلام ولما توفي رسول الله وقد ذهب إلى الشام للجهاد وأقام بها
إلى أن مات وقيل إنه أذن لأبي بكر مدته وأذن لعمر مرة حين قدم عمر الشام
فلم ير باكيا كان أكثر من ذلك اليوم، وفي صحيح البخاري(١) عن قيس بن أبي
حازم قال: قال بلال لأبي بكر: ((إن كنت إنما اشتريتني لنفسك، فأمسكني،
وإن كنت إنما اشتريتني لله، فدعني وعمل الله)) فتوفي بدمشق سنة عشرين
وقيل إحدى وعشرين وقيل ثمان عشرة وهو ابن أربع وستين سنة وقيل كان
قرن أبي بكر رُوالَه وقيل غير ذلك وكان ينزل داريا قرية بقرب دمشق ودفن
(١) صحيح البخاري (٣٧٥٥).

٤٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بباب الصغير من دمشق وكان أدم اللون شديد الأدمة نحيفا طوالا خفيف
العارضين ومناقبه كثيرة(١).
قوله: وَعِنْده صَبر من تمر الصبر، جمع صبرة وهو الكومة من الطعام وغيره.
قوله ((أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا)) الحديث قال العلماء
خوف الإقلال من سوء الظن بالله وسوء الظن بالله كفر وذلك أن الله تعالى
وعد على الإنفاق خلفًا في الدنيا وثوابًا في العقبى فقال في الخلف: ﴿وَمَآ
أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ,﴾(٢) وقال في الثواب: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾(٣) وقال تعالى في الآية
الأخرى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَقْبِيتًا مِّنْ
أنْفُسِهِمْ﴾(٤) الآية وقال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَا﴾(٥)
[٩٤/ ب] الآية فمن أمسك عن الإنفاق خشية الفقر والإقلال فكأنه لم
يصدق الله ولا رسوله في قولهما ولذلك كان النبي وَيقام يقول: ((وأي داء أدوى
من البخل)) رواه البخاري(٦)، فلما كان البخل يحرم العبد الخلف في الدنيا
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٣٦/١-١٣٧ ترجمة ٨٨).
(٢) سورة سبأ، الآية: ٣٩.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.
(٥) سورة الحديد، الآية: ١١.
(٦) الأدب المفرد (٢٩٦). قال الشيخ الألباني: صحيح ينظر: الأدب المفرد مخرجا (ص:
١١١).

٤٩٧
كتاب الصدقات
والثواب في الآخرة ويسيء ظنه بالله تعالى واستعاذ منه رسول الله وَ له في قوله
((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن))
الحديث رواه البخاري(١)، والذي يذهب الإقلال عن القلب شيئان،
أحدهما: حسن ظنه بالله تعالى أنه يخلف عليه: ﴿فَإِنَّ رَبٍِّ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾(٢):
﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٣) والثاني: أن يكون الرجل لا مشيئة له
في شيء من الأشياء قد اجتزئ بالقوت المقيم لمهجته فهذا يعطي من عسره
ويسره فلا يخاف إقلالا لأنه رفع باله عن جميع ذلك وانقطعت مشيئته في
نفسه وفي غيره لتدبير الله تعالى فيه وفيهم وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة
في الأشياء فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيئ خاف ألا يصيب غدا
فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله غدا والله أعلم قاله القرطبي (٤).
(٤)
القرطبي (٤).
١٣٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ أَن النَّبِيِ وَِّ عَاد بِلَالًا فَأَخْرِج لَهُ صبرا من
تمر فَقَالَ مَا هَذَا يَا بِلَال قَالَ ادخرته لَك يَا رَسُول الله قَالَ أما تخشى أَن يَجْعَل
لَك بخار فِي نَارِ جَهَنَّم أنْفق يَا بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا رَوَاهُ أَبُو
(١) صحيح البخاري (٢٨٩٣).
(٢) سورة النمل، الآية: ٤٠.
(٣) سورة سبأ، الآية: ٣٩.
(٤) قمع الحرص (ص ١٤٦).

٤٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ والأوسط بِإِسْنَاد حسن(١).
قوله: وعن أبي هريرة رقّه تقدم الكلام عن أبي هريرة.
قوله: ((أن النبي ◌َّ ر عاد بلالا فأخرج له صبرا من تمر)) الحديث تقدم
الكلام على بلال وعلى معنى هذا الحديث في الحدیث قبله.
١٣٦٤ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر رَوََّنَا قَالَت قَالَ لِي رَسُول الله وَّوَ لَا
تو کی فیو کا عَلَيْك (٢).
وَفِي رِوَايَة أنفقي أَو انفحي أَو انضحي وَلَا تحصي فيحصي الله عَلَيْك وَلَا
توعي فيوعي الله عَلَيْكَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد(٣).
انفحي بِالْحَاء الْمُهْملَة وانضحي وأنفقي الثَّلاثَة معنى وَاحِد
وَقَوله: لَا توكي قَالَ الْخطابِيّ لَا تدخري والإيكاء شدّ رَأس الْوِعَاء بالوكاء
وَهُوَ الرِّبَاطِ الَّذِي يُرْبط بِهِ يَقُول لَا تمنعي مَا فِي يدك فتنقطع مَادَّة بركَة الرزق
عَنْك انتهى (٤).
(٤)
سيأتي الكلام على مناقبها مبسوطا
قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر رَ الَّهَا
(١) أبو يعلى (٦٠٤٠)، والطبراني في الكبير (١٠٢٥)، وفي الأوسط (٢٥٧٢)، والبزار
(٣٦٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤١/١٠)، رواه البزار وأبو يعلى والطبراني
في الكبير والأوسط، وإسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٩١٣).
(٢) البخاري (١٤٣٣).
(٣) البخاري (٢٥٩١)، ومسلم (١٠٢٩)، وأبو داود (١٦٩٩).
(٤) معالم السنن (٢/ ٨٤).

٤٩٩
كتاب الصدقات
قريبا إن شاء الله تعالى في باب ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها.
قولها: قالت قال لي رسول الله وَلو لا توكي فيوكأ عليك)) وفي رواية
((أنفقي أو انفحي أو انضحي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي
الله عليك)) الحديث، قوله وَ﴾ ((لا توكي فيوكأ عليك)) قد فسره الحافظ فقال
قال الخطابي(١): أي لا تدخري والإيكاء شد الوعاء بالوكاء وهو الرباط
الذي يربط به وقال بعضهم: الوكاء الحبل الذي يشد به السرة والكيس
وغيرهما(٢) إلى قوله فينقطع مادة بركة الرزق عنك اهـ
فإن مادة الرزق متصلة باتصال النفقة ومنقطعة بانقطاعها (٣) ذكره في شرح
المشارق (٤).
قوله وَّة ((أنفقي)) معناه أعطي.
وقوله وَّة ((أو انفحي)) هو بفتح الفاء وبحاء مهملة وأصل النفح الضرب
بالعصا أو بالسيف وكان الذي ينفق يضرب المعطى له بما يعطيه ويحتمل أن
يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته إذ العطية تستطاب كما تستطاب
الرائحة الطيبة أو من نفح الريح إذا هبت باردة فكأنه أمر بعطية سهلة كثيرة
وفي حديث أبي ذر ((ونفح بها يمينا وشمالا)) أي أعطاه في كل وجه(٥).
(١) معالم السنن (٨٤/٢)
(٢) النهاية (٢٢٣/٥).
(٣) أعلام الحديث (٢/ ١٢٨٣)، وشرح السنة (١٥٣/٦)، والكواكب الدراري (١٢٧/١١).
(٤) حدائق الأزهار (لوحة ٨٨و ٨٩/ خ ٨٧٧٨١ كتبخانة).
(٥) المفهم (٩ / ٤٢).

٥٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله وَّة ((أو انضحي)) بكسر الضاد فمعناه أيضا أعطي وأصل النضح
الرش وكأنه أمر بالتصدق بما تيسر وإن كان قليلا وفي الحديث ((أرضخي))
أي أعطي بغير تقدير ويطلق النضح أيضا على الصب ولعله المراد هنا
ويكون أبلغ من النفح ويفيد تكرار هذه الألفاظ تأكد أمر الصدقة والحث
عليها على أي حال تيسرت بكثير أو قليل بمقدر أو غير مقدر في الطاعة
والنهي عن الإمساك والبخل وعن ادخار المال في الوعاء(١) فقوله ((أنفقي أو
انفحي أو انضحي)) قال الحافظ (٢): الثلاثة بمعنى واحد.
قوله وية ((ولا تحصي فيحصي الله عليك)) أي لا تبخلي فتجازين على
بخلك وأصل هذا من الإحصاء الذي هو العد وعبر عن البخل بالإحصاء
لأن البخيل يعد ماله ويتحرز به ويغار عليه(٣) فيحتمل قوله ((ولا تحصي
فيحصي الله عليك)) وجهين [٩٥/ أ]:
أحدهما: أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير
كالشيء المعدود، والآخر: أن يحاسبك عليه في الآخرة كذا في الميسر (٤).
قوله وَل: ((ولا توعي فيوعي الله عليك)) أي لا تمسكي المال في الوعاء
(١) شرح النووي على مسلم (١١٨/٧-١١٩)، والمفهم (٤٢/٩).
(٢) أى المنذرى.
(٣) المفهم (٩ / ٤٢).
(٤) الميسر (٤٣٨/٢)، والكواكب الدراري (١٩٩/٧ -٢٠٠).