Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١
كتاب العلم
فيه نزعتان، فأما إلى غلو ومجاوزة، وأما إلى تفريط وتقصير وهما آفتان لا
يخلص منهما في الاعتقاد، والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله
وَ له وترك أقوال الناس وآراءهم بما جاء به، وهذان المرضان الخطران قد
استوليا على أكثر بني آدم(١)، انتهى.
قوله: (ولا الجافي عنه)) الجافي: المتجانب عن العمل بأحكام القرآن
والجفاء البعد عن الشيء يقال: جفاه إذا بعد عنه وأجفاه إذا أبعده، ومنه
الحديث: ((اقرءوا القرآن ولا تجفوا عنه)) أي: تعاهده ولا تبتعدوا عن تلاوته،
والجفاء أيضًا ترك الصلة والبر، قاله في النهاية (٢).
قوله وَجية: ((وإكرام ذي السلطان المقسط)) أي: العادل.
لطيفة: قال ابن العماد في بعض مؤلفاته: وإنما خصت هذه الثلاث
المذكورة [١١٣/ ب] في الحديث لأنها راجعة إلى أوصاف الرب عز وجل،
فذو الشيبة حصل له كبر السن، والباري سبحانه وتعالى له الكبرياء، وحامل
القرآن كذلك لأن القرآن كلام الله وكلامه صفته فكأنه اتصف بشيء من
صفات الرب عز وجل ولبس بها حلة الكرامة، فوجب أن يعامل بالإجلال
والمهابة، وكذلك الإمام المقسط يعني السلطان العادل لما اتصف بالعدل
الذي ضد الجور، والعدل من صفاته عز وجل وجب أن يعامل بالإجلال
وبالسمع والطاعة والمبادرة إلى امتثال أمره ونهيه لأنه أمر بأمر الله تعالى.
(١) الروح (ص ٢٥٧).
(٢) النهاية (١/ ٢٨١).
٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى
اٌلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾(١)، قال العلماء: المراد بأولي الأمر: من أوجب الله تعالى
طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين
والفقهاء وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما قول من
قال: الصحابة خاصة فقد أخطأ (٢).
وهذه الآية فيها الحث على السمع والطاعة إذ بذلك تجتمع كلمة
المسلمين، فإن الخلاف يسبب فساد أحوالهم في دينهم ودنياهم (٢)، انتهى،
والله أعلم.
١٦٦ - وَعَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله وَلِّ قَالَ الْبُركَة مَعَ أكابركم. رَوَاهُ
الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرط مُسلم (٤).
قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَليلقي: ((البركة مع أكابركم)) وسيأتي أحاديث في الزهد، وفيها: ((خيركم
من طال عمره وحسن عمله)).
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢ /٢٢٥).
(٤) أخرجه البزار (١٩٥٧ / كشف الأستار)، وابن حبان (٥٥٩)، والطبراني في الأوسط
(١٣/٩ رقم ٨٩٩١)، والحاكم (٦٢/١). وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع
٨/ ١٥: رواه البزار والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: ((البركة مع أكابركم)). وصححه
الألباني في «الصحيحة» (١٧٧٨)، وصحيح الترغيب (٩٩).
٢٣
كتاب العلم
١٦٧ - وَعنْهُ عَنِ النَِّي ◌َِّ قَالَ لَيْسَ منا من لم يوقر الْكَبِير وَيُرْحَمِ الصَّغِير
وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وينه عَنِ الْمُنكر. رَوَاهُ أَحْمِد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان فِي
صَحِیحه(١).
قوله: وعنه أيضًا، تقدم.
قوله وَالحلقة: (ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير)) الحديث، وفي
حديث آخر رواه الترمذي في أبواب البر قال أنس بن مالك: جاء شيخ يريد
النبي وَّة، فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال النبي ◌َّ: (ليس منا من لم
يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)) وفي الترمذي أيضًا عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((ما أکرم شاب شیخا لسنه إلا قیش الله له من یکرمه عند سنه))
وفي رواية ((عند كبره)) وهو حديث غريب(٢)، قوله: ((قيض الله له)) معناه:
سبب وقدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ (٣) أي: سببنا، يقال: هذا
قيضٌ لهذا وقياس له، أي: مساوٍ له، قاله في النهاية (٤)؛ وقوله: ((ما أكرم شاب
شيخًا)) أطلق ولم يقيد بالإسلام ليكون عاما، وقوله ((صغيرنا)) لسوء أدبه.
قوله: ((ويوقر كبيرنا)) لشيبه وعجزه.
(١) أخرجه أحمد ٢٥٧/١ (٢٣٢٩)، والترمذى (١٩٢١)، وابن حبان (٤٥٨) و(٤٦٤)،
والطبراني (١١/ ٧٢ رقم ١١٠٨٣). قال الترمذى: هذا حديث غريب. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (٨٠) و(١٣٦٧) والضعيفة (٥٠٣٣).
(٢) أخرجه الترمذى (٢٠٢٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٠٤)، المشكاة (٤٩٧١).
(٣) سورة فصلت، الآية: ٣٥.
(٤) النهاية (٤/ ١٣٢).
٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله: ((فليس منا)) الحديث، معناه عند أهل العلم: أنه ليس ممن اهتدى
بهدينا واهتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا أي لا أنه أخرجه بين المؤمنين
كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، وهكذا القول في كل
الأحاديث الواردة بنحو هذا القول، والله أعلم، انتهى، قاله النووي في شرح
مسلم وغيره(١).
١٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي الله عَنْهُمَا يبلغ بِهِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ لَيْسَ
منا من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرَنَا رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على
شَرط مُسلم(٢).
١٦٩ - وَعَن عَبَادَة بن الصَّامِتِ أَن رَسُول الله وَّه قَالَ لَيْسَ من أمتِي من لم
يجل كَبِيرنَا وَيَرْحَمِ صَغِيرنَا وَيعرف لعالمنا. رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن
وَالطََّرَانِيّ وَالْحَاكِمِ إِلَّا أَنْه قَالَ: ((لَيْسَ منا)(٣).
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٩/١).
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٢/٢ (٧٠٧٣)، والبخارى في الأدب المفرد (٣٥٤)، وأبو داود
(٤٩٤٣)، والحاكم (٦٢/١). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(١٠٠).
(٣) أخرجه أحمد ٣٢٣/٥ (٢٢٧٥٥)، وابن أبى الدنيا في العيال (١٨٥)، والبزار (٢٧١٨)،
والطحاوي في مشكل الآثار (١٣٢٨)، والطبراني في مكارم الأخلاق (١٤٧)، والحاكم
١٢٢/١. قال الهيثمي في المجمع ١٢٧/١ و١٤/٨: رواه أحمد والطبراني، وإسناده
حسن. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٠١).
٢٥
كتاب العلم
١٧٠ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ وَّ: (لَيْسَ منا من لم
يرحم صَغِيرنَا ويجل كَبِيرنَا)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن شهَاب عَن وَاثِلَة
وَلم يسمع مِنْهُ(١).
١٧١ - وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن جده أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ: لَيْسَ منا من
لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف شرف كَبِيرَنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد إِلَّا أَنْه قَالَ
وَيعرف حق كَبِيرنَا (٢).
١٧٢ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَِّ تعلمُوا الْعلم
وتعلموا للْعلم السكينَة وَالْوَقار وتواضعوا لمن تعلمُونَ مِنْهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
الْأَوْسَط(٣).
قوله: وروي عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وقيل: ((تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار)) الحديث تقدم
الكلام على فضل العلم وتعلمه.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٥/٢٢ رقم ٢٢٩). قال الهيثمي في المجمع ١٤/٨: رواه
الطبراني، والزهري لم يسمع من واثلة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٢).
(٢) أخرجه البخارى في الأدب المفرد (٣٥٨) و(٣٦٣)، وأبو داود (٤٩٤٣)، والترمذى
(١٩٢٠)، والطوسى في مختصر الأحكام (١٥٢٠). وقال الطوسى: وهذا حديث حسن.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٠).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٠٠ رقم ٦١٨٤)، وابن عدى في الكامل (٥٤٢/٥). وقال
الهيثمي في المجمع ١٢٩/١ - ١٣٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير، وهو
متروك الحديث. وضعفه الألباني جدًّا في الضعيفة (٥١٦٠)، وضعيف الترغيب (٨١).
٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وتعلموا للعلم السكينة والوقار)) السكينة هي الوقار كما فسره أئمة
اللغة لكن في بعض طرق الحديث في صحيح البخاري: ((وعليكم بالسكينة
والوقار)) قال القاضي عياض في المشارق(١): كرر فيه الوقار للتأكيد، وقال في
الصحاح(٢): الوقار الحلم والرزانة، وقال النووي قدس الله روحه(٣): الظاهر
أن بينهما فرقًا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك،
والوقار في الهيئة وغض البصر وخفض الصوت. [١١٤ /أ] والإقبال على
طريقه من غير التفات ونحو ذلك، والله أعلم.
قوله وَّله: ((وتواضعوا لمن تعلمون منه)) التواضع مطلوب من الطالب
لشيخه، قال أبو الليث السمر قندي(٤): ينبغي للمتعلم أن يعظم أستاذه فإن
بتعظيمه تظهر فيه بركة العلم، وإذا استخف يذهب عنه بركة العلم، ويقال:
إنما ينتفع المتعلم بكلام العالم إذا كان في المتعلم ثلاث خصال: التواضع في
نفسه والحرص على التعلم والتعظيم للعالم، فإن بتواضعه ينجع فيه العلم
وبحرصه يستخرج العلم وبتعظيمه يستعطف العالم، فأول ما يحتاج إليه
المتعلم أن يصحح نيته لينتفع بما يتعلم وينتفع به من يأخذ عنه، فإذا أراد به
أن يصحح نيته يحتاج أن ينوي ثلاثة أشياء: أحدها: أن ينوي بتعلمه الخروج
(١) مشارق الأنوار (٢١٦/٢).
(٢) الصحاح (٨٤٩/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٠٠/٥).
(٤) بستان العارفين (ص ٣١٣ - ٣١٥).
٢٧
كتاب العلم
من الجهل، والثاني: أن ينوي به منفعة الخلق لأن النبي ◌َّلام قال: ((خير الناس
من ينفع الناس))، والثالث: أن ينوي إحياء العلم لأن الناس لو تركوا العلم
الذهب العلم كما روي عن النبي وَّ قال: ((تعلموا العلم قبل أن يرفع ورفعه
ذهاب العلماء)) وينبغي للمتعلم أن ينوي به وجه الله تعالى والدار الآخرة ولا
ينوي به طلب الدنيا لأنه إذا طلب به وجه الله تعالى ينال الأمرين جميعا، وإذا
لم يقدر على تصحيح النية فالمتعلم أفضل من تركه فإنه إذا تعلم العلم فإنه
يرجى له أن يصحح النية، قال مجاهد: طلبنا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم
رزقنا الله فيه النية، ولا ينبغي للمتعلم أن يدع شيئا من الفرائض أو يؤخرها
عن وقتها فتذهب بركة علمه، ولا ينبغي أن يؤذي أحدًا لأجل تعلمه فتذهب
بركة علمه أيضًا، ولا ينبغي أن يكون بخيلا بعلمه إذا استعار منه إنسان كتابا
أو استعان به لتفهيم مسألة أو نحوه ولا ينبغي أن يبخل به، فإنه يقصد بتعلمه
منفعة الخلق وينبغي للمتعلم أن يوقر العلم أولا، ولا ينبغي أن يضع الكتاب
على التراب، وينبغي للمتعلم أن يرضى بالدون من العيش من غير أن يترك
حظ نفسه من الكل والشرب والنوم، وينبغي للمتعلم أن يقل معاشرة الناس
والنساء ومخالطتهم ولا يشتغل بما لا يعنيه، ويقال في المثل: من اشتغل بما
لا يعنيه فاته ما يعنيه، وينبغي للمتعلم إذا وقع بينه وبين شخص منازعة أو
خصومة أن يستعمل الرفق والإنصاف ليكون فرقا بينه وبني الجاهل لأن
النبي وَّ قال: ((ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا
شانه)) أي: عابه، انتهى، قاله في بستان العارفين.
٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٧٣- وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَن رَسُول الله ◌َّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا
يدركني زمَان أَو قَالَ لَا تدركوا زَمَانا لا يتبع فِيهِ الْعَلِيم وَلَا يستحیی فِيهِ من
الْحَلِيمِ قُلُوبهم قُلُوبِ الأَعَاجِم وألسنتهم أَلْسِنَة الْعَرَب. رَوَاهُ أَحْمد وَفِي
إِسْنَاده ابْن لَهِيعَةٍ(١).
قوله: ((عن سهل بن سعد الساعدي)) [هو هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى
سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن
ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني، كان اسمه حزنًا،
فسماه النبي السهلا. شهد سهل قضاء رسول الله وص وله في المتلاعنين.
قال الزهري: سمع من النبي ◌َّ، وكان له يوم وفاة النبي وَخلال خمس عشرة
سنة. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن
سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ◌َّه بالمدينة ليس فيه خلاف.
وقال غيره: بل فيه خلاف. روي له عن رسول الله وَ ل مائة حديث وثمانية
وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى
عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما(٢)].
قوله {وَيد: ((لا يدركني زمان)) أو قال: ((لا تدركوا زمانًا لا يتبع فيه العليم))
الحديث، المراد باتباع العليم: العالم بالأحكام الشرعية المبتغي فيها وجه الله.
(١) أخرجه أحمد ٣٤٠/٥ (٢٢٨٧٩)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص ٢٧٥ - ٢٧٦. قال
الهيثمي في المجمع ١٨٣/١: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وضعفه الألباني
في الضعيفة (١٣٧١)، وضعيف الترغيب (٨٢).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٨/١ ترجمة ٢٣٧).
٢٩
كتاب العلم
٠٫٠
قوله: رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، اسمه: عبد الله بن لهيعة بفتح
اللام وكسر الهاء، قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال ابن الأعرابي: يقال: في
فلان لهيعة [١١٤/ ب]: إذا كان فيه فترة وكسل، وقال بعضهم أيضا: رجل
فيه لهيعة ولهاعة: أي غفلة، وقيل: هي التواني في البيع والشراء حتى يغبن فيه،
وقال صاحب المحكم: اللهع التفهق فى الكلام، ولهيعة اسم منه، وقيل:
مشتقة من الهلع مقلوبة منه، وعبد الله بن لهيعة هذا هو الإمام البارع أبو عبد
الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بضم الفاء وإسكاء الراء وبالعين
المهملة الحضرمي، ويقال الغافقي المصري، قاضي مصر، وقال روح بن
صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا، روى عن عطاء وابن أبي مليكة
والأعرج وعمرو بن شعيب، وروى عنه: يحيى بن بكير وقتيبة والمقبري،
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في
كثرة حديثه وضبطه وإتقانه، وقال النووي: هو الإمام البارع، قال سفيان
الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع، وقال: حججت لألقى ابن
لهيعة، وقال ابن مهدي: حدثني والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة، وقال
الفلاس: احترقت كتبه، فمن روى عنه قبل ذلك كابن المبارك والمنقري فهو
أصح ممن كتب عنه بعد ذلك وكان احترق كتبه سنة سبعين ومائة، قال
البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعفه وترك الاحتجاج بما انفرد به،
وفصل ابن سعد بين أول أمره وآخره فحديث ابن المبارك وابن وهب
والمقرىء عنه أحسن وأجود، وبعض الأئمة صحح رواية هؤلاء عنه، واحتج
٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بها، توفي ابن لهيعة بمصر سنة أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة سبع
وتسعين(١)، والله أعلم.
١٧٤ - وَعَن أبي أُمَامَة عَنِ رَسُول الله ◌َِّ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِمْ إِلَّا
مُنَافِقٌ: ذُو الشَّيْبَةِ فِي الإِسْلَامِ، وَذُو الْعِلْمِ، وَإِمَامٌ مُقْسِطٌ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي
الْكَبِير من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم وَقد حسنها
التِّرْمِذِيّ لغيرِ هَذَا الْمَثْنِ (٢).
قوله: عن أبي أمامة، تقدم.
قوله وَلخلقه: ((ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام أي:
المسلم، وذو العلم وإمام مقسط)) الحديث، وذو العلم هو العالم بالأحكام
الشرعية المبتغى بذلك وجه الله تعالى، والإمام المقسط هو السلطان العادل
في أحكامه وأقواله وأفعاله بما يسوغ شرعا، وتقدم الكلام على الثلاثة في
أحاديث الباب مبسوطًا في ذلك وحامل القرآن وفي هذا الحديث وذو العلم.
١٧٥ - وَعَن عبد الله بن بسر رََّّهُ قَالَ لقد سَمِعت حَدِيثا مُنْذُ زمَان إِذا
كنت في قوم عشْرين رجلا أو أقل أو أكثر فتصفحت وُجُوههم فَلم تَرَ فيهم
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٨٣/١-٣٨٤ الترجمة ٣٢٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠٢/٨ رقم ٧٦١٩)، والبيهقى في المدخل (٦٦٧). قال
البيهقى: خالد بن يزيد هذا هو ابن عبد الرحمن بن مالك الشامي ليس بالقوي. وقال
الهيثمي في المجمع ١٢٧/١: رواه الطبراني في الكبير من رواية عبيد الله بن زحر عن علي
بن يزيد، وكلاهما ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٨٣).
٣١
كتاب العلم
رجلا يهاب فِي الله عز وجل فَاعْلَمْ أَن الأمر قد رق. رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي
الْكَبِيرِ وَإِسْنَاده حسن (١).
١٧٦ - وَرُوِيَ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع النَّبِيِ نَّهِ يَقُول لَا أَخَاف
على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدوا [فيقتلوا] وَأَن
يفتح لَهُم الْكتاب يَأْخُذهُ الْمُؤْمِن تَبْتَغِي تَأْوِيلِه (وَمَا يعلم تَأْوِيلِه إِلَّ الله
والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَمَا يذكر إِلَّا أولو
الْأَلْبَاب) آل عمران ٧ وَأَن يَرَوا ذَا علم فيضيعوه وَلَا يبالوا عَلَيْهِ رَوَاهُ الطَّيَرَانِيّ
فِي الْكَبِير (٢) .
قوله: عن أبي مالك الأشعري، أبو مالك الأشعري، اسمه: (كعب بن
عاصم الأشعري كنيته أبو مالك، وقيل: اسم أبي مالك عمرو)(٣).
(١) أخرجه أحمد ١٨٨/٤ (١٧٦٧٩)، والطبراني فيالشاميين (١٠٠٨ و١٠٠٩)، وابن بشران
(٦٠٢)، والبيهقي في الشعب (٣٥٥/١١- ٣٥٦ رقم ٨٦٥٧). قال الهيثمي في المجمع
١/ ١٨٣: رواه أحمد، والطبراني في الكبير بنحوه، وإسناده حسن، ورجاله موثقون، وأزهر
بن عبد الله قال فيه البخاري: إنه أزهر بن سعيد. قال فيه الذهبي: تابعي حسن الحديث.
وقال في ٧/ ٢٧٦: رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد جيد. وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (١٠٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٣ رقم ٢٩٣٦) والشاميين (١٦٦٥). قال الهيثمي في
المجمع ١٢٨/١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه،
ولم يسمع من أبيه. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٦٠٧)، وضعيف الترغيب (٨٤)
و (١٧٢٥).
(٣) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢١٩٦)، وأسد الغابة (٦ / الترجمة ٦٢١٨).
٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وقديقول: ((لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال)) أي: خصال.
قوله: ((أن يكثر لهم من الدنيا فيتحاسدوا)) الحسد معروف، وتقدم الكلام
عليه، وسيأتي الكلام عليه مبسوطًا في بابه.
قوله: ((وأن يفتح لهم الكتاب يأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله
إلا الله والراسخون)) الآية، المراد بالكتاب القرآن، وسيأتي الكلام على ذلك،
ومذاهب العلماء واختلافهم في باب الطيرة، أو قبله.
قوله: ((وإن يروا ذا علم فيضيعونه ولا يبالون علیه)) ذا علم بمعنى: صاحب
علم، المراد بتضييعه عدم الاهتمام به وبعلومه، وكذلك عدم الاهتمام
بالدين، وذلك من علامات الساعة، والله أعلم.
٣٣
كتاب العلم
[الترهيب من تعلم العلم لغير وجه الله تعالى]
١٧٧ - عَن أبي هُرَيْرَة رَِّنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ: ((من تعلم علما مِمَّا
يبتغى بِهِ وَجه الله تَعَالَى لا يتعلمه إِلَّا لیصیب بِهِ عرضا من الُّنْيًا لم يجد عرف
الْجِنَّةُ يَوْمِ الْقِيَامَة يَعْنِي رِيحِهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ مَاجَه وَابْن حبَان فِي
صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلمٍ (١) وَتقدم حَدِيث
أبي هُرَيْرَة فِي أول بَابِ الرِّيَاء وَفِيه: ((رجل تعلم العلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتِي
بِهِ فَعرفهُ نعمه فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت العلم وعلمته وقرأت
فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ
قارىء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألِقِي فِي النَّار)) الحَدِيث
رَوَاهُ مُسلم وَغَیره.
قوله: ((عن أبي هريرة، تقدم)). قوله مَّيّ: ((من تعلم علما مما يبتغى به وجه
الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب عرضًا من الدنيا)) الحديث، العرض: بفتح
العين والراء هو ما يقتنى من المال وغيره.
قوله: ((لم يجد عرف الجنة)) وعرف الجنة: بفتح العين المهملة وسكون
الراء، قال الحافظ: يعني ريحها. [١١٥ / أ] قال في النهاية (٢): ((لم يجد عرف
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٢)، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن حبان (٧٨). وصححه الألباني في
((اقتضاء العلم العمل)) (١٠٢)، ((المشكاة)) (٢٢٧)، وصحيح الترغيب (١٠٥).
(٢) النهاية (٢١٧/٣).
٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجنة)) يعني ريحها الطيبة، والعرف: الريح، ومنه حديث عليّ: ((أرض
الكوفة أرض سواء سهلة معروفة)) أي: طيبة العرف، أي الريح، وعرف الجنة
يحتمل معنيين:
أحدهما: التهديد والزجر عن طلب الدنيا بعمل الآخرة والمبالغة في ذلك لا
القنوط الكلي عن دخول الجنة واليأس الجزمي عن وجدان الرحمة كما ذهب
إليه الجهال المبتدعة ولأن النصوص الثابتة المتواترة ناطقة بدخول أهل الإيمان
في رياض الجنة والخلاص من النيران وإن مسهم نفحة من العذاب ولفحة من
العقاب، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لم يجد عرفها يوم القيامة)) وهو
اليوم الموصوف بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾﴾(١) ولم يقل
على الإطلاق، فهذا الذي تعلم العلم للأغراض الفانية ولصاحب الأمراض
الحادثة في تضاعيف الدماغ المانعة عن إدراك الروائح الفائحة من الرياض
الرائضة ومن الجنة العالية، ولا يهتدى إليها من الأمراض الكائنة في القلب
المخلة بالعوامل الإيمانية(٢).
والثاني: أنه لا يدخل الجنة قبل العذاب وملابسة العقاب بل يعذب بقدر
ذنبه في الدنيا وطلبها بعمل العقبى، انتهى.
فتعلم العلم لغير وجه الله كأن يريد به الرياء والسمعة بين الناس وكمن
يتعلمه للرئاسة أو للمال أو لتعظيم الناس له فذلك العالم يستحق دخول
(١) سورة المطففين، الآية: ٦.
(٢) انظر الميسر (١/ ١٠٧)، وشرح المشكاة (٢/ ٦٨٢- ٦٨٣).
٣٥
كتاب العلم
النار، فهذا الحديث أبلغ زجر وردع عن نية غير صالحة، وسبب هذا والله
أعلم: أن في الدنيا جنة معجلة وهي معرفة الله تعالى ومحبته والأنس به
والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته والعلم النافع يدل على ذلك، فمن دله
علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا فاز بالجنة الآخرة، ومن لم
يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة، ولهذا كان أشد الناس عذابا في
الآخرة عالم لم ينفعه علمه وهو من أشد الناس حسرة يوم القيامة حيث كان
معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات فلم يستعملها إلا
للتوصل إلى أخس الأمور وأدناها قيمة وأحقرها كمن كانت عنده جواهر
نفسية ولها قيمة عظيمة فباعها بشيء مستقذر لا ينتفع به، بل حال من يطلب
الدنيا بعلمه أقبح وأقبح، وكذلك من يطلب الدنيا بإظهار الزهد فيها، فإن
ذلك خداع قبيح جدًا، قاله ابن رجب الحنبلي(١)، قال الإمام أبو حامد (٢).
فانظر إلى هذه الدرجة العليا كيف رجعت بهذا العالم المسكين إلى أسفل
سافلين، قال الإمام مالك رحمه الله: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم نور
يقذفه الله في القلوب، ومن كتاب سير السلف (٣): قال إبراهيم الخواص: ليس
العلم بكثرة الرواية إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن
كان قليل العلم، ثم قال: وهذا البحث كله إنما هو إذا سلم طالب العلم من
(١) مجموع رسائل ابن رجب (٧٩/١).
(٢) كذا هو أبو حامد وإنما هذا كلام القرطبى نقله عنه ابن الحاج في المدخل (١٦/١-١٧).
(٣) سير السلف الصالحين (ص ١٣٢٥) والنقل عن المدخل (١ /١٧ -١٨).
٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عوض يأخذه عليه مما هو معلوم في الوقت، فإن كان ثم معلوم يطلبه على
علمه فقد زاد ذما على مذمومات تقدم ذكرها، والله أعلم.
١٧٨ - وَرُوِيَ عَن كَعْب بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َّةِ يَقُول من
طلب الْعلم ليجاري ◌ِهِ الْعلمَاء أَو ليماري بِهِ السُّفَهَاء وَيصرف بِهِ وُجُوه النَّاس
إِلَيْهِ أدخلهُ الله النَّار. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت
وَغَيرِهِ وَالْحَاكِمِ شَاهدا وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث غَرِيبٍ(١).
قوله: عن كعب بن مالك، هو [١١٥/ ب] الأنصاري الشاعر وهو أحد
الثلاثة الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَعَلَى الشَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾(٢) روي له عن
رسول الله وَّيو ثمانون حديثا، للبخاري منها أربعة، شهد العقبة مع السبعين،
مات بالمدينة سنة خمسين، وسيأتي الكلام على مناقبه في مواضع من هذا
التعليق مبسوطًا إن شاء الله.
قوله ◌َّي: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء)) الحديث، قال ابن الأثير في
النهاية(٣): ليجري مع العلماء في المناظرة والجدال ليظهر علمه إلى الناس
ریاء و سمعة.
(١) أخرجه الترمذى (٢٦٥٤)، وابن أبى الدنيا في الصمت (١٤١)، وذم الغيبة (٣)، وابن
عدى (٢ / ١٦٥)، والحاكم ٨٦/١، والبيهقى في الشعب (٢٦٩/٣-٢٧٠ رقم ١٦٣٦).
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٦)، والمشكاة (٢٢٥).
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٨.
(٣) النهاية (٢٦٤/١).
٣٧
كتاب العلم
قوله {وَالخلية: ((أو ليماري به السفهاء)) والمماراة المجادلة على مذهب
الشك(١)، فإن كل واحد من المتحاجين يشك فيما يقوله صاحبه أو يشككه
بما يورد على حجته(٢)، والمراد بالسفهاء الجهال فإن عقولهم ناقصة (٢)،
والمعنى فيه: أن النية هي ركن العمل أو شرطه الذي لا يعتد به إلا بها فإذا
عدمت لم يكن شيئًا وإذا فسدت فسد الهوى (٤)، فمن يطلب بالعلم الرياسة
على الخلق والتعاظم عليهم وأن ينقاد الخلق ويخضعوا له ويصرفوا إليه
وجوههم وأن يظهر للناس زيادة علمه على العلماء أو ليعلوا به عليهم ونحو
ذلك فهذا وعيده النار لأن قصد التكبر على الخلق في نفسه محرم، فإذا
استعمل فيه آلة الآخرة كان أقبح وأفحش من أن يستعمل فيه آلات الدنيا من
المال والسلطان(٥).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي وَيلة: ((أول خلق الله
تسعر بهم النار ثلاثة منهم: العالم الذي قرأ القرآن ليقال قارئ، وتعلم العلم
ليقال عالم وأنه يقال له قد قيل، وأمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في
النار)) وذكر مثل ذلك المتصدق ليقال: ((إنه جواد)) وفي المجاهد يقال له:
(١) النهاية (٤/ ٣٢٢).
(٢) مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨١)، ومرقاة المفاتيح (٣٠٤/١).
(٣) مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨١).
(٤) عارضة الأحوذي (١٠/ ١٢٢).
(٥) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨٠).
٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
((شجاع))(١) وعن علي زَّو ◌َّةُ قال: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من
عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز
تراقيهم يخالف علمهم عملهم ويخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقًا حلقًا
فيباهي بعضهم بعضا حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يحلس إلى غيره
ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل(٢).
قوله: رواه الحاكم شاهدًا، اعلم أن لأهل الحديث ألفاظًا يعرف بها حال
الحديث هل تفرد به راويه أم لا منها الشاهد ومثاله ما رواه مسلم والنسائى
من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن
رسول الله وَله مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال
النبي ◌َله: ((ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟)) فلم يذكر أحد من أصحاب
عمرو بن دينار ((فدبغوه)) إلا ابن عيينة، فوجد له شاهد وهو ما رواه مسلم من
رواية عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)).
١٧٩ - وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌ٍَّ لا تعلمُوا الْعلم لتباهوا بِهِ الْعلمَاء
وَلَا تماروا بِهِ السُّفَهَاء وَلَا تخَيْرُوا بِهِ الْمِجَالِس فَمن فعل ذَلِك فَالنَّارِ النَّار.
رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْنِ حِبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من رِوَايَة يحيى بن
أَيُّوب الغافقي عَن ابْن جريح عَن أبي الزبير عَنْهُ وَيحبى هَذَا ثِقَة احْتج بِهِ
(١) أخرجه مسلم (١٥٢ - ١٩٠٥).
(٢) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).
٣٩
كتاب العلم
الشَّيْخَانِ وَغَيرِهمَا وَلَا يُلْتَفت إِلَى من شَدَّ فِهِ(١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِنَحْوِهِ
من حَدِيث حُذَيْفَةٍ(٢).
قوله: عن جابر، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَله: ((لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تمار به السفهاء)) المباهاة
هي المفاخرة، وتقدم الكلام على المماراة، والسفهاء في الحديث قبله.
قوله وَّة: ((لا تحبروا به المجالس)) أي: تحسنوا به المجالس وتزينوا من
التحبير وهو التزيين والتحسين، قال الأصمعي: كان يقال لطفيل الغنوي
بفتح الغين المعجمة في الجاهلية محبر لأنه كان يحسن الشعر(٣)، والحبر
أيضًا الحبور وهو السرور ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِىِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾﴾(٤)
ينعمون ويكرمون ويسرون(٥)، وقال يحيى بن أبي كثير: الحبرة اللذة
والسماع(٦)، انتهى.
قوله: رووه كلهم من رواية يحيى بن أيوب الغافقي.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٤)، وابن حبان (٧٧)، والحاكم ١/ ٨٦، والبيهقى في المدخل (٤٧٩
و ٤٨٠) والشعب (٢٦٩/٣ رقم ١٦٣٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٥٩)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٠٨) تخريج اقتضاء
العلم العمل (١٠٠ - ١٠٢).
(٣) تهذيب اللغة (٢٢/٥)، والصحاح (٦٢٠/٢).
(٤) سورة الروم، الآية: ١٥.
(٥) الصحاح (٢/ ٦٢٠).
(٦) تفسير عبد الرزاق (٢٧٨٦)، وتفسير الطبرى (١٨/ ٤٧٢).
٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٨٠ - وَرُوِيَ عَن ابْن عمر عَنِ النَّبِيِ نَِّ من طلب الْعلم ليباهي بِهِ الْعلمَاء
ويماري بِهِ السُّفَهَاء أَو ليصرف وُجُوه النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه (١).
قوله: عن ابن عمر، تقدم.
قوله وُّ: ((من طلب العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء ويصرف
به وجوه الناس إليه)) تقدم الكلام على المباهاة والمماراة، ومعنى ((يصرف به
وجوه الناس إليه)) أي: يقلبهم إليه مأخوذ من قوله صرفت الصبيان:
قلبتهم(٢)، وخرج ابن عدي من حديث أبي هريرة عن النبي وَّل بنحوه، وزاد
فيه: ((ولكن. [١١٦ / أ] تعلموه لوجه الله والدار الآخرة)) (٣).
وعن ابن مسعود زيَّاهُ قال: لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو
لتجادلوا به الفقهاء أو تصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بعلمكم ما عند
الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه، انتهى، قاله ابن رجب(٤)، وقال عيسى ابن
مريم: كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلبه ليعمل
به(٥)، وقال الحسن: ما رأيت فقيها يداري ولا يماري إنما ينشر حكمة الله عز
وجل فإن قبلت حمد الله عز وجل وإن ردت حمد الله عز وجل (٦).
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٥٣) وحسنه الألباني في المشكاة (٢٢٥ و٢٢٦) وصحيح الترغيب (١٠٩).
(٢) الصحاح (٤ / ١٣٨٦).
(٣) الكامل (٧ / ٢١٦).
(٤) مجموع رسائل ابن رجب (١ / ٨١).
(٥) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٨١).
(٦) أخلاق العلماء للآجري (ص٥٨).