Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب العلم
فَإِن الْمُؤمن لَا يُمَارِي ذَروا المراء فَإِن المماري قد تمت خسارته ذَروا المراء
فَكفى إِثْمًا أَن لَا تَزَال مماريا ذَروا المراء فَإِن المماري لا أشفع لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
ذَروا المراء فَأَنَا زعيم بِثَلَاثَة أَبْيَات فِي الْجَنَّة فِي رباضها ووسطها وأعلاها
لمن ترك المراء وَهُوَ صَادِقٍ ذَروا المراء فَإِن أول مَا نهاني عَنْهُ رَبِّي بعد عبَادَة
الْأَوْثَان المراء. الحَدِيثِ رَوَاهُ الطَّبْرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ(١) عن أبي الدرداء وأبي أمامة
ووائلة بن الأسقع وأنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبهم رضي الله عنهم.
قوله: قالوا: خرج علينا رسول الله 3 38 يوما ونحن نتمارى في شيء من أمر
الدين فغضب غضبا شديدًا لم يغضب مثله ثم انتهرنا فقال: ((مهلًا يا أمة
محمد)) الحديث، تقدم الكلام على المماراة في أول الباب وسيأتي الكلام
على الغضب في بابه، وتقدم الكلام على تفسير الآية، وسيأتي الكلام عليها
أيضًا مبسوطًا في الوضوء، والله أعلم. قوله ◌َّ: ((ذروا المراء فإن المماري قد
نمت خسارته)) الحديث، النماء الزيادة.
٢٣٢ - وَعَنِ معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َّ: ((أَنا زعيم بِبَيْت فِي
ربض الْجِنَّة وببيت فِي وسط الجنَّة وببيت فِي أَعلَى الْجَنَّة لمن ترك المراء
وَإِن كَانَ محقًا وَترك الْكَذِبِ وَإِن كَانَ مازحا وَحسن خلقه)). رَوَاهُ الْبَزَّار
(١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢٢٥/٢-٢٢٦)، والآجرى في الشريعة (١١١)،
والطبراني في الكبير (١٥٢/٨ رقم ٧٦٥٩). قال الهيثمي في المجمع ١٥٦/١ و٢٥٩/٧:
رواه الطبراني في الكبير، وفيه كثير بن مروان، وهو ضعيف جدًّا. وقال الألباني: موضوع
ضعيف الترغيب (١١٤).

١٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَالطََّرَانِيّ فِي معاجيمه الثَّلَاثَة وَفِيه سُوَيْد بن إِبْرَاهِيم أَبُو حَاتِم (١).
قوله: عن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على مناقبه. قوله ◌َايلات: ((أنا زعيم
ببيت في ربض الجنة)) تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله.
وقوله: ((لمن ترك الكذب وهو مازح)) الحديث، أشار بذلك إلى أن الكذب
قد يكون باطلا، وقد لا يكون كذلك وهو الكذب المضر فإنه باطل، وأما
الكذب النافع لإصلاح ذات البين وفي الحرب وعلى المرأة بشرطه، فإنه ليس
بباطل، فإن النبي وَّ وصفه بالصلاح فقال: ((ليس يصلح الكذب إلا في
ثلاث))(٢) الحديث، وقد يكون الكذب واجبًا وقد يكون مندوبًا وقد يكون
حرامًا وقد يكون مكروها، فقوله: ((وهو باطل)) جملة حالية، أي في حال كونه
باطلًا (٣)، ففي الصحيحين عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من
(١) أخرجه الدولابى في الكنى (١٥٨٣)، والطبراني في الأوسط (٢٨٤/٥-٢٨٥ رقم ٥٣٢٨)
والصغير (٧٤/٢ رقم ٨٠٥) والكبير (١١٠/٢٠ رقم ٢١٧). وقال الهيثمي في المجمع
١٥٧/١: رواه الطبراني في الثلاثة- ويأتي حديث ابن عباس في حسن الخلق- وإسناده
حسن - إن شاء الله -. وقال ٢٢/٨: رواه الطبراني في الثلاثة والبزار، وفي إسناد الطبراني
محمد بن الحصين، ولم أعرفه، والظاهر أنه التميمي وهو ثقة، وبقية رجاله ثقات. وحسنه
الألباني في صحيح الترغيب (١٣٩).
(٢) أخرجه الترمذى (١٩٣٩)، والطحاوى في مشكل الآثار (٢٩١٣)، والبيهقى في الشعب
(٤٣٥/١٣-٤٣٦ رقم ١٠٥٨٧) عن أسماء بنت يزيد. وقال الترمذى: هذا حديث حسن
غريب لا نعرفه من حديث أسماء، إلا من حديث ابن خثيم. وحسنه الألباني في الصحيحة
(٥٤٥).
(٣) المفاتيح (١٧٩/٥)، وكشف المناهج (٢٤٠/٤-٢٤١).

١٤٣
كتاب العلم
المهاجرات الأول: أن النبي وَل قال: ((ليس بكذاب من يصلح بين الناس
فيقول خيرا أو ينمي خيرًا» (١) ورخص في الكذب في ثلاث الكذب فى الحرب
وإصلاح ذات البين وكذب الرجل على امرأته.
تتمة: قوله وير في الحديث قبله وهو حديث أبي الدرداء: «ذروا المراء فأنا
زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها ووسطها وأعلاها)) وهو مذكور في
حديث معاذ هذا أيضًا، فجعل البيت العلوي جزءا لأعلى المقامات الثلاثة
وهو حسن الخلق، والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب، والأدنى لأدناها
وهو ترك المماراة وإن كان معه حق، ولا ريب أن حسن الخلق يشتمل على
هذا كله (٢)، وقد عد بعض العلماء المراء بالباطل مطلقا من الكبائر(٣)، وفيه
حدیث ضعيف.
قوله فى آخر الحديث وَفِيه سُوَيْد بن إِبْرَاهِيم أَبُو حَاتِم سويد بن إبراهيم
البصري العطار: ضعفه النسائي وغيره ووثقه ابن معين وغيره قال الحافظ
ولا بأس به في المتابعات.
٢٣٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌َّالََّ قَالَ: ((كُنَّ جُلُوسًا عِنْدِ بَاب رَسُول الله
وَّ نِتذاكر ينْزع هَذَا بِآيَةٍ وَيَنْزِعِ هَذَا بِآيَة فَخرج علينا رَسُول الله ◌َّلِ كَمَا يفقأْ فِي
وَجهه حب الرُّمَّان فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ بِهَذَا بعثتم أم بِهَذَا أمرْتُم ◌َا ترجعوا بعدِي كفَّارًا
(١) أخرجه البخارى (٢٦٩٢)، ومسلم (١٠١ - ٢٦٠٥).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٩٣).
(٣) تنبيه الغافلين (ص ٢٦٣). والحديث المشار إليه هو حديث الباب.

١٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يضْرب بَعْضِكُمْ رِقَاب بعض)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَفِيه ◌ُوَيْد أَيْضًا(١).
قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله: كنا جلوسا عند باب رسول الله وَل ونحن نتذاكر ينزع هذا بآية
وينزع هذا بآية فخرج علينا رسول الله وَي كأنما يفقأ في وجهه حب الرمان،
ومعنى فقئ في وجهه حب الرمان أنه وُّ﴾ احمر وجهه، وكان كثيرًا ما يتفق له
ذلك عند الغضب وَجلة، وكان ◌َّيل لا يغضب إلا لله تعالى، روى أبو الشيخ في
كتاب أخلاق النبي ◌َّ من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله وَ ل يعرف
رضاه وغضبه بوجهه كان إذا رضي فكأنما [ملاحك الجدر وجهه، وإذا
غضب خسف لونه واسود قال أبو بكر: سمعت أبا الحكم الليثي يقول:
هي](٣) المرآة توضع في الشمس فيرى ضوءها في الجدار(٣)، وفي الصحيحين
من حدیث کعب بن مالك: وهو یبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر استنار
وجهه كأنه قطعة قمر (٤).
(١) أخرجه البزار (٧٦/١٨ رقم ١١)، والطبراني في الأوسط (٢٢٥/٨ رقم ٨٤٧٠) والكبير
(٣٧/٦ رقم ٥٤٤٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا سويد أبو حاتم صاحب
الطعام وهو سويد بن إبراهيم روى عنه صفوان بن عيسى وجماعة ليس به بأس.
عبدالرحمن بن المبارك ثقة بصري. قال الهيثمي في المجمع ١٥٦/١ : رواه الطبراني في
الكبير والأوسط والبزار. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٠).
(٢) سقط من الأصل وأضفناه من أخلاق النبى.
(٣) أخلاق النبى (١٤٢). وضعفه العراقى في تخريج الإحياء (٨٥٢).
(٤) أخرجه البخارى (٤٤١٨) و(٣٥٥٦) و(٤٦٧٧)، ومسلم (٥٣ - ٢٧٦٩).

١٤٥
كتاب العلم
قوله وَة: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض))
الحديث، رجع هاهنا تستعمل استعمال صار معنى وعملًا، أي: لا تصيروا
بعدي كفارًا(١).
وقال المظهري في شرح [١٣٠/ ب] المصابيح (٢): يعني إذا فارقت الدنيا
فأثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ولا تحاربوا المسلمين
ولا تأخذوا أموالهم بالباطل، وقال محيي السنة (٣): لا تكن أفعالكم شبيهة
بأعمال الكفار في ضرب رقاب المسلمين، وقال القاضي عياض(٤): لا
ترجعوا بعدي كفارًا، فقال الطبري معناه: أي بعد فراقي من موقفي هذا،
وكان هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع، أو يكون بعدي أي خلافي أي لا
تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به أو لأنه يكون تحقق وَّل أن هذا لا
یکون في حیاته فنهاهم عنه بعد مماته.
تنبيه: وحجة الوداع: سميت بذلك لأن النبي وَلاّ ودع الناس فيها وعلمهم
في خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع إلى من غاب فقال وَاللّه:
(ليبلغ الشاهد منكم الغائب))(٥) انتهى، وقال ابن فارس: سألت موسى بن
هارون عن هذا، فقال: هؤلاء أهل الردة وقتلهم أبو بكر زَّلَهُ، وقيل: لا
(١) شواهد التوضيح (ص ١٩٧).
(٢) المفاتيح (٣٣٠/٣).
(٣) شرح السنة (٢١٩/٧).
(٤) إكمال المعلم (٢٢٥/١).
(٥) شرح النووي على مسلم (٥٦/٢).

١٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ترجعوا بعدي كفارًا فرقا مختلفين يقتل بعضكم بعضًا كفعل الكفار مضاهين
لهم متعادون، والمسلمون متآخون يحقن بعضهم دماء بعض، قاله صاحب
المغيث(١).
قوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض)) الرواية يضرب بعضكم برفع الباء
على الحال أي ضاربا بعضكم رقاب بعض، هذا هو الصواب، وكذا رواه
المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا، ونقل القاضي عياض (٢) أن
بعض العلماء ضبط بإسكان الباء على أنه بدل من ترجعوا أو جزاء الشرط
مقدر بعد النهي (٣)، أي: فإن ترجعوا كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض على
مذهب الكسائي، قاله في شرح مشارق الأنوار، قال القاضي عياض: (3) وهو
إحالة للمعنى والصواب الضم.
تنبيه: فإن قلت: ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة ولا شك أن ضرب
الرقبة الواحدة منهي عنها؛ قلت: البعض وإن كان مفردا لكنه يعني الجمع
كأنه قال: لا تضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع
أو ما في معناه تفيد التوزيع، أ.هـ، قاله الكرماني(٥).
(١) المجموع المغيث (٥٨/٣).
(٢) إكمال المعلم (١/ ٣٢٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢/ ٥٥) وعمدة القارى (١٨٧/٢).
(٤) إكمال المعلم (١/ ٣٢٤).
(٥) الكواكب الدرارى (١٣٩/٢)، وعمدة القارى (١٨٧/٢).

١٤٧
كتاب العلم
قال النووي، قدس الله روحه(١): قيل في معنى الحديث ستة أقوال وزاد
غيره سابعًا، أحدها: أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، ثانيها: أن المراد
كفر النعمة وحق الإسلام، ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤتي إليه، رابعها: أنه
فعل كفعل الكفار، خامسها، المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تفكروا بل دوموا
مسلمين، سادسها: حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون
بالسلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه إلا لبسه ؛ قال الأزهري في كتاب
تهذيب اللغة (٢): ويقال للابس السلاح كافر، سابعها: قاله الخطابي معناه(٣):
لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا، وأظهر الأقوال الرابع،
وهو اختيار القاضي عياض رحمه الله تعالى.
٢٣٤ - وَعَن [أبي أُمَامَةَ](٤) رَّ لَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَيَلِ مَا ضل قوم بعد
هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُّوا الجدل ثمَّ قَرَأَ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّ جَدَلاً﴾(٥) رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَغَيرِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ
حَدِيث حسن صَحِيح (٦).
(١) شرح النووي على مسلم (٥٥/٢) وعمدة القارى (١٨٧/٢).
(٢) تهذيب اللغة (١٠/ ١١٢).
(٣) غريب الحديث (٢٤٩/٢).
(٤) في الأصل عن أبى هريرة.
(٥) سورة الزخرف، الآية: ٨٥.
(٦) أخرجه الترمذى (٣٢٥٣)، وابن ماجه (٤٨)، وابن أبى الدنيا في الصمت (١٣٥ و١٣٦)،
والحاكم ٤٤٧/٢-٤٤٨. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح إنما نعرفه من
=

١٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله ويقر: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) الحديث،
الجدل مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به
في الحديث الجدل على الباطل وطلب المغالبة به لا لإظهار الحق، فإن ذلك
محمود لقوله تعالى [١٣١/أ] ﴿وَجَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾(١) قاله ابن
الأثير(٢)، وقال بعض العلماء: المراد بالجدل هاهنا المباحثة المفضية إلى
الشكوك في المعتقدات وإيغار الصدور، وفي شعب البيهقي عن معروف
الكرخي أنه قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل وأغلق عليه باب
الجدل، وإذا أراد بعبد شرًا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل(٣)،
انتهى؛ أما الجدال لإظهار الحق وإفحام أهل الباطل فغير ممنوع بل هو
٠
مطلوب، قال الله تعالى: ﴿وَجَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنَّ﴾
٢٣٥- وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن أَبْغض
الرِّجَال إِلَى الله الألد الخصم. رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(٤).
=
حديث حجاج بن دينار وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه: حزور. وصححه
الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤١).
(١) سورة النحل، الآية: ١٢٥.
(٢) النهاية (١/ ٢٤٧-٢٤٨).
(٣) شعب الإيمان (٢٩٦/٣ رقم ١٦٩٢).
(٤) أخرجه البخارى (٢٤٥٧) و(٤٥٢٣) و(٧١٨٨)، ومسلم (٥-٢٦٦٨)، والترمذى
(٢٩٧٦)، والنسائى في المجتبى ٣١٨/٨ (٥٤٦٧) والكبرى (٥٩٤٤) و(١٠٩٦٩).

١٤٩
كتاب العلم
الألد بتَشْديد الدَّال الْمُهْمِلَة هُوَ الشَّديد الْخُصُومَة الْخصم بِكَسْر الصَّاد
الْمُهْمِلَةِ هُوَ الَّذِي يحجّ من یخاصمه.
قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على فضائلها مبسوطًا.
قوله وَ له: ((إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم)) قال الحافظ
رحمه الله: الألد: بتشديد الدال المهملة هو الشديد الخصومة، انتهى، وقال
بعض العلماء: الألد من لديدي الوادي وهما جانباه لأنه كلما احتج عليه
بحجة أخذ في جانب آخر (١)، ومنه حديث علي زَّهُ: رأيت النبي وَّ في
النوم، فقلت: يا رسول الله ما لقيت بعدك من الأود واللدد، قاله في النهاية (٢)،
ومنه أيضًا حديث عثمان فأنا منهم بين ألسن لداد وقلوب شداد(٣)، وكانت
الجاهلية تتمادح بذلك، فذمه رسول الله وَو لأنه قل ما يكون في حق قال الله
تعالى: ﴿وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥](٤).
قوله: الخصم: هو بفتح الحاء ويكسر الصاد المهملة هو الذي يحج من
يخاصمه، انتهى، قاله الحافظ، ونقل الشيخ محيى الدين في أذكاره عن بعضهم
قال(٥): ما رأيت شيئًا أذهب للدين ولا أنكد للعيش ولا أضيع للذة ولا أنقص
(١) أعلام الحديث (١٢٢١/٢)، وإكمال المعلم (١٦٢/٨)، وشرح النووي على مسلم
(١٦ / ٢١٩).
(٢) النهاية (٤ /٢٤٤).
(٣) المصدر السابق.
(٤) إكمال المعلم (١٦٢/٨).
(٥) الأذكار (ص ٥٧١).

١٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
للمروءة من الخصومة، وقال بعض العلماء: أما الخصومة في الحق وطلبه على
وجهه والجدال بالتي هي أحسن فغير مذموم، فالمذموم هو الجدال بالباطل في
دفع حق أو إثبات باطل كما تقدم، قاله النووي في مسلم(١).
تنبيه: قال أبو العباس القرطبي (٢): هذا الخصم المبغوض عند الله تعالى
هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه
الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كخصومة أكثر المتكلمين
المعرضين عن الطريق التي أرشد الله إليها كتاب الله وسنة نبيه وَالله وسلف
أمته إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية،
ومدار أكثرها على مباحث سوفسطانية(٣) أو مناقشات لفظية لم تكن في
القرون الثلاثة، وإنما حدثت بعد المائتين في زمان المأمون، وكان من درج
من المسلمين من هذه الأمة في القرون الثلاثة متمسكين بالكتاب والسنة
معرضين عن شبه المحدثين لم ينظروا في الجواهر والعرض، انتهى.
٢٣٦ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ كفى
بك إِثْمًا أَن لَا تَزَال مخاصما. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيثٍ غَرِيب (٤).
(١) شرح النووي على مسلم (٢١٩/١٦) والكلام للقاضى عياض إكمال المعلم (١٦٢/٨).
(٢) المفهم (٤٩/٢٢).
(٣) في الحاشية أى مموهة وسوفسطا مأخوذ من سوف وهو الحكمة ومن أسطا وهو التلبيس
ومعناه الحكمة المموهة ومنه اشتقت السفسطة.
(٤) أخرجه الترمذى (١٩٩٤)، والطبراني في الكبير (٥٧/١١ رقم ١١٠٣٢)، والبيهقى في
الشعب (١٦/١١-١٧ رقم ٨٠٧٤ و٨٠٧٥). قال الترمذى: وهذا الحديث حديث
=

١٥١
كتاب العلم
٢٣٧ - وَعَنِ أبي هُرَيْرَة رََّ أَن رَسُول الله ◌ََّ قَالَ المراء فِي الْقُرْآن كفر
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه(١) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَغَيرِه من حَدِيث زيد
س
بن ثابت(٢) .
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وٍّّ: (المراء في القرآن كفر)) الحديث، المراء: الجدال والتماري،
والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة لأن
كل واحد منهما أى من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما
يمتري الحالب اللبن من الضرع(٣)، وسبب ذلك أن القرآن قد ظهر صدقه
وثبتت معجزته واستقر علمه، فإن نازع فيه منازع كان كافرًا(٤)، وعن ابن
عباس قال: قال رسول الله وَله: ((من جحد آية من القرآن فقد حل ضرب
عنقه، ومن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له [١٣١ / ب] وأن محمدًا عبده
=
غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٠٩٦)، وضعيف
الترغيب (١١٥).
(١) أخرجه أحمد ٢/ ٣٠٠ (٧٩٨٩) و٤٢٤/٢ (٩٤٧٩)، وأبو داود (٤٦٠٣)، والنسائى في
الكبرى (٨٠٣٩)، وابن حبان (١٤٦٤). وصححه الألباني في المشكاة (٢٣٦)، وصحيح
الترغيب (١٤٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٥٢/٥ رقم ٤٩١٦). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٧:
رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٤).
(٣) النهاية (٣٢٢/٤).
(٤) عارضة الأحوذي (٨ /١٦٠).

١٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ورسوله فلا سبيل عليه إلا أن يصيب حدًّا فيقام عليه))(١) انفرد به ابن ماجه،
وروي مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس، والله أعلم؛ قال أبو عبيد رحمه الله(٢).
ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل ولكنه على الاختلاف
في اللفظ، وهو أن يقرأ الرجل على حرف فيقول الآخر ليس هو هكذا ولكنه
على خلافه وكلاهما منزل مقروء بهما، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة
صاحبه لم يؤمن أن يكون ذلك يخرجه إلى الكفر لأنه نفى حرفا أنزله الله
تعالى على نبيه، والتنكير في المراء إيذانًا بأن شيئًا منه كفر فضلاً عما زاد
عليه، وقيل: إنما جاء هذا في الجدال والمارء في الآيات التي فيها ذكر القدر
ونحوه من المعاني على مذهب أهل الكلام وأصحاب الأهواء والآراء دون
ما تضمنته من الأحكام وأبواب الحلال والحرام، فإن ذلك قد جرى بين
الصحابة فمن بعدهم من العلماء، وذلك فيما يكون الغرض منه والباحث
عليه وظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز، والله أعلم.
وقال في شرح السنة (٣): قيل مع المراء الشك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِى
مِرْيَةٍ مِّنْةٌ﴾ (٤) أي: في شك، وقيل: هو الجدال المشكك، وذلك أنه إذا جادل
في القرآن أداه ذلك إلى أن يرتاب في الآي المتشابه منه ويؤديه ذلك إلى
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣٩). وقال الألباني: ضعيف، الضعيفة (١٤١٦).
(٢) غريب الحديث (٢٣٤/٢-٢٣٦)، والنهاية (٣٢٢/٤).
(٣) شرح السنة (٢٦١/١-٢٦٢).
(٤) سورة الكهف، الآية: ١٧.

١٥٣
كتاب العلم
app
الجحود فسماه كفرًا باسم ما يخشى من عاقبته إلا من عصمه الله تعالى،
وقيل: هو المراء في قراءته وهو أن ينكر الرجل بعض القراءات المروية التي
أنزلت على رسول الله وَله، فإذا أنكرها فقد كفر لأنه أنكر القرآن.
تنبيه: قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١): قال علماؤنا: متبعو المتشابه لا
يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام كما فعلته
الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن أو طلبا لاعتقاد المجسمة كما فعلته
المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية
تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح
معانيها أو كما فعل صبيغ.
القسم الأول (أي الزنادقة والقرامطة) لا شك في كفرهم، وأن حكم الله
تعالى فيهم القتل من غير استتابة.
الثاني الصحيح: القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام
والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا کما یفعل بمن ارتد.
الثالث: اختلف السلف في جواز ذلك بناء على الجواب في جواز تأويلها.
الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ کما فعله عمر زقڅ﴾ بصبیغ، أ.هـ.
فائدة: قال الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي(٢): يروى من حديث
ثوبان عن النبي وَّ قال: ((سيكون أقوام من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل
(١) تفسير القرطبى (١٣/٤- ١٤).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢٦١/١-٢٦٢).

١٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المسائل، أولئك شرار أمتي))(١)، قال الحسن: شرار عباد الله الذين يتبعون
شرار المسائل يغمون بها عبد الله (٢)، قال الأوزاعي: إن الله إذا أراد أن يحرم
العبد بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، ولقد رأيتهم أقل الناس علمًا(٣)،
وقال ابن وهب عن الإمام مالك: أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون هذا
الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل(٤)، قال ابن وهب: سمعت مالكا
يقول: المراء في العلم يقسي القلوب ويورث الضغن (٥)، أ.هـ.
تنبيه: من البدع الجدل في القرآن وتتبع المتشابه منه، وقد عد [١٣٢ / أ] العلماء
المراء في القرآن من الكبائر، واستدلوا عليه بحديث أبي هريرة المتقدم(٦).
٢٣٨ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِ وَ أَن عِيسَى ◌َّمْ قَالَ
إِنَّمَا الْأُمُورِ ثَلَاثَة أَمر تبين لَك رشده فَاتبعهُ وَأمر تبين غيهُ فاجتنبه وَأمر اخْتلف
فِيهِ فَرِده إِلَى عَالمِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِ لَا بَأْس ◌ِهِ(٧).
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٨/٢ رقم ١٤٣١)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ١٠٨ -
١٠٩). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٥: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يزيد بن ربيعة،
وهو متروك. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٣٧١٧).
(٢) أخلاق العلماء (ص ١١٠) للآجرى.
(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢٠٨٣).
(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢٠٦٢).
(٥) جامع بيان العلم وفضله (٨٨٧).
(٦) الكبائر للذهبى (ص٢٢٣)، وتنبيه الغافلين (ص ٢٦٣).
(٧) أخرجه أبو عبيد في الخطب والمواعظ (١٢٣)، وعبد بن حميد (٦٧٥)، وعبدالله بن أحمد
في زوائد الزهد (١٧٣٠)، والطبراني في الكبير (٢١٨/١٠ رقم ١٠٧٧٤)، وأبو الطاهر
=

١٥٥
كتاب العلم
قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله، قال أبو الفرج ابن
الجوزي (١): ولد عبد الله بن عباس في الشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث
سنين، وتوفي رسول الله وَله وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان رَ ◌ّهُ حبر الأمة
فسمي البحر لغزارة علمه، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى أن مات،
ودعا له رسول الله وَّ فقال: ((اللهم فقهه في العلم وعلمه التأويل))(٢).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: رأيت جبريل مرتين، ودعا لي رسول
الله وَّة بالحكمة مرتين(٣)، وقال طاووس: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا
لحرمات الله من ابن عباس (٤)، وكانت الدموع قد حفرت في خده أخدودًا من
كثرة البكاء، توفي زَّو ◌َلَهُ بالطائف سنة ثمان وستين وهو ابن إحدى وسبعين
سنة، والله أعلم.
قوله ◌َ: ((أن عيسى ابن مريم)) الحديث، رفع عيسى عليه الصلاة
=
المخلص (٣٠٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢١٨/٣-٢١٩). قال الهيثمي في المجمع
١٥٧/١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة
(٥٠٣٤) وضعيف الترغيب (١١٦).
(١) المنتظم (٦/ ٧٢ - ٧٥).
(٢) أخرجه أحمد ٢٦٦/١ (٢٣٩٧) و٣١٤/١ (٢٨٧٩) و٣٢٨/١ (٣٠٣٢) و٣٣٥/١
(٣١٠٢)، وابن حبان (٧٠٥٥) وصححه الألباني في المشكاة (٦١٤٨).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات متمم الصحابة (١٢٩/١)، وأحمد في الفضائل (١٩١١)
والطبراني في الكبير (٢٦٤/١٠ رقم ١٠٦١٥).
(٤) أخرجه أحمد في الفضائل (١٨٣٧) و(١٨٣٨)، والفسوى في التاريخ (١ /٥٤٢).

١٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والسلام وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (١)، وسيأتي الكلام عليه في مواضع من
هذا التطبيق.
قوله: ((إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه)) أي: استبان يعني تبين
وظهر، والرشد: الهدى، أي: استقامته، أي: ظاهره، كوجوب الصلاة
والصوم فاتبعه.
قوله: ((وأمر تبين لك غيه فاجتنبه)) والغي: ضد الرشد، وهو: الضلال،
والاجتناب: التباعد عن الشيء.
قوله: ((وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه)) أي: رده إلى كتاب الله وأعرضه
عليه ليتكشف لك حكمة الله تعالى بوجود عينه أو بوجود نظيره وشبهه،
انتهى، وقال بعض العلماء: [((وأمر اختلف فيه)) أي: اختلف فيه الناس من
تلقاء أنفسهم، من غير] أن يبين الله ورسوله حكمه كتعيين وقت القيامة
وحكم أطفال الكفار(٢)، فالأمور ثلاثة أنواع، أي: المتعلقة بأحكام الدين
ثلاثة، الأول: ما هو صواب ورشد ظاهر فاتبعه كالواجبات الخمس التي هي
أصول الدين، والثاني: ما هو ضلالة وغير ظاهر كبطلان دين الإسلام
فاجتنبه، والثالث: ما لا يكون للشارع حكم ظاهر فيه كالمتشابه فكل علمه
إلى الله تعالى كمتشابهات القرآن والعلم بوقت يوم قيام الساعة وأحوال
(١) الطبقات الكبرى (٤٤٣/٣ و٢٧٣/٧)، والعلل رواية عبد الله (١٠٩٨)، والدينورى في
المجالسة (٢٥٩٩) عن سعيد بن المسيب.
(٢) شرح المصابيح (١٨٦/١) لابن ملك.

١٥٧
كتاب العلم
أطفال الكفار (١). تلخيصه: ما علمت كونه ثابتًا بالنص فاعمل به وما علمت
كونه باطلا بالنص فلا تعمل به، وما لم يثبت حكمه بنفي ولا إثبات بالنص
فتوقف فيه وكِل علمه إلى الله تعالى ولا تقل فيه شيئًا (٢)، انتهى.
(١) المفاتيح (٢٩٢/١-٢٩٣).
(٢) شرح المشكاة للطيبى (٦٤٩/٢).

١٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كتاب الطَّهَارَة
التّرْهِيب من التخلي على طرق النَّاس أَو ظلهم أو مواردهم
وَالتَّرْغِيبِ فِي الانحراف عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقبْلَة واستدبارها
الكتاب في اللغة، مصدر، يقال: كتب يكتب كتبًا وكتابًا وكتابةً، وجمعه
كتب بضم التاء وإسكانها، وأصل الكتب: الضم، ومنه كتيبة الخيل
لاجتماعها وانضمامها، ثم أطلق الكتاب على المكتوب كذا بضم حروفه،
وفي اصطلاح الفقهاء: ما يجمع أمورًا من علم، ثم منهم من يعبر عنها تارة
بالأبواب وتارة بالفصول؛ والطهارة: بفتح الطاء تستعمل من حيث اللغة
بإزاء النظافة والتنقي من الأدناس الحسية كالأنجاس والمعنوية كالمآثم
يقال: ثوب طاهر ونفس طاهرة ؛ وأما الطهارة بالضم [١٣٢ / ب] فعند بعض
أهل اللغة: فضل ما تطهر به، وهي بالفتح في اصطلاح الفقهاء عبارة عن: رفع
الحدث وإزالة النجس، ويشبه أن يكون إطلاق الطهارة على ما لا يرفع حدثا
ولا يزيل خبثًا كالغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والأغسال المسنونة وطهارة
المتيمم والمستحاضة من مجاز السنة كما أطلق على التراب وضوءًا في قوله
وَ لخلقه: ((الصعيد وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج))(١)، واعلم أن
(١) أخرجه الطيالسى (٤٨٦)، وعبد الرزاق (٩١٢) و(٩١٣) وعنه أحمد ١٥٥/٥
(٢١٣٧١)، وابن أبى شيبة ١٤٤/١ (١٦٦١)، وأحمد ١٤٦/٥ (٢١٣٠٤) و(٢١٣٠٥)
==

١٥٩
كتاب الطهارة
قولهم إزالة النجاسة قد يوهم اعتبار تعاطيها منا، ومعلوم أنه ليس كذلك،
فإنه لو مر سيل على متنجس أو وقع ثوب في ماء كثير وزال به أثر النجاسة
طهر، فلو قيل وزوال النجس لانتفى التوهم المذكور(١)، انتهى، قاله ابن
الأبياني شارح التبريزي.
فائدة: قال أبو الفرج ابن الجوزي، قدس الله روحه (٢): اعلم أن الطهارة لها
أربع مراتب، الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات،
والثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والآثام، والثالثة: تطهير القلب من
الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة، والرابعة: تطهير السر عما سوى الله
تعالى، وهذا هو الغاية القصوى، انتهى.
تنبيه: وأما الباب: فهو ما يتوصل منه إلى الشيء، وجمعه: أبواب، قال
الزمخشري: وإنما بوب المصنفون في كل فن من كتبهم أبوابا موشحة
الصدور بالتراجم لأن القارئ إذا ختم بابًا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان
و١٨٠/٥ (٢١٥٦٨)، والبخارى في التاريخ الكبير (٣١٧/٦)، وأبو داود (٣٣٢ و٣٣٣)،
والترمذى (١٢٤)، والبزار (٣٩٧٣ و٣٩٧٤)، والنسائى في المجتبى ٤٥٧/١ (٣٢٦)
والكبرى (٣٠٧). وقال الترمذى: وهذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني صحيح
أبى داود (٣٥٨ و٣٥٩)، والمشكاة (٥٣٠)، والإرواء (١٥٣).
(١) انظر: المجموع شرح المهذب (٧٧/١)، ومنحة البارى (١٣٠/١)، والنجم الوهاج
(٢٢٢/١).
(٢) منهاج القاصدين (٨٥/١ - ٨٦).

١٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أنشط له وأهز لعطفه وأبعث على الدرس والتحصيل بخلاف ما لو استمر
على الكتاب طوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلًا وطوى فرسخًا
وانتهى إلى رأس بريد ونشط للمسير، ومن ثم كان القرآن سورًا، وجزأه
القراء أسباعًا وعشورًا وأخماسًا وأجزاءًا، انتهى، قاله الكمال الدميري(١).
(١) النجم الوهاج (١ / ٢٦٤).