Indexed OCR Text

Pages 701-719

٧٠١
كتاب الصلاة
ويغشى السلطان توفي رقماً بعد طاعون جارف لما تولي الحجاج العراق
وكان سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك(١) انتهى.
قوله: قال رأيت رسول الله وَالله يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من
البكاء)) وفي الرواية الأخرى ((يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل)) يعني يبكي
وفي رواية ابن خزيمة ((ولصدره أزيز كأزيز الرحى)) وأخرجه الترمذي في
الشمائل بسند رجاله ثقات وأخرجه ابن حبان وقال وهو قائم وأخرجه
الطبراني وقال أزيز بالدعاء وهو كأزيز الرحى هو صوتها وهو بزائين قاله
الحافظ.
قوله: ((ولجوفه أزيز كأزيز المرجل)) بكسر الميم وفتح الجيم وهو القدر
قاله الحافظ، إنما يعني أن لجوفه خنينا كصوت غليان القدر يفور والخنين
من الجوف وهو بالخاء المعجمة وهو صوت البكاء وقيل هو أن يجيش
جوفه ويصلي بالبكاء قاله ابن الأثير (٢)، وقال بعضهم المرجل بالكسر الإناء
الذي يغلى فيه الماء سواء أكان من حديد أو صفراء أو حجارة أو خزف قيل
لأنه إذا انصب كأنه أقيم على أرجل قاله ابن الأثير (٣) ففي هذا الحديث بيان
واضح لما كان عليه وَّله من الخوف والتعظيم(٤) والظاهر أن ذلك وقع في
(١) المنتظم (٢٨١/٦).
(٢) النهاية (١ /٤٥).
(٣) النهاية (٣١٥/٤).
(٤) الشعب (٢٢١/٢).

٧٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقت خاص لأن الناقلين لصلاته لم يتعرضوا لذلك فدل على أن ابن الشخير
شاهد في ذلك الوقت ما علاه من شدة الخوف أو من شدة الابتهال بالدعاء في
السجود على رواية الطبراني وقد فسره النسائي بالبكاء على رواية أبي داود
وهو قائم فلعل ذلك [٣١٣/ أ] كان مرة في القيام ومرة في السجود أو كان
ابتداؤه في القيام واستمر إلى السجود أو بالعكس وفيه استحباب البكاء في
الصلاة في حالة القراءة والسجود وحضور القلب فيهما بالتدبر والخضوع،
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك
عينيه إذا قرأ(١)، وكان عمر رَقَّاللّه يسمع له نشيج من البكاء (٢) ويحكى أن
إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يسمع خفقان قلبه كما يسمع خفقان
أجنحة الطير(٣)، وأوحى الله تعالى لداود،عَليّلام يا داود إن لي عبادا تغلي
قلوبهم من محبتي حتى لو سمع غليان القلوب لسمعها الواردون من مكان
بعيد ولهذا بوب أبو داود على هذا الحديث باب البكاء في الصلاة وزاد
النسائي فيه قال يغلي يبكي وقد استدل به على أن النفخ والأزيز والتنحنح لا
تبطل الصلاة لغلبة وجود ذلك مع البكاء(٤) وفي النسائي باب التنحنح في
(١) أخرجه البخاري (٦٦٤) و(٧١٢) و(٧١٣) و(٣٣٨٤)، ومسلم (٩٥ - ٤١٨).
(٢) أخرجه البخاري (١ / ١٤٤) تعليقًا ووصله عبد الرزاق (٢٧١٦) وسعيد بن منصور في
التفسير (١١٣٨)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥ و٢٥٦٦ و٣٥٥٢٧).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٠٧٥ رقم ٦٠١٥).
(٤) المجموع (٨٩/٤).

٧٠٣
كتاب الصلاة
الصلاة وذكر فيه حديث علي قال كانت لي منزلة من رسول الله وَلو لم تكن
لأحد من الخلائق فكنت آتيه بكل سحر فأقول السلام عليك يا نبي الله فإن
تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه ورواه أحمد وابن ماجه ولفظ
أحمد: وكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح (١).
وأما حديث ((من نفخ فقد تكلم))(٢) فلم يصح.
واعلم أن ما يظهر من ذلك الصوت وإن كان حرفين فأكثر فإنه لا يبطل
الصلاة وإن کان معلوما کالسعال ونحوه بخلاف ما له اختیار في دفعه ولو
تعذر فيه القراءة الواجبة إلا به لم يضر ومقتضى كلام الرافعي والنووي في
كتبهما أنه لا فرق في ذلك بين أن يكثر أم لا نعم في الشرح والروضة أن غلبة
الكلام والسعال تفرق فيهما بين الكثير وغيره كالتنحنح قال الإمام جمال
الدين الإسنوي: والصواب التسوية في الجميع وعدم الإبطال لعذر أو كان
احتراز
(٣)
فائدة: لو تنحنح إمامه أو بکی ونحو ذلك وظهر منه حرفان لم يجب على
المأموم مفارقته في أظهر الوجهين لاحتمال الغلبة أو النسيان ونحو ذلك من
(١) أخرجه أحمد ٧٧/١ (٥٧٠) و٨٠/١ (٦٠٨) و١٠٧/١ (٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٠٨)،
والنسائى في المجتبى ٢٧/٣ (١٢٢٤) و٢٩/٣ (١٢٢٥) والكبرى (١٢٢٨) و(١٢٢٩).
وضعفه الألباني في المشكاة (٤٦٧٥) و(٦١٠٦).
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٦٣٣) عن أم سلمة.
(٣) انظر: المهمات (١٧٥/٣-١٧٦)، والنجم الوهاج (٢١٩/٢ و٢٢٢)، وأسنى المطالب
(١ /١٨٠).

٧٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأعذار والأصل بقاء العبادة (١) انتهى قاله في شرح الإلمام.
٧٧٦ - وَعَنِ عَلَيّ رَّهُ قَالَ مَا كَانَ فِينَا فَارس يَوْم بدر غير الْمِقْدَاد وَلَقَد
رَأَيْتَنَا وَمَا فِيْنَا إِلَّا نَائِمِ إِلَّا رَسُول الله ◌َّهِ تَحت شَجَرَة يُصَلِّي ويبكي حَتَّى
أصبح رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه(٢).
قوله: ((عن علي زَوَّهُ)) هو ابن أبي طالب تقدم الكلام على ترجمته.
قوله: (ما كان فینا فارس یوم بدر)) أي يوم غزوة بدر وغزوة بدر كانت في
السنة الثانية من الهجرة.
قوله ((غير المقداد)) والمقداد هو [ابن] عمرو بن ثعلبة النهراني الكندي
ويقال له ابن الأسود لأن المقداد قد حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري في
الجاهلية فتبناه أو رباه أو تزوج بأمه فكان يقال له المقداد بن الأسود حتى
نزل قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبَآَبِهِمْ﴾ (٣) فدعي المقداد بن عمرو ويقال له
الكندي لأنه أصاب دما في بهراء فهرب منهم إلى مكة وحالف الأسود وهو
قديم الصحبة من السابقين في الإسلام وقيل أنه سادس ستة شهد بدرًا وأحدًا
والمشاهد كلها مع رسول الله مَ ﴾ قال على رزقاێ﴾: «ما كان فینا فارس یوم یوم
(١) روضة الطالبين (١/ ٢٩٠).
(٢) أخرجه أحمد ١٢٥/١ (١٠٢٣) و١٣٨/١ (١١٦١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة
(٢١٣)، والنسائي في الكبرى (٩١١)، وابن خزيمة (٨٩٩)، وابن حبان (٢٢٥٧).
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤٥) و(٣٣٣٠).
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥.

٧٠٥
كتاب الصلاة
بدر غير المقداد بن الأسود)) وقيل: إن الزبير كان فارسًا أيضًا روي له رعن
رسول الله وَ له اثنان وأربعون حديثا مات قريب المدينة [٣١٣/ ب] وحمل
على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ودفن بالبقيع
وهو ابن سبعين سنة، وقال أهل السير شرب المقداد نون الخروع فتوفي
وذلك بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة(١).
قوله: ((وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ◌َّ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى
أصبح)) الحديث رواه ابن خزيمة، فإن قيل فيه دلالة على أن البكاء لا يبطل
الصلاة قلنا لعله لم يظهر منه حرفان بل كان مجرد صوت، ومذهب الشافعي
رحمه الله تعالى أن البكاء مبطل إن ظهر منه حرفان أو حرف مفهم كع من
الوعاية وق من الوقاية وإلا فلا وقد اختلف في النفخ وصوت الباكي والأنين
والتنحنح ونحوها والمذهب إن بان منه حرفان أو حرف مفهم أو ممدود
بطلت وإلا فلا (٢) كما تقدم.
وقد صح أن النبي ګ بکی في صلاته ونفخ في صلاة الکسوف ولیس کل
حرفين يأتلف منهما كلام وخالف المالكية في ذلك فلم يبطلوها إلا بما يعد
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١١١/٢-١١٢ ترجمة ٦٠٢) وتهذيب الكمال (٢٨ / الترجمة
٦١٦٢).
(٢) انظر: الإقناع (٤٦/١)، والمجموع (٧٩/٤)، والمنهاج (ص ٣٢)، والكواكب الدراري
(٩١/٥)، والتدريب (١٨٥/١)، والنجم الوهاج (٢١٧/٢).

٧٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كلاما إلا ما هو من مصلحة الصلاة وفيه خلاف عندهم وجوزه الأوزاعي
وزاد الحنفية فأبطلوها بالدعاء المتعلق بالدنيا كسؤال زوجة حسناء ونحو
ذلك وتبطل لو قال اللهم ارزقني عند أبي حنيفة لو قال اللهم ارزقني ويرد
حديث الدعاء بين السجدتين فإن فيه وارزقني رواه أبو داود وغيره (١) والله
أعلم قاله في شرح الإلمام.
٧٧٧ - وَعَن عبد الله بن أبي بكر أَن أَبَا طَلْحَة الأنْصَارِيّ رََّ كَانَ يُصَلِّي فِي
خَائِطِ لَهُ فطار دبسي فَطَفِقَ يتَرَدَّد یلْتَمس مخرجًا فَلا يجد فأعجبه ذَلِك فَجعل
يتبعهُ بَصَره سَاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى صَلَاتَه فَإِذا هُوَ لَا يَذْرِي كم صلى فَقَالَ لقد
أصابني فِي مَالِي هَذَا فِتْنَة فَجَاء إِلَى رَسُول الله ◌َِّ فَذكرِ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي
صلَاته وَقَالَ: يَا رَسُول الله هُوَ صَدَقَة فضعه حَيْثُ شِئْت)).
رَوَاهُ مَالك وَعبد الله بن أبي بكر لم يدْرك الْقِصَّة وَرَوَاهُ من طَرِيق آخر فَلم
يذكر فِيهِ أَبَا طَلْحَة وَلَا رَسُول الله ◌َّهِ وَلَفظه أَن رجلًا من الأنْصَار كَانَ يُصَلِّي فِي
خَائِطِ لَهُ بالقف وَاد من أَوديَة الْمَدِينَةِ فِي زمَان الثَّمر وَالنَّخْل قد ذللت وَهِي
مطوقة بثمرها فَنظرٍ إِلَيْهَا فَأَعْجَبتَهُ ثمَّ رَجَعَ إِلَى صلَاته فَإِذا هُوَ لَا يَدْرِي كم صلى
(١) إحكام الأحكام (٢٩٢/١)، والعدة (٥٦٩/١)، والإعلام (٣٤٩/٣)، وفتح البارى
(٨٥/٣). والحديث أخرجه ابن ماجه (٨٩٨)، وأبو داود (٨٥٠)، والترمذى (٢٨٤) عن
ابن عباس ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين في صلاة الليل
رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني. وصححه الألباني في صحيح أبي
داود (٧٩٦).

٧٠٧
كتاب الصلاة
فَقَالَ لقد أصابني فِي مَالِي هَذَا فِتْنَة فَجَاء عُثْمَانِ رَظَّهُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَليفَة فَذكر
ذَلِك لَهُ وَقَالَ هُوَ صَدَقَة فاجعله فِي سَبِيل الْخَيْرِ فَبَاعَهُ بِخَمْسِينَ ألفا فَسمى ذَلِك
المَالِ الْخمسين(١).
الْخَائِطِ: هُوَ الْمُسْتَان. والدبسي: بِضَم الدَّال الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْبَاءِ الْمُوَحدَة
وَكسر السِّينِ الْمُهْمِلَة بعْدِهَا يَاءَ مُشَدّدَة هُوَ طَائِرِ صَغِير قيل هُوَ ذكر اليمام.
قوله: ((وعن عبد الله بن أبي بكر))، هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشي
التيمي الصحابي وهو أخو أسماء بنت أبي بكر الصديق لأبويها وكان هو
الرسول الذي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الطعام وبأخبار قريش
إذ هما في الغار يبيت عندهما وأسلم قديمًا وشهد الفتح وحنين والطائف مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرح يوم الطائف وبرء ثم نفض جرحه
فتوفي في شوال سنة إحدى عشرة في خلافة أبيه وصلى عليه أبوه ونزل في قبره
عمر بن الخطاب وطلحة وأخوه عبد الرحمن ودفن بعد الظهر ومناقبه كثيرة
.(٢)
مشهورة (٢).
(١) أخرجه مالك (٢٦١) و(٢٦٢)، وعنه ابن المبارك في الزهد (٥٢٦) و(٥٢٧)، والبيهقى
في الكبرى (٢٩٤/٢ رقم ٣٨٧٣) والمعرفة (٢٩٤/٣ رقم ٤٦٢٦). وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (٢٨٦).
(٢) هذا غلط فاحش من الشارح رحمه الله فإن الراوى هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم وبين عبد الله بن أبي بكر ومالك مفاوز. وانظر لترجمة عبد الله بن أبي بكر
الصديق: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٦٢ ترجمة ٢٨٩).
وأما المقصود بالترجمة فهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد بن
=

٧٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((أن أبا طلحة الأنصاري (ظَّالَّهُ كان يصلي في حائط له)) الحديث أبو
طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي البخاري
وهو من الرماة المذكورين في الصحابة ومن شعره:
أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد(١)
وعن أنس قال كان أبو طلحة يرمي بين يدي رسول الله وَّة ورسول الله
آله يرفع رأسه لیری مواقع نبله فكان أبو طلحة يتطاول بصدره يقي به رسول
الله ګ ﴾ ويقول نحري دون نحرك.
وروي أنه كان يحبو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول
نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء ثم ينشر كنانته بين يديه(٢)،
الكنانة جعبة السهام(٣).
قوله: ((يصلي في حائط له)) الحائط البستان كذا قاله المنذري وقال ابن الأثير
لوذان: بفتح اللام، وإسكان الواو، وبالذال المعجمة. هو أبو محمد، وقيل: أبو بكر
الأنصارى المدنى. مذكور في المهذب في صلاة العيد وغيره، وهو تابعى، سمع أنسا،
وعبد الله بن عامر، وعروة، وعمر. روى عنه الزهرى، ومالك، والسفيانان، وحماد بن
سلمة. قال أحمد بن حنبل: حديثه شفاء.
وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث عالما. توفى سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل:
سنة ثلاثين، وهو ابن سبعين سنة. تهذيب الأسماء واللغات (١ / ٢٦٢ ترجمة ٢٩٠).
(١) الطبقات (٥٠٤/٣).
(٢) الاستيعاب (١٦٩٨/٤-١٦٩٩).
(٣) مشارق الأنوار (١/ ٣٤٣).

٧٠٩
كتاب الصلاة
هو البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو السياج (١) وقال الكرماني سمي
البستان بالحائط لأنه لا سقف له(٢) وجمعه الحوائط ومنه الحديث: [٣١٤/ أ]
((على أهل الحوائط حفظها بالنهار)) يعني البساتين وهو عام فيها(٣).
قوله: ((فطار دبسي)) الدبسي بضم الدال المهملة وسكون الباء الموحدة
وكسر السين المهملة بعدها ياء مشددة هو طائر صغير قيل هو ذكر اليمام
انتهى قاله المنذري.
وقال الكمال الدميري في حياة الحيوان: طائر صغير منسوب إلی دبس
الرطب لأنهم يغيرون في النسب كالدهري والسهلي والفامي بائع الفوم،
والقياس فومي. والأدبس من الطير والخيل، الذي في لونه غبرة بين السواد
والحمرة.
وهذا النوع قسم من الحمام البري وهو أصناف مصري وحجازي
وعراقي، وهي متقاربة لكن أفخرها المصري. ولونه الدكنة وقيل: هو ذكر
اليمام كما قال المنذري، ومن طبع الدبسي إنه لا يرى ساقطا على وجه
الأرض بل في الشتاء له مشتى وفي الصيف له مصيف ولا يعرف له وكره،
وحكمه: الحل بالاتفاق(٤).
(١) النهاية (١ / ٤٦٢)
(٢) الكواكب الدراري (٤ / ١٠٧).
(٣) النهاية (١ / ٤٦٢).
(٤) حياة الحيوان (١/ ٤٥٧-٤٥٨).

٧١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((فطفق يتردد يلتمس مخرجًا فلا يجد فأعجبه ذلك)) طفق هو بفتح
الطاء وكسر الفاء حكاه القاضي عياض وممن حكى الفتح أيضا الأخفش
والجوهري وطفق معناه جعل (١) وهي من أخوات كاد إلا أنها متصلة بالفعل
الذي هو خبرها وكاد مقاربة ومقارنة.
قوله: ((والنخل قد ذللت وهي مطوقة بثمرها)) أي قد تذللت ورجبت
عثاكيلها فصارت النخل كالأطواق قاله عياض (٢).
قوله: «فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا
يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله وَلات)).
وفي الرواية الأخرى «ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فجاء
عثمان وهو يومئذ خلیفة فذکر له ذلك له وقال هو صدقة فاجعله في سبيل
الخير فباعه بخمسين ألفا فسمى ذلك المال الخمسين)) قال الإمام الغزالي
وكانوا يفعلون ذلك قطعًا لمادة الفكرة وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة
وهذا هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره(٣).
وكان ابن عمر رَظُّهُ لا يعجبه شيء من ماله إلا خرج عنه الله تعالى وكان
رقيقه يعرفون ذلك فربما لزم أحدهم المسجد فإذا رآه ابن عمر على تلك
الحالة الحسنة أعتقه فيقول له أصحابه إنهم يخدعونك فيقول من خدعنا بالله
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/٥).
(٢) مشارق الأنوار (١/ ٣٢٣).
(٣) إحياء علوم الدين (١٦٥/١).

٧١١
كتاب الصلاة
انخدعنا له وطلب منه خادم بثلاثين ألفا ألفا فقال أخاف أن تفتنني دراهم ابن
عامر وكان هو الطالب له فقال لخادمه اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى(١)
فلذلك قال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا وقد مالت به الدنيا إلا عبد الله
بن عمر (٢) ولم يمت زَّوَّهُ إلا أن أعتق ألف نسمة وأكثر من ذلك(٣).
٧٧٨- وَعَنِ الْأَعْمَش قَالَ: كَانَ عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود إِذا صلى كَأَنَّهُ
ثوب ملقى)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَعْمَش لم يدرك ابْن مَسْعُود(٤).
قوله: ((عن الأعمش))، الأعمش: اسمه: سليمان بن مهران بكسر الميم
الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي مولى لهم، كنيته أبو محمد، وكان في عينه
ضعف، قال الجوهري: العمش ضعف الرؤية مع سيلان دمعها، مات سنة
ثمان وأربعين ومائة (٥).
(١) الزهد (١٠٦٨) لأحمد.
(٢) ابن أبي شيبة في المصنف (٣٢٣٣٢)، وأحمد في فضائل الصحابة (١٦٩٩)، والفسوى في
المعرفة والتاريخ (١ / ٤٩٠) عن جابر.
(٣) أبو نعيم في حلية الأولياء (١ / ٢٩٦).
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٥/٢ رقم ٧٢٤٩)،
والطبراني في الكبير (٢٦٩/٩ رقم ٩٣٤٢).
وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٣٦: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، والأعمش
لم يدرك ابن مسعود. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٨٧).
(٥) الصحاح (١٠١٢/٣)، والكواكب الدراري (١ / ١٥٠).

٧١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: كان عبد الله بن مسعود إذا صلى كأنه ثوب ملقى، الحديث، وقد
کان من السلف من إذا صلى اشتغلت حواسه بالله تعالی ومناجاته حتی تغیب
حواسه كما حكي عن عروة بن الزبير زَو ◌َّهُ [٣١٤/ ب] أنه كان قد أصابته
الأكلة فقطعت رجلاه في الصلاة ولم يشعر بها ولما رأى ابنه ذلك وقع فمات
وكان صغيرًا فلما سلم عروة من الصلاة رأى ابنه ميتا ورجله مقطوعة فقال:
اللهم إن كنت أخذت ولدًا فقد أبقيت أولادًا وإن كنت أخذت عضوًا فقد
أبقيت أعضاء فلك الحمد على ما أخذت ولك الحمد على ما أبقيت، وكان
الجدار يقع بجانبهم لا يسمعون به(١) وصلى أحدهم ثلاثين سنة فلم يعرف
من علي يمينه ومن على شماله لشغله بصلاته (٢)، واستشكل أبو عبد الله بن
الحاج في المدخل صحة صلاتهم وقال: من صلى إلى حالة لا يميز فيها بين
المحسوسات كيف يكون عارفا بأحوال الصلاة وتمييز أركانه؟
وأجاب: بأنهم لم يسلبوا هذا القدر فرضي الله عنهم ورضي عنا بهم(٣)،
وكان علي زَقْوَّه إذا توضأ تغير لونه فقيل له: ما لنا نراك يا أمير المؤمنين إذا
توضأت أصفر لونك وتغير فقال: أتدرون بين يدي من أقف، ومن أناجي!
وقال ابن مجاهد: قدمت رجلا من أصحابي فصلى بنا صلاة الظهر فلما
كبر غشي عليه فلم يفق إلا وقت الظهر من الغد، فقلت: ما لك؟ فقال: هتف
بي هاتف من قلبي إن لم يعرفك هؤلاء أليس أعرفك أنا، فغشي عليّ وأنا في
(١) التهجد (ص ١١٦) وذكره عن مسلم بن يسار.
(٢) الصلاة والتهجد (ص ١٩٣) والمراد سعيد بن جبير.
(٣) المدخل (١٩٠/٢-١٩١).

٧١٣
كتاب الصلاة
مراقبة المحبوب(١).
وذكر الشيخ العارف بالله تعالی شهاب الدين الشهرورني في عوارفه: روي
عن أبي عمرو بن العلاء أنه قدم للإمامة فقال: لا أصلح، فلما ألحوا عليه كبر
فغضي عليه فقدموا إمامًا آخر فلما أفاق سئل فقال: لما قلت استووا هتف بي
هاتف: هل استويت أنت مع الله(٢).
وقال أبو بكر الوراق: ربما أصلي فأنصرف منها وأنا أستحيي من الله استحياء
رجل انصرف من الزنا (٣)؛ [قال فى تهذيب النفوس]: ومات جماعة من التابعين
وغيرهم في الصلاة منهم زرارة بن أوفي العامري البصري قاضيها، وكان ثقة
عابدا فجأة سنة ثلاث وسبعين مات وهو ساجد، وقيل: كان يصلي بهم صلاة
الصبح فقرأ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾(٤) فلما بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِىِ النَّاقُورِ ﴾﴾(٥)
شهق شهقة فمات، وقيل: خر ميتًا (٦)، ومات في صلاته حميد الطويل
ومجاهد، ومات في صلاته محمد بن عبد الله الزهري البغدادي العابد بينما
يصلي فخر ميتًا، ومات في صلاته أبو بشر جعفر بن إياس اليشكري صاحب
(١) التهجد (ص ٨٦).
(٢) عوارف المعارف (٣٥٠/٢).
(٣) الرسالة (٢/ ٣٧٠) ومدارج السالكين (٩٥/٢).
(٤) سورة المدثر، الآية: ١.
(٥) سورة المدثر، الآية: ٨.
(٦) الثقات (٢٦٦/٤) لابن حبان، والمستدرك (٢) .... )، وتفسير الثعلبى (٧١/١٠)،
وتفسير القرطبي ١٩/ ٧٠.

٧١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سعيد بن جبير وهو ساجد خلف مقام إبراهيم ◌َالسّلام سنة خمس وعشرين
ومائة، ومات أبو ثعلبة الخشني في صلاته، ومات عبد الله بن عامر الزهري في
صلاة المغرب، ومات محمد بن شجاع الثلاج في صلاة العصر، وكذلك مات
موسى الخضر خلف المقام بمكة وهو ساجد، وكذلك جماعة غير من ذ
كروا، هذا حال المعارض فكيف حال المفرطين الغافلين لا ريب أن كل واحد
يتكلم على حسب مقامه، ولو تتبعنا أحوال القوم في ذلك لكان من ذلك
كراريس كثيرة والله أعلم.
٧٧٩ - وَعَن عقبة بن عامر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:
((مَا من مُسلم يتَوَضَّأ فيسبغ الْوُضُوء ثمَّ يقوم في صلاته فَيعلم مَا يَقُول إِلَّ انْفَتَلَ
وَهُوَ كَيَوْمٍ وَلدته أمه)) رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ وَهُوَ فِي مُسلمٍ وَغَيره
بِنَحْوِهِ وَتقدم (١).
قوله: ((عن عقبة بن عامر)) هو الجهني، تقدم الكلام على بعض مناقبه.
قوله ◌َليقر: ((ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء) تقدم تفسير إسباغ الوضوء
في مواضع متنوعة بعبارات متنوعة.
قوله ◌َّالية: «ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه))
(١) أخرجه مسلم (١٧- ٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩ و١٧٠ و٩٠٦)، والنسائى في المجتبى
٣٣٨/١ (١٥٦) والكبرى (٢٢٣)، وابن خزيمة (٢٢٢)، وابن حبان (١٠٥٠)، والحاكم
(٣٩٨/٢-٣٩٩) واللفظ له. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في
صحیح الترغيب (١٩٠) و(٣٩٥) و(٥٤٦).

٧١٥
كتاب الصلاة
معنى الحديث: [٣١٥/أ] إلا رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب له،
والمراد بذلك غفر له الصغائر وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة أو بعفو الله
تعالى عن عبده(١) كما تقدم في نظائره والله أعلم.
(١) إكمال المعلم (١٥/٢)، والمفهم (١١٩/٣) والتذكرة (ص ٢٢٠)، وطرح التثريب
(٤/ ١٦٣).

٧١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
[الترغيب في تنظيف المساجد وتطهيرها وما جاء في تخميرها]
٥
[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره]
٢٧
[الترغيب في المشي إلى المساجد سيما في الظهر وما جاء في فضلها]
٧٣
[الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها]
١٣٦
[الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلا أو ثوما أو كراتًا أو
فجلا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة]
١٥٦
[ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهن ولزومها وترهيبهن
١٧٢
[الترغيب في الصلوات الخمس والإيمان بوجوبها]
١٨٨
[الترغيب في الصلاة مطلقا وفضل الركوع والسجود]
٢٥٩
[الترغيب في الصلاة في أول وقتها]
٢٩٨
[الترغيب في صلاة الجماعة وما جاء فيمن خرج يريد الجماعة
فوجد الناس قد صلوا]
٣١٨
[الترغيب في كثرة الجماعة]
٣٥٠
[التَّرْغِيب فِي الصَّلَاة فِي الفلاة
٣٥٦

فهرس الموضوعات
٧١٧
الموضوع
الصفحة
[الترغيب في صلاة العشاء والصبح خاصة في جماعة والترهيب
من التأخير عنهما]
٣٦٢
٣٨٩
[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر]
[الترغيب في صلاة النافلة في البيوت]
٤١٦
[الترغيب في انتظار الصلاة بعد الصلاة]
٤٥٠
[الترغيب على المحافظة على الصبح والعصر]
٤٧٤
[الترغيب في جلوس المرء في مصلاه بعد صلاة الصبح وصلاة العصر]
٤٩٨
[الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح وصلاة العصر والمغرب]
[الترهيب من فوات العصر]
٥١٦
الترغيب في الإمامة مع الإتمام والإحسان والترهيب منها عند عدمها
٥٢٤
[الترهيب من إمامة الرجل القوم وهم له كارهون]
٥٣٤
[الترغيب في الصف الأول وما جاء في تسوية الصفوف والتراص فيها
٥٤٣
وفضل ميامنها ومن صلى في الصف المؤخر]
٥٧٠
[الترغيب في وصل الصفوف وسد الفرج]
الترهيب من تأخر الرجال إلى أواخر صفوفهم وتقدم النساء إلى
أوائل صفوفهم
٥٨١
٤٢٨

٧١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الموضوع
الصفحة
[الترغيب في التأمين خلف الإمام وفي الدعاء وما يقوله في الاستفتاح
والاعتدال]
٥٩٧
[الترهيب من رفع المأموم رأسه قبل الإمام في الركوع والسجود]
٦٢٢
[الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، وإقامة الصلب بينهما وما
جاء في الخشوع]
٦٣٣
فهرس الموضوعات
٧١٦

.