Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الصلاة ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد وَّخلال نبي الرحمة الحدیث، وفیه: فانطلق الرجل فصنع ما قاله له عثمان بن حنیف ثم اتی باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذه بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك، فذكر حاجته فقضاها الحديث، وزاد محمد بن يونس في روايته [فقام،] وقد أبصر (١) يعني الرجل الأعمى، وفي رواية شعبة [قال: ففعل] الرجل فبرأ، وفي رواية: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتجلى عن بصري اللهم شفعه لي وشفعني في نفسي (٢) ذكر هذه الزيادات الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه (سير السلوك). قوله: ((ائت الميضأة)) الميضأة بكسر الميم وبالياء المثناة من تحت وبهمزة بعد الضاد المعجمة الركوة والإداوة والمطهرة والإبريق كلها بمعنى متقارب وهي الإناء الذي يتوضأ به. قوله: فأجلسه معه على الطنفسة، قال الحافظ: الطنفسة مثلثة الطاء والفاء أيضا وقد تفتح الطاء وتكسر الفاء اسم للبساط وتطلق على حصير من سعف يكون عرضه ذراعا،أ.هـ. وقال في النهاية: هي البساط الذي له خمل رقيق وجمعه طنافس (٣)،أ.هـ. قال الشيخ تقي الدين الحصني في كتابه المذكور: (١) عند ابن قانع (٢٥٧/٢). (٢) أخرجه يعقوب الفسوى في المعرفة والتاريخ (٢٧٢/٣) ومشيخته (١١٣) والطبراني (٣٠/٩) وابن السنى (٦٢٨). (٣) النهاية (٣/ ١٤٠). ٤٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وليس في هذا الحديث أنه فعله في حضرته عليه الصلاة والسلام ولا فيه التقييد بزمن حياته وي ل﴿ ولا خاص بهذا الضرير، بل إطلاقه يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن هذا التوسل يستمر في أمته بعد وفاته شفقة عليهم لاحتياجهم إلى ذلك، ومما يدل على ذلك أن عثمان بن حنيف راوي الحديث هو وغيره فهموا التعميم ولهذا استعمله هو وغيره بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا الأثر من أقوى الأدلة على الاحتياج به لفعل عثمان بن حنيف [٢٧٨] وغيره به بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وهم أعلم بالله تعالى وبرسوله ﴾ من غيرهم (١)،أ.هـ. قال بعضهم: في هذا الحديث يعني حديث عثمان بن حنيف دليل واضح على أن التوجه بالنبي وَّلا ينبغي لقضاء الحوائج وكذلك التوسل به ولا جاه أعظم من ذلك ولا أحسن، قال شيخ الإسلام النووي في تهذيبه في ترجمة عقبة بن عامر الجهني أنه كان البريد إلى عمر بن الخطاب [بفتح] دمشق ووصل على المدينة في سبعة أيام ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف بدعائه عند قبر رسول الله ◌َي وتشفعه به في تقريب طريقه(٢)، انتهى قاله في الديباجة، وفيها أيضاً: ورأيت في كتاب حسن التصرف للشيخ الإمام العلامة الشيخ علاء الدين القونوي قال منصور بن عبد الله: سمعت ابن الجلاء يقول: دخلت مدينة رسول الله وَلَه وبي فاقة فقدمت على القبر الشريف (١) دفع شبه من شبه وتمرد (ص ١١٩-١٢١). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣٣٦/١). ٤٦٣ كتاب الصلاة فسلمت على رسول الله وَّل وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر ثم قلت: يا رسول الله بي فاقة وأنا ضيفك الليلة ثم تنحيت ونمت بين القبر والمنبر فإذا أنا بالنبي جاءني ودفع إللا رغيف خبز فأكلت نصفه وانتبهت وإذا في يدي نصف الرغيف (١)، قال: وعاش ابن الجلاء بعد ذك أربعين سنة لم يحتج فيها إلى طعام الدنيا ولا إلى شرابها ببركة تلك الأكلة، وذلك لما جاء عن رسول الله وَ ل﴾ من قوله: ((من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي))(٢) والظاهر أن ما أتاه النبي وَليّة من طعام الجنة ومن أكل طعامها استغنى عن طعام الدنيا وأورد السلمي هذه الحكاية الصوفية عن أبي الخير الأقطع وفيها دلالة على التوسل به ګ في الحاجات بعد وفاته کالتوسل به في حال حياته وأن علمه وَي بعد موته كعلمه في حياته (٣)، وقد روى الحافظ أبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَليه ((من صلى علي في يوم جمعة وليلة جمعة مائة صلاة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ووكل الله بذلك ملکا يدخله على قبري كما يدخل عليكم [الهدايا] إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة)) (٤). (١) دفع شبه من شبه وتمرد (ص ١٢٥). (٢) أخرجه البخاري (٦٩٩٤)، ومسلم (١٠ و١١- ٢٢٦٦). (٣) دفع شبه من شبه وتمرد (ص ١٢٥ - ١٢٦). (٤) أخرجه ابن منده في الفوائد (٥٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٩٥٦ و١٦٧٤). وقال الألباني: موضوع. ٤٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قال الشيخ علاء الدين وهذا وأمثاله من الأخبار ترد على هؤلاء المبتدعة الذين ابتدعوا في زماننا ومنعوا التوسل برسول الله و ◌َل بعد وفاته وقد جمع بعضهم كاملا يتضمن نفي علمه وَّخليل بعد الوفاة قال أبو محمد بن حزم في كتابه الذين صنفه في الملل والنحل(١) حدثت فرقة مبتدعة تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ليس هو اليوم رسول الله لكنه كان رسول الله وَآل خلال، ثم قال: وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله عز وجل ولرسوله وَ﴾ ولما عليه جميع أهل الإسلام منذ كان أهل الإسلام إلى يوم القيامة قال: وإنما حملهم على هذا الرأي الخبيث قولهم الآخر الخبيث أن الروح عرض والعرض يفني أبداً ويحدث ولا يبقى وقتين قال: فروح رسول الله وَل عند هؤلاء قد فنى وبطل ولا روح له الآن وجسده في قبره موات فبطلت نبوته ورسالته بموته عندهم نعوذ بالله من هذا القول فإنه كفر صراح لا تردد فيه ويكفى في بطلان هذا القول الفاحش الفضيح أنه مخالف لما أمر الله تعالى به رسوله وَّئية، واتفق عليه أهل الإسلام من الأذان في الجوامع [٢٧٨/ ب] والصوامع وأبواب المساجد جهارا في شرق الأرض وغربها كل يوم خمس [مرات في كل قرية من شرق الأرض إلى غربها بأعلى] أصواتهم، قرن الله بذكر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وكان يجب على قولهم أن يقال: وأشهد أن محمدا كان رسول الله وكذلك كان يجب أن يقول من يأتي بالشهادتين للدخول في الإسلام وقد قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلَا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن (١) الفصل في الملل والنحل (٧٥/١-٧٦). ٤٦٥ كتاب الصلاة (٢) قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصُهُمْ عَلَيْكَ﴾(١) وقال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وقال: ﴿وَجِأْىّءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾(٣) فسماهم الله تعالى بعد موتهم وفي القيامة رسلا ونبيين [قلت: وأوضح دلالة على [وصفه] بصفة الرسالة بعد مماته وَّل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّ رَسُولٌ﴾(٤) وقوله: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٥) الآية]، والأصل الحقيقة وذلك أجمع المسلمون وجاء به النص أن كل مصل فرضا أو نفلا يقول في تشهده السلام عليك أيها النبي ورحمت الله وبركاته، ولو كان بعد موته في حكم العدم لما صحت هذه المخاطبة هذا معنى كلام ابن حزم وقد صح عن رسول الله وقيل أنه أخبر بأن لله تعالى ملائكة يبلغونه منا السلام وأنه من رآه في النوم فقد رآه وهذا يبطل قول من ألحقه وَّ بالعدم في العلم وغيره، ومما يدل على أنه ◌َّخلال بعد الموت في حكم الأحياء من الفروع أن إمام الحرمين حكي وجهين فيما خلفه رسول الله ◌ُّه من المال أنه باق على ملكه وَّةٍ، والثاني: أن سبيل ما خلفه سبيل الصدقات(٦) کیف لا وهو سيد الشهداء وأفضل منهم بلا خلاف وقد قال الله فيهم ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ (١) سورة النساء، الآية: ١٦٤. (٢) سورة المائدة، الآية: ١٠٩. (٣) سورة الزمر، الآية: ٦٩. (٤) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤. (٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٣. (٦) نهاية المطلب (٢١/١٢). ٤٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يُرْزَقُونَ ﴾﴾(١) الآية فهو أولى بذلك،أ.هـ. فائدة: الجلاء المذكور في الحكاية بفتح الجيم وتشديد اللام ألف اسم لمن يجلو الشيء كالمرآة والسيف ونحوهما، واشتهر بهذه النسبة أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء البغدادي نزل الشام وسكن الرملة وصحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي توفي في رجب سنة ست وثمانمائة وكان لم يحل شيئا قط وغنما كان يتكلم على الناس فتجلوا قلوبهم فسمي الجلاء (٢). أ.هـ تنبيه: سئل الشيخ الإمام العلامة عز الدين بن عبد السلام قدس الله سره (٣): هل يكره أن يسأل الله بعظيم من خلقه كالملك والنبي والولي. أجاب رَّه: بأنه جاء عن النبي ◌َّ أنه علم بعض الناس اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد وقّه نبي الرحمة إلى آخر الحديث فإن صح ينبغي أن يكون معه مقصوراً على النبي وَّ لأنه سيد ولد آدم ولا يقسم على الله تعالى بغير من الأنبياء والملائكة لأنهم ليسوا في درجته ويكون هذا من خواصه والحديث خرجه [الترمذي] وقال: حديث حسن صحيح غريب (٤)،أ.هـ [بيض المصنف هنا بياضا قدر عشرة أسطر من هذا المنسوخ ولم نحك ذلك (١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩. (٢) اللباب (٣١٨/١). (٣) النجم الوهاج (٢/ ١٨٧). (٤) أخرجه الترمذي (٣٥٧٨). ٤٦٧ كتاب الصلاة لشدة ارتباط الكلام، والله أعلم]. قال الشيخ تقي الدين الحصني رحمه الله(١): واعلم وفقنا الله عز وجل لمرضاته وفتح لنا من أسرار آياته ما تحيى به قلوبنا في مناجاته أنه عليه أفضل الصلاة والسلام لم يزل يتوسل به قبل خلقه وبروزه إلى الوجود وكذا بعد وجوده في حال حياته وكذا بعد وفاته في البرزخ وكذا في عرصات القيامة وذلك معلوم ومشهور والأدلة السمعية والعلمية على ذلك معلومة ومشهورة جاء بعض الزنادقة ممن هو مشهور بالعلم ويدعي شيخ الإسلام قاتله الله تعالى لاعتقاده السيئ أنه عليه الصلاة والسلام بوفاته بطل جاهه وأقام على ذلك فتيا وكتب عليها بخطه غرضه واعتقاده الفاسد، ومن جملة ما كتبه على الفتيا: المسلمون متفقون على أن الميت لا يسأل ولا يدعى ولا يطلب منه شيء سواء كان نبيا أو شيخا أو غير ذلك [٢٧٩ / أ] فلما وقف المسلمون عند قوله قالوا: هذا كفر متعين لأنه سوى بين الأنبياء وغيرهم ومن حط رتبة نبي عما يجب له فقد كفر وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين لاسيما نبينا وَال فإنه يستحق من التعظيم أكثر مما يستحق غيره سواء ذلك في حياته وبعد وفاته ولا يرتاب في ذلك من في قلبه دين وبما جاء به وفيه كفر من جهة إلحاق غير النبي بالنبي وَلّ وهذه نزعة رافضية وكفر محقق لأنه عليه الصلاة (١) هذا الكلام من كتاب الحصنى الموسوم بدفع شبه من شبه وتمرد (١٠٣-١٢١) وقد حمل فيه وجار وظلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة وما ذكره في كتابه السابق فيه ما لا يخفى من منابذة عقيدة السلف في مسألة التوسل بل وفى مسائل الأسماء والصفات وعباراته تمتلأ بالتكفير والتجهيل والتضليل لمن لزم منهج السلف في المعرفة وفى الطلب. ٤٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والسلام حرمته وقدره ومرتبته ومنزلته عند ربه ما زالت ولم تزل وهو سيد ولد آدم وأكرمهم على الله عز وجل على الدوام، وفي حديث عائشة ◌َّالًّا: أن جبريل عَل قال: ((قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد)) وفي رواية ابن وهب: أنه عليه الصلاة والسلام قال: قال الله تعالى: سل یا محمد فقلت ما أسأل يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما واصطفيت نوحا وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فقال الله عز وجل: أعطيتك خيرا من ذك أعطيتك الكوثر وجعلت اسمك مع اسمي ينادي في جوف السماء، وحكي أبو محمد مكي وأبو الليث السمر قندي وغيرهما أن آدم ◌َلما عند اقترافه قال: اللهم بحق محمد عليك إلا غفرت لي خطيئتي، ويروي: تقبل توبتي، فقال الله عز وجل: من أين عرفت محمدا؟ قال: في كل موضع من الجنة مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله وَّي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب الله عليه وغفر له، وفي رواية الآجري: فقال آدم ثَلاثًا لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أعظم قدرا عندك ممن تعدل اسمه باسمك فأوحي الله تعالى إليه: وعزتي وجلالي إنه آخر الأنبياء من ذريتك ولولاه ما خلقتك، وفي حديث ابن عمر الذي رواه الحاكم قال آدم: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله عز وجل: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه، قال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك ٤٦٩ كتاب الصلاة فقال الله عز وجل: ((صدقت يا آدم أنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك)) ورواه الحاكم أيضا من حديث ابن عباس بلفظ: أوحى الله تعالى إلى عيسى ◌َلَّا يا عيسى آمن بمحمد ومر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد فهذا الحاكم قد كفانا المؤنة وصحح الحديث، فهذا آدم عليه الصلاة والسلام أبو الأنبياء عليهم السلام قد توسل به قبل خلقه وبروزه إلى الوجود فكيف لا يتوسل به وقد برز إلى الوجود وقد بعثه الله تعالى رحمة للعالمين أمانا لأهل الأرض مذ حل بينهم، به يدفع الله العذب ويدرؤه وناهيك بهذا شرفا وتعظيما وعلو قدر ومنزلة وقد أوجب الله تعالى في كتابه العزيز تعظيمه وتوقيره فقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾(١) أي: تعظموه وأي شرف يشبه هذا الشرف والآيات والأخبار والآثار في وجوب [٢٧٩/ ب] توقيره وتعظيمه كثيرة جدا وذلك مستمر ومنسحب عليه في حياته وبعد وفاته، والإجماع منعقد على ذلك وعلى أن من استهان به في حیاته أو بعد وفاته أو بشيء مما جاء به كفر، ولا شك ولا ريب أن حرمته بعد وفاته كحرمته في حياته وهذا مما اجمع عليه وقال ابن عباس رَِّّنَا في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (١) سورة الفتح، الآيتان: ٨-٩. ٤٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (١) ما خلق الله عز وجل نفسا أكرم عليه من محمد وّله وما أقسم الله عز وجل بحياة أحد إلا بحياته قيل اقسم بحياته في الأزل ليظهر شرفه وعلو قدره ودنو منزلته ليتوسل المتوسلون به إليه في حياته وبعد وفاته في عرصات القيامة وناهيك بعظم قدره أن يقال ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وبهذا وغير لم يزل الناس يتوسلون به غليه في حياته وكان يستجاب لهم كما قال تعالى ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ (٢) الآية، قال ابن عباس زَّ لَّهَا: كانت أهل خيبر تقاتل غطفان كلما التقوا هزمت غطفان يهود فدعت يهود بهذا الدعاء اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فتهزم يهود غطفان وإذا كان الله عز وجل يستحب لأعدائه بالتوسل به إليه مع علمه عز وجل بأنهم يكفرون به ويؤذونه ولا يتبعون النور الذي أنزل معه قبل وجوده فما الظن بمن يؤمنون به ويعزرونه أي يعظمونه ويوقرونه ويكرمونه ويتبعون النور الذي أنزل معه وهو القرآن مع بروزه إلى الوجود وإرساله رحمة للعالمين وإذا كان رحمة للعالمين فكيف لا يتوسل به ويتشفع ومن أنكر التوسل به والتشفع به بعد موته فقد أعلم الناس ونادي على نفسه انه أسوأ حالا من اليهود الذي كانوا يتوسلون به قبل بروزه إلى الوجود وان في قلبه نزعة هي من أخبث النزعات (١) سورة الحجر، الآية: ٧٢. (٢) سورة البقرة، الآية: ٨٩. ٤٧١ كتاب الصلاة ومن قال بأن جاهه زال بموته فلا يقال يا جاه محمد يا جاه رسول الله فهو من أعظم الزنادقة وجاحد للربوبية فإن جاهه هو الله عز وجل فكأن هذا القائل يقول: لا تقولوا يا الله وهذا كفر محقق ومخالف لما عليه عمل هذه الأمة في جميع الزمان في سائر البلدان وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوَأْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾(١) قال علي رَّاثَةُ: قدم علينا أعرابي بعد ما فارقنا رسول الله وَل بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر رسول الله وسجله وحتى على رأسه من ترابه قال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك ووعيت عن الله عز وجل فوعينا عنك وكان فيما أنزل عليك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ وقد ظلمت وقد جئتك لتستغفر لي فنودي من القبر قد غفر لك، وهذه غير قضية العتبي، وأما قضية العتبي فهي مشهور في غاية الشهرة، وكنية العتبي أبو عبد الرحمن واسمه محمد عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمر بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب وكان من أفصح الناس وصاحب أخبار وصاحب رواية الآداب وحدث عن أبيه وسفيان بن عيينة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين وذكر قضيته ابن عساكر [٢٨٠/ أ] في تاريخه، وذكر ابن الجوزي في كتابه (مثير العزم الساكن إلى أشرف المساكن) وغيرهما بالأسانيد قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ◌ُّ له فزرته وجلست بحذائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال يا خير (١) سورة النساء، الآية: ٦٤. ٤٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الرسل إن الله أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ وإني جئتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي وأنسا يقول: فطاب من طيبهن القاع والأكم يا خير من دفنت بالقاع أعظمه نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف فرقدت فرأيت النبي رَّ في نومي وهو يقول الحق الرجل وبشره أن الله عز وجل قد غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت وطلبته فم أجده، وممن ذكر قصى العتبي الإمام العلامة المتفق على دينه وزهده وعلمه بل اشتهر عنه قطبٌ أبو زكريا يحيى النووي قال في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام: إنها من أهم القربات وأربح المساعي وأفضل الطلبات فإذا انتهى إلى قبره وقف قبالة وجهه وتباعد عن القبر نحو أربعة أذرع احتراما له ویتوسل به في حق نفسه ویتشفع به إلى ربه عز وجل، ومن أحسن ما يقول ما حكاه أسحابنا عن العتبي مستحسنين له قال العتبي: كنت جالسا عند قبر رسول الله وسلّ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ٤٧٣ كتاب الصلاة قال: ثم انصرفت فحملتني عيناي فرأيت النبي ◌َّ في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له، فأفاد بذلك أن أصحاب الشافعي استحسنوا ذلك وأنهم حكوه عن غيرهم، وأفاد أنه يتوسل به ويتشفع به إلى ربه عز وجل وساق ذلك ما هو متفق عليه ولم يتعرض له أحد بالإنكار في سائر الأمصار، وردت أنا ببيتين آخرين هما: فيه كل خصال الحمد قد جمعت فلذبه هو من ترعى له الذمم وهو الذي يرتجى في كل نائبة وفي المعاد إذا زلت القدم وذكر الإمام العلامة المتفق على علمه وإتقانه وثقته القاضي عياض في أشهر كتبه فقال: الفصل الثاني في حرمته بعد وفاته وأما حرمة النبي وَله بعد موته وتوقيره وتعظيمه فهو لازم كما كان في حياته وذلك عند ذكره بثالشائما وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته [ومعاملة آله] وتعظيم أهل بيته وصحابته واجب على كل مؤمن تقي ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به بعينه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله عز وجل به قال: وهذه سير السلف الصالح وأئمتنا الماضين وأن حرمته ميتا كحرمته حيا وهو وسيلتنا ووسيلة أبينا آدم إلى يوم القيامة، فالشفا كتاب [٢٨٠/ ب] مشهور وقد طارت به النسخ في الآفاق يتلقونه العلماء وأئمة كل زمان بالقبول لعلمهم بعلمه ودينه والوثوق به، وفي الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌ََّلَمُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية، الحث على المجيء إليه ليستغفروا في حضرته ويستغفر لهم وليس في الآية تعرض ٤٧٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للحياة دون الموت وكذا فهم العلماء العموم واستحبوا لمن اتى قبره عليه الصلاة والسلام أن يتلو هذه الآية ويستغفر ويطلب منه الشفاعة، فمن ادعى تخصيص العلم بغير دليل قطعنا بخطأه، أ.هـ. ١٠١٩ - وَعَن عبد الله بن أبي أوفى رَُّّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َله من كَانَت لَهُ إِلَى الله حَاجَةٍ أَو إِلَى أحد من بني آدم فَليَتَوَضَّأ وليحسن الْوُضُوء وَليصل رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ ليثن على الله وَليصل على النَّبِي وَّهِ ثُمَّ ليقل لَا إِلَه إِلَّ الله الْحَلِيمِ الْكَرِيمِ سُبْحَانَ الله رب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمد لله رب الْعَالمين أَسأَلِك مُوجبَات رحمتك وعزائم مغفرتك وَالْغنيمَة من كل بر والسلامة من كل إِثْم لا تدع لي ذَنبا إِلَّا غفرته وَلا هما إِلَّا فرجته وَلَا حَاجَة هِيَ لَك رضًا إِلَا قضيتها يَا أَرْحم الرَّاحِمِينَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه كِلَاهُمَا من رِوَايَة فَايِد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي الورقاء عَنهُ وَزَاد ابْن مَاجَه بعد قَوْله يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ثُمَّ يسْأَل من أَمر الذُّنْيَا وَالْآخِرَة مَا شَاءً فَإِنَّهُ يقدر وَرَوَاهُ الْحَاكِمِ بِاخْتِصَار ثمَّ قَالَ أخرجته شَاهدا وفايد مُسْتَقِيم الحَدِيث وَزَاد بعد قَوْله وعزائم مغفرتك والعصمة من كل ذَنْبٍ(١). قَالَ الْحَافِظِ فَايِد مَتْرُوك روى عَنْهُ الثِّقَاتِ وَقَالَ ابْن عدي مَعَ ضعفه یکْتب حَدِیثه. (١) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٤)، والترمذي (٤٧٩)، والحاكم (٣٢٠/١). قال الحاكم: أخرجته شاهدًا، وفائد مستقيم الحديث. وتعقبه الذهبى فقال: قلت: بل متروك. وضعفه الألباني جدًّا ضعيف الترغيب (٤١٦) ضعيف الجامع الصغير (٥٨٠٩)، المشكاة (١٣٢٧). ٤٧٥ كتاب الصلاة ١٠٢٠ - وَرَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث أنس زَّو ◌َّهُ وَلَفظه أَن النَّبِىِ وَِّ قَالَ يَا عَليّ أَلا أعلمك دُعَاء إِذا أَصَابَك غم أَو هم تَدْعُو بِهِ رَبك فيستجاب لَك بِإِذن الله ويفرج عَنْك تَوَضَّأ وصل رَكْعَتَيْنِ وَاحْمَدْ الله وأثن عَلَيْهِ وصل على نبيك واستغفر لنَفسك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ثمَّ قل اللَّهُمَّ أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله الْعلي الْعَظِيمَ لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيمِ الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمد لله رب الْعَالمين اللَّهُمَّ كاشف الغم مفرج الْهم مُجيب دَعْوَة الْمُضْطَرين إِذا دعوك رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ورحيمهما فارحمني فِي حَاجَتي هَذِه بقضائها ونجاحها رَحْمَة تغنيني بهَا عَن رَحْمَة من سواك(١). قوله: وعن عبد الله بن أبى أوفي الصحابي ابن الصحابي هو: أبو إبراهيم وقيل أبو محمد وقيل: أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفي، واسم أبي أوفي علقمة بن خالد بن الحارث بن أسيد بفتح الهمزة بن رفاعة بن ثعلبة بن هوزان بن اسلم بن قصلي بن حارثة الأسلمي، شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدها من المشاهد مع رسول الله وَلل وهو اخو زيد بن أبي أوفى لهما صحبة ولم يزل بالمدينة حتى توفي رسول الله وَثلا ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة روى له عن رسول الله وَ ل خمسة وسبعون حديثا اتفقا على عشرة وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث، وتوفي بالكوفة سنة ست أو (١) أخرجه الأصبهاني في الترغيب (١٣٠٥). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤١٧)، والضعيفة (٥٢٨٧). ٤٧٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب سبع أو ثمان والله(١) اعلم. قوله وَ له: ((من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل ركعتين ثم ليثن على الله تعالى وليصل على النبي صلى الله)) وستام . قوله وَالى: ((فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل ركعتين)) أي يحسن طهارتهما وخشوعهما وآدابهما ثم يأتي بعدهما بآداب الدعاء. قوله: ((ثم ليثن على الله وليصل على النبي ◌َّه)) الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي ﴾ معروفان مشهوران. قوله: ((ثم يدعوا بدعاء الحاجة)) الثابت في السنة وهو لا إله إلا الله الحليم الكريم إلى آخره، وفيه: ((أسألك بموجبات رحمتك وعزائم مغفرتك)) الموجبات الأمور التي اوجب الله تعالى عليها الجنة أو النار (٢) والعزائم جمع عزيمة وهي [الخصلة التي يعزمها الرجل؛ أي: يقصدها، من قصد القلب والجد فيه؛ يعني أسألك الخصال التي تحصل مغفرتك لي بسببها (٣)]، قال النووي(٤): قلت: ويستحب أن يدعوا بدعاء الكرب المشهور ((اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) ففي هذا (١) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦١). (٢) غريب الحديث (٢/ ٤٥٤) لابن الجوزى. (٣) المفاتيح (٣٠٤/٢). (٤) الأذكار (ص ١٨٤). ٤٧٧ كتاب الصلاة الحديث دلالة على فضل الذكر وأنه سبب الفرج عند الكرب وقيل في هذه الكلمات أنها اسم الله الأعظم وقد اختلف العلماء في اسم الله الأعظم فقال بعضهم أسماء الله كلها عظيمة ولا يجوز أن يكون له اسم يقال له الأعظم، وأكثر العلماء على خلاف ذلك ولا يمتنع أن يعظم الله تعالى بما شاء من أسمائه، فيستحب عند ذكره لمن سأله ويعصي به من طلبه ما طلبه كما ورد في تفضيل بعض القرآن على بعض وكله كلام الله تعالى وعلى ذلك دلت أحاديث كثيرة مذكورة في مواضعها، فإن قلت: هذا ذكر لا دعاء، قلت: إنه ذكر يستفتح به الدعاء بكشف الكربة قال الطبري كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب (١)، فإن قيل: كيف يسمي دعاء الكرب وليس فيه من الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه، فالجواب: أن هذا يسمي دعاء لوجهين أحدهما :أنه يستفتح به الدعاء ومن بعده يدعي وقد ورد في بعض طرقه ثم يدعوا، وثانيهما: أن ابن عيينة قال: وقد سأل عن هذا أما علمت أن الله تعالى يقول: ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى)) [٢٨١/ أ] السائلين، وقال أمية بن أبي الصلت: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمَا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الشََّاءُ(٢) قال القرطبي (٣): وهذا كلام حسن وتتميمه أن ذلك إنما كان لنكتتين (١) شرح الصحيح (١٠ /١٠٨) لابن بطال، وإكمال المعلم (٣٢٥/٨). (٢) المصدر السابق (١٠ /١٠٨-١٠٩). (٣) المفهم (٥٧/٧). ٤٧٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أحدهما كرم المثنى عليه فإنه اكتفى بالثناء عن السؤال لسهولة البذل عليه وللمبالغة في الكرم، وثانيهما أن المثنى لما آثر الثناء الذي هو حق عليه على حق نفسه الذي هو حاجته بودر إلى قضاء حاجته من غير إحواج إلى إظهار مذلة السؤال مجازاة له على ذلك الإيثار قال: ومما جاء منصوصا عليه سمي دعاء وإن لم يكن فيه طلب ما خرجه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله وَّ: ((دعوة ذي النون إذا دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجیب له»(١). فائدة: أمية بن أبي الصلت المذكور في الثناء، اسم أبيه عبد الله كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث وأدرك الإسلام ولم يسلم وثبت في صحيح مسلم عن الشريد بن سويد قال: ردفت رسول الله وَّلَه يوما فقال: ((معك من شعر ابن أبي الصلت شيء؟)) قلت: نعم، قال: ((هيه)) فأنشدته بيتا، فقال: (هيه)) حتى أنشدته مائة بيت فقال: ((لقد كاد يسلم في شعره)) أ.هـ قاله الكرماني في شرح البخاري (٢)، وقال في الحواشي: أمية هذا رجل كان يتطلب الدين وأخبره علماء الكتابين أنه سيظهر نبي في هذا الزمان فما زال يبحث عن صفته ويرجوا أن يكون هو المبعوث فلما أخبروه بسنه قال: قد عمرت هذا السن (١) أخرجه الترمذي (٣٥٠٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٤١٦). وصححه الألباني في صحيح الكلم الطيب (٧٩/١٢٢)، المشكاة (٢٢٩٢/ التحقيق الثاني). (٢) الكواكب الدراري (١٥/ ٧٠). ٤٧٩ كتاب الصلاة فلما ظهر رسول الله وَ ◌ّل كفر به ومات على الكفر. أ.هـ. تنبيه: الكرب على وزن الضرب هو الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس، وجمعه کروب وقد كربه الأمر يكربه كربا إذا اشتد عليه فهو مكروب والاسم الكربة والجمع كرب وقد اكترب لذلك اغتم(١)، وفي كتاب ابن السني عن أبي قتادة عن النبي وَّر قال: ((من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله عز وجل))(٢). قوله: ورواه الأصبهاني من حديث أنس ولفظه أن النبي وَاللّه قال: ((يا علي، ألا أعملك دعاء إذا أصابك هم أو غم تدعو به ربك)) الحديث وفي رواية المسلم ((أن النبي ◌َّير كان إذا حزبه أمر قال ذلك))(٣) يعني الحديث الذي رواه ابن عباس ((أن النبي ◌َّ كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله الحليم الكريم)) الحديث، ومعنى ((حزبه)) نزل به أمر مهم أو أصابه غم، وروي ابن السني عن علي زَّ لَهُ قال: قال رسول الله وَّه: ((يا علي، ألا أعلمك كلمات إذا وقعت في ورطة فقل: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء)) (٤) الورطة: بفتح الواو وإسكاء الراء هي الهلاك. (١) لسان العرب (١ / ٧١١). (٢) عمل اليوم والليلة (٣٤٤). (٣) أخرجه (٢٧٣٠) م. (٤) عمل اليوم والليلة (٣٣٦). ٤٨٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تنبيه: قوله ((الحليم الكريم)) الحلم هو الطمأنينة عند الغضب وحيث يطلق على الله تعالى يراد لازمه وهما تأخير العقوبة(١)، والكريم من أسماء الله الحسنى وهو الجامع لأنواع الخير والشرف المعطى الذي لا ينفد عطاؤه(٢) وفي الحديث أن الله كريم يحب مكارم الأخلاق ووصف العرش بالعظمة هو من جهة الكمية وبالكريم أي الحسن من جهة الكيفية فهو ممدوح ذاتا وصفة (٣) وخصص بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى(٤) ولفظ الرب من بين سائر الأسماء ليناسب كشف الكروب الذي هو مقتضى التربية، ولفظ الحليم لأن كرب المؤمن غالبا إنما يكون على نوع تقصير في الطاعات أو غفلة في الحالات ليشعر برجاء العفو المقابل للخوف وفيه التوحيد الذي هو أصل التنزيهات المسماة بالأوصاف الجلالية وفيه العظمة التي تدل على القدرة إذا العاجز لا يكون عظيماً، والحلم الذي يدل على العلم إذ الجاهل لا يتصور منه الحلم عنه وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية وعند ذكر الله تعالى بها تطمئن القلوب وهذا الذكر من جوامع كلم رسول الله و اليوم (٥). (١) الكواكب الدراري (١٣٤/٢٥). (٢) النهاية (٤ / ١٦٦). (٣) الكواكب الدراري (١٣٤/٢٥). (٤) تفسير القرطبى (٣٠٢/٨-٣٠٣)، والكواكب الدراري (١٤٩/٢٢)، واللامع الصبيح (٣٨٢/١٥). (٥) الكواكب الدراري (١٧٩/٢٢).