Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
كتاب الصلاة
رِوَايَة مَكْحُول عَن معَاذْ وَلم يسمع مِنْهُ.(١)
جمروها أَي بخروها وزنا وَمعنى.
قوله: عن واثلة بن الأسقع، تقدم.
قوله مثل: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)) الحديث، الصبيان
بكسر الصاد هي اللغة المشهورة، وحكى ابن دريرد ضمها، قال الجوهري
الصبي الغلام والجمع صبية وصبيان، والجارية صبية والجمع الصبايا مثل
مطية ومطايا، والصبا أيضًا مر الشوق، فقال منه: تصابا وصبا يصبو صبوة،
أي: مال إلى الجهل(٢).
قال الشاعر:
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما رأي النساء وإمرة الصبيان
أما النساء فميلهن إلى الهوى وأخو الصبا يجري بغير عنان(٣)
=
العلاء ليس بشيء وقال البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن
الأثبات. قال الهيثمي في المجمع ٢٥/٢-٢٦: رواه الطبراني في الكبير وفيه العلاء بن كثير
الليثي الشامي وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٨٧).
(١) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة (٢ / ٤١ رقم ٩٩٨) والمطالب (٣٥٦)، والطبراني
في الكبير (١٧٣/٢٠ رقم ٣٦٩) والشاميين (٣٥٩١). وقال الهيثمي في المجمع ٢٦/٢:
رواه الطبراني في الكبير، ومكحول لم يسمع من معاذ. وقال ابن حجر: هذا منقطع. قال
البيهقي (١٠ / ١٠٣)، وقيل: عن مكحول، عن يحيى بن العلاء، عن معاذ مرفوعا، وليس
بصحیح. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٨٨).
(٢) الصحاح (٢٣٩٨/٦).
(٣) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب (٣٠٦).
٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والصبوة الميل إلى الجهل ومنه قولهم لكل شاب صبوة ولكل جواد كبوة
ولكل عالم غفلة، وكما قالوا الجواد يكبو والنار تخبو والصارم ينبو،
والإنسان محل النسيان(١) انتهى. قاله في الديباجة.
قال النووي رحمه الله: قال جماعة منهم المتولي: يكره إدخال البهائم
والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد من غير حاجة مقصودة لأنه
لا يؤمن بتنجيسهم المسجد ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن النبي
وَل صلى حاملا أمامة بنت زينب وطاف على بعيره ولا ينفي هذا الكراهة
لأنه وَّه فعل ذلك بيانا للجواز أو ليظهر ليقتدى به ◌َّة فيكون حينئذ أفضل
في حقه فإن البيان واجب عليه وَّله(٢)، ونقل في الروضة في كتاب الشهادات
باب العدة أن إدخال الصبيان والمجانين المسجد حرام(٣) انتهى.
وأطلق النووي في الروضة المنع من دخول الصبيان والمجانين في
المسجد وهو ظاهر في المجانين إذا خيف منهم تلوث أما مع [٢١٤/ ب]
الأمن والتمييز فلا لأن غير المميز كالبهيمة ويحمل على أن لا نمنعه من
إدخاله المسجد وإن کان الأولی فیه تنزیه المسجد عمن لا یؤمن منه حدث.
فرع: ثياب الصبيان وأبدانهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن
النجاسة فيجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم في المائع إذا غمسوا فيه
(١) مغنى اللبيب (ص ١٣).
(٢) المجموع (٢/ ١٧٦)، وشرح النووي على مسلم (١٩٢/٣).
(٣) روضة الطالبين (٢٢٤/١١).
٢٣
كتاب الصلاة
أيديهم ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة قاله النووي (١).
قوله: وشراؤكم وبيعكم وسيأتي الكلام على البيع والشراء في المسجد
قريبا إن شاء الله تعالی.
قوله: وخصوماتكم ورفع أصواتكم)) يكره اللغط ورفع الصوت في
المسجد، ففي مصنف ابن أبي شيبة أن عمر رَظَّالَّهُ رجلا رافعا صوته في
المسجد، فقال: ((أتدري أين أنت؟)) وحكى بن عبد البر في كتاب العلم عن
مالك أن سئل عن رفع الصوت في المسجد للعلم فقال لا خير في ذلك العلم
ولا في غيره لقد أدركت الناس قديما يعيبون ذلك في مجلسه وأنا أكره ذلك
ولا أرى فيه خيرا، قال أبو عمر: وأجاز ذلك قوم منه أبو حنيفة ومسلمة بن
مسلمة من المالكية(٢).
قوله وَجيّة: ((وإقامة حدودكم)) يكره إقامة الحدود في المسجد الحرام وغيره
من المساجد، قال أبو حنيفة يحرم إقامة الحدود في المسجد الحرام على من
جنى خارجه ثم التجأ إليه لاحتمال تلوث المسجد بجرح أو حدث نص عليه
الإمام الشافعي في الأم ونقله عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى خالف فيه، فلو
فعل ذلك في المسجد وقع الموقع لكن هل يكون حراما ظاهر كلام البغوي
والرافعي في باب حد الشرب أنه حرام لأنه ما شبهاه بالصلاة بالأرض
المغصوبة يعصي وتجزئ وعليه اقتصر بن الصباغ في باب الأقضية وصرح
(١) شرح النووي على مسلم (٤/ ٦٦).
(٢) إعلام الساجد (ص ٣٢٦ -٣٢٧).
٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الرافعي في باب الأقضية بأنه مكروه كراهة تنزيه وبه صرح الروياني في البحر،
ولعل وجه من حرمه أنه مظنة خروج النجاسة فالتحق بالحائض في تحريم
العبور إذا خافت التلويث وعبارة الشافعي في المختصر والأم لإقامة الحدود
في المسجد كره قال الروياني فإن كان في إقامته تلويث المسجد كقطع يده في
السرقة ونحوه حرم فعله في المسجد قال ابن المنذر: وروينا عن عمر بن
الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنهما أمرا بإخراج من عليه
عقوبة من المسجد وهو مذهب عكرمة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق
والقاضي وابن البلخي وروينا عن الشعبي أنه ضرب يهوديا حدا في المسجد
وقال ابن أبي ليلى فيه قول ثالث وهو التسهيل في ضرب الدرة والدرتين في
المسجد ومنع إقامة الحدود فيه الأكثرون من أهل العلم على القول الأول
ولا يتبين لي أن يأثم من إقامة الحد في المسجد لأني لم أجد الدلالة على
ذلك قال الروياني وحكم التعزير حكم الحد في أنه لا يقام في المسجد إلا
التعزير بالكلام فلا بأس به في أي موضع كان والله أعلم قاله الزركشي (١).
فائدة: يكره اتخاذ المسجد أيضًا مجلسًا للحكم والفصل بين الخصوم
ولأن مجلس القاضي معرض لحضور الخصوم وربما كان فيهم الكافر
والحائض والجنب وربما ارتفعت أصواتهم وحصل منهم اللغط. [٢١٥ / أ]
في الخصومات وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت في
المساجد فإن اتخذه مجلسًا للحكم فطريقه ألا يمكن أحدًا من المسجد
(١) إعلام الساجد (ص ٣٧١ - ٣٧٢).
٢٥
كتاب الصلاة
الخصوم بل يتركون خارجه لما تجري بينهم من خصومة ونحوها كحلف
وصلح وغير ذلك ثم يستدعي المتداعين والشهود ومن دعته الضرورة إلي
عنده ويأمرهم بحفظ حرمة المسجد، وقال الإمام مالك لا يكره الجلوس في
المسجد للقضاء ولعله محمول على غير أوقات الصلاة فأما أوقات الصلاة
فإنه يجوز بشرط أن لا يشوش على الحاضرين والمصلين لأن البقعة
مستحبة للصلاة والقراءة ونحوها ونص الشافعي في الأم على كراهة القضاء
أيضًا واختلف كلام ابن الصباغ فأجاب في الأقضية بالتحريم وفي باب
الحدود بالكراهة وقال الصيدلاني في شرح المختصر: أما إذا اتفق حكم في
المسجد فلا بأس إنما المكروه أن يتخذ المسجد لهذا، قال: وهو قول سعيد
بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، قال: ويستحب أن يكون مجلس القاضي
بقرب المسجد لتؤكد اليمين به والله أعلم قاله ابن العماد في الكتاب الذي
ألفه لزوار المساجد(١).
قوله {وَّ: ((وسل سيوفكم)) والمعنى في ذلك تأكيد لحرمة المسجد لئلا
يروع بها أو يؤذى بها لأن المساجد مملوءة بالخلق ولا سيما أوقات
الصلاة(٢) ويكره أيضا سل السيوف في المسجد، وأما إقراره صلى الله عليه
وسلم الحبشة على لعبهم بالحراب والسيوف في المسجد يوم العيد فهو
مخصوص بما أقره وّله من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتفنن
(١) تسهيل المقاصد (لوحة ٤٥).
(٢) إعلام الساجد (ص ٣٥٤- ٣٥٥)، وطرح التثريب (١٤٠/٨).
٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه فهو من باب المندوب ويلتحق به ما في معناه من الأسياف المعينة
للجهاد وأنواع البر(١).
قوله وَاليقول: ((واتخذوا على أبوابها المطاهر)): يجوز بناء المطاهر بالقرب
من المساجد والتوضأ منها (٢).
قوله وَله: ((وجمروها في الجمع)) أي بخروها وزنه ومعناه قاله الحافظ
المنذري وقال بعضهم التجمير مأخوذ من جمر النار ولأن الغالب في البخور
أن يجعل الجمر في المجمر ويوضع عليه الطيب ما كان من عود أو نحوه ثم
يتبخر به فقال المنذري يلي ذلك مجمر ومجمر، ومنه نعيم المجمر كان يلي
أجمار مسجد رسول الله وَخلال قاله في كتاب المغيث(٣) وأنكر الإمام مالك
تجمير المسجد، واستحب بعض السلف تخليق المساجد بالزعفران
والطيب وروي عنه وَّ فعله وقاله الشعبي هو سنة وذكر بن أبي شيبة عن أبي
نجيح أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك قاله الزركشي (٤).
(١) إعلام الساجد (ص ٣٥٥).
(٢) إعلام الساجد (ص ٣٨٣).
(٣) المجموع المغيث (٣٤٦/١).
(٤) إعلام الساجد (ص ٣٣٨).
٢٧
كتاب الصلاة
[الترهيب من البصاق في المسجد وإلى القبلة، الباب إلى آخره]
٤٣٤- عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: ((بَيْنَمَا رَسُول الله وَل یخْطب
يَوْمًا إِذْ رأى نخامة فِي قَبْلَة الْمَسْجِد فتغيظ على النَّاس ثمَّ حكها قَالَ:
وَأَحْسبهُ قَالَ فَدَعَا بزعفران فلطخه بِهِ وَقَالَ إِن الله عز وجل قبل وَجه أحدكُم
إِذا صلى فَلَا يبصق بَيْن يَدَيْهِ)) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظِ لَهُ(١).
٤٣٥- وروى ابْن مَاجَه عَنِ الْقَاسِم بن مهْرَان وَهُوَ مَجْهُول عَن أبي رَافع
عَن أبي هُرَيْرَة ◌َّهُ أَن رَسُول الله وَّ رأى نخامة فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَأقبل على
النَّاس فَقَالَ مَا بَال أحدكُم يقوم مُسْتَقْبل ربه فيتنخع أَمَامه أَيُحِبُّ أحدكُم أَن
يسْتَقْبل فيتنخع فِي وَجهه إِذا بَصق أحدكم فليبصق عَن شِمَاله أَو ليتفل هَكَذَا
فِي ثَوْبِه ثمَّ أَرَانِي إِسْمَاعِيلِ يَعْنِي ابْن علية يبصق فِي ثَوْبه ثمَّ يدلكه(٢).
قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على فضائله.
قوله: ((بينا رسول الله وَيه يخطب إذ رأى نخامة في قبلة المسجد))
الحديث، المسجد بكسر الجيم ويقال بفتحها المسجد لموضع السجود.
(١) أخرجه البخاري (٤٠٦) و(٧٥٣) و(١٢١٣) و(٦١١١)، ومسلم (٥٠ و٥١ - ٥٤٧)،
وابن ماجه (٧٦٣)، وأبو داود (٤٧٩)، والنسائى في المجتبى ١٩٥/٢ (٧٣٦) والكبرى
(٦١٣).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣ - ٥٥٠)، وابن ماجه (١٠٢٢)، والنسائى في المجتبى ٤٤٤/١ (٣١٤)
والكبرى (٣٦٧).
٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((إذ رأى نخامة في قبلة المسجد)) النخامة بضم النون وبالخاء
المعجمة والميم قال ابن الأنباري هي بمعنى النخاعة بالعين وهما بمعنى ما
يطرحه الإنسان من فيه من رطوبة صدره أو رأسه وفرق بعضهم بينهما فجعله
من الرأس بالميم ومن الصدر بالعين فقال تنخم وتنخع [٢١٥/ ب] حكاهما
في المشارق(١)، وفي رواية ((رأى مخاطا أو بصاقا في قبلة المسجد)) قال أهل
اللغة: المخاط من الأنف والبصاق من الفم (٢) وفيه ثلاث لغات بالصاد
والسين والزاي مشهورة وهم على وزن فعال بضم الفاء والثلاثة بمعنى واحد
والمخاط أيضا بوزنهم قاله الكرماني(٣).
قوله: ((في قبلة المسجد)) اختلفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبي
وَخله في القبلة هل كان في مسجده ◌َّ أو في مسجد آخر، فقيل إنه كان في
مسجد الأنصار بدليل (٤) ما رواه مسلم وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد
قال: أتينا جابرًا وهو في مسجده فقال: أتانا رسول الله وَّةٍ في مسجدنا هذا،
وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون،
الحديث(٥)، وعرجون بن طاب نوع من تمور المدينة قاله عياض (٦).
(١) مشارق الأنوار (٦/٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣٨/٥).
(٣) الكواكب الدراري (٩٨/٣ -٩٩).
(٤) طرح التثريب (٣٨٦/٢).
(٥) أخرجه مسلم (٧٤ - ٣٠٠٨)، وأبو داود (٤٨٥).
(٦) مشارق الأنوار (٣٢٤/١).
٢٩
كتاب الصلاة
وفيه أن البصاق والمخاط والنخاعة طاهرات وهذا لا خلاف فيه بين
المسلمين إلا ما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي أنه قال البصاق نجس
قال النووي ولا أظنه يصح عنه(١) فإنه لو لم يكن طاهرا لما أمر بدفنه في
المسجد في قوله {وَّ ((البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها))(٢) ولا بأن
يبصقه في ثوبه ويدلكه كما هو مذكور في آخر الحديث في قوله ثم أراني
إسماعيل يعني ابن عليه يبصق في ثوبه ثم يدلكه(٣).
قوله: ((فتغيظ على الناس)) وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي بعده («ثم
أقبل على الناس مغضبا)) كما سيأتي ما يدل على تحريم البصاق في القبلة أو في
المسجد، وهذا النهي هل هو على التحريم أو التنزيه قال أبو عبد الله
القرطبي: هذه الأحاديث تدل على التحريم(٤) وأطلق جماعة من الشافعية
كراهة البصاق في المسجد منهم المحاملي وسليمان الرازي والروياني وأبو
العباس الجرجاني وصاحب البيان والكراهة هنا محمولة على التحريم،
وجزم النووي في شرح المهذب والتحقيق بتحريمه وكأنه تمسك بقوله وكلائه.
في الحديث الصحيح ((البصاق في المسجد خطيئة))(٥) وحكى القرطبي عن
(١) شرح النووي على مسلم (٤٠/٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤١٥) ومسلم (٥٥ و٥٦ - ٥٥٢) عن أنس.
(٣) انظر: معالم السنن (١٤٣/١)، وطرح التثريب (٣٨٥/٢).
(٤) المفهم (٩٠/٥).
(٥) إعلام الساجد (٣٠٨/١)، وطرح التثريب (٣٨١/٢).
٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ابن مكي أنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه(١).
قوله: فدعا بزعفران فلطخه به وهذا يدل على استحباب تزيين المساجد
بالصفرة والحمرة وقد قال عطاء لا بأس بكتابة القرآن في قبلة المسجد (٢)،
وعن عثمان زَّوَّلَهُ أنه غير مسجد رسول الله وَخله فزاد فيه زيادة كبيرة وزينها
بالحجارة المنقوشة والفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج
لكنه معارض بما روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال قال رسول الله وكلائه
((ما أمرت بتشييد المساجد))، وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود
[٢١٦/ أ] والنصارى))(٣) وروى البخاري عن عمر أنه أمر ببناء المساجد
وقال: أكن الناس [من المطر وإياك] أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، وقال
أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلً (٤)، وفي الصحيحين عن عائشة أن
النبي ◌َّ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، وفي آخر
الحديث قال: ((فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي)) (٥)، والخميصة كساء مربع له
أعلام، وفي الحديث دليل على كراهة ما يلهي قلب المصلي بسببه، فكره
(١) المفهم (٩٢/٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٩٩ (٤٥٨٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٨)، وابن حبان (١٦١٥). وصححه الألباني في صحيح أبي داود
(٤٧٥).
(٤) صحيح البخاري (٩٦/١- ٩٧). ووصلهما ابن حجر في تغليق التعليق (٢٣٥/٢) وأسند
أثر أنس ولم یسند أثر عمر.
(٥) أخرجه البخاري (٣٧٣) و(٥٨١٧)، ومسلم (٦٢ - ٥٥٦).
٣١
كتاب الصلاة
وجلان قلبه مما يشاهده ويراه، ومن ذلك الصلاة على الحصر المخططة
والثياب التي فيها خطوط وألوان مختلفة كالثياب اليمينية التي تنسخ للصلاة
عليها، ولذلك الصلاة على الجدران المزوقة بحمرة أو صفرة، ومذهبنا أنه
يكره كتابة القرآن في جدران المسجد وسقفه وفي غير المسجد احتراما للقرآن
فإنه يعرضه بالكتابة لوقوع الغبار عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ
®﴾(١) والمكنون المصون(٢)، [فتجب صيانته
كَرِيمٌ ﴾ فِی کِتَبٍ مَّكْنُونٍ
من وقوع الغبار عليه، ولأنه ربما سقط الجدار فوقع بالأرض وتفرَّقت
حروفه ولو سقطتت ورقة فيها آية مكتوبة أو اسم من أسماء الله تعالى فإن
أمكنه صيانتها فى موضع يأمن عليها من الامتهان فعل وإن لم يمكنه حفظها
وصيانتها فنقل القمولى فى الجواهر عن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام إن
شاء غسلها وإن شاء حرقها ولا يضعها فى مكان لأنها قد تسقط فتوطأ
بالأقدام قال بعض مشايخنا الحرق على قصد صيانة اسم الله تعالى أولى من
الغسل لأن الصحابة حرقوا مصاحف كتبت من القرآن ولأن كعب بن مالك
ألقى الصحيفة التى جائته من ملك غسان فى التنور وفيها اسم الله قال
الحليمى فى المنهاج: ومن تعظيم الله جل جلاله وتعظيم رسوله وَال أن لا
يحمل على مصحف القرآن، ولا على جوامع السنن كتاب ولا شيء من متاع
البيت ما كان. وإن ينفض الغبار عنه إذا أصابه، وأن لا يمس أحد يده من
(١) سورة الواقعة، الآيتان: ٧٦-٧٧.
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٥٠ و٥١).
٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
طعام ولا غيره بورقة فيها ذكر الله أو ذكر رسوله وَل﴿ ولا يمزقها تمزيقًا (١)،
لما فيه من تقطيع الحروف وتفريق الكلم وفى ذلك إزراء بالمكتوب والله
أعلم (٢)] انتهى.
وفيه: أن البصاق لا تبطل الصلاة وكذا النخع إن لم يبن منه حرفان أو كان
مغلوقا عليه والله أعلم(٣).
قوله وَله: ((فإن الله قبل وجه أحدكم)) قبل بفتح القاف وفتح الباء هو الجهة
أي: رحمة الله وفضله وإقباله عليه فلا تقابل ذلك بالبصاق المستقذر الذي
يحتقر به ويهان من يلقى عليه، وهذا أيضا على سبيل التشبيه أي كأنه تعالى
في مقابل وجهه، وفيه تعظيم جهة القبلة وتحذير من الاستخفاف بحقها، وقد
جاء أن الرحمة تواجه المصلي(٤). وفيه: النهي عن البصاق بين يدي المصلي
وعن يمينه، وهذا عام في المسجد وغيره(٥). وأجمع العلماء على أن العمل
القليل في الصلاة لا يضرها(٦)، قال ابن عبد البر في التمهيد عند ذكر هذا
الحديث: فما أدري أراد العمل القليل نفس البصاق أو أراد ما ورد في حديث
(١) المنهاج (١٤٩/٢ - ١٥٠).
(٢) تسهيل المقاصد (لوحة ٥١).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤٠/٥).
(٤) انظر: التمهيد (١٤ /١٥٧)، وشرح النووي على مسلم (٣٨/٥)، والمفهم (٨٩/٥-
٩٠)، وطرح التثريب (٣٨٢/٢).
(٥) شرح النووي على مسلم (٣٩/٥).
(٦) الاستذكار (٢٧٣/٢) والتمهيد (١٤ /١٥٥)، وشرح النووي على مسلم (١١٤/٤) و(٢٠٩/٦).
٣٣
كتاب الصلاة
آخر من كونه يبصق في ثوبه أو أراد أن النبي ◌ّالرّ حكه من القبلة وهو في
الصلاة وهو الظاهر(١) والله أعلم.
قوله وله: ((ما بال أحدكم يقوم مستقبل القبلة)) أو قال: ((فيتنخع أمامه))
بفتح الهمزة أي: قدامه، لعل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجاة لله، قاله
في حديث ابن عمر في أول الباب، فإن الله قبل وجهه إذا صلى، أي: الجهة
التي عظمها ولا منافاة بين هذا الحديث، فإن المراد إقبال الله على المصلي
قال صاحب المفهم: إنه لما كان المصلي توجه بوجهه وقصده و کلیته إلى
هذه الجهة نزلها في حقه منزلة وجود الله تعالى فيكون هذا من باب الاستعارة
كما قال في الحجر الأسود: ((يمين الله في الأرض)) أي: بمنزلة يمين الله، وقد
أول الإمام أحمد بن جنبل هذا الحديث قال الإمام أبو عبد الله القرطبي، وقد
يجوز أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فكأنه
قال: مستقبل قبلة ربه أو رحمة ربه(٢).
قال النووي [٢١٦/ ب]: معنى الحديث، فإن الله قبل الجهة التي عظمها،
وقيل: فإن قبلة الله وقبلة ثوابه ونحو ذلك [فلا يقابل هذه الجهة] بالبصاق
الذي هو الاستخفاف لمن يبزق إليه وتحقيره(٣)، فإن قلت: ما معنى كون
(١) هذا وهم من المصنف فهو يشعر أن الكلام السابق لابن عبد البر وإنما هو تعليق ابن
العراقى على قول ابن عبد البر: العمل القليل لايضرها. انظر طرح التثريب (٣٨٦/٢).
(٢) المفهم (٨٩/٥-٩٠)، وطرح التثريب (٣٨٢/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣٨/٥).
٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الرب بينه وبين القبلة إذ لا يصح على ظاهره، لأن الله تعالى منزه عن الحلول
في المكان تعالى عنه، قلت: معناه: للتشبيه أي كأنه بينه وبين القبلة، قال
الخطابي معناها أن توجهه إلى القبلة ينبي بالقصد منه إلى ربه فصار في
التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته فأمر أن تصان تلك الجهة عن البصاق
ونحوه من أثقال البدن(١) والله أعلم.
قوله: في رواية ابن ماجه عن القاسم بن مهران وهو مجهول [كذا هو قال وإنما
هو القاسم بن مهران القيسي، مولى بني قيس بن ثعلبة، وهو خال هشيم قال
إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح(٢)].
قوله: رواه إسماعيل، يعني ابن علية، هو إسماعيل بن إبراهيم المعروف
بابن علية بضم العين وفتح اللام الإمام المشهور قاضي دمشق، كان يقال له
ريحانة الفقهاء وسيد المحدثين، قال الإمام أحمد بن حنبل: له المنتهى في
التثبت بالبصرة، قال: وفاتني مالك فأخلف الله عليّ سفيان بن عيينة وفاتني
حماد بن زيد فأخلف الله عليّ ابن علية، وقال أبو داود: ما أحد من المحدثين
إلا وقد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن الفضل ولا أحفظ للشافعي غلطا وكانت
عُليّةَ أمه من الصالحات قرأ عليها صالح المري وغير توفي في سنة ثلاث
وتسعين ومائة، روى له الجماعة(٣) انتهى قاله في الديباجة.
(١) الكواكب الدراري (٤ / ٧٠).
(٢) تهذيب الكمال (٢٣ / الترجمة ٤٨٢٨).
(٣) تهذيب الكمال (٢٣/٣ - ٣٣ الترجمة ٤١٧).
٣٥
كتاب الصلاة
٤٣٦- وَعَن أبي سعيد الْخُذْرِيّ ◌ََّهُ أَن رَسُول الله وَهَ كَانَ يُعجبهُ
العراجين أَن يُمْسِكِهَا بِيَدِهِ فَدخل الْمَسْجِد ذَاتِ يَوْمٍ وَفِي يَدِه وَاحِد مِنْهَا فَرَأى
نخامات فِي قبْلَة الْمَسْجِد فحتهن حَتَّى أنقاهن ثُمَّ أقبل على النَّاس مغضبا
فَقَالَ أَيُحِبُّ أحدكُمْ أَن يستقبله رجل فيبصق فِي وَجهه إِن أحدكُمْ إِذا قَامَ إِلَى
الصَّلَاة فَإِنَّمَا يَسْتَقْبل ربه وَالْملك عَن يَمِينه فَلَا يبصق بَينِ يَدَيْهِ وَلَا عَن يَمِينه
الحَدِيثِ رَوَاهُ ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه(١).
٤٣٧ - وَفِي رِوَايَة لَهُ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنه قَالَ فِيهِ فَإِن الله عز وجل بين أَيْدِيكُم فِي
صَلَاتَكُمْ فَلَا توجهوا شَيْئًا من الأَذَى بَيْن أَيْدِيكُم الحَدِيثِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْن
خُزَيْمَة بَابِ الزّجر عَن تَوْجِيه جَمِيع مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم أَذَى تِلْقَاء الْقَبْلَة فِي
الصَّلَاةَ(٢).
قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم.
قوله: أن رسول الله وَال كان يحب العراجين أن يمسكها بيده، الحديث؛
العراجين: جمع عرجون وهو عود [الكباسة] الذي يتفرق منه الشماريخ إذا
ييس واعوج، قاله الأصمعي(٣).
قوله: فرأى نخامات في قبلة المسجد، والنخامات جمع نخامة، وتقدم
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٠)، وابن خزيمة (٨٨٠). وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٢٨٢).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٩٢٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٢).
(٣) مشارق الأنوار (٢ /٧٢).
٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الكلام على النخامة والنخاعة والبزاق في أول الباب في الكلام على الحديث
الأول والله أعلم.
قوله: فحتهن حتى أنقاهن، قال ابن بطال(١): جاءني في بعض الطرق أنه
حتها بعد الصلاة، والحت: حت الورق من الغصن أي إسقاطه وإزالته ثم إن
كان ذلك في الصلاة فهو عمل يسير لا يؤثر في الصلاة كما تقدم قريبا، قاله
الكرماني (٢).
قوله: ((إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه
فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه)) الحديث، وإنما نهى عن البصاق عن
اليمين تشريفا لها، وفي رواية البخاري: ((فلا يبصقن أمامه ولا عن يمينه)) فإن
عن يمينه ملكا، قال القاضي عياض رحمه الله: والنهي عن البصاق عن يمينه
هو مع إمكان غير اليمين، فإن تعذر غير اليمين بأن يكون عن يساره مصل فله
البصاق عن اليمين لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما أمكن(٣).
قوله: ((فإن عن يمينه ملكا)) وعلل النهي بذلك، قال صاحب المفهم يقال
على هذا إن صح هذا التعليل لزم عليه أن لا يبصق عن يساره، فإن عليه أيضا
ملكًا بدليل قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾(٤) قال: والجواب
(١) شرح الصحيح (٦٩/٢).
(٢) الكواكب الدراري (١١٩/٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (٣٩/٥).
(٤) سورة ق، الآية: ١٧.
٣٧
كتاب الصلاة
بعد تسليم أن على شماله ملكا أن ملك اليمين أعلى وأفضل فاحترم ما لم
يحترم به غيره(١).
تنبيه: فإن قلت: عن اليسار أيضا ملك إذ كل إنسان يلزمه ملكان [٢١٧/أ]
كاتب الحسنات على اليمين وكاتب السيئات على الشمال، قال الله تعالى:
﴿إِذْ يَتَلَقَى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾﴾(٢).
قلت: عند الصلاة التي هي أم الحسنات البدنية لا دخل لكاتب السيئات
فليس عند المصلي إلا ملك اليمين أو يقال: المراد بهذا الملك غير الكرام
الكاتبين(٣) والله أعلم.
فائدة: ينبغي أن يستثنى من كراهة البصاق عن اليمين إذا كان في مسجد
النبي ◌َّ مستقبل القبلة فإن بصاقه عن يمينه أولى لأن النبي وقّ﴾ عن يساره،
وفي الأثر كما روى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت عن معاذ بن جبل قال:
ما بزقت عن يميني منذ أسلمت (٤).
٤٣٨- وَعَنِ جَابر بن عبد الله زَّو ◌َّهُ قَالَ: «أَتَّانَا رَسُول الله وَِّ فِي مَسْجِدنَا
وَفِي يَده عرجون فَرَأَى فِي قَبْلَة الْمَسْجِد نخامة فَأقبل عَلَيْهَا فحتها بالعرجون
ثُمَّ قَالَ أَتَّكُم يحب أَن يعرض الله عَنْهُ إِن أحدكُمْ إِذا قَامَ يُصَلِّي فَإِنِ الله تَعَالَى
(١) المفهم (٩٢/٥).
(٢) سورة ق، الآية: ١٧.
(٣) الكواكب الدراري (٤ / ٧٤).
(٤) النجم الوهاج (٢/ ٢٤١)، ومغنى المحتاج (١ / ٤٢٣).
٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قبل وجهه فَلا یبصقن قبل وجهه وَلا عَن یمِینه ولیبصق عن يساره تحت رجله
الْيُسْرَى فَإِن عجلت بِهِ بادرة فليتفل بِثَوْبِهِ هَكَذَا وَوَضعه على فِهِ ثمَّ دلكه))
الحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَغَيرِه (١).
قوله: ((عن جابر بن عبد الله))، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: ((أنانا رسول الله وَوير في مسجدنا وفي يده عرجون))، تقدم الكلام على
العرجون وعلى النخامة وعلى بقية ألفاظ الحديث.
قوله: ((وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى))، الحديث، وقد ورد في
حديث آخر: الإذن في البصاق خلفه، رواه النسائي، وفي حديث جابر ما يثبت
أن الترخص في البصاق في المسجد ما هو إذا كان فراش المسجد حصرًا
وترابًا أو رملًا دون ما كان رخامًا أو بلاطًا أو بساطًا أو حصيرًا، وقد حكاه
صاحب المفهم عن بعضهم فقال: وقد سمعت من بعض مشايخنا أن ذلك
إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل كما كانت مساجدهم
في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بسط أو ما له من الحصر مما يفسده
البصاق ويقذره فلا يجوز احترامًا للملائكة، قال في شرح الأحكام: قلت:
وقد ورد دلكها بالتفل عوضًا عن الدفن فيما رواه مسلم من حديث عبد الله
أبن الشخير(٢).
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٨) م، وأبو داود (٤٨٥)، وابن حبان (٢٢٦٥). وصححه الألباني في
صحيح أبي داود (٥٠٠)، وصحيح الترغيب (٢٨٣).
(٢) طرح التثريب (٣٨٤/٢).
٣٩
كتاب الصلاة
وقال بعض العلماء: الأمر بالبصاق عن يساره وتحت قدمه هو فيما إذا
كان في غير المسجد، فأما إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه (١).
قوله: ((فإن عجلت به بادرة)) بالدال المهملة أي غلبته بصقة أو نخامة
بدرت منه فلم يقدر على حبسها فلیقل بثوبه هكذا ووضعه علی فیه ودلکه.
٤٣٩ - وَعَنِ حُذَيْفَةِ رَّ لَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ وَله من تفل تجاه الْقَبْلَة جَاءَ يَوْم
الْقِيَامَة وتفلته بَيْن عَيْنَيَّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ حِبَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا(٢)
وَرَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي أُمَامَة وَلَفظه قَالَ من بَصق فِي قَبْلَة وَلم
يوارها جَاءَت يَوْم الْقِيَامَة أحمى مَا تكون حَتَّى تقع بَيْن عَيْنَّهِ(٣)
تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّةِ فَوق أَي بَصق بوزنه وَمَعْنَاهُ.
قوله: عن حذيفة، هو حذيفة بن اليمان، أسلم حذيفة وأبوه وهاجرا إلى
رسول الله وَّةٍ وشهدا بدرًا وأحدًا مع رسول الله وقتل أبوه يومئذ قتله
المسلمون خطأ فوهب حذيفة لهم دمه، وأسلمت أم حذيفة وهاجرت، وكان
حذيفة صاحب سر رسول الله وَ﴾ في المنافقين يعلمهم وحده، وكان حذيفة
كثير السؤال لرسول الله و الله عن أحاديث الفتن والشر ليجتنبها، وكانت وفاته
(١) بستان العارفين (ص ٣٧٦)، وشرح النووي على مسلم (٣٩/٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٢٤)، وابن خزيمة (٩٢٥) و(١٣١٤) و(١٦٦٣)، وابن حبان
(١٦٣٩). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٢٢)، صحيح الترغيب (٢٨٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٤٥/٨ رقم ٧٩٦٠). وقال الهيثمي في المجمع (١٩/٢):
رواه الطبراني في الكبير وفيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف جدًّا. وضعفه الألباني جدا في
ضعيف الترغيب (١٨٩).
٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعد قتل عثمان بأربعين ليلة، وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: أخبرني
رسول الله وَّ عما كان إلى أن تقوم الساعة، وفي صحيح مسلم أيضًا عنه
قال: والله إني أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وقال
حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله وَّل عن الخير وكنت أسأله عن الشر
مخافة أن يدركني، وتقدم الكلام أيضًا على مناقبه(١).
قوله مَّة: ((من تفل تجاه القبلة)) الحديث، تفل بالتاء المثناة من فوق وفتح
اللام [٢١٧/ ب] وتقدم معناه، قاله المنذري. والتفل نفخ معه أدنى بصاق
وهو أكثر من النفث، قاله ابن الأثير(٢).
قوله: ورواه الطبراني ولفظه: ((من بصق في قبلة ولم يوارها)) الحديث،
بصق بالصاد المهملة والسين، وتقدم أن فيها ثلاث لغات وأنكر ابن قتيبة
بسق، وقال: قد أول بسق طال وارتفع، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ
بَاسِقَتٍ﴾(٣) أي طويلات مرتفعات، قال الصيدلاني: وتجري اللغات في كل
كلمة فيها صاد وقاف نحو صقر وسقر وزفر وكذلك الملصوق (٤).
فرع: يجوز البصاق في سائر المدارس والربط لأن حرمتها ليست كحرمة
المسجد، ولهذا يجوز للجنب اللبث فيها كدار السكن، وينبغي تحريم
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٥٣/١ -١٥٥ الترجمة ١١٤).
(٢) النهاية (١ / ١٩٢).
(٣) سورة ق: الآية: ١٠.
(٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٦).