Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كتاب الجمعة
فالأصح وجوب الاغتسال سواء اغتسل في حال الكفر أو لم يغتسل (١).
تنبيه: اختلف العلماء في إيجاب الغسل على من أسلم، فقال مالك وأحمد
في المشهور عنه: يجب، وقال أبو حنيفة: هو مستحب إلا أن يكون جنبا
فيجب، وقال الشافعي في الأم: إذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق
رأسه للحديث المتقدم(٢).
ومنها: غسل المجنون إذا أفاق إن لم يتحقق الإنزال وكذا المغمى عليه،
وأصله أنه وَّ كان يغشى عليه في مرضه، فإذا أفاق اغتسل، وإذا شرع في الإغماء
ففي الجنون أولى؛ قال الشافعي رحمه الله: قل ما جن إنسان إلا أنزل(٣).
ومنها: الغسل للإحرام سواء كان لحج أو عمرة لأنه عليتلام اغتسل لإحرامه.
ومنها: الغسل لدخول مكة أي: ولو كان حلالا للإتباع وكذلك لدخول
المدينة أيضً، قال ابن الملقن: كما رأيته في كتاب ((الْأَقْسَام والخصال)) لأبي بكر
الْخفاف من قدماء أَصْحَابنَا الشافعية(٤)، وفيه: أنه يستحب لدخول الحرم أيضًا.
ومنها: الغسل للوقوف بعرفة ومزدلفة بالمشعر الحرام لا للمبيت بها.
ومنها: الغسل للرمي، أي: للجمرات الثلاث في أيام التشريق، كل يوم
غسلا فيكون له ثلاثة أغسال ولا يستحب لرمي جمرة العقبة لقرب غسله
(١) المجموع (١٥٢/٢-١٥٤)، وكفاية النبيه (١٢/٢ - ١٣).
(٢) الإلمام (ص ١٢٠).
(٣) كفاية النبيه (١٤/٢).
(٤) غاية السول في خصائص الرسول (ص: ١١٤).

٦٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
للوقوف بمزدلفة، ومنها: الغسل للطواف، أي: طواف الركن كذا قيده في
الكفاية، وللطواف بالبيت، نص الشافعي على هذه الأغسال في الأم، وأضاف
إليها في القديم: الغسل لطوافي الزيارة والوداع(١)، أ.هـ.
وأما مذهب الحنفية في الأغسال المسنونة فالغسل للجمعة والعيدين
والإحرام وعرفة وندب الاغتسال لدخول مكة والوقوف بالمزدلفة ودخول
المدينة والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ بالسن، نص عليه في الغاية شرح
الهداية لقاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي (٢).
فائدة: إذا أراد الاغتسال للمسنونات نوى أسبابها إلا الاغتسال من
الجنون، فإنه ينوي به الجناية، وكذا المغمى عليه، نقله صاحب المذاكرة عن
صاحب الفروع، وفيه نظر. فرع غريب: نقل في البحر (٣) عن المزني في
المنشور أن طهارة الصبي ناقصة حتى إذا بلغ لزمه إعادة الوضوء والغسل،
والله أعلم، ذكره في حادي النبيه على التنبيه.
فرع: غسل الجمعة وقته من طلوع الفجر، فإن اغتسل له قبل طلوع الفجر لم
يصح بخلاف غسل العيدين، فإنه يصح قبل طلوع الفجر وتقدم ذلك، والله أعلم.
(١) هادى النبيه (لوحة ١٩/ خ ٢١٢١ ظاهرية). هذه الأغسال تفنن الفقهاء المتأخرون في
جمعها والتساهل فیھا وأكثرها لا دلیل علیه.
(٢) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢٥٦/١) المحيط البرهاني في الفقه النعماني
(٦٢/٢) الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨١) العناية شرح الهداية (٤٩/٢) درر الحكام
شرح غرر الأحكام (١٣٦/١) والنجم الوهاج (٤٨٩/٢).
(٣) ينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٢/ ٦٢).

٦٢٣
كتاب الجمعة
فرع: هل يكره ترك غسل الجمعة؟ فيه وجهان حكاهما ابن التلمساني
وصحح الكراهة وهو ما أورده القاضي حسين، وحكاه الإمام عن
الصيدلاني، قال الإمام: وهو عندي جار في كل مسنون صح الأمر به مقصود .
أفرع : هل يختص استحباب الغسل بمن يحضر الجمعة ويكون الغسل
للصلاة أو يندب لكل أهل وإن لم يحضر ويكون لليوم كالعيدين، وجهان
أصحهما الأول لأنه روي أنه وَّ قال ((الغسل يوم الجمعة على من شهد
الجمعة)»(١) وتقدم ذلك.
رَظُولَهَا الذي رواه مسلم أنها قالت: كان الناس
ویشهد للثاني خبر عائشة
يتناوبون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء قد يصيبهم الغبار
فيخرج منهم الريح فأتي رسول الله وَ ◌ّ إنسان منهم وهو عنده فقال النبي وَّل
(لَوْ أَنَّكُمْ تَطَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا))(٢). لو على الأول يسن لكل حاضر وإن لم
يكن تلزمه الجمعة، وعلى الثاني يندب لكل أحد، وقيل لمن لم يحضر وإذا
كان من أهلها [١٨/ ب] ولكنه حبسه العذر يندب له و إلا فلا والله أعلم.
ذكر هذا الفرع والذي قبله ابن النقيب في مختصر الكفاية.
قوله وَّ في حديث أبي سعيد (وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ)(٣)
(١) أخرجه المروزي في الجمعة (٢٢) والعقيلى في الضعفاء (٥١/٣) عن عائشة. قال العقيلى: لا
يحفظ هذا اللفظ إلا في هذا الحديث اهـ وقال الإشبيلى في الأحكام الوسطى (٩٩/٢): وفيه
عبد الواحد هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال فيه أبو حاتم يعرف وينكر.
(٢) البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٨٤٧).
(٣) أخرجه مسلم (٨٤٦) وأبو داود (٣٤١) والنسائي (٢/ ٩٢).

٦٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
معناه: ويُسن له سواك قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل
وعلى العود الذي يتسوك به والتسوك فعلك بالمسواك ويقال ساك فمه يسوكه
سوكا، وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب كتب ثم قيل: أن السواك مأخوذ من
ساك إذا ذلك، وقيل من جاءت الإبل تساوك أي تتمايل هزالا وهو في اصطلاح
العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب العفرة وغيرها عنها والله أعلم.
ثم إن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال في الصلاة ولا في غيرها
بإجماع من يعتبر به في الإجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الإسفرائيني عن داود
الظاهر أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو
تركه لم تبطل صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره
نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح إيجابه عن
داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون
والأكثرون وإسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم. وقاله النووي(١)
وتقدم الكلام على السواك في بابه مبسوطًا.
قوله ◌َّ: ((ويسن من الطيب ما قدروا عليه)) معناه ويسن له مس الطيب،
وقوله: ((ما قدر عليه)) قال القاضي عياض (٢): مُحْتَمِلٌ لِتَكْثِيرِهِ وَمُحْتَمِلٌ
لِتَأْكِيدِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ بِمَا أَمْكَنَهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ
لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ فَأَبَاحَةُ لِلرَّجُلِ هُنَا لِلصَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٠/٦).
(٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢١/٢)، والمصدر السابق (١٣٥/٦).

٦٢٥
كتاب الجمعة
قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ إِن هَذَا يَوْم عيد
١٠٥٨ - وَعَن ابْن عَبَّاس ◌َا
جعله الله للْمُسلمين فَمِن جَاءَ الْجُمُعَة فليغتسل وَإِن كَانَ عِنْده طيب فليمس
مِنْهُ وَعَلَيْكُم بِالسِّوَاكِ رَوَاهُ ابْن مَاجَهُ بِإِسْنَاد حسن (١).
وَسَتَأْتِي أَحَادِيث تدل لَهَذَا الْبَابِ فِيمَا يَأْتِي مِن الْأَبْوَابِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على ترجمته.
قوله {وَجّ في يوم الجمعة: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين)) تقدم
الكلام على معنى العيد في أقوال العلماء رضى الله عنهم.
قوله وَاللّه: ((فمن جاء يوم الجمعة فليغتسل وان كان طيب فليمس منه
وعليكم بالسواك)) الحديث. تقدم الكلام على الغسل وعلى الطيب وعلى
السواك في الأحاديث المتقدمة والله أعلم.
(١) ابن ماجه (١٠٩٨)، والطبراني في المعجم الصغير (٧٤٩)، قال البوصير في الزوائد
(٣٦٧/١): هذا إسناد فيه صالح بن أبي الأخضر، لينه الجمهور، وباقي رجاله ثقات،
ورواه عبد العظيم المنذري في الترغيب، وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٧٠٩).

٦٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في التبكير إلى الجمعة
وما جاء فيمن يتأخر عن التبكير لغير عذر
١٠٥٩ - عَن أبي هُرَيْرَة زَّوَهُ أَن رَسُول الله ◌َلِّ قَالَ من اغْتسل يَوْمِ الْجُمُعَة
غسل الْجَنَابَة ثمَّ رَاحِ فِي السَّاعَة الأولى فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة وَمن رَاحِ فِي السَّاعَة
الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب بقرة وَمن رَاحِ فِي السَّاعَة الثّالِثَة فَكَأَنَّمَا قرب كَبْشًا أقرن
وَمِن رَاحِ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَة فَكَأَنَّمَا قرب دجَاجَة وَمن رَاحِ فِي السَّاعَة الْخَامِسَة
فَكَأَنَّمَا قرب بَيْضَة فَإِذا خرِج الإِمَام حضرت الْمَلَائِكَة يَسْتَمِعُون الذّكرِ رَوَاهُ
مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُدْ وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهَ(١).
١٠٦٠ - وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَابْن مَاجَه: ((إِذا كَانَ يَوْمِ الْجُمُعَة وقفت
الْمَلَائِكَة على بَابِ الْمَسْجِد يَكْتُبُونَ الأول فَالْأول وَمثل المهجر كَمثل الَّذِي
يهدي بَنَة ثمَّ كَالَّذي يهدي بقرة ثمَّ كَبْشًا ثمَّ دجَاجَة ثمَّ بَيْضَة فَإِذا خرج الإِمَام
طَوَوْا صُحُفهِمْ يَسْتَمِعُون الذّكرِ)) وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِ هَذِه(٢).
١٠٦١ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ: ((المستعجل إِلَى الْجُمُعَة
كالمهدي بَدَنَة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي بقرة وَالَّذِي يَلِيهِ كالمهدي شَاةٍ وَالَّذِي
(١) البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، ومالك في الموطأ (٢٦٦) وأبو داود (٣٥١)،
والترمذي (٤٩٩)، والنسائي (٩٩/٣)، وأحمد (٩٩٢٦)، وابن حبان (٢٧٧٥).
(٢) البخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠)، وابن ماجه (١٠٩٢)، والنسائي (٣/ ٩٧)، وابن خزيمة
(١٧٦٩).

٦٢٧
كتاب الجمعة
يَلِيهِ كالمهدي طيرًا)) (١).
وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: ((على كل بَاب من أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَوْم الْجُمُعَة ملكان
يكتبان الأول فَالأول كَرجل قدم بَدَنَة وكرجل قدم بقرة وكرجل قدم شَاة
وكرجل قدم طيرا وكرجل قدم بَيْضَة فَإِذا قعد الإِمَام طويت الصُّحُف))(٢).
(المهجر)): هُوَ المبكر الْآتِي فِي أول سَاعَة.
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته مبسوطًا.
قوله وَلّ: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة)) الحديث معناه: والله
أعلم غسلا كغسل الجنابة في الصفات وإنما قال ذلك لئلا يتساهل فيه ولا
تكمل آدابه ومندوباته، لكنه سنة وليس بواجب هذا هو المشهور في معناه
ولم يذكر جمهور العلماء غيره، قال النووي (٣): وقال بعض أصحابنا في كتب
الفقه المراد غسل الجنابة حقيقة قالوا ويستحب له مواقعة زوجته ليكون
أغض لبصره واسكن لنفسه وهذا ضعيف أو باطل والصواب ما قدمناه.
قوله مَّة: ((ثم راح في الساعة الأولى)) اختلف العلماء في المراد بالرواح من
قوله وير: ((من راح في الساعة الأولى)) فقيل المراد بالرواح الذهاب من أول
النهار والساعات محسوبة من ذلك وذهب مالك وكثير من أصحابه
والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات هنا
لحظات لطيفه بعد الزوال، والرواح عندهم بعد الزوال وَادَّعَوْا أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ
(١) ابن خزيمة (١٧٦٨)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٠).
(٢) ابن خزيمة (١٧٧٠) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٥/٦) والمجموع (٥٣٩/٤).

٦٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فِي اللُّغَةِ وحجة مالك أن التبكير لا يكون إلا بعد الزوال لأنه مقابل للغدو
وأنكر مالك التبكير إليها من أول النهار، وقال لم ندرك عليه أهل المدينة(١)،
ومذهب أحمد وأبي حنيفة والشافعي وجماهير أصحابه وابن حبيب المالكي
وجماهير العلماء استحباب التبكير إليها أول النهار والساعات عندهم من
أول النهار، والرواح يكون أول النهار وأخره، يقال: راح القوم وتروحوا إذا
ساروا أي وقت كان، وقال الأزهري (٢): لغة العرب أن الرواح الذهاب سواء
كان [١٩ / أ] أول النهار أو أخره أو في الليل وهذا هو الصواب الذي يقتضيه
الحديث، والمعنى لأن النبي د أخبر أن الملائكة تكتب من جاء في الساعة
الأولى وهو كالمهدي بدنة ثم من جاء في الساعة الثانية كالمهدي بقرة ثم
الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة، هذا المذكور من أن الساعات الخمس هو
المشهور في كتب الحديث، وفي رواية النسائي(٣) ست ساعات فإذا خرج
الإمام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك أحدٍ، ومعلوم أن النبي وَّ كان
يخرج إلى الجمعة متصلا بالزوال وهو بعد انقضاء الساعة السادسة، فدل
على أنه لا شىء من الهُدى ولا من الفضيلة لمن جاء بعد الزوال، ولأن ذكر
الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها والترغيب في فضل السبق
وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه ، وهذا
كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء
(١) إعلام الساجد (ص ٣٥٨-٣٥٩).
(٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٣٦٨/١).
(٣) سنن النسائي (١٣٨٨) والحديث متفق عليه في البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).

٦٢٩
كتاب الجمعة
يكون حينئذ ويحرم التخلف بعد النداء(١) والله أعلم.
قال: النووي (٢) واختلف أصحابنا هل تعتبر الساعات من طلوع الفجر أو
من طلوع الشمس؟ والأصح عندهم من طلوع الفجر (٣) لأنه أول النهار في
عرف الشرع عندنا(٤)، وقال في مختصر الكفاية: أولها من طلوع الشمس،
فلذلك ندب التبكير منه وهو وجه في المسألة ليكون ما قيل ذلك للغسل
والتأهب(٥) وقيل ليس المراد بالساعات الأربع والعشرين لأنها تنقص في
الشتاء وتزيد في الصيف، فلو قلنا بذلك كانت الجمعة في الشتاء عند العصر
لأنه وَّهِ عَدَّ خمس ساعات وجعل السادسة وقتها للجمعة بل المراد ترتيب
الدرجات وفضل السابق على الذي يليه لئلا يستوي من جاء في طرفي ساعة،
بهذا جزم الرافعي وتبعه في الروضة(٦). وقال النووي في شرح مسلم(٧):
والأصح أن الساعة معتبره من طلوع الفجر ثم إن من جاء في أول ساعة من
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٥/٦-١٣٦) والمجموع (٤ /٥٤٠). وعمدة القاري
(١٧٣/٦).
(٢) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤٨٥/٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦).
(٤) كفاية النبيه (٣٧٤/٤).
(٥) مختصر الكفاية (لوحة ٤ / خ ٢١٧٦ ظاهرية).
(٦) كفاية النبيه (٤ /٣٧٤)، وينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (٥٣٩/٢) منهاج الطالبين
وعمدة المفتين في الفقه (ص: ٤٦) التذكرة في الفقه الشافعي لابن الملقن (ص: ٣٧).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٣٦/٦).

٦٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هذه الساعات، ومن جاء في أخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة
أو الكبش، ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء في آخر الساعة، وبدنة
المتوسط متوسطة، وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد
بسبع وعشرين درجه، ومعلوم أن الجماعة تطلق على الإثنين وعلى ألوف، فمن
صلى في جماعة هم عشرة ألوف له سبع وعشرون درجة، ومن صلى مع إثنين له
سبع وعشرون درجه، لكن درجات الأول أكمل وأشباه هذا كثيرة معروفة، وفيما
ذكرته جواب عن اعتراض ذكره القاضي عياض (١) والله أعلم، ا.هـ.
وقال في مختصر الكفاية (٢) : أن من قرب بقرة لا يساويه في الفضيلة من
قرب بقرة دونها وان استويا في أصل البقرة، كمن أتى بالصلاة مستوفية السنن
واقتصر آخر على الإتيان بفرضها، فلا يبعد أن يسوي الشرع بينهما في أصل
الفضل إذا حضر في ساعة ويزيد فضل المتقدم(٣) ا. هـ.
وهذا هو الذي اختاره النووي في شرح المهذب(4) في معنى الحديث ا.هـ.
(١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢١/٢)
(٢) ينظر: المدونة (٢٢٧/١) التاج والإكليل لمختصر خليل (٥١٧/٢) حاشية العدوي على
كفاية الطالب الرباني (٣٦٨/١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك
لأقرب المسالك (٤٩٣/١) الرسالة للقيرواني (ص: ٤٦) النوادر والزيادات على ما في
المدونة من غيرها من الأمهات (٤٥١/١) التلقين في الفقة المالكي (٥١/١) الكافي في
فقه أهل المدينة (٢٤٨/١) الذخيرة للقرافي (٣٢٧/٢)
(٣) كفاية النبيه (٣٧٦/٤-٣٧٧).
(٤) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٤١).

٦٣١
كتاب الجمعة
وقال أبو طالب المكي في كتابه ((قوت القلوب)) (١): الساعة الأولى من
صلاة الصبح، والثانية عند ارتفاع الشمس، والثالثة عند انبساطها، وهو
الضحى الأعلى إذا رمضت الأقدام بحر الشمس، والرابعة قبل الزوال،
والخامسة إذا زالت الشمس أو مع استوائها، ولا فضل لمن أتى بعد الساعة
الخامسة إلا فضيلة صلاة الجمعة.
قوله وَله: ((فكأنما قرب بدنة)) أتى تعرف بها وقال في النهاية (٢) أي كأنما
أهدى ذلك إلى الله تعالى، كما تهدى القربات إلى بيت الله الحرام، والبدنة:
قال جمهور أهل اللغة وجماعة من الفقهاء يقع على الواحدة من الإبل والبقر
وسميت بذلك لعظم بدانتها(٣)، وهي الضخامة لأنها تبدن أي تسمن(٤).
وخصها جماعة بالإبل، والمراد هنا الإبل بالاتفاق لتصريح الحديث بذلك،
والبدنة والبقرة تقعان على الذكر والأنثى باتفاقهم(٥) وشرطها أن تكون في
سن الأضحية عند [١٩/ ب] الفقهاء واللغويين. وجمع البدنة بدن وقال الله
تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) أي من أعلام دين الله لكم (٦) فيها
فيها خير، قال ابن عباس: ((نفع في الدنيا وأجر في الآخرة))(٧).
(١) ينظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٦/ ٢) فتح الباري لابن حجر (٣٥٤/٢).
(٢) النهاية (٤/ ٣٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٦/٦).
(٤) الغريبين (١ / ١٥٧)
(٥) شرح النووي على مسلم (١٣٦/٦ -١٣٧).
(٦) النجم الوهاج (٤٩٩/٩)، وحياة الحيوان (١٦٨/١).
(٧) تفسير ابن أبي حاتم-محققا (٢٤٩٤/٨)، وحياة الحيوان (١٦٨/١).

٦٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وديّة: ((ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة» أي تصدق بها
والبقرة تقع على الذكر والأنثى(١). بالاتفاق كما تقدم.
فائدة: قال في شرح الإلمام: وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر
في الهدايا، واختلفوا في الأضحية فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور
كذلك، ثم البقر ثم الغنم لهذا، ومذهب الإمام مالك أن الأفضل فيها الغنم ثم
البقر ثم الإبل (٢) نظرا إلى طيب اللحم (٣) ولأن النبي ◌َّ ضحى بكبشين(٤)، قلنا
قلنا طيب اللحم لا يوازي الكثرة وعموم النفع، وأما الضحية بكبشين فبحسب
ما وجد أو لتبيين الجواز، وقد ضحى النبي ◌َّ عن نسائه بالبقر(٥) قالوا: لا
نسلم فإنما هو هدي وأطلق الراوي عليه التضحية لشبهها به، ولان ذلك في منى
ولا ضحية على الحاج قلنا: لا نسلم بل أكثر أهل العلم على أنهم يضحون
والهدي اسم له يجمعه ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا عند التعذر والله
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٦ -١٣٧).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧)
(٣) انظر المنتقى (٣١٥/٢) و(٨٨/٣) والمسالك (١٧٤/٥) وإكمال المعلم (٤٠٥/٦).
(٤) أخرجه البخاري (١٥٥١) و(١٧١٢) و(١٧١٤) و(١٧١٥)، ومسلم (١٧ و١٨ -
١٩٦٦)، وابن ماجه (٣١٢٠)، وأبو داود (٢٧٩٣) و(٢٧٩٤)، والترمذي (١٤٩٤)،
والنسائي في المجتبى ١٢١/٧ (٤٤٢٦) و١٣١/٧ (٤٤٢٧) و(٤٤٢٨) و١٥١/٧
(٤٤٥٦) و(٤٤٥٧) و ١٥٢/٧ (٤٤٥٨ و٤٤٥٩) عن أنس.
(٥) انظر: شرح النووي على مسلم (١٣٧/٦). وتضحيته (د) بالبقر: أخرجه البخاري (٢٩٤)
و (٥٥٤٨) و(٥٥٥٩) ومسلم (١١٩-١٢١١)، وابن ماجه (٢٩٦٣)، والنسائي في
المجتبى ٤٣٤/١ (٢٩٥) عن عائشة.

٦٣٣
كتاب الجمعة
أعلم.
وأيضًا فما يجزىء عن سبعة كيف لا يكون أفضل مما يقع عن واحدة لا
غير وفيه فضيلة الهدايا والقربات والصدقات وأن المراد بالإهداء هنا الصدقة
والتقرب.
واعلم أن الهدي المطلق يقع على الإبل والبقر والغنم ويجوز اطلاقه على
سواها بقيد وقرينة والله أعلم ا.هـ.
وَسُمِّيَتْ بَقَرَةٌ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشْقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ وَالْبَقْرُ بإسكان القاف
الشَّقُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَقَرَ بَطْنَهُ وَمِنْهُ سُمِّيَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ رََّهُ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ
وَدَخَلَ فِيهِ مَدْخَلا بَلِيغًا وَوَصَلَ مِنْهُ غَايَةً مَرْضِيَّةً(١) ومنه أيضا حديث عمر
رَوََّ ((اتَّقُوا اللهَ فِي الْفَلََّّحِينَ)) (٢) يَعْنِي الزَّزَّاعين الَّذِينَ يَفْلَحونَ الأَرض أَي
يشقُّونها(٣) ا. هـ
قوله وية: ((ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن)) الحديث،
وصف الكبش بأقرن لأنه أكمل وأحسن صورة وأن قرنه ينتفع به، والكبش
الأقرن هو الذي التقى طرفا قرنيه من العظم(٤).
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧)، والعدة (٦٨٥/٢).
(٢) أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (١٣٢)، وسعيد بن منصور في السنن (٢٦٢٥)، وابن أبي
شيبة ٤٨٣/٦ (٣٣١٢٠)، والبيهقي في الكبرى (١٥٥/٩ رقم ١٨١٥٩) من طريق يزيد
بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، عن عمر بن الخطاب.
(٣) المجموع المغيث (٢/ ٦٣٥٠٦٣٦)، والنهاية (٤٦٩/٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٧) والعدة (٦٨٦/٢).

٦٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وَية ((ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة)) أي تصدق
بها، والدجاجة مثلثة الدال حكاه ابن معين الدمشقي، وابن مالك وغيرهما ،
الواحدة دجاجة، الذكر والأنثى فيه سواء سميت الدجاجة دجاجة لإقبالها
وإدبارها يقال: دَجَّ القَوْمُ يَدِجُونَ دَجّاً ودَجِيجًا ودَجَجانً: مَشَوْا مَشْيَا رُوَيْداً
فِي تَقَارُبِ خَطْوِ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يُقْبِلُوا وَيُدْبِرُوا (١) والله أعلم.
أعجوبة ومن عجب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا تخشاها فإذا مر بها
ابن أوى وهي على سطح رمت نفسها إليه وتوصف بقلة النوم وسرعة
الانتباه، ويقال أن نومها واستيقاظها، وإنما هو بمقدار خروج النفس
ورجوعه، ويقال: إنها تفعل ذلك من شدة الجبن وأكثر ما عندها من الحيلة
أنها لا تنام على الأرض بل ترتفع على رف أو جزع أو جدار أوما قارب
ذلك. وإذا غربت الشمس فزعت إلى تلك العادة وبادرت إليها والله أعلم
قاله في حياة الحيوان(٢).
قوله وَيقة: ((ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة)) والدجاجة
والبيضة ليستا من الهدي وإنما هو من الإبل والبقر وفي الغنم خلاف (٣) فهو
محمول على حكم ما تقدم من الكلام لأنه لما قال أهدى بدنة وأهدى بقرة
وشاة أتبعه الدجاجة والبيضة كما تقول: أكلت طعامًا وشرابًا والأكل يختص
(١) حياة الحيوان (٤٥٨/١) والمحكم لابن سيده (١٨٩/٧).
(٢) حياة الحيوان (٤٥٨/١).
(٣) شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٨٢)، والنهاية (٢٥٤/٥).

٦٣٥
كتاب الجمعة
بالطعام دون الشراب ومثله قول الشاعر : مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا.
والتقليد بالسيف دون الرمح ا.هــ قاله في النهاية(١).
لطيفة عجيبة: حكى ابن خلكان (٢) في ترجمة الهيثم بن علي أن رجلا من
الأولين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشوية فجاءه سائل فرده خائبا وكان
الرجل مترفًا فوقع بينه وبين امرأته فرقة، وذهب ماله ،وتزوجت امرأته،
فبينما الزوج الثاني [٢٠ / أ] يأكل وبين يديه دجاجة مشوية جاءه سائل له فقال
لامرأته: ناوليه الدجاجة ، فناولته، ونظرت إليه فإذا هو زوجها الأول فأخبرته
بالقصة ، فقال الزوج الثاني وأنا والله ذلك المسكين الأول، خولني الله نعمته
وأهله لقلة شكره ا.هـ، قاله في حياة الحيوان(٣).
قوله وقال: ((فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) الحديث
حضرت بفتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان(٤)، الفتح أفصح وأشهر وبه جاء
القرآن العزيز قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اٌلْقِسْمَةَ﴾(٥) الآية، وقالوا: المراد
بهؤلاء الملائكة هنا هم غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضر الجمعة، قوله:
(يستمعون الذكر)) المراد بالذكر هنا: الخطبة، قوله: في الرواية الأخرى ((ومثل
(١) غريب الحديث (٣٢٩/١-٣٣٠) للخطابى، وإكمال المعلم (٢٤٠/٣)، والنهاية في
غريب الحديث والأثر (٢٥٤/٥).
(٢) وفيات الأعيان (١٠٨/٦).
(٣) حياة الحيوان (١/ ٤٦١).
(٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٦٣٢) لسان العرب (٤ /١٩٦).
(٥) سورة النساء، الآية: ٨.

٦٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المهجر)) الحديث.
المهجر: هو المبكر الأتي في أول ساعة (١) ا. هـ. قاله الحافظ (٢).
وقال الخليل بن أحمد (٣) وغيره من أهل اللغة وغيرهم: التهجير التبكير
ومنه الحديث: ((لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه)) أي التبكير إلى كل
صلاة هكذا فسروه، قال القاضي(٤): وقال الحربي عن أبي زيد عن الفراء
وغيره: التهجير السير في الهاجرة، والصحيح هنا أن التهجير التبكير (٥).
قوله في الحديث: ((فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر))
وفي الرواية الأخرى: ((فإذا جلس الإمام طووا الصحف)) (٦) ولا تعارض
بينهما بل ظاهر الحديثين أن بخروج الإمام يحضرون ولا يطوون الصحف
فإذا جلس على المنبر طووها أي ولم يكتبوا بعد ذلك أحدا، وهذا يقوي ما
قيل بأن الإمام يخرج في أول السابعة متصلا بالزوال وهم لا يكتبون أحدا
حينئذ فكيف يقال أنها من الزوال وأيضا فإنه يحرم التخلف بعد النداء.
وفي هذا الحديث الحث على التبكير إلى الجمعة، وإلى كل عبادة
وفضيلة بالسبق إليها (٧) ا. هـ. قاله في شرح الإلمام.
(١) القاموس المحيط (ص: ٣٧٦) تاج العروس (١١/ ٣٧).
(٢) أي الحافظ المنذري وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٥٧/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤٥/٦).
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٣٩/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٤٥/٦).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٤٥/٦).
(٦) سبق تخريجه.
(٧) انظر: المجموع شرح المهذب (٥٤٠/٤-٥٤١)، وشرح النووي على مسلم (١٣٦/٦)،
=

٦٣٧
كتاب الجمعة
وفي الحديث: استحباب الجلوس للخطيب أول صعوده حتى يؤذن المؤذن
وهو مستحب عند الشافعي ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية
عنه أنه لا يستحب، ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح،
والدليل على أنه ليس بواجب أنه ليس من الخطبة(١) ا.هـ.
أما فقه حديث الجمعة: ففيه الحث على التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب
الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم، وهو من باب قول الله عز
وجل [إن أكرمكم عند الله أتقاكم]، وفيه أن القربات، والصدقة تقع على
القليل والكثير، وقد جاء في رواية النسائي (٢): بعد الكبش بطة ثم دجاجة ثم
بيضة، وفي رواية له: بعد الكبش دجاجة ثم عصفور ثم بيضة (٣)، وإسناد
الروايتين صحيحان قاله النووي في شرح مسلم(٤)، وفيه أن التضحية بالإبل
أفضل من البقر لان النبي ◌ٍَّّ قدم الإبل وقد جعل البقر في الدرجة الثانية،
وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا.
قوله في الرواية الأخرى: ((وعلى كل باب من أبواب المساجد ملكان
(١٣٦/٦)، وطرح التثريب (١٧١/٣-١٧٢).
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٦).
(٢) أخرجه النَّسائيُّ (١٣٨٥) وأحمد في المسند (٢٥٩/٢)، والدارمي في سننه (١٥٤٤).
(٣) أخرجه النَّسائيُّ (١٣٨٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٦/٢٢)، عن أبي هريرة. والإمام
أحمد في المسند (٣/ ٨١)، عن أبي سعيد الخدري .
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣٦/٦).

٦٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يكتبان الأول فالأول)) الحديث. الأول فالأول: بفتح الهمزة وتشديد الواو
وظاهره أن الأول يستدعى ثانيا، فيه خلاف وينبني عليه ما لو قال: أول من
يفعل كذا فهو جزاؤه فله درهم ففعله واحد ولم يفعله بعده أحد، هل يستحق
أم لا؟ الراجح الأول وسمي الثاني أولا باعتبار الثالث، والثالث باعتبار
الرابع، والمراد السابق، فتسمية الثاني سابقا باعتبار ما بعده صحيح، وتسميته
الأول مجاز بهذا المعنى ا.هـ، قاله شارح الإلمام.
١٠٦٢ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُبِ رََّّهُ أَن رَسُول اللّهَ وَّلِ ضرب مثل يَوْم
الْجُمُعَة ثمَّ التبكير كَأَجرِ الْبَقَرَة كَأَجرِ الشَّاة حَتَّى ذكر الدَّجَاجَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه
بِإِسْنَاد حسن (١).
قوله: وعن سمرة بن جندب الصحابي(٢)، وجندب بضم الدال، وفتحها، هو
أبو سعيد، ويقال أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، وأبو سليمان، وأبو محمد
سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بحاء مهملة مفتوحة، ثم راء مكسورة، ثم
[٢٠/ ب] مثناه تحت، ثم جيم، بن مرة بن عمرو بن جابر بن خشین بخاء
مضمومة وشين معجمتين ابن غطفان الفزارى توفي أبوه وهو صغير فقدمت أمه
المدينة فتزوجها أنصاري وكان في حجره، حتى كبر قيل أجازه النبي رَّ في
المقاتلة يوم أحد وغزا مع النبي ◌َّ غزوات ثم سكن البصرة، وكان زياد
(١) ابن ماجه (١٠٩٣)، والطبراني في الكبير (٦٩٦٨)، قال البوصيري في الزوائد (١/ ٣٦٤)،
هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧١١).
(٢) الإصابة ٧٨/٢، الاستيعاب: ٦٥٣، أسد الغابة ٢ / ٣٥٤.

٦٣٩
كتاب الجمعة
يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا سار إلى البصرة،
وكان في كل واحدة منهما ستة أشهر وكان شديدا على الخوارج روي له عن
النبي وَخلال مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا اتفقا منها على حديثين وانفرد
البخاري بحديثيين، ومسلم بأربعة توفي رقمواته بالبصرة سنة تسع وقيل ثمان
وخمسين، وقال البخاري(١) توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال آخر سنة تسع
وخمسين، ويقال سنة ستين، وفي صحيح البخاري ومسلم عن سمرة، قال: لقد
كنت على عهد رسول لإ غلاما فكنت أحفظ عنه فما منعني من القول إلا أن
هنا رجالا هم أسن مني (٢). ذكره النووي في تهذيب الأسماء(٣).
قوله: أن رسول الله وَخلال ضرب مثل الجمعة ((ثم التبكير كأجر البقرة كأجر
الشاة)) الحديث تقدم معناه في الحدیث قبله.
١٠٦٣ - وَعَن أبي أُمَامَةِ رَّالََّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وََّ تقعد الْمَلَائِكَة يَوْم
الْجُمُعَة على أَبْوَابِ الْمَسَاجِد مَعَهم الضُّحُف يَكْتُبُونَ النَّاس فَإِذا خرج الإِمَام
طويت الصُّحُف قلت يَا أَبَا أَمَامَة لَيْسَ لمن جَاءَ بعد خُرُوج الإِمَامِ جُمُعَة قَالَ
بِلَى وَلَكِن لَيْسَ مِمَّن يَكْتب فِي الصُّحُف رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِي
إِسْنَاده مبارك بن فضَالة (٤).
(١) التاريخ الكبير ١٧٦/٤.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٢ و١٣٣١ و١٣٣٢) ومسلم (٨٧ و٨٨-٩٦٤) واللفظ لمسلم.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٥/١ -٢٣٦ ترجمة ٢٣٣).
(٤) أحمد (٢٢٢٦٨)، والطبراني في الكبير (٨٠٨٥)، قال الهيثمي (١٧٧/٢)، وفيه مبارك بن
=

٦٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٠٦٤ - وَفِي رِوَايَة لأحمد زَّوَّهُ سَمِعت رَسُول الله وَّةٍ يَقُول تقعد
الْمَلَائِكَة على أَبْوَابِ الْمَسَاجِد فيكتبون الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث حَتَّى إِذا خرج
الإِمَام رفعت الصُّحُف ورواة هَذَا ثِقَات (١).
قوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة .
قوله وَجُلّ: ((تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد معهم
الصحف يكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف)) ويسن التبكير إلى
الجمعة أي من المأمومين لقول الله تعالى [يسارعون في الخيرات وهم لها
سابقون] ولقوله 18ه في الحديث الآخر ((على كل باب من أبواب المسجد
ملائكة الأول فالأول)»(٢)، وذكر حجة الإسلام الغزالي في الإحياء(٣) أنه قيل
أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع يوم الجمعة، وأن الناس
في القرن الأول كانوا يمشون سحرا، والطرقات مملوه بالناس، وبالسُروج
كأيام الأعياد ا.هـ. وتقدم الكلام على الملائكة أنهم غير الحفظة.
١٠٦٥ - وَعَن عَلَيّ بن أبي طَالب ◌َّ ◌َ قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة خرجت
الشَّيَاطِين يريثون النَّاس إِلَى أسواقهم وتقعد الْمَلَائِكَة على أَبْوَابِ الْمَسَاجِد
فضالة وقد وثقه جماعة وضعفة آخرون، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٧١٢).
(١) أحمد (٢٢٢٤٢)، وقال الهيثمي (١٧٧/٢)، ورواة أحمد ثقات.
(٢) أخرجه البخاري (٩٢٩) و(٣٢١١)، ومسلم (٢٤ و٢٥ - ٨٥٠) عن أبي هريرة.
(٣) الإحياء (١ / ١٨٢).