Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الصلاة
وقال ابن بطال في شرح البخاري: من كان كثير الذنوب وأراد أن يحطها
الله تعالى عنه فليكثر من ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء
الملائكة واستغفارهم له [فهو مرجو إجابته] لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا
لِمَنِ أَرْتَضَى﴾(١) وقد أخبر عليه الصلاة والسلام ((من وافق تأمينه تأمين
الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) وتأمين الملائكة إنما هو مرة واحدة
[٢٢٤/ أ] عند تأمين الإمام ودعاؤهم لمن قعد في مصلاه دائما أبدا ما دام
قاعدًا فيه فهو أحرى بالإجابة، وقد شبه عليَل انتظار الصلاة بعد الصلاة
بالرباط، وأكد ذلك بتكراره مرتين بقوله: ((فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)»،
قال: فعلى هذا كل مؤمن عاقل سمع هذه الفضائل الشريفة عليه أن يحرص
على الأخذ بأوفر الحظ منها ولا تمر عنه صفحًا (٢) انتهى، قاله في الديباجة.
قوله: وفي رواية تقول الملائكة: ((اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم
يحدث فيه)) ومعناه: ما لم يؤذ أحدكم الملائكة بنتن الحدث أو ما لم ينقض
الوضوء(٣)، وقال بعض العلماء: ما لم يؤذ أي ما لم يتكلم كلام الدنيا (٤)،
فمفهوم الحديث أن صلاة الملائكة عليه تنقطع عنه لا أنه يؤمر بالخروج منه
للحدث فيجوز للمحدث الحدث الأصغر الجلوس في المسجد، وادعى
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.
(٢) شرح الصحيح (٢ /٩٥).
(٣) الكواكب الدراري (١٠٤/٤) و(١٤/١٠).
(٤) انظر: شرح المشكاة (٩٣٥/٣) للطيبى، واختيار الأولى (ص ٦٩) لابن رجب.

٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعضهم فيه الإجماع(١)، ودليله أن أهل الصفة كانوا ينامون في مسجد رسو
الله وَّةٍ(٢)، ويؤخذ من تقرير النبي ◌َّ لمن نام في المسجد أنه لا يمنع منه
أحد وأن يعفى عما يخرج من الإنسان من ريح ونحوه بالنوم وغيره ما لم يؤذ
أحدا أو يلوث، فإن أذى أحدا ولوث حرم ويمنع، ومن الأثار على العفو هذا
الحديث، وأما الأذى فمنع منه في المسجد وغيره والله أعلم قاله في شرح
الإلمام.
والمراد بالحدث هاهنا ما يحدث للإنسان من المنع من الصلاة بسبب من
أسباب الحديث، واعلم أن أسباب الحدث أربعة بول أو غائط أو نوم أو
لمس، سمي حدثا لأنه لم [يكنآ ثم كان وكل ما لم يكن ثم كان شيء حدثا
وحادثا، فالمتوضيء إذا قال نويت رفع الحدث فمعناه رفع المنع الذي
حدث له ومنعه الصلاة عن حدوث سبب من أسبابه، فإذا نوى رفع السبب
دون المسبب بأن نوی رفع البول أو المس لم يصح وضوئه والله أعلم.
فائدة: لا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد ولكن الأولى اجتنابه
لقوله وَاليه: ((فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم))(٣) وقال بعض
المتكلمين على الحديث: من أحدث في المسجد يحرم بها استغفار الملائكة
ودعاؤهم المرجو بركته يدل عليه قوله وَّالية: ((البصاق في المسجد خطيئة
(١) نقله النووي في المجموع (٢/ ١٧٣) وشرح مسلم (١٩٣/٣).
(٢) إعلام الساجد (ص ٣٠١).
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٠).

٨٣
كتاب الصلاة
وكفارتها دفنها)) فلما كان للنخامة كفارة قيل [للمتنخم تمادى في المجلس في
صلاتك وابق فيه] مدعوا لك، ولما لم يكن للحدث في المسجد كفارة ترفع
أذاها كما رفع الدفن أذى النخامة لم يتأد الاستغفار له ولا الدعاء وجب
زوال الملائكة عنه قال الزركشي(١).
فرع: إذا أحدث وهو في المسجد أو في الصلاة يجعل [فليجعل يده على
أنفه ثم ينصرف ] للحديث الوارد في ذلك قال العلماء وليس جعل اليد على
الأنف [من] الرياء بل هو من الرياء المباح أو المستحب أبيح له أن يظهر
للناس من أنه أحدث لئلا يخوضوا في عرضه أو يتهموه بترك الصلاة أو
يقولوا أحدث أو نافق فيأثمون بسبب ذلك (٢) قاله في شرح العمدة.
قوله: رواه البخاري ومسلم وأبو داود تقدم الكلام على مناقبهما وأما أبو
داود فقد أسند ابن دحية عن أبي داود من طريق ابن داسة أنه قال: كتبت عن
رسول الله وَخلال خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب
يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث
[٢٢٤/ ب] ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ويكفي الإنسان لدينه من
ذلك أربعة أحاديث أحدها ((الأعمال بالنيات)) ثانيها ((من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعنيه)) ثالثها ((لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضي لأخيه ما يرضي
(١) إعلام الساجد (ص ٣١٤).
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٩٠).

٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لنفسه)) رابعها ((الحلال بين والحرام بين)) الحديث(١)، وتقدم الكلام على أبي
داود مبسوطًا.
قوله: ورواه مالك في الموطأ، له تصنيف الموطأ فعمل من كان يومئذ
بالمدينة الموطآت فقيل للإمام مالك شغلت نفسك بهذا الكتاب وقد
شاركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال رَو ◌َّهُ [ائتوني بها فنظر فيها ثم نبذها
وقال لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى (٢)] انتهى.
سمي الكتاب الموطأ أي المتفق على حديثه وقيل إنما سمي الموطأ من
التوطئة وهو التذليل والتليين والتسهيل كأنه مسهل ممهد بحسن التنصيف
وترتيب التأليف وتسهيل المطلب لما يراد الوقوف عليه منه وتسهل الهمزة
فيقال الموطى وتكتب بالياء(٣) والله أعلم قاله عياض(٤).
قوله وَّيّة: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى الصلاة فإنه في
صلاة ما كان يعمد إلى صلاة)) يعمد بكسر الميم في المضارع وفتحها في
الماضي ومعناها يقصد وفي هذا الحديث دليل على أنه يستحب للذاهب إلى
الصلاة أن لا يعبث بيده ولا يتكلم بقبيح ولا ينظر نظرا محرما ويجتنب ما
أمكنه حتى يصل للمصلى فإن وصل للمسجد وقعد ينتظر الصلاة كان
(١) كشف المناهج (١/ ٦٢).
(٢) ترتيب المدارك (٧٦/٢)
(٣) مطالع الأنوار (٢٠٠/٦).
(٤) مشارق الأنوار (٢٨٥/٢).

٨٥
كتاب الصلاة
الاعتباء بما ذكرناه آكد(١) والله أعلم.
قوله وَّر: في رواية مالك: ((فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع)) أي فلا
یسرع.
فائدة: ورد في صحيح البخاري ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون،
وأتوها تمشون، عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٢)
واختلف في هذه اللفظة فقيل ((فأتموا)) وقيل ((اقضوا)) وكلاهما صحيح، قال
[الماوردي] من خشي فوت الجماعة والجمعة لم يجب السعي بل يمشي
على سجيته وإن فاتته الجماعة والجمعة الأحاديث الواردة قال بعض
العلماء إنما نهي عن السعي إلى الصلاة لأنه في الترهيب والخشوع لما
يحصل للساعي من الجهد والتعب، وفيه دليل على وجوب الخشوع وإلا لم
يترك الواجب قاله في التسهيل لابن العماد (٣).
قال بعض العلماء أيضا: والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي أن
الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها فينبغي أن يكون متأدبا
بآدابها وعلى أكمل الأحوال فقال عَلَا: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم
فأتموا)) فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم
يخف فوت بعض الصلاة فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات وبين ما
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٠/٥).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٥) عن أبي قتادة.
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٤).

٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يفعل فيما فات(١).
تنبيه: فإن قيل السير إلى المسجد إلى الجماعة والجمعة يجب عليه التأني
وترك العجلة لقوله وَة: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون)) الحديث
كان عليه في السفر ترك العجلة مطلقًا.
جوابه: أن في سرعة المشي في [٢٢٥/ أ] السفر فوائد منها سرعة قطع
المسافة ومنها إراحة الدابة من طول زمان الحمل عليها وكذا إراحة الراكب
وكذلك الأمن من خوف يحدث في الطريق والله أعلم.
٤٥٩ - وَعَن عقبة بن عَامِر ◌َهُ عَنِ النَّبِيِ وَلّهِ أَنْه قَالَ: ((إِذا تطهر الرجل
ثُمَّ أَى الْمَسْجِد يرْعَى الصَّلَاة كتب لَهُ كاتباه أَو كَاتبه بِكُل خطْوَة يخطوها إِلَى
الْمَسْجِد عشر حَسَنَات والقاعد يرْعَى الصَّلَاة كالقانت وَيَكْتب من الْمُصَلِّين
من حِين يخرج من بيته حَتَّى يرجع إِلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي
الْكَبِيرِ والأوسط وَبَعض طرقه صَحِيح وَابْن ◌ُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَرَوَاهُ ابْن
حبَان فِي صَحِيحه مفرقًا فِي موضِعين(٢).
(١) شرح النووي على مسلم (٩٩/٥).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٥٧ (١٧٤٤٠) و(١٧٤٥٦) و١٥٩/٤ (١٧٤٥٩) و (١٧٤٦٠) و
(١٧٤٦١)، وأبو يعلى (١٧٤٧)، والرويانى (٢٣١) و(٢٣٨)، وابن خزيمة (١٤٩٢)،
وابن حبان (٢٠٣٨) و(٢٠٤٥)، والطبراني في الكبير (٣٠٥/١٧ رقم ٨٤٢)، والحاكم
(٢١١/١). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٢٩/٢: رواه أحمد وأبو يعلى
والطبراني في الكبير والأوسط، وفي بعض طرقه ابن لهيعة وبعضها صحيح، وصححه
الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٨).

٨٧
كتاب الصلاة
٥ وو
الْقَنُوت يُطلق بِإِزَاءِ معَان مِنْهَا السُّكُوتِ وَالدُّعَاء وَالطّاعَة والتواضع وإدامة
الْحَجِ وإدامة الْغَزْو وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاة وَهُوَ المُرَادِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَالله أعلم.
قوله: عن عقبة بن عامر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وثيقة: ((إذا تطهر الرجل ثم أتى المسجد)) الحديث، المراد بقوله تطهر
الوضوء الشرعي.
قوله: ((يرعى الصلاة)) أي ينتظر الصلاة.
قوله: ((كتب له كاتباه أو كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات)) تقدم
الكلام على الخطوة في الحديث قبله والحسنات ضد السيئات.
قوله وَ له: ((والقاعد يرعى الصلاة كالقانت)) أي القاعد ينتظر الصلاة
كالقائم المصلي أي أجره كأجر المصلي قائمًا.
قوله: ((كالقانت)) قال الحافظ القنوت يطلق بإزاء معان منها السكوت
والدعاء والطاعة والتواضع وإدامة الحج وإدامة الغزو والقيام في الصلاة وهو
المراد في هذا الحدیث انتھی.
واعلم أن القنوت هو الطاعة كما ذكره الحافظ هذا هو الأصل ومنها قوله
تعالى: ﴿وَأَلْقَنِتِينَ وَاَلْقَنِتَتِ﴾(١) وسمي القيام في الصلاة قنوتًا(٢)، وقوله في
الحديث الآخر ((أفضل الصلاة طول القنوت))(٣) أخرجه مسلم والمراد أفضل
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.
(٢) الصحاح (١/ ٢٦١).
(٣) أخرجه مسلم (١٦٤ و ١٦٥ - ٧٥٦) عن جابر.

٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
العبادة وفيه إشكال من حيث أن طول القراءة في قيامها ليس واجبا بل
الواجب الفاتحة وقدر القيام فيها والفرض أفضل من غيره.
والجواب: أن القيام كله يوحي بالوجوب على القول المرجح وأيضا فإن
القيام ذكره قرآن وهو أفضل من غيره(١) ويحتمل أن يكون المراد أفضل
أفعالها المسنونة ولا إشكال حينئذ قاله في شرح الإلمام.
وقال القاضي عياض: وقيل أصل القنوت الدوام على الشيء (٢) قال
الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وإذا كان هذا أصله فمديم الطاعة قانت
وكذلك الداعي والقائم في الصلاة والمخلص فيها والساكت فيها كلهم
فاعلون للقنوت قال فصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ
الحديث الوارد فيها قال المراد هنا القيام في الصلاة كما تقدم في فرض
(٣)
القادر(٣).
ولكن تستثنى لحاجة أو ضرورة مسائل منها: راكب السفينة يخاف الغرق أو
دوران الرأس صلى قاعدًا ولا يعيد، ومنها المريض إذا أمكنه القيام منفردا ولو
صلى في جماعة قعد في بعضها نص الشافعي على جواز الأمرين وقعوده أفضل،
(١) انظر التهذيب (١٠٦/٢).
(٢) إكمال المعلم (٤٦٩/٢).
(٣) طرح التثريب (٢٨٨/٢) ولفظه: قال وفي كلام بعضهم ما يفهم منه أنه موضوع للمشترك
قال وهذه طريقة المتأخرين يقصدون دفع الاشتراك والمجاز ولا بأس بها إن لم يقم دليل
خاص على أن اللفظ حقيقة في معنى معين أو معان.

٨٩
كتاب الصلاة
ومنها السلس الذي إذا قام استرسل بوله يصلي قاعدًا على الصحيح ولا إعادة
قال القفال: يصلي قائمًا محافظة على الركن كما يصلي العاري ومنها ذا قال
طبيب ثقة لمن بعينيه ماء: إن صليت مستلقيًا أمكن مداواتك، فله ترك القيام
على الأصح، والثاني لا يجوز قال في الوسيط لأن ابن عباس استفتى عائشة وأبا
هريرة فلم يرخصا له فيه وهذا لا يصح إنما روي أنه كره ذلك وفي المهذب أن
عبد الملك بن مروان حمل إليه الأطباء على البرد فنعتوا له ذلك فاستفتى عائشة
وأم سلمة فنهتاه، وإنما تولى عبد الملك الخلافة بعد موتهما وموت أبي هريرة
بسنين أما إذا قال إن صليت قاعدا أمكن مداواتك فقال الإمام يجوز القعود قطعا
ونازعه الرافعي في هذا انتهى قاله الكمال الدميري(١).
فائدة فيها بشرى: خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأشعري
[٢٢٥/ ب] عن النبي وَّ قال: ((إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني
صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات
من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات)) (٢) ذكره ابن رجب في شرح الأربعين
النووية(٣).
(١) النجم الوهاج (٢/ ٩٧ -٩٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٩٦/٣ رقم ٣٤٥١) والشاميين (١٦٧٣). قال الهيثمي في
المجمع ١٢١/١٠-١٢٢: رواه الطبراني، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش، وهو
ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦١٠).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢) وقال: وهذا غريب منكر.

٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٦٠ - وَعَن عبد الله بن عمرو رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َالآ من
رَاحِ إِلَى مَسْجِد الْجَمَاعَة فخطوة تمحو سَيَِّة وخطوة تكْتب لَهُ حَسَنَةٍ ذَاهِبًا
وراجعا)) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن وَالطََّرَانِيّ وَابْن حبَانِ فِي صَحِيحِهِ(١).
قوله: عن عبد الله بن عمرو تقدم الكلام على مناقبه ومناقب أبيه رضي الله
عنهما.
قوله وَّة: ((من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب
له حسنة)) الحديث تقدم الكلام على المرواح إلى المسجد وهو الذهاب إلى
المسجد وعلى الخطوة والسيئة والحسنة.
٤٦١- وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّ: ((على
كل ميسم من الإِنْسَان صَلَاة كل يَوْم فَقَالَ رجل من الْقَوْم هَذَا من أَشد مَا
أوتينا بِهِ قَالَ أَمرك بِالْمَعْرُوفِ ونهيك عَن الْمُنكر صَلَاة وحلمك على
الضَّعِيف صَلَاة وإنحاؤك القذر عَن الطَّرِيقِ صَلَاة وكل خطْوَة تخطوها إِلَى
الصَّلَاةِ صَلَاة)) رَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه(٢).
(١) أخرجه أحمد ١٧٢/٢ (٦٥٩٩)، وابن حبان (٢٠٣٩)، والطبراني في الكبير (١٤ /٧٨ رقم
١٤٦٨٣). وقال الهيثمي في المجمع ٢٩/٢: ((رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال
الطبراني رجال الصحيح، ورجال الإمام أحمد فيهم ابن لهيعة)). وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (٢٩٩).
(٢) أخرجه هناد في الزهد (٥٢٥/٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٩٢٦)، وأبو يعلى كما
في المطالب العالية (٣/٩٥٩) والمقصد (١٠٤٣ و١٠٤٤)، وابن خزيمة (١٤٩٧)،
والطبراني في الكبير (٢٩٦/١١ رقم ١١٧٩١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب

٩١
كتاب الصلاة
قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَل ـ ((على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم)) الميسم بكسر الميم
وسكون الياء المثناة تحت وفتح السين وهي حديدة توسم بها الإبل فهي آلة
الوسم وقال الجوهري المكواة وإن شئت قلت في جمعه مياسم وإن شئت
قلت مواسم على الأصل(١) وأصله كله من السمة وهي العلامة ومثله موسم
الحج أي معلم لجمع الناس وفلان موسوم بالخير وعليه وسمة الخير أي
علامته وتوسمت فيه كذا رأيت فيه علامته(٢) لقوله ((على كل ميسم) قال
الإمام إسماعيل: إن كان محفوظا فمعنى الميسم العلامة أي على كل عضو
موسوم بالصنع صنع الله عز وجل وإن كانت الرواية منسما بالنون فالمراد به
(٣)
العظم(٣) انتهى.
وقال بعضهم: يريد بميسم كل عضو على حدته مأخوذ من الوسم وهو
العلامة إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا عليه أثر صنع الله تعالى فعلى
العبد الشكر على ذلك الله والحمد على خلقه سويا صحيحا وهذا هو المراد
بقوله وَّة ((صلاة كل يوم)) كأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء
(٢٨٨). قال البزار: لا نعلمه، عن ابن عباس إلا عن سماك، عن عكرمة عنه. وذكره
الهيثمي في المجمع (٣/ ١٠٤)، وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح. وضعفه الألباني
في الضعيفة (١٠٧٦) وضعيف الترغيب (١٩٥) و(١٣٨٦) و(١٧٦٤).
(١) الصحاح (٢٠٥١/٥).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٩٢/٤) وشرح مسلم (١٤ / ٩٧).
(٣) المجموع المغيث (٤١٥/٣).

٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ذكره ابن رجب في شرح النووية(١).
قوله: ((وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة)) القذر كل ما يؤذي المار كالعظم
والشوك وما أشبه ذلك.
٤٦٢ - وَعَنِ عُثْمَان رَّ لَهُ أَنْه قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول من تَوَضَّأ
فأسبغ الْوُضُوء ثمَّ مَشى إِلَى صَلَاة مَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ الإِمَام غفر لَهُ ذَنبه رَوَاهُ
ابْن خُزَيْمَة أَيْضًا(٢).
قوله عن عثمان بن عفان: تقدم الكلام على فضائله.
قوله: ((من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع
الإمام غفر له ذنبه)) تقدم الكلام على إسباغ الوضوء والمراد بالصلاة
المكتوبة المفروضة وتقدم الكلام على غفران الذنوب وأن المراد بذلك
ستر ذنوب العبد عن الخلائق يوم القيامة.
٤٦٣ - وَعَن سعيد بن المسيب رَ ◌َّهُ قَالَ حضر رجلا من الْأَنْصَارِ الْمَوْت
فَقَالَ إِنِّي محدثكم حَدِيثا مَا أحدثكموه إِلَّا احتسابا إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ◌َّ
يَقُول إِذا تَوَضَّأ أحدكم فَأحْسنِ الْوُضُوء ثمَّ خرج إِلَى الصَّلَاة لم يرفع قدمه
الْيُّمْنَى إِلَّا كتب الله عز وجل لَهُ حَسَنَة وَلم يضع قدمه الْيُسْرَى إِلَّا حط الله عز
وَجلِ عَنْهُ سَيِّة فليقرب أحدكُمْ أَو ليبعد فَإِن أَتَى الْمَسْجِد فصلى فِي جمَاعَة غفر
(١) جامع العلوم والحكم (٢ / ٧٠٦).
(٢) أخرجه مسلم (١٢ و١٣ - ٢٣٢)، والنسائى في المجتبى (٢٩٤/٢) (٨٦٨) والكبرى
(١٠١٧)، وابن خزيمة (١٤٨٩). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٠).

٩٣
كتاب الصلاة
لَهُ فَإِن أَتَّى الْمَسْجِد وَقد صلوا بَعْضًا وَبَقِي بعض صلى مَا أدْرك وَأتم مَا بَقِي كَانَ
كَذَلِكَ فَإِن أَتَّى الْمَسْجِد وَقد صلوا فَأَتَمَّ الصَّلَاة كَانَ كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ(١).
قوله عن سعيد بن المسيب: هو سعيد بن المسيب بن حزن بن عمرو
المخزومي القرشي، قال النبي و طيور لحزن وقد أسلم يوم الفتح ما اسمك؟
قال حزن، قال بل أنت سهل، قال لا أغير اسما سمانيه أبي فكان سعيد يقول
ما زالت الحزونة فينا بعد (٢).
قال النووي: لم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد وقال وفيه رد على الحاكم
أبي عبد الله الحافظ فيما قاله، ولم يخرج البخاري عن أحد ممن لم يرو عنه
إلا راو واحد قال ولعله أراد من غير الصحابة قاله الكرماني (٣).
قوله: (حضر رجلًا من الأنصار الموت)) الحديث، الأنصار هم الذين
نصروا رسول الله وَّخلاله حين هاجر إلى المدينة وسيأتي الكلام على ذلك أبسط
من هذا.
قوله: ((إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع
قدمه اليمنى إلا كتب الله عز وجل له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط
(١) أخرجه أبو داود (٥٦٣). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٥٧٢) وصحيح الترغيب
(٣٠١).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١١٩/٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١١١/٣)،
والبغوى في معجم الصحابة (٥٦٩).
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (٢١٣/١)، والكواكب الدراري (٦٦/١٥).

٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الله عز وجل عنه سيئة)) الحديث. [٢٢٦ / أ] تقدم الكلام على ذلك وسيأتي
الكلام على المسجد في ذلك الباب مبسوطًا.
٤٦٤ - وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِ أَتَانِي اللَّيْلَة
آتٍّ من رَبِّي فَذكر الحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ قَالَ لي یَا مُحَمَّد أَتَدْرِي فیمَ یخْتَصم
الْمَلأ الْأَعْلَى قلت نعم فِي الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات وَنقل الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَة
وإسباغ الوضُوء فِي السبرات وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة وَمن حَافظ عَلَيْهِنَّ
عَاشَ بِخَيرِ وَمَاتٍ بِخَيرٍ وَكَانَ من ذُنُوبِه كَيَوْم وَلدته أمه الحَدِيثِ رَوَاهُ التِّزْمِذِيّ
وَقَالَ حَدِيث حسنٍ غَرِيبٍ وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى(١).
قوله: عن ابن عباس تقدم.
قوله ◌َّة: ((أتاني الليلة آت من ربي)) وفي رواية ((ربي)) قال رؤيا الأنبياء في
المنام وحي قال الجمهور المراد بالوحي هنا الإلهام والرؤيا في المنام تسمى
وحيا، وكان النبي ◌ُّ إذا أوحي إليه ينحدر منه مثل الجمان من العرق من
شدة الوحي وثقله عليه والوحي أصله الإعلام بأمور شرعية ثم هو في حق
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ثلاثة أضرب:
أحدها: سماع الكلام القديم كسماع موسى لنص القرآن ومحمد في
صحیح الآثار.
(١) أخرجه أحمد ٣٦٨/١ (٣٤٨٤)، وعبد بن حميد (٦٨٢)، والترمذى (٣٢٣٣ و٣٢٣٤)،
والبزار (٤٧٢٧)، وأبو يعلى (٢٦٠٨). وصححه الألباني في الإرواء (٦٨٤) وصحيح
الترغيب (١٩٤) و(٣٠٢) و(٤٠٨) و(٤٥١).

٩٥
كتاب الصلاة
ثانيا: وحي رسالة بواسطة ملك.
ثالثها: تلقي آي بالقلب وذكر أن هذا كان وحي داود ټچ﴾ وروي عن نبينا
وَّ مثله كقوله وَّ ((إن روح القدس نفث في روعي)) أي في نفسي والوحي
إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام كالوحي إلى الناس الإشارة كقوله ﴿أن سَبِّحُواْ
بُكْرَةَ وَعَشِيًّا﴾(١) ثم اعلم في كيفية الوحي على رسول الله ێ+ سبع صور:
الأولى: المنام كما جاء في هذا الحديث.
ثانيها: أن ينفث في روعه الكلام والروع بضم الراء القلب والخلد أي في
نفسي وخلدي وروح القدس هو جبريل ◌َالثَّاما.
ثالثها: أن يأتيه الوحي مثل صلصة الجرس.
رابعها: أن يتمثل له الملك رجلًا.
خامسها: أن يتراءى له جبريل بصورته التي خلق عليها له ستمائه جناح
ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت وقد رآه رسول الله آل﴾ في صورته مرتین.
سادسها: أن يكلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كليلة الإسراء على
الصحيح في الإسراء أنه يقظة.
سابعها: وحي إسرافيل كما ثابت عن عامر بن شراحيل الشعبي أنه وَ ل
وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء حتى
جاء جبريل عملَلها ووقع لبعضهم أنه ميكائيل ومن قال بذلك قال لم ينزل
(١) سورة مريم، الآية: ١١.

٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه قرآن على أن جبريل ،َ لَاة ابتدأ فيها الوحي(١) والله أعلم.
قوله: ((أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى)) الحديث يسارع ويستبق إلى
رفعه إلى الله تعالى لأن الملائكة يتقربون إلى الله تعالى برفع العمل الصالح
لبني آدم والملأ الأعلى الملائكة المقربون(٢).
قوله: «و کان من ذنوبه کیوم ولدته أمه)) أي لا ذنب له و کیوم یجوز فیه فتح
الميم وكسرها وجهان والفتح أشهر.
٤٦٥- وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَ لَا يَتَوَضَّأ أحدكُم
فَيحسن وضوءه فيسبغه ثمَّ يَأْتِي الْمَسْجِد لَا يُرِيد إِلَّ الصَّلَاة إِلَّا تبشش الله إِلَيْهِ
كَمَا يتبشش أهل الْغَائِب بطلعته رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه(٣).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على مناقبه.
قوله مَّلة: ((لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه فيسبغه)) تقدم تفسير ذلك.
((إلا تبشش الله إليه)) الحديث التبشيش التأنيس والمواصلة والفرح بالشيء
والسرور إليه وهو هنا مجاز عن المضاعفة والإكرام(٤) وقال في النهاية البش
(١) انظر: الروض الأنف (٣٩٤/٢-٣٩٦)، وطرح التثريب (١٨٠/٤ - ١٨٢).
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٧٣).
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٠٧ (٨٠٦٥) و٣٨٤/٢ (٨٤٨٧)، وابن خزيمة (١٤٩١). وصححه
الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٣).
(٤) هذا من باب التأويل قال أبو يعلى الفراء بعد الكلام على صفة الفرح الله تعالى :....
وكذلك القول في البشبشة؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح. والعرب تقول: رأيت لفلان
بشاشة، وهشاشة، وفرحًا. ويقولون: فلان هش بش فرح؛ إذا كان منطلقا؛ فيجوز إطلاق
ذلك كما جاز إطلاق الفرح. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتاب الغريب، وقال قوله:
=

٩٧
كتاب الصلاة
فرح الصديق بالصديق واللطف في المسألة والإقبال عليه، وقد بششت به
أبش، وهذا مثل ضربه لتلقيه إياه ببره وتقريبه وإكرامه (١).
ولذلك قال بعضهم: إذا كان الرجل يكون [٢٢٦/ ب] متعلقا بالمسجد
منذ خرج منه إلى أن يعود إليه من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة.
٤٦٦ - وَعَنِ جَابر ◌َّ لَهُ قَالَ خلت الْبِقَاعِ حول الْمَسْجِد فَأَرَادَ بَنو سَلمَة أَن
يَنْتَقِلُوا قرب الْمَسْجِد فَبلغ ذَلِك النَّبِيِوَّهِ فَقَالَ لَهُم بَلغنِي أَنْكُمْ تُرِيدُونَ أَن
تنتقلوا قرب الْمَسْجِد قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قد أردنَا ذَلِك فَقَالَ یَا بني سلم
دِيَاركُمْ تكْتب آثَارِكُمْ دِيَارِكُمْ تکْتب آثَارِكُم فَقَالُوا مَا يسرنَا أَنَا كُنَّا تَحَوَّلْنَا رَوَاهُ
مُسلمٍ وَغَيرِه وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُ بِمَعْنَاهُ وَفِي آخِرِه إِن لكم بِكُل خطْوَة دَرَجَةٍ(٢).
قوله عن جابر: هو ابن عبد الله تقدم الكلام على مناقبه وفضله.
قوله وَاللّه: ((خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب
المسجد)) بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار بين دورهم وبين
=
(يبشبش) من البشاشة، وهو يتفعل؛ فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوله. انتهى كلام أبي
يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١٢٤٣ .
وقال ابن تيمية في النبوات (١ /٤٤٩ - ٤٥٠): ولفظ البشبشة جاء أيضا أنه يتبشبش للداخل
إلى المسجد؛ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم، وجاء في الكتاب والسنة ما يلائم
ذلك ويناسبه شيء كثير، فيقال لمن نفى ذلك: لم نفيته؟ ولم نفيت هذا المعنى؛ وهو
وصف كمال لا نقص فيه؟ ومن يتصف به أكمل ممن لا يتصف به؟ وإنما النقص فيه أن
يحتاج فيه إلى غيره، والله تعالى لا يحتاج إلى أحد في شيء، بل هو فعال لما يريد.
(١) النهاية (١ /١٣٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٩ و٢٨٠ و٢٨١ - ٦٦٥)، وابن خزيمة (٤٥١)، وابن حبان (٢٠٤٢).

٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مسجد الرسول ولا مسافة بعيدة يلحقهم تعب في سواد الليل إذا مشوا إلى
المسجد فأرادوا أن يتركوا دورهم ويتخذوا دورا بقرب المسجد(١).
قوله: فقال لهم رسول الله (َ ﴿ بنو سلمة دياركم تكتب آثاركم)) والمعنى
الزموا دياركم فإنكم إذا ألزمتموها تكتب آثاركم الكثيرة إلى المسجد وتكتب
آثاركم بالجزم على جواب الأمر المتقدم والديار منصوب على الإغراء
والمراد بالآثار الخطى إلى المساجد فإذا كانت الخطى أكثر كان الثواب
أيضا أكثر (٢) والمراد يكتبها الكتبة للثواب أو ما يؤثر أي يكتب وفي السنن
وقيل الآثار حرصكم على الطاعات وجدكم واجتهادكم في حضور الجماعات
ويقتدى بكم من بعدكم كذا قاله البيضاوي في شرح المصابيح(١).
٤٦٧- وَعَنِ ابْن عَبَّاسِ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَتِ الْأَنْصَار بعيدَة مَنَازِلهمْ
من الْمَسْجِد فأرادوا أَن يتقربوا فَنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾
. (٤)
فثبتوا)) رَوَاهُ ابْن مَاجَهُ بِإِسْنَاد جيد(٥).
قوله: (عن ابن عباس)) تقدم.
قوله: ((كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يتقربوا فنزلت
ج
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ فثبتوا المنازل)) الدور جمع دار وهي المنازل
(١) المفاتيح (٢/ ٦٥).
(٢) المفاتيح (٦٥/٢)، وشرح المصابيح (١ / ٤٢٢)
(٣) تحفة الأبرار (٢٥٦/١-٢٥٧).
(٤) سورة يس، الآية: ١٢.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٧٨٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٥).

٩٩
كتاب الصلاة
المسكونة المحال وتجمع أيضًا على ديار وأراد بها ههنا القبائل وكل مكان
اجتمعت في محله سميت تلك المحلة دارًا وسمي ساكنوها بها مجازًا على
حذف المضاف أي أهل الدور قاله في النهاية(١)، والأنصار جمع نصير كشريف
وأشراف وقيل جمع ناصر والأنصار هم الذين آووا رسول الله وَّله ونصروه
على أعدائه من أهل الشرك وآووا أصحابه رضي الله عنهم وهما قبيلة الأوس
والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة والنسب مذكور إلى قحطان اختصر (٢) وقحطان
أصل العرب وسمي قحطان لأنه أول من تجبر وظلم وقحط أموال الناس(٣).
قوله: ((فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾)) وآثارهم خطاهم.
٤٦٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َهُ عَنِ النَّبِيِنَِّ قَالَ الْأَبْعَد فالأبعد من الْمَسْجِد
أعظم أجرا)) رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح
مدنِي الإِسْنَاد (٤).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته.
قوله وَيله: ((الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا)) أي من أجل كثرة الخطأ(٥)
(١) النهاية (١٣٩/٢).
(٢) عمدة القارى (١ / ١٥١).
(٣) قاله إسماعيل بن أبي أويس كما في المؤتلف والمختلف (٢٣٧/١).
(٤) أخرجه أحمد (٨٦١٨) و(٩٥٣١)، وابن ماجه (٧٨٢)، وأبو داود (٥٥٦)، والحاكم
(٥٢/١). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٠٦) وصحيح أبي
داود (٥٦٥).
(٥) شرح الصحيح (٢٨٠/٢) لابن بطال.

١٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فهذا الحديث والأحاديث قبله دال على أن الأرض البعيدة أفضل على المشي
أفضل ثم هذا كله في حق من هو متفرغ لذلك ولا يفوته بكثرة خطاه ومشيه إلى
المسجد مهمة من مهمات الدين فإن كان يفوته ذلك كالاشتغال بالعلم والتعلم
والتعليم ونحو ذلك من فرض الكلمات فالدار القريبة في حقه أفضل وكذلك
الضعيف عن المشي ونحوه والله أعلم قاله في المقاصد(١).
قال العلماء ينبغي أن يستثنى من أفضلية الأبعد الإمام فإن النبي
صَلىالله
وسام
والأئمة بعده لم يتباعد عن المسجد لطلب الأجر، ويدل أحد أقوال
الأصحاب يستحب التبكير للغير إلا الإمام فلا يستحب بل يأتي حين يصعد
إلى المنبر كما كان النبي وَل يفعله بنفسه (٢) فإن قيل روى الإمام أحمد في
مسنده فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على
القاعد عن الجهاد فالجواب إن هذا في نفس البقعة وذاك في الفعل فالبعيد
دارًا مشيه أكثر وثوابه أعظم والبيت القريب أفضل من البيت [٢٢٧/ أ]
البعيد(٣) ولهذا قيل في قوله ◌َّية: ((الشؤم في ثلاثة المرأة والدار والفرس)) (٤) إن
شؤم الدار أن تكون بعيدة عن المسجد لا يسمع ساكنها الأذان(6) والله أعلم.
(١) تسهيل المقاصد (لوحة ٦٩).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ٤٩٢).
(٣) فتح البارى (٦/ ٣٢)، ومجموع رسائل ابن رجب (٤/ ٢٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٥٨) و(٥٠٩٣) و(٥٠٩٤) و(٥٧٥٣) و(٥٧٧٢)، ومسلم (١١٥
و١١٦ و١١٧ و١١٨ - ٢٢٢٥) عن ابن عمر.
(٥) إرشاد السارى (٨/ ٤١١).