Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
كتاب الصلاة
البوادي(١).
(١)
٦٧٩ - وَعَن الْحَارِث بن مُسلم التَّمِيمِي ◌َ قَالَ قَالَ لِي النَِّي ◌ِّ إِذا
صليت الصُّبْحِ فَقل قبل أَن تَتَكَلَّم اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبع مَرَّات فَإِنَّك إِن
مت من يَوْمك كتب الله لَك جوارا من النَّار وَإِذا صليت المغرب فَقل قبل أن
تَتَكَلَّمِ اللَّهُمَّ أجرني من النَّار سبع مَرَّات فَإِنَّك إِن مت من ليلتك كتب الله لَك
جوارا من النَّار)) رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهَذَا لَفظه وَأَبُو دَاوُد عَنِ الْحَارِث بن مُسلم عَن
أَبِيه مُسلم بن الْحَارِثِ قَالَ الْحَافِظِ وَهُوَ الصَّوَابِ لِأَن الْحَارِث بن مُسلم
تَابِعِيّ قَالَه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِمِ الرَّازِيّ(١).
قوله عن [٢٨٤/ ب] الحارث بن مسلم التميمي: قال الحافظ الحارث بن
مسلم تابعي قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .
قوله: ((إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع
مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوارا من النار)) الحديث سيأتي
الكلام على ذلك في سؤال الجنة والاستعاذة من النار في أواخر الكتاب.
قوله ((وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم اللهم أجرني من النار سبع
مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب الله لك جوارا من النار)) والجوار بمعنى
(١) الكواكب الدراري (٦٨/١٩).
(٢) أخرجه أحمد ٢٣٤/٤ (١٨٠٥٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢٥٣/٧)، وأبو داود
(٥٠٧٩)، والنسائي في الكبرى (٩٨٥٩)، وابن حبان (٢٠٢٢). وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (٢٥٠)، والضعيفة (١٦٢٤).
٥٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحفظ.
٦٨٠ - وَعَن عمَارَة بن شبيب السبائِي ◌َََّّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّ: ((من
قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ
على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات على إِثْرِ الْمغرب بعث الله لَهُ مسلحة
يَحْفَظُونَهُ من الشَّيْطَانِ حَتَّى يصبح وَكتب الله لَهُ بِهَا عشر حَسَنَاتِ مُوجبَات
ومحا عَنهُ عشر سيئات موبقات وَكَانَت لَهُ بِعِدْل عشر رقبات مؤمنات)) رَوَاهُ
النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن لا نعرفه إِلَّا من حَدِيث لَيْث بن سعد
وَلَا نَعْرِف لعمارةِ سَمَاعا من النَِّيِّ ◌َِّ(١).
قوله: عن عمارة بن شبيب السبائي رُوَّهُ [وقيل: عمار مختلف في صحبته
وفي إسناد حديثه روى عنه: أبو عبد الرحمن الحبلي، وهو من أهل مصر (٢)].
قوله: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي
ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات على إثر المغرب بعث الله له
مسلحة يحفظونه من الشيطان حتى يصبح)) الحديث، أثر بفتح الهمزة والثاء
المثلثة ويكسر الهمزة وإسكان الثاء لغتان والمسلحة بفتح الميم وإسكان
السين المهملة وبفتح اللام والحاء المهملة وهم الحرس قال في النهاية:
(١) أخرجه الترمذى (٣٥٣٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٣٨ و١٠٣٣٩). وحسنه الألباني في
صحيح الترغيب (٤٧٣).
(٢) أسد الغابة (١٣٣/٤ ترجمة ٣٨١٧)، وتهذيب الكمال (٢٤٧/٢١-٢٤٨ ترجمة
٤١٨٦).
٥٠٣
كتاب الصلاة
المسلحة: القوم الذين يحفظون الثغور من العدو. وسموا مسلحة لأنهم
يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلحة، وهي كالثغر والمرقب
يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه أعلموا
أصحابهم ليتأهبوا له. وجمع المسلح: مسالح(١).
قوله: ((وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات)) أي يوجبن لصاحبهن
الجنة.
قوله: ((ومحا عنه عشر سيئات موبقات)) أي مهلكات وتقدم الكلام على
المحو.
قوله: ((وكانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات)) العدل بالفتح المثل وما
عادل الشيء من غير جنسه وبالكسر ما عادله من جنسه وكان نظيره (٢) والله
أعلم.
قوله: لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد [هو أبو الحارث الليث بن
سعد ابن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري الإمام البارع، هو من تابعي
التابعين. سمع عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، ونافعا مولى ابن
عمر، وسعيد المقبري، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبا الزبير، وخلائق
غيرهم من التابعين، وآخرين من تابعيهم، روى عنه محمد بن عجلان،
وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وقيس بن الربيع، وابن المبارك، وابن
(١) النهاية (٣٨٨/٢).
(٢) النهاية (١٩١/٣).
٥٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وهب، وابن لهيعة، وعبد الله بن صالح كاتبه، وخلائق لا يحصون من الأئمة
وغيرهم. وأجمع العلماء على جلالته، وإمامته، وعلو مرتبته في الفقه
والحديث. وهو إمام أهل مصر في زمانه، نقل أبو حاتم بن حبان، عن
الشافعي، زَوَّهُ، أنه قال: كان الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أنه ضيعه
أصحابه. وقال ابن وهب: ما كان في كتب مالك وأخبرني من أرضى من أهل
العلم، فهو الليث بن سعد. وقال محمد بن سعد: كان الليث مولى لقريش،
ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين، وكان ثقة، كثير الحديث وصحيحه، وكان
استقل بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريًّا، نبيلًا، سخيًّا، وقال أحمد بن
حنبل: الليث كثير العلم، صحيح الحديث، ليس في هؤلاء المصريين أثبت
منه، ما أصح حديثه، فقال أحمد: رأيت من رأيت، فلم أر مثل الليث، كان
فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر،
حسن الذاكرة، وعد خصالا جميلة عنه حتى بلغ عشرا. وأقوال العلماء في
فضله كثيرة مشهورة، وقال قتيبة بن سعيد: لما قدم الليث المدينة، أهدى له
مالك بن أنس من طرف المدينة، فبعث إليه الليث ألف دينار. وقال محمد
بن رمح صاحب الليث: كان دخل الليث ثمانين ألف دينار، يعني فى السنة،
وما وجبت عليه زكاة قط. توفي الليث في شعبان. قال ابن بكير: توفي الليث
سنة خمس وسبعين ومائة. وقال ابن حبان: سنة ست أو سبع وسبعين. وقال
ابن سعد: سنة خمس وستين، رضي الله عنه (١)].
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٧٣/٢ -٧٤ ترجمة ٥٣٦).
٥٠٥
كتاب الصلاة
٦٨١ - وَعَن أبي أَيُّوب رََّ أَن رَسُول الله ◌ََّ قَالَ: ((من قَالَ إِذا أصبح: لَا
إِلَه إِلَّا الله وحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير
عشر مَرَّات كتب الله لَهُ بِهن عشر حَسَنَات ومحا بِهِن عشر سيئات وَرفع لَهُ
بِهِن عشر دَرَجَات وَكن لَهُ عدل عتاقة أَربعِ رِقَابٍ وَكن لَهُ حرسا حَتَّى يُمْسِي
وَمن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلَاته فَمثل ذَلِك حَتَّى يصبح)) رَوَاهُ أَحْمد
وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ حَبَان فِي صَحِيحِه وَهَذَا لَفظه، وَفِي رِوَايَة لَهُ: ((وَكن لَهُ عدل
عشر رِقَاب))(١).
قوله: عن أبي أيوب الأنصاري، تقدم الكلام على فضائله.
قوله: ((من قال إذا أصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله
الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات)) الحديث، تقدم الكلام على
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١١٢٤ و١١٢٥)، والضبى في الدعاء (١٥٦)، وابن أبي
شيبة في المسند (٢) والمصنف ٥٨/٦ (٢٩٤٥٤) و١٧١/٧ (٣٥٠٦٧)، وأحمد
(٢٣٥١٨) و٤١٨/٥ (٢٣٥٤٦) و(٢٣٥٦٨) و٤٢٢/٥(٢٣٥٨٣)، وعبد بن حميد
(٢٢١)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٦٨٤/٢-٦٨٥) و(١٢٩/٣)، والحارث
(١٠٤٩)، والنسائي في الكبرى (٩٨٦١ و٩٨٦٢ و٩٨٧٠)، وأبو عوانة (١١٨٢٩)،
والطحاوى في المشكل (١١٨٢٩)، وابن حبان (٢٠٢٣)، والطبراني في الكبير (١٢٨/٤
رقم ٣٨٨٤) و(٤ /١٦٤ -١٦٥ رقم ٤٠١٦-٤٠٢٣).
وقال الهيثمي في المجمع ١٠٨٤: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح،
وفي رجال الطبراني الحجاج بن نصير، وقد ضعفه الجمهور، وذكره ابن حبان في الثقات،
وقال: يخطئ ويهم، وبقية رجاله ثقات. وصححه الألباني في الصحيحة (١١٣ و ٢٥٦٣)
وصحيح الترغيب (٤٧٤).
٥٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ألفاظه في الأحاديث المتقدمة.
قوله: ((وكن له عدل عتاقة أربع رقاب)) أي مثل ثواب إعتاق عشر رقاب.
قوله: ((وكن له حرسا حتى يمسي)) تقدم معنى الحرس وهم المسلحة.
قوله: ((ومن قالهن إذا صلى المغرب دبر صلاته فمثل ذلك حتى يصبح))
وروى عن علي رَُّهُ مرفوعًا إلى النبي نَّهِ (المغرب سيدة كل صلاة))
وروى أن أفضل الصلاة عند الله تعالى صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر
ولا مقیم فتح الله بها صلاة الليل ويختم بها صلاة النهار.
فائدة: للمغرب اسمان:
- الأول: المغرب لأنها تدخل بالغروب.
- والثاني: صلاة الشاهد واختلفوا في تسميتها بذلك فقيل لأنها لا قصر
فيها للمسافر بل يصليها كصلاة الشاهد أي الحاضر ومنه قول رسول الله وَ له
«لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)» أي حاضر.
وقيل الشاهد النجم الذي يطلع عقب الغروب وبه سميت لأنه كالشاهد
على دخول الوقت وعلى غياب الشمس وفي صحيح مسلم ((ثم لا صلاة
بعدها)) أي بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس ويطلع الشاهد قاله في كتاب
. (١)
القدوة
٠
٦٨٢ - وَعَن معَاذ بن جبل ◌َّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ: ((من قَالَ حِين
يَنْصَرف من صَلَاة الْغَدَاة لَا إِلَه إِلَّ الله وحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد
(١) القول التمام (ص ١٨٢).
٥٠٧
كتاب الصلاة
بِيَدِهِ الْخَيْرِ وَهُوَ على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات أعطي بِهن سبعا كتب الله لَهُ
بِهن عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ بِهِن عشر سيئات وَرفع لَهُ بِهِن عشر دَرَجَات
وَكن لَهُ عدل عشر نسمات وَكن لَهُ حفظا من الشَّيْطَانِ وحرزا من الْمَكْرُوه
وَلم يلْحقهُ فِي ذَلِك الْيَوْمِ ذَنْبِ إِلَّا الشّرك بِالله وَمن قالهن حِين ينْصَرف من
صَلَاة الْمغرب أعطي مثل ذَلِك ليلته)) رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد
حسن وَاللَّفْظِ لَهُ(١) الْعدْلِ بِالْكَسْرِ وفتحه لُغَة هُوَ الْمثل وَقَالَ بَعضهم: الْعَدْل
بِالْكَسْرِ مَا عَادل الشَّيْء من جنسه وبالفتح ما عادله من غیر جنسه.
قوله: عن معاذ بن جبل زق تقدم الكلام عليه.
قوله: ((من قال حين ينصرف من صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا
شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير عشر
مرات)) الحديث تقدم أن المراد بصلاة الغداة صلاة الصبح وأن [٢٨٥/ أ]
النووي نقل في شرح المهذب كراهة تسميتها بذلك.
قوله: ((أعطي بهن سبعا كتب الله له بهن عشر حسنات)) الحديث تقدم
الكلام على تفسير هذه الألفاظ.
وقوله: ((وكن له عدل عشر نسمات)) قال الحافظ العدل بالكسر وفتحه لغة
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٩٨٧٧)، والطبراني في الدعاء (٧٠٦) والكبير (٦٥/٢٠ رقم
١١٩)، والدارقطنى في العلل (٤٦/٦). وقال الهيثمي في المجمع ١٠٩/١٠: رواه
الطبراني من طريق عاصم بن منصور، ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله ثقات.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٥).
٥٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هو المثل وقال بعضهم العدل بالكسر ما عادل الشيء من جنسه وبالفتح ما
عادله من غیر جنسه(١) انتهى.
قوله: ((وكن له حفظا من الشيطان وحرزا من المكروه)) سيأتي الكلام على
ذلك في الحدیث بعده.
٦٨٣ - وَعَن أبي أَمَامَةِ رَّ ◌َ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ وَلَّهِ: ((من قَالَ دبر صَلَاة
الْغَدَاة: لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحييٍ وَيُمِيت
بِيَدِهِ الْخَيْرِ وَهُوَ على كل شَيْء قدير مائَة مرّة قبل أن يثني رجلَيْهِ كَانَ يَوْمَئِذٍ من
أفضل أهل الأَرْض عملا إِلَّا من قَالَ مثل مَا قَالَ أَو زَاد على مَا قَالَ)) رَوَاهُ
الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَاد جيد(٢) وَرَوَاهُ فِيهِ وَفِي الْكَبِيرِ أَيْضًا من حَدِيث أبي
(١) النهاية (٣/ ١٩١).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٧٥/٧ رقم ٧٢٠٠) والكبير (٢٨٠/٨ رقم ٨٠٧٥). وقال
الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي غالب إلا آدم بن الحكم، ولا رواه عن آدم إلا عبد
الصمد بن عبد الوارث.
وقال الهيثمي في المجمع ٨٥/١٠: رواه الطبراني، وفيه سليم بن عثمان الطائي، ثم
الفوزي: أبو عثمان الحمصي كما في الميزان، وقد ضعفه غير واحد من قبل حفظه، وذكره
ابن حبان في الثقات، وقال: لم يرو عنه غير سليمان بن سلمة الخبائري، وهو ضعيف، فإن
وجد له راو غيره اعتبر حديثه، ويلزق به ما يتساهل من جرح أو تعديل، وذكره ابن أبي
حاتم، وقال: عن أبيه.
وروى عنه محمد بن عوف، وأبو عتبة: أحمد بن أبي الفرج، وهو مجهول، وعنده
عجائب، وقد روى عنه ثلاثة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (٤٧٦).
٥٠٩
كتاب الصلاة
الدَّرْدَاء وَلَفظه: ((من قَالَ بعد صَلَاة الصُّبْحِ وَهُوَ ثَان رجلَيْهِ قبل أن يتَكَلَّم لَا إِلَه
إِلَّا الله وحده لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت بِيَدِهِ الْخَيْرِ وَهُوَ
على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات كتب الله لَهُ بِكُل مرّة عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ
عشر سيئات وَرفع لَهُ عشر دَرَجَات وَكن لَهُ فِي يَوْمِه ذَلِك حرْزا من كل
مَكْرُوه وحرسًا من الشَّيْطَانِ الرَّجِيم وَكَانَ لَهُ بِكُل مرّة عتق رَقَبَة من ولد
إِسْمَاعِيل ثمن كل رَقَبَة اثْنَا عشر ألفا وَلم يلْحقهُ يَوْمَئِذٍ ذَنْب إِلَّا الشّرك بِالله
وَمَن قَالَ ذَلِك بعد صَلَاة الْمغرب كَانَ لَهُ مثل ذَلِك»(١).
قوله: عن أبي أمامة هو الباهلي واسمه صدي تقدم.
قوله: (من قال دبر صلاة الغداة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله
الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة قبل أن يثني
رجليه كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملا إلا من قال مثل ما قال أو زاد على
ما قال)) الحديث فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم
كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة ويكون له ثواب آخر على
الزيادة وليس هذا من الحدود التي نهي عن مجاوزة أعدادها وأن زيادتها لا
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٠/٥-٥١ رقم ٤٦٤٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا
الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا هانئ بن عبد الرحمن ورديح بن عطية، تفرد به:
موسی بن محمد.
وقال الهيثمي في المجمع ١٠٨/١٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه موسى بن
محمد بن عطاء البلقاوي، وهو متروك. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٢٥١).
٥١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فضل فيها أو تبطلها كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، ويحتمل أن
يكون المراد مطلق الزيادة سواء كانت من التهليل أو من غيره أو منه ومن غيره
قال وهذا الاحتمال أظهر وظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر
المذكور في هذا الحديث لمن قال هذا التهليل مائة مرة في نومه سواء قالها
متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار وبعضها آخره لكن الأفضل أن
يأتي بها متوالية في أول النهار لتكون حرزا له في جميع نهاره(١) والله أعلم.
قوله: في رواية للطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء ((وكن له في يومه
ذلك حرزا من كل مكروه وحرسا من الشيطان)) الحديث، يعني أن الله تعالى
يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم فلا يقدر منه على مذلة ولا وسوسة ببركة
تلك الكلمات قال العلماء يعني أن هذه الكلمات ثوابها عظيم بمنزلة ثواب
من أعتق عشر رقاب كما مر في الأحاديث المتقدمة وقد صح أن النبي وَّ
قال ((من أعتق رقبة واحدة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار)) ثم
يزاد مع ذلك (كتب مائة حسنة ومحا مائة سيئة)) فجمع له ذلك كله وكل
واحدة من هذه الحسنات مضاعفة بعشر كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحْسَنَةِ
فَلَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾(٢) قال وهذه الأجور العظيمة والفوائد الجمة إنما
تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات فأحضر معناها بقلبه وتأملها بفهمه
واتضحت له معانيها وخاض في بحار معرفتها ورتع في رياض زهرتها ووصل
(١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ١٧).
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.
٥١١
كتاب الصلاة
بها إلى عين اليقين فإن لم يكن فإلى علم اليقين وهذا هو الإحسان في الذكر
فإنه من أعلى العبادات وقد قال النبي وقالله في الإحسان: ((أن تعبد الله كأنك
تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم
مختلفين كانت أجورهم على ذلك [٢٨٥/ ب] بحسب ما أدركوا وعلى هذا
ينزل اختلاف مقادير الأجور والثواب المذكور في أحاديث الأذكار فإنك
تجد في بعضها ثوابا عظيما مضاعفا وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية
أخرى أكثر أو أقل اتفق ههنا في حديث أبي هريرة فإن فيه من قالها مائة مرة
كانت له عدل عشر رقاب(١).
وفي حديث أبي أيوب ((كانت له عدل أربع رقبات)) وعلى هذا فمن قال
هذا مائة مرة كان له عدل أربعين رقبة فيرجع الاختلاف إلى أحوال
الذاكرين(٢) والله أعلم.
٦٨٤ - وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم ◌َّالَّهُ عَنِ النَّبِي وَلِ أَنْه قَالَ: ((من قَالَ
قبل أَن ينْصَرف ويثني رجلَيْهِ من صَلَاة الْمغرب وَالصُّبْحِ لَا إِلَه إِلَّ الله وَحده
لا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد یحیي وَيُمِیت وَهُوَ على كل شيء قدير عشر
مَرَّات كتب الله لَهُ بِكُل وَاحِدَة عشر حَسَنَات ومحا عَنهُ عشر سيئات وَرفع لَهُ
عشر دَرَجَاتٍ وَكَانَت لَهُ حرْزا من كل مَكْرُوه وحرزا من الشَّيْطَانِ الرَّجِيم وَلم
يحل للذنب أَن يُذْرِكهُ إِلَّ الشّرك وَكَانَ من أفضل النَّاس عملا إِلَّ رجلا
(١) المفهم (٢٢ / ٨١-٨٢).
(٢) المفهم (٢٢/ ٨٢).
٥١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يفضله يَقُول أفضل مِمَّا قَالَ)) رَوَاهُ أَحْمد وَرِ جَاله رجال الصَّحِيح غير شهر بن
حَوْشَب وَعبد الرَّحْمَن بن غنم مُخْتَلف فِي صحبته وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث
عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم (١).
قوله: عن عبد الرحمن بن غنم هو عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هانئ
بن ربيعة الأشعري ذكره ابن يونس وابن منده وآخرون في الصحابة وأنكر ابن
أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا هو تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد
رسول الله وَّخلال ولم يره وقال الأولون قدم على رسول الله وَّل في السفينة مع
أبي موسى الأشعري وأصحابه كان يسكن فلسطين وقدم دمشق قال ابن
يونس قدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين وروى عن النبي
وَخلة مرسلا وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا مالك
الأشعري وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن
أفقه أهل الشام وعليه تفقه عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر توفي
سنة ثمان وسبعين والله أعلم(٢).
قوله: ((من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح لا
إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل
(١) أخرجه أحمد ٢٢٧/٤ (١٧٩٩٠)، والدارقطنى في العلل (٧٦/١١). وقال الهيثمي في
المجمع ١٠٨/١٠: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غیر شهر بن حوشب، وحديثه
حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٧).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣٠٢/١ -٣٠٣ ترجمة ٣٥٨).
٥١٣
كتاب الصلاة
شيء قدير عشر مرات)) الحديث تقدم معنى الحديث والكلام عليه في
الأحاديث المتقدمة والله أعلم.
٦٨٥ - وَرُوِيَ عَن معَاذ بن جبل رََّّهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول اللهِ وَ يَقُول:
((من قَالَ بعد صَلَاة الْفجْرِ ثَلَاث مَرَّاتٍ وَبعد الْعَصْرِ ثَلَاث مَرَّات أَسْتَغْفر الله
الَّذِي لَا إِلَه إِلَّ هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ كفرت عَنْهُ ذُنُوبِه وَإِن كَانَت مثل
زبد الْبَحْر)) رَوَاهُ ابْن السّني فِي كِتَابِه(١).
قَالَ الْحَافِظُ: وَأَمَا مَا يَقُوله دبر الصَّلَوَاتِ إِذا أصبح وَإِذا أَمْسَى فَلِكُل مِنْهُمَا
بَابِ يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَتقدم فِي بَاب الرحلة فِي طلب الْعلم حَدِيث
قبيصَة وَفِيهِ أَن النَّبِ نَّهِ قَالَ لَهُ يَا قبيصَة إِذا صليت الصُّبْحِ فَقل ثَلَاثًا سُبْحَانَ
الله الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ تعافى من الْعَمى والجذام والفلجِ رَوَاهُ أَحْمد(٢).
قوله عن معاذ بن جبل تقدم.
قوله: ((من قال بعد صلاة الفجر ثلاث مرات وبعد العصر ثلاث مرات
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه كفرت عنه ذنوبه وإن
كانت مثل زبد البحر)) الحديث تقدم أن الصبح لها أسماء من جملتها تسمى
(١) أخرجه ابن السنى في اليوم والليلة (١٢٦). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٥٢).
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٦٠ (٢٠٦٠٢)، والطبراني في الكبير (٣٦٨/١٨ رقم ٩٤٠)، وابن بشران
(١١٣٣).
قال الهيثمي في المجمع ١٣٢/١: رواه أحمد، وفيه رجل لم يسم. وقال في ١٠/ ١١١ :
رواه الطبراني، وفيه نافع: أبو هرمز، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب
(٧١) و(٢٥٢).
٥١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفجر والبرد.
قوله: ((أستغفر الله)) أي أطلب المغفرة فإن السين للطلب ولا فرق بين
أستغفر الله واللهم اغفر لي، ووقع في كلام رابعة العدوية استغفارنا يحتاج
إلى استغفار كثير وعن بعضهم الاستغفار باللسان توبة الكاذبين(١) وما
أوقعهم في هذا إلا أنهم ظنوا أن هذا معناه التوبة فنظروا إلى شروط التوبة
وهى الندم والإقلاع والعزم على عدم العود فوجدوها مخلة باصرارهم على
ما هم عليه في هذا (٢) والحكمة في الاستغفار عقب الصلاة أن الدعاء إذا
تقدمه عمل صالح وجب إجابته ويحتمل أنه شرع بسبب تقصير أو غفلة أو
خلل يقع في صلاة الشخص ففعله تعليما للأمة وأما تكراره ثلاثا وكذلك في
كثير من الأدعية فلما فيه من الإلحاح والافتقار والاحتياج للمطلوب
للدعاء(٣)، وقوله اللهم هذه الميم عوض عن يا النداء(٤) وقال بعضهم إنها
جامعة لتنزيهه سبحانه وتعالى(6) والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
والمراد بتكفير الذنوب الصغائر وتقدم تفسير زبد البحر في الأحاديث قبله
وفي رواية أخرى ((كفرت عنه ذنوبه وإن كان فر من الزحف)) أي فر من الجهاد
(١) الأذكار (ص ٦٢٢).
(٢) انظر: المفهم (٣٢/٢)، وجامع العلوم والحكم (١١٦٨/٣).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٥٤٣/٢)، وشرح النووي (٢٠٢/٤)، والنفح الشذى (٥٦٣/٤)،
واللامع الصبيح (٣٤٥/١٥)، وفتح البارى (١١ / ١٠٢).
(٤) الزاهر (٥١/١)، وكشف المشكل (٢٩٨/٢)، والمفهم (١٩/٥).
(٥) شرح أبي داود (٣٥٧/٢).
٥١٥
كتاب الصلاة
ولقاء العدو في الحرب والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون يقال
زحف الجيش زحفا إذا مشى إليه نحوه(١) والله أعلم.
قوله: وتقدم في باب الرحلة في طلب العلم حديث قبيصة [٢٨٦ / أ] فيه أن
النبي وَّ قال له: ((يا قبيصة إذا صليت الصبح فقل ثلاثا سبحان الله العظيم
وبحمده تعافى من العمى والجذام والفلج)) وفي رواية: ((والبرص)) وفي حديث
أبي هريرة ((الفلج داء الأنبياء)) وهو داء معروف يرخي بعض البدن وتقدم
الكلام عليه وعلى بقية الألفاظ هناك.
(١) النهاية (٢٩٧/٢).
[ الترهيب من فوات العصر]
٦٨٦ - عَن بُرَيْدَة رَو ◌َّهُ قَالَ قَالَ النَّبِي وَلّه من ترك صَلَاة الْعَصْر فقد حَبط
عمله رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَلَفظه قَالَ بَكُرُوا بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ
الْغَيْمِ فَإِنَّهُ من فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْرِ حَبط عمله(١).
قوله: عن بريدة الصحابي هو أبو عبد الله ويقال أبو سهل ويقال سهيل
ويقال أبو الحصيب بضم الحاء ويقال أبو ساسان بريدة بن الحصيب بضم
الحاء المهملة بن عبد الله بن الحارث بن سعد الأسلمي سكن المدينة ثم
البصرة ثم مرو وتوفي بها سنة اثنتين وستين وهو آخر من توفي من الصحابة
بخراسان روي له عن رسول الله و الله مائة حديث وأربعة وستون حديثا اتفق
البخاري ومسلم منها على حديث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأحد
عشر أسلم بريدة قبل بدر ولم يشهدها وقیل أسلم بعدها روى عنه ابناه عبد
الله وسليمان ومناقبه كثيرة مشهورة (٢).
قوله مديلة: ((من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)) الحديث المراد ببطلان
العمل بطلان الثواب (٣) وقال النووي المراد به نقصان الإيمان وإبطال بعض
(١) أخرجه البخاري (٥٥٣) و(٥٩٤)، وابن ماجه (٦٩٤)، والنسائى في المجتبى ٥٧٣/١
(٤٨١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٣٣/١ ترجمة ٨١).
(٣) الميسر (١/ ١٨٣).
٥١٧
كتاب الصلاة
العبادات لا الكفر فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه
يوجب الكفر (١) وقال ابن بطال إنما يحبط عمل المؤمن وهو لا يشعر إذا عد
الذنب يسيرًا فاحتقره وكان عند الله عظيما وليس الحبط بمخرج عن الإيمان
وإنما هو نقصان منه(٢) ورواه ابن ماجه ولفظه ((بكروا في الصلاة في يوم الغيم
فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله)) قال الطبري: فإن قيل: فما معنى قوله:
(بكروا بالصلاة في يوم الغيم)) ولا سبيل إلى معرفة أوقات النهار لارتفاع
الأدلة على ذلك بالغيم الساتر عين الشمس، قيل ذلك أمر منه ثالثا بالبكور
بها على التحري، والأغلب عند المتحري لا على يقين العلم بإصابة أول
وقتها لأن أوقات الصلاة لا تدرك في يوم الغيم إلا بالتحري والعلم الظاهر(٣)
والله أعلم.
قوله ◌َّه: ((فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله)) أي قارب أن يحبط عمله
كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾(٤) أي: قاربن بلوغ أجلهن قال الشاعر:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا من البلاد فقد جئنا خراسانا
أي: قاربناها، وقال بعضهم: حبط عمله أي حبط كمال عمله في ذلك اليوم
من الصلوات لأن صلاة العصر هي صلاة أخر اليوم وترفع ملائكة النهار
(١) الكواكب الدراري (١٨٧/١)، وعمدة القارى (٢٧٤/١).
(٢) قاله أبو الزناد كما في شرح الصحيح (١١٢/١) لابن بطال.
(٣) شرح الصحيح (١٧٧/٢) لابن بطال.
(٤) سورة الطلاق، الآية: ٢.
٥١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عمل الرجل إلى حضرة الله تعالى في صلاة العصر فإذا لم يصل العصر لم
يختم له عمل ذلك اليوم(١).
فائدة: اختلفوا في تسميته عصرًا قال الحموي: لأنها تعاصر وقت المغرب،
وقال بعضهم: إنما سميت عصرًا لأنها تعصر بمعنى تؤخر إلى آخر النهار،
ولهذا قال أبو حنيفة: لا يدخل وقتها إلا بمقدار الظل مثلين وكأنه أخذ من
عصارة الشيء وهو بقيته، وقيل: سميت عصرًا للمبالغة [٢٨٦ / ب] لأنها
صلاة العصر كله والعصر الدهر للمبالغة كقوله وَالله: ((الحج عرفة)) والليل
والنهار يسميان العصران والصريمان والملوان قاله ابن العماد (٢).
فائدة أخرى: فإن قلت: قالت الشافعية للعصر خمسة أوقات وقت
الفضيلة وهو أول الوقت، ووقت الاختيار وهو أن يصير ظل الشيء مثليه،
ووقت الجواز بلا كراهة وهو قبل الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة وهو
زمان الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر وهو وقت الظهر عند الجمع
بينهما بالتقديم فالفضيلة الواردة في حق صلاة العصر هل هي مختصة بمن
صلاها أول الوقت أو عامة لجميع أحوالها، قلت: لما كانت هي أداء إلى
الغروب صادقا عليها صلاة العصر في جميع أحوالها كانت عامة والله أعلم،
قاله الكرماني(٣).
(١) القول التمام (ص ١٨١ - ١٨٢).
(٢) القول التمام (ص ١٨١).
(٣) الكواكب الدراري (٤ /٢٠٠).
٥١٩
كتاب الصلاة
٦٨٧ - وَعَن أبي الدَّرْدَاءِ رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَهُ مِن ترك صَلَاة
الْعَصْرِ مُتَعَمدا فقد حَبط عمله رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَادِ صَحِيح(١).
قوله: عن أبي الدرداء، واسمه عويمر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: ((من ترك العصر متعمدا فقد حبط عمله)) الحديث، احترز بالمتعمد
عن الساهي، وتقدم الكلام على إحباط العمل في الحديث قبله وقبل قبله.
٦٨٨ - وَعَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِ ◌َِّ قَالَ الَّذِي تفوته صَلَاة
الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله. رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَه وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِهِ وَزَادٍ فِي آخِرِهِ قَالَ
مَالك تَفْسِيرِه ذهَاب الْوَقْت(٢).
قوله: عن ابن عمر، تقدم.
قوله {وَل﴾: ((الذي تفوته صلاة العصر)) الحديث، قال القاضي عياض(٣):
واختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث فقال ابن خزيمة في
صحيحه في آخر الحديث: قال مالك تفسيره ذهاب الوقت، وقال في شرح
الأحكام: الظاهر أن المراد الوقت، ويحتمل أن المراد به المفاحشة في
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٢ (٢٧٤٩٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩٥/١: رواه أحمد
ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٩).
(٢) أخره مالك (٢١)، والبخاري (٥٥٢)، ومسلم (٢٠٠ و٢٠١ - ٦٢٦)، وابن ماجه
(٦٨٥)، وأبو داود (٤١٤)، والترمذى (١٧٥)، والنسائى في المجتبى ١ / ٥٧٧ (٤٨٦)
و٢٢/٢ (٥٢٢).
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٢٦/٥).
٥٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
التأخير، وقال العراقي في شرح الأحكام قال ابن وهب وغيره: هو فيمن لم
يصلها في وقتها المختار، وقال سحنون والأصيلي هو أن يفوته بغروب
الشمس، وقيل: هو يفوتها إلى أن تصفر الشمس، وقد ورد ذلك مفسرًا من
رواية الأوازاعي في هذا الحديث، قال فيه: وفواتها أن يدخل الشمس صفرة،
وروي عن سالم أنه قال: هذا فيمن فاتته ناسيا، وعلى قول الداوودي: هو في
العامد وهذا هو الأظهر ويؤيده حديث البخاري في صحيحه عن بريدة:
(بكروا بصلاة العصر في يوم الغيم فإن رسولا الله وَليلة قال: من ترك صلاة
العصر حبط عمله)) وهذا إنما يكون في العامد، وهذا محمول على من استحل
ذلك أو على من اعتاد ترك هذه الصلاة أن المراد حبط الأجر إذا أخرها عن
وقتها، قال ابن عبد البر: ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلوات ويكون نبه
بالعصر على غيرها، وخصها بالذكر لأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاسات
أعمالهم، وفيما قاله ابن عبد البر مراد الحديث ورد العصر، والله أعلم(١).
قوله وَل: ((فكأنما وتر أهله وماله)) يروى بنصب اللامين ورفعهما
والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، قاله عياض وهو الذي
سمعناه وضبطناه عن أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويكون المعنى:
فكأنما وتر في أهله وماله فلما حذف الخافض انتصب، وقال الخطابي على
رواية النصب أي: نقص هو أهله وماله وسلبه فيبقى وترًا بلا أهل ولا مال (٢)
(١) إكمال المعلم (٥٩٠/٢- ٥٩١)، وشرح النووي على مسلم (١٢٦/٥).
(٢) إكمال المعلم (٢/ ٥٩٠)، وشرح النووي على مسلم (١٢٦/٥).