Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الطهارة
اليقين وهو الأقل ويأتي بما بقي ويسجد للسهو سجدتين للحديث الوارد
بذلك وسجود السهو سنة فإن تركه جاز ومحله قبل السلام وقال في موضع
آخر إن كان السهو زيادة فمحله بعد السلام والأول أصح (١) فمن أراد الزيادة
على ذلك فعليه بكتب الفقه هكذا هو عند الشافعية.
قوله: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) والمراد بغفران الذنوب ما تقدم من ذنبه
الصغائر دون الكبائر كما تقدم والمغفرة الستر والتغطية والاستغفار طلب
ذلك وغفرانك مصدر منصوب على المفعول أي هبنا ذلك وأعطنا قاله
القاضي عياض(٢).
قوله: رواه أبو داود أبو داود اسمه سليمان ويقال لأبي داود السجستاني
اتفق العلماء على الثناء على أبي داود ووصفه بالحفظ التام والعلم الوافر
والإتقان والورع والدين والفهم الثاقب في الحديث وغيره قال النووي:
وروينا عن إبراهيم الحربي قال لما صنف أبي داود هذا الكتاب يعني كتاب
السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لنبي الله داود الحديد وروينا عن عبد
الله بن محمد بن مخلد قال: كان أبو داود يفي بالمذاكرة مائة ألف حديث
ولما صنف كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأهل الحديث
كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه وأقر له أهل زمانه بالحفظ والتقدم فيه
(١) التنبيه (٣٧/١)، وروضة الطالبين (٣٠٧/١-٣٠٨)، وكفاية النبيه (٤٩٥/٣-٤٩٦)،
وعمدة السالك (ص ٦٤).
(٢) مشارق الأنوار (١٣٨/٢).

٥٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وروينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي قال: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي
ونحن نسمع منه كتاب السنن لأبي داود وأشار إلى النسخة وهي بين يديه
يقول: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف ثم هذا الكتاب لم
يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة وهذا كما قال، وروينا عن الحسن بن
محمد بن إبراهيم الواراني قال: رأيت النبي ◌ُّ في المنام وقال من أراد أن
يستمسك بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود ومناقب أبي داود وكتبه كثيرة
مشهورة وفيما ذكر كفاية وقال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت
عن رسول الله خمسمائة ألف حديث فانتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن
جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وذكرت الصحيح وما يشبهه وما
يقاربه، ولد أبو داود قدس الله سرة سنة ثنتين ومائتين وتوفي بالبصرة لأربع
عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين(١) وتقدم الكلام أيضا
علی بعض مناقبه.
٣٥٦- وَعَن حمْرَان مولى عُثْمَان بن عَقَّن رَّوَ أَنْه رأى عُثْمَان بن عَفَّان
رَ دَعَا بِوُضُوء فأفرغ على يَدَيْهِ من إنائه فغسلهما ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أَدخل
يَمِينه فِي الْوُضُوء ثمَّ تمضمض واستنشق واستنثر ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَدیه
إِلَى الْمُرْفقين ثَلَاثًا ثُمَّ مسح بِرَأْسِهِ ثمَّ غسل رجَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْت رَسُول
الله وَّهِ يَتَوَضَّأْ نَحْو وضوئي هَذَا ثُمَّ قَالَ من تَوَضَّأْ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ صلى
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٢٤/٢ -٢٢٧ ترجمة ٧٧٧).

٥٢٣
كتاب الطهارة
رَكْعَتَيْنِ لا يحدث فيهمَا نَفسه غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه» رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم
وَغَيرِهِمَا(١).
قوله: وعن حمران مولى عثمان بن عفان، هو حمران بن أبان مولى عثمان
من سبي عين التمر اشتراه عثمان وأعتقه ونفاه إلى البصرة أو الكوفة وسبب
نفيه ما روی رشدین بن سعد عن يحيى بن بكير قال حدثني الليث بن سعد
أن عثمان بن عفان اشتكى شكاية خاف فيها فأوصى، واستخلف عبد
الرحمن بن عوف، وكان عبد الرحمن في الحج، وكان الذي ولي كتابه
ووصيته حمران مولى عثمان، فأمره أن لا يخبر بذلك أحدا فعوفي عثمان من
مرضه، وقدم عبد الرحمن بن عوف، فلقيه حمران، فسأله عن حال عثمان،
فأخبره بالذي [١٨٨ / أ] أصابه من المرض، وأسر إليه الذي كان من
استخلافه إياه، فَقَالَ عبد الرحمن لحمران: ماذا صنعت؟ مالي بد من أن
أخبره. فَقَالَ حمران: إذا والله تهلكني. فَقَالَ: والله ما يسعني ترك ذلك لئلا
يأمنك على مثلها، ولكن لا أفعل حتى أستأمنه لك.
فَقَالَ عبد الرحمن لعثمان: إن لبعض أهلك ذنبا ليس عليك إثم في العفو
عنه، ولست مخبرك حتى تؤمنه. فقال عثمان: قد فعلت. فأخبره بالذي أسر
إليه حمران، فدعا حمران فَقَالَ: إن شئت جلدتك مائة، وإن شئت فاخرج
عني. فاختار الخروج فخرج إلى الكوفة فلما قدم ((الحجاج)) ((البصرة)) آذاه
(١) أخرجه البخارى (١٥٩) و(١٦٤) و(١٩٣٤)، ومسلم (٣ و٤ - ٢٢٦)، وأبو داود
(١٠٦)، والنسائى في المجتبى ١/ ٢٨٤ (٨٧) و٢٨٥/١(٨٨) و٣١٥/١(١٢١).

٥٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأخذ منه مائة ألف درهم. فكتب إلى ((عبد الملك بن مروان)) يشكوه، فكتب
((عبد الملك)) إلى ((الحجاج)): إن ((حمران)) أخو من مضى، وعمّ من بقي،
فأحسن مجاورته، ورد عليه ماله، وأحسن مجاورته وقد أدرك ابا بكر وعمر
فدعا بحمران فقال: كم أغرمناك قال مائة ألف فبعث بها إليه مع غلمان وقال
هي لك مع الغلمان العشرة فقسمها حمران على أصحابه وأعتق الغلمان(١).
مات حمران بعد سنة خمس وسبعين روى له الجماعة وهو تابعي ثقة
والله أعلم وتقدم الكلام عليه مبسوطًا.
قوله: إنه رأى عثمان بن عفان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه
فغسلهما ثلاث مرات ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق
واستنثر، الحديث، هذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء (٢).
قوله: دعا بوضوء، الوضوء بفتح الواو الماء الذي يتوضأ به وبضم الواو
هو الفعل (٣) وتقدم ذلك مرات ففي هذا الحديث الاستعانة بطلب الماء
وإفراغ الماء على اليد قبل غمسها ثم إدخالها فيه ولم يذكر نية الاغتراف
وسيأتي الكلام على ذلك، والاستعانة في الوضوء قال الأصحاب: هي على
ثلاثة أقسام:
أن يستعين في إحضار الماء من البئر والبيت ونحوهما وتقديمه إليه وهذا
(١) تاريخ دمشق (١٧٢/١٥ و١٧٧ و١٧٨ - ١٧٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٠٦/٣).
(٣) العدة (٨٥/١).

٥٢٥
كتاب الطهارة
جائز ولا يقال خلاف الأولى.
والثاني: أن يستعين بمن يغسل الأعضاء فهذا مكروه كراهة تنزيه إلا أن
یکون معذورا بمرض أو غيره.
والثالث: أن يستعين بمن يصب عليه فإن كان لعذر فلا بأس به وإلا فهو
خلاف الأولى.
وهل يسمى مكروها فيه وجهان أصحهما ليس بمكروه لأنه لم يثبت فيه
نهي، وأما استعانة النبي وَله بأسامة والمغيرة بن شعبة في غزوة تبوك وبالربيع
بنت معوذ فلبيان الجواز ويكون أفضل في حقه حينئذ لأنه مأمور بالبيان وأنه
لا كراهة في المناولة وكذا الصب عليه على الأصح بخلاف الاستعانة في
غسل الأعضاء مع القدرة فإنه يكره جزما(١).
وفي ابن ماجه ((كان رسول الله يوليو لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته
التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه))(٢).
قوله: فأفرغ على يديه، أي فأفرغ عليهما من الإناء ففيه دليل على
استحباب غسل اليدين ثلاثا قبل الوضوء وإنه إن شك في طهارتهما كره
غمسهما في الإناء قبل غسلهما ثلاثا، فإن غسلهما دون الثلاث لم تزل
(١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٦٨/٣-١٦٩) والمجموع (٣٣٨/١ -٣٣٩)، والنجم
الوهاج (٣٥٤/١-٣٥٥)
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٢) عن صفوان ابن عسال. وقال الألباني: ضعيف جدا، الضعيفة
(٤٢٥٠).

٥٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الكراهة المستفادة من مخالفة الأمر وتزول الكراهة من جهة الشك في
النجاسة فإن النجاسة المشكوك فيها تزول بالغسل مرة أو مرتين وإن تحقق
طهارة يده لم يكره غمسهما في الإناء قبل غسلهما وإذا لم يمكنه عند الشك
في طهارة يده الإفراغ عليهما من الإناء استعان بمن يصب عليه فإن لم يجد
أخذ بفمه أو بطرف منديله وصبه عليه(١).
قوله: فغسلهما ثلاث مرات، فيه دليل على أن السنة غسلهما [١٨٨/ ب]
قبل الوضوء سواء تحقق طهارتهما قبل الغسل أم لا(٢).
قوله: ثم أدخل يمينه في الوضوء، فيه دليل على استحباب أخذ الماء بيمينه
في الوضوء والغسل(٣) وقد كان النبي ◌ّله يحب التيمن في وضوءه في شأنه
كله(٤) الحديث. وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا.
قوله: ثم تمضمض واستنشق واستنثر، تقدم الكلام على ذلك أيضا مبسوطا.
قوله: ثم غسل وجهه ثلاثا، فيه دليل على جواز الاغتراف للوجه بيد
واحدة وهو أرفق في استعمال الماء فلو اغترف بیدیه جمیعا لوجهه کان أيسر
(١) المجموع (٣٤/١/-٣٤٩) وروضة الطالبين (٥٨/١)، وكفاية النبيه (٢٨٠/١-٢٨١)،
والنجم الوهاج (٣٤٤/١-٣٤٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٠٥/٣)، والروضة (٦٠/١)، وشرح الإلمام (٥٨٨/٣-
٥٨٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦٠/٣).
(٤) أخرجه البخاری (١٦٨) و(٤٢٦) و(٥٣٨٠) و(٥٨٥٤) و(٥٩٢٦)، ومسلم (٦٦ و٦٧ -
٢٦٨) عن عائشة.

٥٢٧
كتاب الطهارة
لأن الوجه يغسل باليدين جميعاً (١).
قوله: ويديه إلى المرفقين ثلاثا، وفي رواية ثم أدخل يديه مرتين إلى المرفقين
المعنى أدخل يديه فاغترف فغسلهما مرتين خارج الإناء على المرفقين أي مع
المرفقین، وفيه دليل على أن نية الاغتراف لا تجب فيه غسل الوجه فإن غسل الید
عن الحدث إنما يصح بعد غسل الوجه مراعاة لترتيب اليد مع الوجه (٢).
فائدة: واعلم أن نية الاغتراف تكون صارفة للنية لا قاطعة لها ويدخل
وقتها بالغسلة الأولى من الوجه فإذا وضع يده في الماء بعد الغسلة الأولى من
الوجه فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يضعها بنية رفع الحدث عن اليد فما غسله من اليد في الماء
يرتفع حدثه ويصير الماء مستعملا بالنسبة إلى الباقي.
الثاني: أن يطلق فيصير مستعملا أيضا لأنه إذا وضع اليد في الماء يرتفع
حدثها عن الباقي.
الثالث: أن يضعها بنية أن يغترف للغسلة الثانية أو الثالثة من الوجه فلا
يصير مستعملا لأجل صرف الغسل إلى الوجه، وكذلك إذا وضعها بعد
غسل الوجه ثلاثا ونوى الاغتراف ليغسل اليد خارج الإناء لا يصير مستعملًا
لأن اليد حينئذ تصير كالآلة التي ينقل بها الماء (٣).
(١) شرح النووي على مسلم (١٢٢/٣)، وشرح الإلمام (٥٨٩/٣)
(٢) انظر: المجموع (١٦٣/١ -١٦٤).
(٣) انظر الوسيط (١٢٧/١-١٢٨)، وشرح مشكل الوسيط (٢٩/١-٣٠)، وشرح الإلمام
(٥٩٤/٣)، والنجم الوهاج (٢٣٦/١).

٥٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والجنب تكون نية اغترافه بعد النية لعدم الترتيب (١) وفيه دليل على أن
الثلاثة سنة في الوضوء وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة
وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين وبعضها مرة لحديث
حمران فيه غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا ومسح الرأس مرة واحدة وفي حديث
عبد الله بن زيد أنه غسل بعض الأعضاء مرتين ولا خلاف أن الأولى هو
غسل الأعضاء ثلاثا ثلاثا أكمل وأفضل (٢).
قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاثة هي الأكمل
والواحدة تجزئ(٣) واختلف العلماء في مسح الرأس فهل السنة أن يمسحه
ثلاثة أو واحدة؟
قال ابن عبد البر: وجمهورهم يقول بمسح الرأس مسحة واحدة وإليه ذهب
أبو حنيفة ومالك وأحمد والأكثرون إلى أن السنة مرة واحدة كاملة لا يزيد
عليهم إلا الشافعي رحمه الله فإنه قال: من توضأ ثلاثا ثلاثا مسح رأسه ثلاثا
على ظاهر الأحاديث في أن رسول الله وَ ل و توضأ ثلاثا ثلاثا وفي بعض الروايات
اثنان عن عثمان في صفة وضوء النبي ◌َّة، ثم مسح ثلاثا وأكثرها على مرة
واحدة(٤)، قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه. [١٨٩ / أ] وَله
(١) روضة الطالبين (٩/١)، والنجم الوهاج (٢٣٦/١).
(٢) التنبيه (١٦/١)، والمهذب (٤٢/١)، وشرح النووي على مسلم (٢٣٠/٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٣٠/٣).
(٤) الاستذكار (١٢٩/١).

٥٢٩
كتاب الطهارة
مسح مرة(١) انتهى.
وأجمع العلماء على وجوب مسح الرأس واختلفوا في قدر الواجب فيه
فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم ولو شعرة
واحدة وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب استيعاب الرأس وقال أبو
حنيفة في رواية الواجب ربعه (٢) قال ابن عبد البر كان مالك يقول في مسح الرأس
يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بيديه إلى مؤخره ثم يردهما إلى مقدمه على حديث
عبد الله بن زيد، قال: وهو أبلغ ما سمعت في مسح الرأس وهو قول الشافعي (٣).
وقال في الغاية: والأظهر أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ومدهما
إلى قفاه على وجه يستوعب جميع رأسه ثم يمسح أذنيه بأصبعيه(٤) والسنة
أن يمسح أذنيه بماء الرأس عند أبي حنيفة وأصحابه خلافا للشافعي(٥) لما في
رواية أبي داود عن المقدام بن معد كرب أن النبي ◌ّ مسح أذنيه ظاهرهما
وباطنهما وأدخل أصابعه في صماخها(٦).
(١) سنن البيهقى الكبرى (١٠٣/١).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٠٧).
(٣) الاستذكار (١٢٩/١).
(٤) انظر: تبيين كنز الحقائق (٥/١)، ودرر الحكام (١١/١)، والبحر الرائق (١ / ٢٧).
(٥) تحفة الفقهاء (١٤/١)، وبدائع الصنائع (٢٣/١)، والهداية (١٦/١).
(٦) أخره ابن ماجه (٤٤٢)، وأبو داود (١٢١) و(١٢٢) و(١٢٣)، والطبراني في الكبير
(٢٧٦/٢٠-٢٧٧ رقم ٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦) والشاميين (١٠٧٦ و١٠٧٧). وصححه
الألباني في صحيح أبى داود (١١٢ و١١٣ و١١٤).

٥٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: روى الدار قطني وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله
وَاليه: إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحد أصبعيه في أذنيه إلا
سمع خرير ذلك النهر، قالت: فقلت يا رسول الله فكيف ذلك؟ قال: أدخلي
أصبعيك في أذنيك وسدي، فالذي تسمعيه فيهما فمن خرير الكوثر(١)، وهذا
النهر خاص بالنبي ◌َ ◌ّ يتشعب منه جميع أنهار الجنة(٢)، انتهى.
قوله: في حديث عثمان رأيت رسول الله و لم يتوضأ نحو وضوئي هذا ثم
قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ولم يقل مثل وضوئي، وهل بين النحو
والمثل فرق؟
والجواب: إنما قال وَ﴾ نحو وضوئي هذا ولم يقل مثل وضوئي لوجوه:
الأول: أنه وَ له رتب حصول ذلك الثواب على الإتيان بوضوء يقارب.
وضوءه لأن النحو يطلق على ما قارب الشيء في غالب وجوه الشبه وإن
خالفه في أدنى مخالفة ولم يشرط في الحصول الإتيان بذلك الحصول ليتسع
ذلك على الأمة، والتوسعة عليهم في أبواب الفضل ويقرب منه قوله وَالآ.
((سددوا وقاربوا)) أي إنكم لم تستطيعوا الإتيان بما أمرتم به فقاربوا الإتيان
بمثله والذي يقرب من الشيء نحوه (٣) كما تقدم.
(١) أخرجه ابن جرير في التفسير (٢٤ / ٦٨١) موقوفًا. وقال السهيلى في الروض (٤٠٨/٣):
وراوه الدارقطني من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة. وقال
الألباني: منكر الضعيفة (٦٩٨٥).
(٢) العين (٣٤٨/٥) للفراهيدى.
(٣) شرح الإلمام (٣ /٥٠٦).

٥٣١
كتاب الطهارة
الثاني: إنه وَّ إنما قال نحو وضوئي هذا ولم يقل مثل وضوئي هذا لأن
أحدا من الأمة لا يستطيع أن يأتي بمثل العبادة التي أتى بها النبي وَّر في
صفاتها الكاملة من الإخلاص وحضور القلب والخشوع والمراقبة وحسن
الأداء والإشارة إلى ذلك لقوله وَير: ((أنا أتقاكم الله وأشدكم له خشية)) وقد
قيل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةَ لَّكَ﴾(١) إنما قال ذلك لأن
عبادته وَّة مقطوع بقبولها وقيل إن فرائضه لا تكمل من نوافله لكمالها وعدم
نقصها بخلاف الأمة فإن النوافل تجبر ما يقع في فرائضها من الخلل (٢).
الثالث: لابد في حصول ذلك من مراعاة النحو فيأتي بوضوء يقارب ذلك
الفعل [١٨٩/ ب] ولا يأتي به بعيدا عنه لأن مدلول النحو القصد ونحا إذا
قصد ونحا نحوه إذا قصد قصده (٣).
الرابع: إنما قال * نحو وضوئي ولم يقل مثل وضوئي، لأن المثل شرطه
أن يكون مساويا في سائر وجوه الشبه وفي التعبير بالنحو توسعة للمكلفين لأن
أفعال المكلفين مغيرة كتغاير الدواب فالمثلية فيها لا تتحقق لقوله تعالى:
﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَنِكُمْ﴾(٤) ومن جملة آيات الله تعالى اختلاف
(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٠٨/٣)، ورياض الأفهام (١٤٢/١)، وغاية السول
(ص ٨٧)، وإمتاع الأسماع (١٣ / ٢٥) وشبل الهدى والرشاد (٤٠٣/١٠).
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٨٥)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١ / ٣٤٧).
(٤) سورة الروم، الآية: ٢٢.

٥٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أفعالنا أيضا، حق إن الشخص الواحد لا يماثل فعله اليوم فعله بالأمس وقال
شيخ الإسلام القشيري: إن لفظة نحو لا تقتضي المساواة من كل وجه
بخلاف لفظة مثل(١) كما تقدم، وقال في حديث: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا
مثل ما يقول)) إن لفظة مثل لا تقتضي المساواة من كل وجه فإنه لا يريد
مماثلة في رفع الصوت وغيره(٢) انتھی.
وقال في كتاب الديباجة: والمراد بنحو وضوئي أن يكون عالما بأن
الوضوء يمحو الذنوب بشرط تقدم التوبة فإنها إذا تقدمت وجاء الوضوء
بعدها تمت فإن قيل التوبة وحدها مسقطة للذنوب فما فعل الوضوء؟
فالجواب: إن الوضوء متم كذلك لأنه نور على نور إذ به يعلم أن التوبة
الأولى مقبولة وعلى كل حال فالأمر مشكل انتهى.
وقال بعض العلماء: رتب المغفرة على ثلاثة شروط:
الأول: الإتيان بنحو وضوئه ومراعاة الكيفية المذكورة من تثليث الغسل
في الأعضاء والإتيان بغسل الكف والمضمضة والاستنشاق بأن نقص عن
ذلك أو ترك هذه السنن وأتى بواجبات الوضوء احتمل حصول الثواب
وحصول المغفرة لأن من أتى الواجب فقد أتى بنحو فعله فعلى هذا إذا
توضأ مرة مرة ثم صلى غفر له ويحتمل منع الوصول لتفريطه في السنة بترك
(١) النجم الوهاج (٢٠٤/١).
(٢) إحكام الأحكام (١/ ٨٥)، وشرح الإلمام (٥٠٦/٣)، والإعلام (٣٤٧/١)، والنجم
الوهاج (٢٠٤/١).

٥٣٣
كتاب الطهارة
الإتيان بكل ما فعله ولو زاد في الوضوء فغسل أربع مرات أو أسرف في الماء
من غير حاجة فالمتجه عدم الحصول لأنه زاد على النحو وغلا في الدين وعد
من المسرفين، وقد حكى الدارمي في الاستدراك قولا أنه لا يصح وضوءه
كمن زاد في الصلاة ركوعا أو سجودا أو تشهدا(١).
قوله گیڵ: «کل عمل لیس علیه أمرنا فهو رد)).
الثاني: قوله {مَّ﴾ ((ثم صلى ركعتين)) وفي رواية ((ثم قام فصلى ركعتين)) فيه
دليل على اشتراط الصلاة من قيام هذه الزيادة في مسلم أيضا فلو صلى من
قعود لم يحصل هذا الثواب المرتب لإخلاله بالقيام.
الثالث: أنه لو صلى ركعة واحدة لم يحصل له ذلك لأن الأجر إذا رتب
على درهمين لم يحصل على درهم ولو زاد على ركعتين فصلى أربع ركعات
أو ثلاثا فالظاهر الحصول لأنه قد أتى بالركعتين وزيادة(٢).
تنبيه: لم يبين في الحديث ماذا ينوي بالركعتين وقد قيل ينوي بهما سنة
الوضوء لحديث بلال السابق المخرج في الصحيح أنه متى توضأ صلى أي
ركعتين وقال: إنه أرجى عمل له قال. [١٩٠/ أ]
النووي في شرح مسلم: في هذا الحديث دليل على استحباب ركعتين
فأكثر عقيب الوضوء وهو سنة مؤكدة، قال: قال أصحابنا: ويفعل هذه
الصلوات في أوقات النهي وغيرها لأن لها سببا، واستدلوا بحديث بلال أنه
(١) المجموع (١ /٤٤٠).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٨٥/١ - ٨٦)، والعدة (٩١/١)، والإعلام (١/ ٣٥١).

٥٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كلما توضأ صلى ركعتين وقال: إنه أرجى عمل له، قال: ولو صلى فريضة أو
نافلة مقصودة حصلت هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بصلاة
ركعتين(١)، ولو توضأ وأحرم بأربع ركعات ثم ينتهي في ركعتين وحضر قلبه
في ركعتين ثم سلم، فظاهر الحديث حصول هذا الثواب لأنه صدق عليه أنه
صلى ركعتين لم يحدث فيهما نفسه، وهل يستحب في هاتين التطويل أم
الإسراع؟
المتجه استحباب الإسراع تعجيلا لحصول المغفرة ولأنه قد يموت قبل
إكمالهما إذا طولهما وروى أبو هريرة رَقُولَهُ أنه وَّه قال: ((إذا قام أحدكم من
الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) وقد ذكروا له معنيين أحدها الإسراع
والمبادرة إلى حل عقد الشيطان كما ورد في قوله {وَّله ((يعقد الشيطان على
قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد)) الحدیث وفي رواية ابن ماجه ((يعقد
الشيطان في حبل على قافية رأس أحدكم)) والحبل هنا مجاز ولطوله مناسبة
لقوله ◌َ﴾ (عليك ليل طويل)) قال بعض أشياخنا: المراد بقوله وَّ إذا هو نام
النوم عن صلاة العشاء لأن من صلى العشاء ثم نام لا يصبح خبيث النفس
وإنما يصبح خبيثا إذا ترك الواجب(٢).
والثاني: إذا قام من الليل وشرع في الصلاة فربما بقيت عنده بقايا نوم وشوائب
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٨/٣).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٦٦/٦)، والمدخل (١٩٧/٢)، وطرح التثريب
(٨٥/٣-٨٦).

٥٣٥
كتاب الطهارة
فإذا صلى ركعتين حصل له إدمان على الطاعة وإقبال على العبادة (١).
قال الحليمي: ولهذه الحكمة قدمت النوافل على الفرائض(٢) وعلى
المعنيين يستحب الإسراع في ركعتي الفجر والتطويل في صلاة الصبح
ويقرب من هذا المعنى الأول أقوال حكاها بعض العلماء في أن الإتيان
بكلمة الشهادة هل يستحب فيها المد بالإسراع قيل يستحب المد فيقول لا
إله إلا الله بالمد وقد ورد في الحديث ((من قال لا إله إلا الله مادا بها صوته))
وقال ◌َّ﴾ (يغفر للمؤذن مد صوته)) وفي رواية أحمد «مد صوته)) والمراد بمد
الصوت الموضع الذي ينتهي إليه صوته ومدى الشيء نهايته(٣).
والقول الثاني: إنه يستحب القصر مخافة أن يموت قبل إتمامها.
والثالث: إن كان كافرا يستحب له القصر لئلا يموت قبل إتمامها فيكون
کافرا وإن كان مسلما استحب له المد کالمؤذن(٤).
قوله وَيقول: ((ثم قام فصلى)) فيه دليل على اشتراط الصلاة [١٩٠ / ب] لكنه
معارض بما رواه الترمذي عن النبي ◌ّلو أن العبد إذا توضأ خرج نقيا من
الذنوب ورواه الإمام أحمد وزاد «فإذا صلی کانت صلاته نافلة)»(٥) وفيه دليل
(١) انظر: شرح النووي على مسلم (١٠/٦)، والمفاتيح (٢٥٨/٢)، والمفهم (٨/٧)، وفتح
البارى (٤٦/٣).
(٢) إحكام الأحكام (١/ ١٩٩).
(٣) شرح المشكاة (٩١١/٣).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١٠٩/١)، والعدة (٣٨٨/١)، والنفح الشذى (١٣٥/٤)،
ورياض الأفهام (٤٥/٢).
(٥) أخرجه مسلم (٣٢-٢٤٤)، والترمذى (٢) عن أبى هريرة. وأخرجه أحمد ٣٤٨/٤
==

٥٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على أنه لابد وأن يترك الوسوسة في أول صلاته وينبغي أن يأتي بالصلاة
عقيب الوضوء لتتصل الوسيلة بالتوسل إليه(١).
فإن قيل: لما قال رَّخير ((ثم قام فصلى)) فأتى بثم في الأول وبالفاء في الثاني
قلت لأن الصلاة لا تقع في موضع الوضوء ولا تفعل إلا في مكان آخر غالبا
فلابد من مهلة في الزمان يمكنه المشي فيها إلى موضع الصلاة المهيأ لها
فلذلك أتى بثم وإذا قام إلى الصلاة استحب التحرم عقيب القيام وترك
الوسوسة عند التكبير وهذا سر لطيف فاعرفه.
الرابع: قوله {وَير ((لا يحدث فيهما نفسه)) اعلم أن الغزالي رحمه الله قد
ذكر في كتاب الجواهر أن النفس والروح والعقل بمعنى، قال وهو السر
الرباني وللناس في هذا اختلاف كبير وترجيح فالذي يقرب أن الإنسان له
نفسان نفس حيوانية ونفس روحانية، فالنفس الحيوانية لا تفارقه إلا بالموت
والنفس الروحانية التي هي من أمر الله فبها يفهم ويعقل وهي التي يتوجه لها
الخطاب وهي التي تفارق الإنسان عند الموت وإليها الإشارة بقوله تعالى:
﴿اَللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾(٢) وأما النفس الحيوانية فلا تفارق
الإنسان بالنوم فلهذا يتحرك الإنسان ويتنفس وحرارة جسمه باقية وإذا مات
=
(١٩٠٦٤) و٣٤٩/٤ (١٩٠٦٥) و(١٩٠٦٨)، والنسائى في المجتبى ٢٠١/١ (١٠٧)
والكبرى (١٣١) عن الصنابحى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٨٥).
(١) شرح الإلمام (٦٠٨/٤-٦٠٩).
(٢) سورة الزمر، الآية: ٤٢.

٥٣٧
كتاب الطهارة
فارقه جميع ذلك(١)، وأما قوله وَّيّ: ((لا يحدث فيهما نفسه)) المراد النفس
الروحانية والمراد به لا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا وما لا يتعلق
بالصلاة ولو عرض له حديث ما فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عن ذلك
وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله لأن هذا ليس فعله وقد عفي لهذه الأمة
عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر قاله الماوردي (٢) والقاضي والنووي
فقالوا: حديث النفس في الحديث هو المجتلب والمكتسب وأما ما يقع في
الخواطر غالبا فليس هو المراد لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس
وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطوات الشيطان ونفيها عنه
ومجاهدته ومحافظته عليها حتى لم يشتغل عنها طرفة عين وسلم من
الشيطان باجتهاده وتفريغ قلبه وقال بعضهم هذا الذي يكون من غير قصد
يرجى أن تقبل معه الصلاة ويكون دون صلاة ومن لم يحدث نفسه بشيء
لأن النبي ◌َّه إنما ضمن الغفران لداعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من
حديث النفس(٣).
قوله وَّة: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)) قال النووي في شرح مسلم: الصغائر
من الذنوب فقد قال الأصحاب نظير ذلك في قوله وَخر في صوم عرفة
((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)) أنهم ذكروا أن
(١) الكليات (ص ٨٩٨) للكفوى.
(٢) كذا في الأصل والصواب المازرى.
(٣) المعلم (١/ ٣٥١)، وإكمال المعلم (١٩/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٠٩/٣).

٥٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المراد الصغائر (١) ونازعهم صاحب الذخائر وقال: ما قالوه يحتاج إلى دليل
وفضل الله أوسع. [١٩١ / أ] من ذلك(٢) وظاهر هذا يقتضي العموم في جميع
الذنوب لأن قوله ◌َ﴾: ((ما تقدم من ذنبه)) صيغة عموم ولكنه قد خصص
بقوله وَلة: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما
اجتنبت الكبائر)) وفي هذا الحديث وقفة وهو أن قوله وَالله: ((ما اجتنبت
الكبائر)) هل هو قيد في التكفير حتى ولو كان مصرا على الكبائر لم يغفر له
شيء من الصغائر أو هو قيد في التعميم أي تعميم المغفرة فعلى هذا تغفر
الصغائر وإن ارتكب الكبائر والأقرب الثاني وإلا لم يكن لذلك تأثير في
التكفير لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر بدليل قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ
كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾(٣) الآية (٤) وفي الآية: والحديث دليل على انقسام
الذنوب إلى صغائر وكبائر وقد خالف الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وقال:
ليس في الذنوب صغيرة والذنوب كلها كبائر نظرا إلى عظمة من يعصى وفي
الآية والحديث دليل على أن الكبائر متميزة عن الصغائر وحكي الشبلي في
التذكرة قولا أن الكبائر مبهمة في المعاصي كما أخفى الله ليلة القدر في
رمضان وساعة الإجابة في يوم الجمعة وفائدة إبهام الكبائر التحامي عن
(١) شرح النووى على مسلم (٥١/٨).
(٢) انظر: مغنى المحتاج (١٨٣/٢)، ونهاية المحتاج (٢٠٦/٣).
(٣) سورة النساء، الآية: ٣١.
(٤) المنثور في القواعد (٤٢٠/١).

٥٣٩
كتاب الطهارة
الوقوع في سائر المعاصي لأنه ما من معصية إلا ويجوز أن تكون من الكبائر
وهذا القول غير بعيد(١) واعلم أن من الأعمال ما يرفع الذنب السابق ولا
يرفع اللاحق ومنها ما يرفع الذنب السابق واللاحق ويسمى رافعا ودافعا فمن
صلى ركعتين بالصفة المذكورة غفر له ما تقدم من ذنبه فالركعتان رافعتان
للذنب وصوم يوم عرفة يكون رافعا لذنوب السنة الماضية ولذنوب السنة
المستقبلة حتى إذا فعل ذنبا لم تأخذه عليه الملائكة وصدقة الفطر طهرة
للصائم من لغوه ورفثه الواقع في رمضان كما جاء في الخبر وعندنا يجوز
تقدمهما من أول رمضان فهي حينئذ تكون دافعة لما يقع من الصائم من
اللغو والرفث وإن تأخرت كانت رافعة(٢) فمن صلى ركعتين لا يحدث فيهما
نفسه فقد قام بهذه الأوصاف فلذلك يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن
صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فقد دخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجِنَّةَ﴾(٣).
فائدة صوفية جليلة:
قوله وَلِلر: ((ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه)) إشارة إلى مقام
الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه وإذا كنت تراه اشتغلت بمناجاته
وغفلت عن نفسك وعما تحدث فيها من الفواحش الواردة من جهة النفس
(١) انظر: التفسير البسيط (٤٧٤/٦)، وشرح النووي على مسلم (٨٤/٢-٨٥).
(٢) المنثور (٤٣١/١).
(٣) سورة التوبة، الآية: ١١١.

٥٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والوساوس الواردة من جهة الشيطان فإن حصلت له غفلة وخطرت له
وساوس أو هواجس أضرب عنها واشتغل بالمناجاة وتدبر معاني القرآن فإذا
فعل ذلك ولم يشتغل بحديث نفسه ومطاوعتها غفر له ما تقدم هذا إن كان
عليه ذنب وإلا فقد روى الإمام أحمد في المسند أن الرجل إذا توضأ وأحسن
الوضوء خرج نقيا [١٩١/ ب] من الذنوب فإن صلى كانت صلاته نافلة فإن
اتصف بذلك كانت صلاته نافلة ورفع في الدرجات (١) فإن قيل أحد الخبرين
يدل على حصول المغفرة بالوضوء وحده والآخر يقتضي أن المغفرة لا
تحصل إلا بصلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه مع الوضوء، وطريق الجمع
بين الحديثين أنه يحتمل أنه وَّيه رتب المغفرة أولا على الوضوء وصلاة
ركعتين ثم رتبها ثانيا على الوضوء وحده فيكون في ذلك البشارة مرتين كما
في قوله {وَلة: ((صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة))
وفي الرواية الأخرى ((بسبع وعشرين)) قال ذلك ليبشرهم ثانيًا بالزيادة وكما
قال وَليله لأصحابه: ((ألا ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا
ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال ألا ترضون أن تكونوا نصف
أهل الجنة فكبرنا))(٢) بشرهم ◌َّ﴾ ثلاث مرات انتهى.
(١) انظر إكمال المعلم (١٨/٢)، وشرح النووي على مسلم (١٠٨/٣-١٠٩)، وإحكام
الأحكام (٨٦/١) وشرح الإلمام (٥٠٨/٣-٥٠٩)، والإعلام (١/ ٣٥٣).
(٢) أخرجه البخارى (٣١٣٢) و(٤٧٤١)، ومسلم (٣٧٩ و٣٨٠ -٢٢٢) عن أبى سعيد
الخدری.