Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الصلاة
٥٨٦- وَعَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول اللهِ وََّ قَالَ: ((صَلَاة
الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذْ بِسبعٍ وَعِشْرين دَرَجَة)) رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ
وَمُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(١).
قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على مناقبه قوله وَ اله: ((صلاة الجماعة
أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)» الفذ: بالذال المعجمة المنفرد
المصلي وحده وقد فذ الرجل عن أصحابه إذا شذ عنهم وبقي منفردا وفي
حديث مسلم هذه الآية الفاذة الجامعة أي المنفردة في معناها والفذ أول
سهام الميسر اعلم أن الفذ المذكور هو غير المعذور وأما المريض والمسافر
وكل معذور فيكتب له فضلها وفيه خلاف [٢٥٨/ أ] قال ◌َ التَّلام): ((إذا مرض
العبد وسافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا وكذا الذي يصلي صلاة من
الأرض وحده فإن صلاته بخمسين صلاة)) كما رواه أبو داود قاله في شرح
الإلمام قوله بسبع وعشرين درجة وفي حديث أبي هريرة بخمسة وعشرين
جزءا وفي حديث أبي سعيد الخدري بخمس وعشرين درجة والكل في
الصحيح وحديث أبي هريرة وابن عمر متفق عليهما وحديث أبي سعيد في
البخاري.
قال: أبو عيسى الترمذي وعامة من روى عن النبي وَّ إنما قال: ((خمسًا
وعشرين)) إلا ابن عمر فإنه قال: ((بسبع وعشرين)) فما وجه الجمع بينهما قال
(١) أخرجه مالك (٣٤١)، والبخاري (٦٤٥) و(٦٤٩)، ومسلم (٢٤٩ و٢٥٠ - ٦٥٠)، وابن
ماجه (٧٨٩)، والترمذى (٢١٥)، والنسائى في المجتبى ٢٨١/٢ (٨٤٩) والكبرى (٩٩٩).

٣٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجمع بينهما أن تكون الدرجة أقل من الجزء وهو ضعف فكأن الخمسة
وعشرين جزءًا إذا جزيت درجات فكانت سبعًا وعشرين درجة وقيل الدرجة
غير الجزء وهو غفلة من قائله فقد ثبت في بعض بخمس وعشرين درجة،
وقيل أن السبع وعشرين وردت بعد الخمس والعشرين ولا حد ذكر القليل
لا ينفي الكثير ولله تعالى أن يزيد من فضله ما يشاء، وقيل: أن قوله وَليه
(بخمس وعشرين وبسبع وعشرين)) راجع إلى أحوال المصلين وحال
الجماعة فإذا كانت جماعة متوافرة وكان المصلي على غاية من التحفظ
وكمال طهارة ومحافظته على هيائتها وخشوعها وشرف البقعة ونحوها كان
هو الموعود بسبع وعشرين درجة إن كان على دون تلك الحالة كان هو
الموعود بخمسة وعشرين درجة وقيل السبع والعشرين في العصر والصبح
لمزيتهما على غيرهما فالمرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قصرت
عقول الألباب عن إدراك جملتها وتفاصيلها والله أعلم.
قال العلماء رضي الله عنهم: استدل بهذا الحديث على صحة صلاة
المنفرد لأن لفظة أفضل تقتضي الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد
الجانين وذلك يقتضي حصول فضيلة في صلاة المنفرد ولو كانت باطلة لم
يكن فيها فضيلة، وفي الحديث دليل على عدم وجوب الجماعة لإثبات
الفضيلة وذهب أبو داود إلى عدم صحة صلاة المنفرد وقال الجماعة شرط
لصحة الصلاة وقال: الإمام أحمد بوجوبها فقال: من صلى وحده أثم
وصحته والمختار عند الشافعية ونص عليه إمامهم أنها فرض كفاية وقيل سنة

٣٢٣
كتاب الصلاة
وهو الأصح عند الرافعي وقيل فرض عين وسيأتي الكلام على من يقول
بذلك في بابه فالمراد بالدرجة المذكورة في الحديث شرف المنزلة في الجنة لا
مجرد الحسنة وقيل أيضا لبعض العلماء في طريق الجمع بين الأحاديث أن
الدرجة أقل من الجزء كما تقدم فتكون الخمسة والعشرون جزء أقل من
الدرجة وهذا القدر حدث لا دليل عليه والجواب ما ذكر من وجهين آخرين
أحدهما أنه ◌َّ أخبر أولا بخمس وعشرين ثم أخبر ثانيا بالسبع والعشرين
فيكون في ذلك البشارة مرتين ومن فوائد ذلك تنشيط النفس ومسارعتها إلى
ما يحصل ذلك، الوجه الثاني أنه يحتمل أنه أوحي إليه أولا الخمس
والعشرين فبشر به ثم أوحي إليه الزيادة فبشر بها وقد وردت البشارة ثلاثا في
قوله وَيّ [٢٥٨/ ب] ((ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة)) فكبرنا ثم قال
((ألا ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة)) فكبرنا ثم قال ◌َيّ إن أهل الجنة
عشرون ومائة صنف منها ثمانون من هذه الأمة)) قيل وإنما كانت الثمانون
من هذه الأمة لأن الله تعالى سماهم الوارثين قال الله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ هُمُ
اَلْوَرِثُونَ ﴾﴾(١) ودار الجنة هي دار أبينا آدم ◌َّ والورثة يكون لهم الثلثان
بطريق الأرث والبقعة لغيرهم بطريق الوصية وأمته وسلال هم الوارثون جعلنا
الله تعالى من أمته قيل وإنما كانت العدة سبعا وعشرين لأن الحسنة بعشر
أمثالها والجماعة مأخوذة من الجمع فإذا صلى ثلاثة أنفس كانت صلاتهم
(١) سورة المؤمنون، الآية: ١٠.

٣٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ثلاثين حسنة ثلاثة أصول وسبعا وعشرين تضعيف فتكتب ذلك لكل واحد
وهذا يقتضي أن هذا الثواب لا يحصل لصلاة الواحد ومذهب الشافعي زيادة
الفضيلة بزيادة الجماعة وظاهر مذهب مالك رحمه الله تعالى تساوي
الجماعة كلها في الفضل.
وذكر الحليمي في المنهاج ما يقتضي أنه لم يقصد بالسبع والعشرين هنا
حقيقة العدد وإنما قصد به المبالغة لأن السبع والسبعين نقصد بهما المبالغة
والكثرة فقول العرب سبع الله لك الأجر وإن ذلك راجع إلى تحصيل أنواع
من العبادات لمن أتى الجماعة فإنه قال: يحتمل أنما فضلت الجماعة على
الفذ بسبع وعشرين لأن كل صلاة أقيمت في الجماعة كصلاة يوم وليلة إذا
أقيمت لا في جماعة لأن فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة والرواتب
عشر فالجميع سبع وعشرون قال، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما فيها
من الفوائد العايدة على المصلى من أمنه من السهو عن بعض الأركان وما في
الجماعة من أظهار شعائر الدين وما فيها من كثرة العمل وانتظار الصلاة
والمشي إليها والاجتماع على جماعة المسلمين وتفقد أحوالهم إفشاء
السلام بينهم وسؤال بعضهم عن بعض وأدى اجتماعهم إلى إنشاء المساجد
وعمارة مستهدمها ونصب مؤذن وإمام وتشبيه صلاتهم بالجمعة التي هي
أكمل الصلوات وإيقاع الصلاة في أول الوقت غالبا بخلاف المنفرد فإنه
يتكاسل فيؤخذ وما فاته الوقت تنبيه وهذا الحديث يقتضي أن يكون الصلاة
في مسجد النبي وَّ سبع وعشرين ألفًا لأن صلاة الفذ فيه بألف صلاة

٣٢٥
كتاب الصلاة
وكذلك مسجد مكة بمائة ألف مضروبة في سبع وعشرين ومسجد بيت
المقدس في خمسمائة جزء وظاهر الحديث أن الاثنين جماعة لوجود مسمى
الاجتماع فيهما وهو أحد القولين في مسمى الجمع هو مذهب الشافعي
وقال: مالك لا يكونان جماعة إلا أن يكون إماما راتبا والله أعلم.
تتمه: أورد القرافي هنا سؤالا بناه على قاعدة أن ثواب الواجب أعظم من
ثواب المندوب حتى لو تصدق الإنسان بعشرة آلاف دينار كان دينار الزكاة
[٢٥٩/ أ] أفضل وإن كانت مصلحة العشرة آلاف أعظم فإذا تقرر هذا
فالشارع وَّ رتب السبع والعشرين درجة على صلاة الجماعة ومجرد
الصلاة في الجماعة مندوبة ولم يرتب على صلاة وحدها التي هي واجبة عليه
إلا درجة واحدة وكان الجاري على القاعدة أن يكون السبع والعشرون على
الفرض والدرجة على الجماعة وأجاب عنه بأن في المندوب مما يكون ثوابه
أعظم من ثواب الواجب في ذلك صور معروف واستدل جملة من العلماء
بهذا الحديث على استوا الجماعة في الفضل وهو مذهب مالك وتقدم ذلك
لأن القياس لا يدخل في الفضائل، ومذهب الشافعي والجمهور والتفضيل
بذلك استدلالا وما كثر هو أحب إلى الله تعالى انتهى.
فائدة: فتستحب صلاة الفرض في المسجد وفي الجماعة سواء وجد فيه
جماعة أو لا لشرف البقعة وإحياء المسجد بالذكر والتلاوة وإقامة الشعائر
العبادة فيه، وللمسجد والجماعة أحكام يمنازا بها على غيرهما، منها: أن في
صلاة الجماعة الإيتلاف وجمع القلوب ودعا بعضهم لبعض فيغفر للبعض

٣٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ببركة البعض، ومنها أن الجماعة غيظ الكفار إذا شاهدوا اجتماع المسلمين
واهتمامهم بأمر دينهم، ومنها: أن الصلاة في المسجد مضاعفة وإن صلى
الإنسان فيه وحده، ومنها: أن من قصد الصلاة مع الجماعة ولم يدركهم
كتب له أجر الجماعة لصلاته وحده ويعضد ذلك أحاديث وردت بذلك، منها
حديث أبي هريرة قال: قال: رسول الله وَّله ((من أتى المسجد لشيء فهو
حظه)) ومنها أن الله تعالى يعطي قاصد المسجد ثوابا زائدا على فضل
الجماعة حيثما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي وَّ ((من غدا إلى
المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح)) وغير ذلك من
الأحاديث، ومنها أنه يكتب له أجرهم قائما ما دام قاعدا ينتظر الصلاة وفي
رواية أبي هريرة في صحيح مسلم أن رسول الله وَل قال: لا يزال العبد في
صلاة ما كان في صلاة ينتظر الصلاة، ومنها التشبيه بالملائكة المقربين حيث
يقولون وإن لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون، ومنها التشبيه بصفوف
المجاهدين الذين قال الله في حقهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى
سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَئِنٌ مَّرْصُوصٌ ﴾﴾(١)، ومنها: أن صلاة بعضهم
خلف بعض أخضع ومن التجيّر أبعد، ومنها: أنه إذا دخل مع الجماعة من لا
يحسن الصلاة تعلم منهم وصلى بصلاتهم فيكون في ذلك إعانة على
البروالتقوى، ومنها: أن في الاقتداء بالإمام إظهارًا للانقياد والطاعة. ومنها: أن
(١) سورة الصف، الآية: ٤.

٣٢٧
كتاب الصلاة
القبلة هي البيت وعنده كانت إمامة جبريل ،عليّله بالنبي وَجَلّ ومعلوم أن
المصلين جماعة حول البيت عليهم استيفاء جميع جهاته بخلاف المنفرد،
ومنها: تسليم بعضهم على بعض والعام يدعو لنفسه وللقوم وكل من القوم
يدعو ويؤمن لنفسه وللقوم، ومنها: تشبهها بالحج وبالصوم لأن المسلمين
يحجون معا ويصومون معا فناسب أن يصلوا معا وفي الجماعة إظهارا
لاحتياج إلى غيره [٢٥٩/ ب] ليصلي فيقوى وفي الجماعة سببٌ لجهر
الإمام في بعض الصلوات لولا الجماعة ما يحصل الجهر الذي هو زيادة في
الخير، ومنها: أن الجماعة قريبة الفرض لأن الجماعة من مناسك الحج
فناسب أن يجعل من مناسك الصلاة، ومنها: أن الجماعة نصرة حاضرة لو
وقع خوف حرس بعضهم بعضا وصلاة الانفراد خذلان ووحشة، ومنها:ما
ذكره النيسابوري أنه ما اجتمع أربعون رجلا إلا كان فيهم عبد صالح لله عز
وجل فبركته ترحم البقية ويسجد لهم وفي الصحيح من صلى عليه أربعون
رجلا شفعوا فيه، ومنها: أن الإنسان إذا ادعى لنفسه وحده واستجبت له
داخله العجب والربا بخلاف ما إذا دعا والقوم يؤمنون فغنه يجوز أنه إنما
استجبت له ببركة أدعيتم تأمينهم، ومنها: أن من شهد بتكبيرة الإحرام أربعين
يوما مع الإمام كتب له براتان براة من النفاق وبراة من النار كما ورد في
الحديث سيأتي وتحصل هذه الفضيلة يعني فضيلة تكبيرة الإحرام بالاشتغال
بالتحرم عقب تحرم الإمام من غير وسوسة ظاهر كما قاله النووي في شرح
المهذب ووهم من نفل عن شرح المهذب خلاف ذلك، ومنها: ما ذكره

٣٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعضهم أن المياه المتفرقة فإنها تحمل النجاسة تلك الجماعة تدفع عنها دنس
الذنوب لاجتماعها بخلاف المنفرد، ومنها: أن الشيطان لا يقوى على
الجماعة وقوى على الواحد وإنما يأخذ الذئب من الغنم القاسية أي البعيدة
المنفردة عن الجماعة، ومنها أن من اتى المسجد والجماعة تكتب أجردها
به ورجوعه إلى منزله. قال ◌َ: لأبي كعب أن الله قد أعطاك ذلك كله
الحديث، ومنها: أن المنفرد لا تكتب له فيها إلا ما عقل كما ورد في الخبر
وصلاة تكتب له أجر صلاته كاملا وإن لم تحضر فإنه فيها كلها لأنه إذا حضر
قلب غيره فيها ينهى عنه تلفقت صلاة الجميع، ومنها: إن طباعة تسوق من
طباع أهل الخير ومن شاهد المفلحين أفلح والطبع لص، ومنها: إذا حضر
الجماعة عمت بركتهم وقد أمر النبي وَير ((الحيض وذوات الخدور أن
يحضرن يوم العيد)) فصلى المسلمين يشهدن الخير ودعوة المسلمين
والمعنى فيه أن من حضر القسمة قسم له والخير يقسم على الجماعة، ومنها:
أن الله تعالى يقول في الجلسين الذاكرين: ((هم القوم لا يشقى بهم جليسيهم))
فمن جالس الجماعة الملعونة مثل الظلمة وأعوانهم شاربي الخمر ولعبة
الفرد والمجتمعين على اللهو والطرب إذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من
جالسهم وفي الحديث ((من كثر سواد قوم فهو منهم ومن أحب قوما حشر
معهم)) وقال: عمر رَقَّهُ لا تدخلوا عليهم كنائسهم فإن السخط ينزل عليهم،
ومنها: أنه روي الأثران أنه من صلى الجماعة استحيا الله تعالى أن يرد دعوته
رواه أبو نعيم في الحلية، ومنها: أن من شهد العشاء في جماعة كتب له قيام

٣٢٩
كتاب الصلاة
نصف ليلة وإن صلى الصبح في جماعة كتب له قيام ليلة قال [٢٦٠ / أ] ابن
حزم وقد صح عن رسول الله وَّر أنه قال ((من صلى العشاء والصبح في
جماعة كتب له قيام ليلة))، ومنها: أن الملائكة تصلي على منتظر الجماعة
يقول اللهم أغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه أو يحدث
ومنها: أن من خرج إلى المسجد لقصد الجماعة كتب له من كل خطوة حسنة
وحطت عنه بكال خطوة سيئة ورفع الدرجة فإذا حضر المسجد وانتظر
الصلاة كتب له أجر مصل (١). فهذه الخصال التي تقدمت تنبيه على ما سواها
من أنواع العبادات والله أعلم.
٥٨٧- وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود زَّوَُّ قَالَ من سره أَن يلقى الله غَدا مُسلما
فليحافظ على هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادِى بِهِن فَإِن الله تَعَالَى شرع لنبيكم
وَّ سنَن الْهدى وإنهن من سنن الهدى وَلَو أَنكُمْ صليتم فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا
يُصَلَّي هَذَا المتخلف فِي بَيته لتركتم سنة نَبِيكُمْ وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُمْ لَضَلَلْتُمْ
وَمَا من رجل يتَطَهَّرِ فَيحسن الطّهُور ثمَّ يعمد إِلَى مَسْجِد من هَذِه الْمَسَاجِد إِلَّا
كتب الله لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها حَسَنَةٍ وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَة ويحط عَنهُ بِهَا سَيِّئَة
وَلَقَدْ رَأَيْتِنَا وَمَا يَتَخَلَّفْ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٍ مَعْلُوم النِّفَاق وَلَقَد كَانَ الرجل ◌ُؤْتِی بِهِ
يهادي بَين الرجلَيْن حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ وَفِي رِوَايَة لقد رَأَيْتِنَا وَمَا يَتَخَلَّفْ عَن
الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٍ قد علم نفَاقه أَو مَرِيض ◌ِن كَانَ الرجل ليمشي بَيْن رجلَيْنِ
حَتَّى يَأْتِي الصَّلَاةِ وَقَالَ إِن رَسُولِ اللهِوَّ علمِنَا سنَنِ الْهدى وَإِن من سنَن
(١) تسهيل المقاصد (لوحة ٣٧ و٣٨ و٣٩)، وكشف الأسرار (لوحة ٤٠ و٤١).

٣٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْهدى الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤْذِن فِيهِ رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
وَابْن مَاجَه.(١)
قوله: یهادي بین الرجلَیْن یعْنِي یرفد من جانبه وَيُؤْخَذ بعضده یمشی بِهِ
إِلَى الْمَسْجِد.
قوله: عن ابن مسعود تقدم الكلام على مناقبه، قوله: ((من سره أن يلقى الله
غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يتأدى هن)) الحديث
المحافظة المراقبة يقال: أنه لذو حفاظ ومحافظة إذا كانت له أنفة والتحفظ
التيقظ وقلة الغفلة قال: الله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾(٢) قال: مسروق
المحافظة عليها مراعاة وقتها والسهو عنها ترك وقتها قوله: قال: الله تعالى
مشرع لنبيكم مقتل سنن الهدى وأنهن من سنن الهدى سنن الهدى روي بضم
السين وفتحها حكاه القاضي عياض وهما بمعنى متقارب أي طريق الهدى
والصواب قوله ممن يعمد إلى مسجد من هذه المساجد يعمد بكسر الميم في
المضارع وفتحها في الماضي لغتان أي يقصد وتقدم قوله ولقد كان الرجل
يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف أي يرفد من جانبيه ويؤخذ
بعضده يمشى به إلى المسجد قاله الحافظ.
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦ و٢٥٧ - ٦٥٤)، وابن ماجه (٧٧٧)، وأبو داود (٥٥٠)، والنسائى في
المجتبى ٢٨٩/٢ (٨٦١) والكبرى (١٠١٠).
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٣٨.

٣٣١
كتاب الصلاة
وقال في الميسر(١): ولعل هذا اللفظ أخذ من الهادي وهو العنق لأن
الماشي من اثنين يميل عنقة تارة إلى ذاك وتارة إلى هذا. ويؤيد هذا التفسير
ما روي في حديث الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول
الله وَّه جاء بلال يؤذنه بالصلاة وفيه مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فلما دخل
في الصلاة وجد رسول الله ﴾﴾ في نفسه شدة فقام یهادی بین رجلين ورجلاه
تخطان الأرض فدخل المسجد، الرجلان هما العباس وعلي رضي الله
عنهما، والتهادي المشي الثقيل مع التمايل، من تهادت المرأة في مشيتها إذا
تمايلت وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه ويقال: أيضا جاء فلان يهادي
بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه متمايلا إليهما والله
أعلم. وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة وتحمل المشقة في حضورها أنه إذا
أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها والله أعلم، قاله
النووي.
واعلم أن الجماعة تحصل بصلاة الرجل في بيته مع زوجته وغيرها لكنها
في المسجد أفضل وحيث كان الجمع في أكثر فهو أفضل كما تقدم عن
الشافعي خلافا لمالك فلو كان بقربه مسجد قليل الجمع وبالبعد مسجد كثير
الجمع فالبعيد أفضل إلا في حالين إحداهما أن تعطل جماعة القريب بعدوله
عنه، الثانية: أن يكون إمام البعيد مبتدعا كالمعتزلي وغيره وكذا لو كان حنفيا
لأنه لايعتقد وجوب بعض الأركان وكذا المالكي وغيره والفاسق كالمبتدع
(١) (٢٩٩/١). [١٧٨ نسخة مغربية]

٣٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأشد الفساق قضاة الظلمة والرشاق قال أبو [ ٢٦٠/ ب] إسحاق إن الصلاة
منفردًا أفضل من الصلاة خلف الحنفي.
فرع: لو أدرك المسبوق الإمام قبل أن يسلم أدرك فضيلة الجماعة على
الصحيح الذي قطع به الجمهور لقوله وَلو ((إذا جاء أحدكم ونحن سجود
فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» رواه أبو داود
بإسناد لم يضعفه.
فرع آخر: ما يشاهد كثيرا من المسبوق حال شروع الإمام في التلفظ
بالسلام من غير نية مفارقة الإمام ظنا منه أن القدوة انقطعت بمجرد شروع
الإمام في السلام وليس كذلك بل لا يجوز له القيام حتى يتم الإمام السلام
الأول من قام قبل تمامه عمدا بطلت صلاته ومن أن لا يقوم حتى يسلم
الإمام التسليمين فيجب على من باب يفعل ذلك أن يكون وبنهه على بطلان
صلاته وتذكر أن بعضهم يدرك الإمام فيكبر عجلا واحدة ويركع معه وهذه
البكيرة أن نوى بها تكبيرة الإحرام فتحت فلا تهوان نوى تكبيرة الركوع أو
هما جميعا أو لم ينو بهما شيئا لم نعتقد صلاته والله أعلم، قاله ابن النحل في
تنبهه فرع أخر الواجب تسليمه واحدة وأما الثانية لو تركها لم تصوم الواجب
من لفظ السلام أن يقول السلام عليكم وأن قال: سلام عليكم يجزئه على
الصحيح فلو قال: السلام عليك أو سلامي عليكم أو سلام الله عليكم لم
يجزيه شيء من هذا بلا خلاف إلا في قوله السلام عليهم فإنها لا تبطل صلاته
به لأنه دعا والله أعلم قاله النووي.

٣٣٣
كتاب الصلاة
فرع: أخر لو كان في البلد مساجد متفرقة فالأولى إقامة الجماعة فيها
متفرقة فيها وإن كان الجمع الكثير أفضل لأن في إقامة الجماعة في جميعها
إظهارا للنهار وانتشاره في البلد لئلا يؤدي إلى تعطيل المساجد وروى عنه
وَ﴾ ((يصلي الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد))انتهى.
٥٨٨- وَعِنْهُ رَّ الَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ فضل صَلَاة الرجل فِي الْجَمَاعَة
على صلاته وَحده بضعٍ وَعِشْرُونَ دَرَجَة وَفِي رِوَايَة كلهَا مثل صلاته فِي بَيته
رَوَاهُ أَحْمَد بِإِسْنَاد حسن وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي
صَحِيحِه بِنَحْوِهِ (١).
قوله: عنه تقدم الكلام على مناقبه ((الصلاة في الجماعة على صلاته وحده))
بضع وعشرون درجة الحديث البضع بكسر الباء وهو من الثلاث إلى التسع.
فائدة: ما الحكمة في الجماعة قيل: لأن المذنب إذا اعتذر من ما يجتمع
الشفاء والمسلى يعتذر لأن طالب الحاجة يأتي بالشفعا لتفض حاجته في
الصلاة ضاف ومائدة والكريم لا يطبع المائدة إلا لجماعة كبيرة وأيضًا لأن
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (١٩٠) والمصنف ٢٢٦/٢ (٨٣٨٩)، وأحمد ٣٧٦/١
(٣٥٦٤) و(٣٥٦٧) و٣٨٢/١ (٣٦٢٣) و٤٢٣/١ (٤١٥٩) و٤٥٢/١ (٤٣٢٣
و٤٣٢٤) و٤٦٥/١ (٤٤٣٣)، والبزار (٢٠٥٧ و٢٠٥٨)، وأبو يعلى (٤٩٩٥)، وابن
خزيمة (١٤٧٠)، والطبراني في الأوسط (٩٤/٣ رقم ٢٥٩٧) و (١٠٤/١٠-١٠٥ رقم
١٠٠٩٩ و١٠١٠٠ و١٠١٠١ و١٠١٠٢ و١٠١٠٣ و١٠١٠٤). وقال الهيثمي في
المجمع ٣٨/٢: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط- وهو الذي
قال: في بيته في الكبير ورجال أحمد ثقات. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٥).

٣٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عمل الواحد. قال: جعفر سبحان من ستر علينا القبائح ونشر منا المذاع،.
٥٨٩- وَعَن عمر بن الْخطاب زَّ لَهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَهِ يَقُول إِن
الله تبارك وَتَعَالَى ليعجب من الصَّلَاة فِي الْجَمعِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن(١)
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر بِإِسْنَاد حسن (٢).
قوله: عمر بن الخطاب تقدم الكلام علی فضائله.
قوله ◌َّيّ: إن الله ليعجب من الصلاة في الجمع .. الحديث(٣).
٥٩٠ - وَعَنِ عُثْمَان ◌َ لَهُ أَنْه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله وَهِ يَقُول من تَوَضَّأ
فأسبغ الْوُضُوء ثمَّ مَشى إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَةٍ فَصلاهَا مَعَ الإِمَامِ غفر لَهُ ذَنبه رَوَاهُ
ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه (٤).
(١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٣١/٣). قال ابن عدي وهذا الحديث قد شوش إسناده
حماد بن قيراط. وقال الهيثمي في المجمع ٣٩/٢: رواه أحمد وإسناده حسن.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥٠ (٥١١٢)، والطبراني في الكبير (٢٣٣/١٣ رقم ١٣٩٦٦)
و(٢٨٩/١٣ رقم ١٤٠٦٠)، وابن عدى (٣١/٣). قال ابن عدي وهذا أشبه الذي جاء به
الترجماني عن صالح المري من رواية حماد بن قيراط عن صالح الذي ذكرته ولحماد بن
قيراط غير ما ذكرت من الحديث وعامة ما يرويه فيه نظر. وقال الدارقطنى في العلل
(٣٠٢٨): يرويه مرثد بن عامر الهنائي، عن بشر بن حرب، عن ابن عمر، عن النبي وَّد.
وخالفه حماد بن زيد، رواه عن بشر بن حرب، عن ابن عمر، موقوفًا. وقال الهيثمي في
المجمع ٣٩/٢: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة
(١٦٥٢) وصحيح الترغيب (٤٠٦).
(٣) بياض بمقدار أقل من سطر.
(٤) أخرجه ابن خزيمة (١٤٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠٧).

٣٣٥
كتاب الصلاة
قوله: عن عثمان تقدم.
قوله وقال: ((من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة صلاها مع
الإمام غفر له ذنبه)) تقدم الكلام على هذا الحديث.
٥٩١ - وَعَن ابْن عَبَّاسِ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ أَتَانِي اللَّيْلَةِ
آتٍ من رَبِّي وَفِي رِوَايَة رَأَيْتِ رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد، قلت
لبيْك رب وَسَعْديك قَالَ هَل تَذْرِي فیمَ خْتَصم الْمَلأ الأَعْلَى قلت لا أعلم
فَوضع يده بَين كَتِفِي حَتَّى وجدت بردھَا بَين ثديي أَو قَالَ فِي نحري فَعلمت
مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْضِ أَو قَالَ مَا بَين الْمشرق وَالْمَغْرِبِ قَالَ يَا مُحَمَّد
أَتَدْرِي فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل
الْأَقْدَام إِلَى الْجَمَاعَات، وإسباغ الْوُضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة وَمن
حَافظ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَيرِ وَمَات بِخَيرِ وَكَانَ من ذُنُوبِه كَيَوْم وَلدته أمه قَالَ یَا
مُحَمَّد قلت لبيْك وَسَعْديك فَقَالَ إِذا صليت قل اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلِك فعل
الْخِيرَات وَترك الْمُنْكَرَاتِ وَحب الْمَسَاكِينِ وَإِذا أردْت بعبادك فتْنَة فاقبضني
إِلَيْك غير مفتون قَالَ والدرجات إفشاء السَّلَام وإطعام الطَّعَام وَالصَّلَاة بِاللَّيْلِ
وَالنَّاسِ نِيامِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيبٍ(١).
الْمَلَأ الْأَعْلَى هم الْمَلَائِكَة المقربون، والسبرات بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَة
(١) أخرجه أحمد ٣٦٨/١(٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذى (٣٢٣٣ و٣٢٣٤)،
والبزار (٤٧٢٧)، وأبو يعلى (٢٦٠٨). وصححه الألباني في الإرواء (٦٨٤) وصحيح
الترغيب (١٩٤) و(٣٠٢) و(٤٠٨) و(٤٥١).

٣٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَسُكُونِ الْبَاء الْمُوَحِدَة جمع سُبْرَة وَهِي شدَّة الْبرد.
قوله: عن ابن عباس تقدك الكلام على مناقبه.
قوله وَاللّ: ((أتاني أت من ربي)) وفي رواية ((رأيت ربي في أحسن صورة))
الحديث قيل رؤية العبد لله تعالى عبارة عن علمه به ولما كان علمه،َ ابشكلارة
[٢٦١ / أ] بربه تعالى أتم المعلوم تكون رؤيته على أحسن الصور والصورة
ترد في كلام العرب على ظاهرها وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته وعلى
معنى صفته يقال: صورة الفعل كذا كذا أي هيئته وصورة الأمر كذا وكذا: أي
صفته فيكون المراد بما جاء في الحديث أنه أتاه في أحسن صفة ويجوز أن
يعود المعنى إلى النبي تقديم أي أتاني ربي وأنا في أحسن صورة وتجري معاني
الصورة كلها عليه إن شئت ظاهرها أو هيئتها أو صفتها فأما إطلاق ظاهر
الصورة على الله تعالى فتعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا قاله في النهاية(١).
فائدة: كان نزول الوحي على رسول الله وَ ط في أحوال مختلفة جمعها الله
تعالى لنبيه وَيّ فمنها النوم كما في حديث ابن إسحاق وكما قالت عائشة
رضي الله عنها أيضا أول ما يبدئ به رسول الله وَّلة الرؤيا الصادقة وفي بعض
النسخ الصالحة وقد قال إبراهيم ◌َّهِ: ﴿إِّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ﴾(٢)
فقال: ابنه ﴿أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾(٣) فدل على أن الوحي كان يأتيهم في النوم كما
(١) النهاية (٥٨/٣-٥٩).
(٢) سورة سورة الصافات، الآية: ١٠٢.
(٣) سورة سورة الصافات، الآية: ١٠٢.

٣٣٧
كتاب الصلاة
يأتيهم في اليقظة، ومنها أن ننفث في روعه الكلام نفثا والنفث اقل من البزق
كما قال: ◌ََّلُ أن روح القدس وهو جبريل،َّ نفث في روعي أي في قلبي
أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها الحديث، وقال: مجاهد
وأكثر المفسرين قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا
وَحْيًا﴾(١) قال: أن نفث في روعه بالوحي، ومنها أن يأتيه الوحي في مثل
صلصلة الجرس وهو أشده عليه وقيل أن ذلك ليستجمع قلبه عند تلك
الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع والقن لما يلقى، ومنها أن يصلى له الملك
رجلا فقد كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة ويروي أن دحية ابن خليفة كان
إذا قدم المدينة لم تبق معر إلا خرجت ينظر إليه لفرط جماله وقال: ابن سلام
في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَهْوَّا أُنفَضُوْاْ إِلَيْهَا﴾(٢) قال: كان
اللهو نظرهم إلى وجه دحية كماله، ومنها أنه ترأى له جبريل في صورته التي
خلقه الله تعالى فيها له ستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت وقد رآه وعَ اله
في صورته مرتين، منها أن يكلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كما في
حديث الإسراء والصحيح في الإسراء أنها يقظة وأما في النوم كما في حديث
ابن عباس هذا أماني ربي في أحسن صورة أو قال: رأيت ربي في أحسن
صورته وقال يا محمد الحديث، ومنها أن كلمه الله من وراء حجاب أما في
اليقظة كما في حديث الإسراء الصحيح، ومنها نزول إسرافيل ثمالنّآمنا بكلمات
(١) سورة الشورى، الآية: ٥١.
(٢) سورة الجمعة، الآية: ١١.

٣٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من الوحي قبل جبريل الثّلم فقد ثبت بالطرق الصحيحة عن عامر بن
شراحبيل الشعبي أن رسول الله وَ له وكل به إسرافيل وَيّ فكان يترائي له
ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء من الوحي ثم وكل به جبرائيل وَلا فجاءه
بالقرآن والوحي ووقع لبعضهم أنه ميكائيل وَل ومن قال ذلك قال لم ينزل
عليه قرآن معهما والمشهور أن جبرائيل عليّلها ابتدئ بالوحي إن الرؤيا لما
كانت لنبي فهو وحي وإن كانت لغيره فليست وحيا وذكر بعضهم أن مدة
الوحي على [٢٦١/ب] النبي وَ له بالرؤيا قبل الوحي إليه لمجيء الملك إليه
ستة أشهر وجعل هذا توجيها لقوله وَّة ((إن الرؤيا جزء من ستة وأربعين
جزءا من النبوة)) لأن مدة حياته وَله بعد النبوة ثلاث وعشرون سنة فنصف
سنة هي جزء من ستة وأربعين جزءا وهذا محتمل قال السهيلي فهذه السبع
صور في كيفية نزول الوحي على رسول الله وَلَ لم أر أحدا جمعها هذا
الجمع ذكره في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (١).
قوله وَيقة: ((قال هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أعلم)) أي
تتمنى الملائكة أن يفعلوا مثل فعل بنو آدم من الخصال التي ترفع الدرجات
وتقدم معنى الاختصام في حديث تقدم والملأ الأعلى هم أكابر الملائكة
المقربون والمراد جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم الصلاة والسلام (٢).
قوله مَله: ((فوضع يده بين كتفي))، والمراد الإحسان الذي به خصه في
(١) الروض الأنف (٣٩٣/٢-٣٩٦).
(٢) النهاية (٤ /٣٥١).

٣٣٩
كتاب الصلاة
ذلك الوقت وفي رواية فوضع كفه وضع الكف عبارة عن التنبيه والعناية وكفه
أي كنفه ولطفه ورحمته(١).
قوله وَيقد: ((بین كتفي حتى وجدت بردها ما بين ثديي وكتفي)) وثديي على
التثنية وفيه اطلاق اسم الثدي على جملة الرجل هذا هو الصحيح ومنهم من
منعه.
قوله ◌َله: ((حتى وجدت بردها)) وجدان البرد عبارة عن وصول الفيض
إلى قلبه وتأثره عنه ورسوخه فيه(٢).
قوله {وَ له: ((فعلمت ما في السموات والأرض)) أو قال: ((ما بين المشرق
والمغرب)) هذا شك من الراوي فالعلم علمان علم مكسوب وموهوب
فالمكسوب ما يأتي بالدرس والموهوب علم الله تعالى الذي يهبه لأنبيائه
عليهم الصلاة والسلام كعلم الخضر حيث قال فيه: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا
عِلْمًا﴾(٣) وكعلم نبينا محمد وَّل حيث قال فيه: ((وضع ربي يده بين كتفي
ووجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات وما في الأرض)) هذا
الحديث ذكره صاحب زهر الكمام في قصة يوسف ◌ِالسَّلام (٤).
(١) هذا التأويل ذكره ابن فورك في مشكل الحديث (ص ٧٩) والتوربشتى كما في الميسر
(١/ ٢١٠)، ومذهب أهل السنة كما ذكره الدار قطنى وغيره إثباتها دون الخوض في تأويلها
وحملها على ظاهرها كما جاءت.
(٢) شرح المشكاة (٩٤٦/٣).
(٣) سورة الكهف، الآية: ٦٥.
(٤) شرح المشكاة (٩٤٦/٣) ولم أعثر على الحديث في زهر الكمام.

٣٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: نعم في الدرجات
والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات)) تقدم
الكلام على الثلاث الأول وإسباغ الوضوء فى السبرات أى فى شدة البرد
والسبرات جمع سبرة وهي شدة البرد.
قوله: ((وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) يعني لا ذنب له والمراد بذلك
غفران الذنوب الصغائر دون الكبائر فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة كما تقدم.
٥٩٢ - وَعَن أبي أُمَامَة رَ أَنْ النَّبِي ◌َِّ قَالَ لَو يعلم هَذَا المتخلف عَن
الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَة مَا لَهَذَا الْمَاشِي إِلَيْهَا لأتاها وَلَو حبوا على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي حَدِيث ◌َأْتِي بِتَمَامِهِ فِي تركِ الْجَمَاعَةِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى(١).
قوله: عن أبي أمامة تقدم الكلام على.
قوله وَليقر: ((لو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي
من الأجر)) والثواب.
قوله وَالآية: ((لأتاها لو حبوا على يديه ورجليه)) والحبو أن يمشي (على يديه
ورجليه) أو استه (٢) قال صاحب المجمل حبا الصبي إذا مشى على أربع (٣)
ونصب حبوا أي ولو حبا حبوا.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢٤/٨ رقم ٧٨٨٦). وقال الهيثمي في المجمع ٤٣/٢: رواه
الطبراني في الكبير وفيه علي بن يزيد الألهاني عن القاسم وقد ضعفهما الجمهور واختلف في
الاحتجاج بهما. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٧٢٢) وضعيف الترغيب (٢٢٢) و(٢٣٤).
(٢) النهاية (٣٣٦/١).
(٣) مجمل اللغة (ص ٢٦٢)