Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب صفة الجنة والنار
السوط، قاله الحافظ رحمه الله تعالى. وقال بعض العلماء: المراد بالقد هنا
السوط، وهو في الأصل سير يقد من جلد غير مدبوغ، وسمي السوط بذلك
لأنه يقد أي يقطع طولا، والقدّ الشقّ بالطول، قال في الصحاح (١) القدة أخص
منه. وحكى القاضي عياض(٢) في المشارق قولا آخر أن المراد بالقد هنا
الشراك، ويحتمل أن يكون في لفظه تقيدر أي كقدر الموضع الذي يسعه
بسوطه من الجنة ويحتمل أن لا يقدر ذلك على كلا الاحتمالين ففيه تعظيم
شأن الجنة وأن السير منها وإن لم ينتفع به في العادة خير من مجموع الدنيا
بحذافيرها وجميع ما فيها، انتهى، قاله العراقي(٣). وقال الحافظ رحمه الله
تعالى: ومعنى الحديث ولقدر قوس أحدكم أو قدر الموضع الذي يوضع فيه
سوطه خير من الدنيا وما فيها، وقد رواه البزار مختصرا بإسناد حسن. قال:
موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، انتهى.
٥٧٥٩ - وَعَنْ ابْن عَبَّاس ◌َّهَا قَالَ لَيْسَ فِي الْجِنَّةِ شَيْءٍ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا
الأَسْمَاء. رواه البيهقي (٤) موقوفا بإسناد جيد.
(١) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٢٢).
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١٧٢/٢).
(٣) طرح التثريب في شرح التقريب (٢٦٠/٨).
(٤) البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١ / ٦٦)، وابن
جرير الطبري في تفسيره (١٧٤/١)، وهناد في الزهد (٣٤٩/١)، وأبو نعيم في صفة الجنة
(١٢٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٦٩)، والسلسلة الصحيحة
(٢١٨٨)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٤١٠).

١٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((عن ابن عباس))، تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه. قوله رضي
الله تعالى عنه: ((ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء)) أي أسماء
كأسماء ما في الدنيا لكن الطعوم مختلفة. قال الله تعالى: ﴿وأتوا به
متشابها﴾(١) أي الرزق، قال ابن عباس ومجاهد والربيع: متشابها في الألوان
مختلفا في الطعم. وقيل متشابها في الاسم مختلفا في الطعم. وقال محمد بن
كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب، قاله البغوي في تفسيره(٢) والله تعالى
أعلم. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((رواه البيهقى موقوفا))، تقدم الكلام
على الحديث الموقوف وأنه من قول الصحابي لم يرفعه إلى النبي صلى الله
تعالی علیه وسلم.
(١) سورة
(٢) تفسير البغوي (١ / ٥٦).

١٨٣
كتاب صفة الجنة والنار
فصل فِي خُلُود أهل الْجِنَّةِ فِيهَا وَأهل النَّارِ فِيهَا
وَمَا جَاءَ فِي ذبح الْمَوْت
٥٧٦٠ - عَن معَاذ بن جبل رَّ ◌َّهُ أَن رَسُول الله وَلِّ بَعثه إِلَى الْيمن فَلَمَّا قدم
عَلَيْهِمْ قَالَ يَا أَيْهَا النَّاسِ إِّي رَسُول رَسُول الله وَّةٍ إِلَيْكُمْ يُخْبِرِكُمْ أَن المردِ إِلَى
الله إِلَى جنَّة أَو نَار خُلُود بِلَا موت وَإِقَامَة بِلَا ظعن. رواه الطبراني في الكبير (١)
بإسناد جيد إلا أن فيه انقطاعا. وتقدم حديث أبي هريرة في بناء الجنة، وَفِيه من
يدخلهَا ينعم وَلَا يبأس ويخلد لَا يَمُوت لا تبلى ثِيَابِه وَلَّا يفنى شبابه وَحَدِيث
ابْن عمر أیضا بِمثلِهِ.
قوله: ((عن معاذ بن جبل)) تقدم الكلام على مناقب معاذ رضي الله تعالى
عنه. قوله: ((أن رسول الله وَ ل بعثه إلى اليمن))، واليمن إقليم معروف.
قوله: ((خلود بلا موت))، الحديث، الخلود هو البقاء الدائم الغير المنقطع.
(١) المعجم الأوسط (١٦٥١)، ومسند الشاميين (١١١٧) أخرجه البزار (كشف الأستار
٣٦٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢٣٦/١)، والخطيب: في موضح أوهام الجمع والتفريق
(١٣/٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٩٦/١٠): رواه الطبراني في الكبير والأوسط
بنحوه، وزاد فيه: ((في أجساد لا تموت)). وإسناد الكبير جيد إلا أن ابن سابط لم يدرك
معاذا. ورواه موقوفا: الحاكم في المستدرك (٨٣/١)، وعنه: البيهقي في البعث والنشور
(٥٨٦) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد رواته مكيون، ومسلم بن خالد الزنجي
إمام أهل مكة ومفتيهم إلا أن الشيخين قد نسباه إلى أن الحديث ليس من صنعته، والله
أعلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٧٧٠)، وصحيح الجامع
الصغير (١٩٤٦)، والصحيحة (١٦٦٨).

١٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾(١)، دلّ الحديث على
خلود أهل الجنة وأهل النار فيهما من غير انقطاع، وعلى مذهب أهل السنة،
انتهى. قاله في شرح مشارق الأنوار.
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((وإقامة بلا ظعن))، الظعن هو بالظاء
المشالة وفتح العين المهملة هو السفر. قوله: ((وتقدم حديث أبي هريرة في
بناء الجنة وفيه من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت)) الحديث، ينعم
بفتح أوله، والعين، معناه تدوم له النعمة.
قوله صلی الله تعالی علیه وسلم: (ولا یبأس))، معناه لا يصيبه بأس وهو
شدة الحال وتغيره، وهو البأس والبأساء والبُؤس والبُؤساء؛ والبؤس ضد
النعيم، ففي هذا الحديث إشارة إلى بقاء الجنة وبقاء جميع ما فيها من النعيم،
وأن صفات أهلها الكاملة من الشباب لا تتغير أبدًا وملابسهم التي عليهم من
الثياب لا تبلى أبدا، وقد دل القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة كقلوه
تعالى: ﴿وَجَنَّتِ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَكُلُهَا دَآبِمٌ
وَظِلُّهَا﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾(٤)، وفيما ذكره صلى الله
تعالى من صفة من يدخلها تعريض بذم الدنيا الفانية فإنه من يدخلها وإن نعم
فيها فإنه يبأس ومن أقام فيها فإنه يموت ولا يخلد ويفنى شبابه وتبلى ثيابه
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٣٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٢١.
(٣) سورة الرعد، الآية: ٣٥.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٦٥.

١٨٥
كتاب صفة الجنة والنار
وتبلى أجسامهم، وفي القرآن نظير هذا (١٥٣ / ب) و(١٥٤ / أ)](١) التعريض
بذم الدنيا وفنائها مع مدح الآخرة وذكر كمالها وبقائها كما قال الله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ﴾(٢) والآيات في ذلك كثيرة فما عيبت بأكثر من ذكر فنائها وتقلب
أحوالها وهذا أدل دليل على انقضائها وزوالها فتتبدل صحتها بالسقم
ووجودها بالعدم وشبيبتها بالهرم ونعيمها بالبؤس وحياتها بالموت فتفارق
الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق
التراب تراب، قاله في اللطائف(٣).
٥٧٦١- وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة ◌ََّا عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ إِذا
دخل أهل الجنَّة الْجنَّة يُنَادي مُنَاد إِن لكم أن تصحوا فَلَا تسقموا أبدا وَإِن لكم
أَن تحيوا فَلَا تَمُوتُوا أبدا وَإِن لكم أن تشبوا فَلَا تهرموا أبدا وَإِن لكم أن تنعموا
فَلَا تبأسوا أبدا وَذَلِكَ قَول الله عز وجل: ﴿وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤). رواه مسلم(٥) والترمذي(٦).
(١) هذان اللوحان ٣١٨ و٣١٩ بين المعقوفين سقطًا من الأصل وأثبتا من النسخة الهندية.
(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٤ -١٥.
(٣) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٨).
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.
(٥) مسلم (٢٢) (٢٨٣٧).
(٦) الترمذي (٣٢٤٦).

١٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن أبي سعيد الخدري)) وأبي هريرة ◌َّا، تقدم الكلام على
مناقبهما. قوله ◌َّ: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي منادٍ أن لكم أن تصحوا
فلا تسقموا أبدا)) الحديث، وهذه المناداة تكون في الجنة ويشهد لهذا القول
لفظ الحديث، وقيل [تكون] إذا رأوها من بعيد. قاله في شرح مشارق
الأنوار.
قوله: ((وإن لكم)) بكسر إِنّ. وقوله: ((فلا تبأسوا أبدًا)) والمبتئِس هو الكاره
الحزين، قاله ابن الأثير(١)، وقال الفارسي: من يدخل الجنة لا يبأس أي لا
يفتقر ولا يرى البؤس ولا تشتد حاجته فهو يائس أي لا تصيبهم شدة في
[المال] ولا في النفس، والله أعلم. وتقدم الكلام على بقية ألفاظ الحديث في
أحاديث الجنة المتقدمة.
٥٧٦٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َلا يُؤْتِى
بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةٍ كَبْش أَمْلَح فينادي بِهِ مُنَاد يَا أهل الْجِنَّة فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ
فَيَقُولِ هَل تعرِفُونِ هَذَا فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْتِ وَكلهمْ قد رَآهُ ثمَّ يُنَادِي مُنَاد
يَا أهل النَّار فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولِ هَل تعرِفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم هَذَا
الْمَوْتِ وَكلهمْ قد رَآهُ فَيَذْبَحِ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار ثمَّ يَقُول يَا أهل الْجِنَّة خُلُودِ فَلَا
موت وَيَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ
اُلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾(٢) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الذُّنْيَا. رواه
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٨٩/١).
(٢) مريم، الآية: ٩٣.

١٨٧
كتاب صفة الجنة والنار
البخاري(١) ومسلم (٢) والنسائي(٣) والترمذي (٤)، ولفظه: قَالَ إِذا كَانَ يَوْم
الْقِيَامَةِ أُتِي بِالْمَوْتِ كالكبش الأملح فَيُوقف بَيْن الْجَنَّة وَالنَّارِ فَيَذْبَح وهم
ينظرُونَ فَلَو أَن أحدا مَاتَ فَرحا لمات أهل الْجِنَّة وَلَو أَن أحدا مَاتَ حزنا
لمات أهل النَّار.
[يشرئبون] بشين معجمة ساكنة ثم راء ثم همزة مكسورة ثم باء موحدة
مشددة: أي يمدون أعناقهم لنظروا.
قوله: ((وعن أبي سعيد الخدري)) تقدم الكلام على ترجمته. قوله والجيله:
(يُؤتى بالموت كهيئة كبش أملح)) وفي لفظ آخر: «يُجاء بالموت كأنه كبش
أملح)) وهما بمعنى واحد قال: ((هذا آخر ما وجد من هذا الجزء)).
(١٥٤/ ب) [قال الإمام المازري رحمه الله تعالى(٥): الموت عند أهل السنة
عرض من الأعراض يضاد الحياة. وقال بعض المعتزلة ليس بعرض بل معناه
عدم الحياة، وهذا خطأ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ﴾(٦)، فأثبت
الموت مخلوقا، وقد اتفق مذهب أهل السنة والمعتزلة على أن الموت ليس
بجسم وإنما المراد به التشبيه والتمثيل وبيان أنه لا يموت أحد بعد ذلك
(١) صحيح البخاري (٤٧٣٠).
(٢) صحيح مسلم (٤٠) (٢٨٤٩).
(٣) السنن الكبرى للنسائي (١١٢٥٤).
(٤) سنن الترمذي (٣١٥٦).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٧ / ١٨٤).
(٦) سورة الملك، الآية: ٢.

١٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فيتناول الحديث عليه. الله سبحانه وتعالى يخلق هذا الجسم ثم يذبح مثالا
لأن الموت لا يطرأ على أهل الآخرة، انتهى.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى(١): الموت معنَى والكلام في ذلك
وفي الأعمال فإنها لا تنقلب جواهر، فإن قيل كيف تنقلب الأعمال أشخاصا
وهي في نفسها أعراض؟ الجواب أن الله تعالى يخلق من ثواب الأعمال
أشخاصا حسنة وقبيحة لأن العرض ينقلب جواهرا إذ ليس من قبيل
الجواهر، ومثل هذا ما صح في الحديث أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح،
الحديث. ومحال أن ينقلب الموت كبشا لأن الموت عرض، وإنما المعنى
أن الله سبحانه وتعالى يخلق كبشا يسميه الموت فيذبح بين الجنة والنار،
ويلقي في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في
الدارين، وهكذا كل ورد عليك من الهذا الباب التأويل فيه على ما ذكرت
لك، والله تعالى أعلم، انتهى. وإنما جيء بالموت على هيئة كبش لما جاء أن
ملك الموت لما أتى آدم عليهما الصلاة والسلام أتاه في صورة كبش أملح قد
نشر من أجنحته أربعمائة جناح، وفي بعض النسخ أربعة آلاف جناح، وقال
مقاتل والكلبي في قوله تعالى: ﴿ٌلَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ﴾(٢)، خلقهما
جسمين جعل الموت على هيئة كبش لا يمر على شيء إلا مات، والحياة
على هيئة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل عليه الصلاة والسلام
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٨٥).
(٢) سورة الملك، الآية: ٢.

١٨٩
كتاب صفة الجنة والنار
والأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين يركبونها خطوها مد
البصر لا تمر على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري من ترابها فألقاه
على العجل، وهذه هي الحكمة في فداء الذبيح بكبش ليكون فدى من
الموت بشكل الموت، ولما سر برؤيته سر أهل الجنة بذبحه منة عليهم.
والكبش هو الذبح العظيم الذي فدى الله تعالى به إسماعيل عليه الصلاة
والسلام، وإنما سمي عظيما لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، قاله ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما. قال: وهو الكبش الذي قرّبه هابيل فتقبل منه، قالوا:
ولو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة، وذبح الناس أبناءهم. واستشهد الإمام
أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذه القصة على من نذر ذبح ولده يلزمه ذبح شاة،
ومنع الجمهور ذلك لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (١): ((لا نذر في معصية
الله ولا نذر لابن آدم فيما لا يملك)) والله تعالى أعلم.
فائدة: الصخرة في المسجد الأقصى كالحجر الأسود في المسجد الحرام. ولما
فدى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالكبش ونحر إبراهيم عليهما الصلاة والسلام
فاختار الله عز وجل ذلك الموضع للقربان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. ومنّ
عليه بفداء ابنه، فهو محل الرحمة. قال قاضي القضاة أبي سعد الدين الديري
الحنفي أمتع الله تعالى بوجوده القائل بأن الذبح كان على الصخرة، فذهب إلى أن
الذبيح إسحاق عليه الصلاة والسلام، ومن قال أنه إسماعيل صلى الله تعالى عليه
وسلم يقول: كان الذبح بمكة، كذا أفاده. (٢٩٢/أ).
(١) صحيح مسلم (٨) (١٦٤١).

١٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأما قوله: ((كهيئة كبش أملح))، اختلف أهل اللغة في الأملح، فقال
الأصمعي هو الذي يشوب بياضه شيء من السواد، وقال أبو حاتم هو الذي
يخالط بياضه حمرة، وقيل هو الذي يعلو سواد حمرة، وقال ابن الأعرابي هو
النقي البياض.
وقال الخطابي (١): هو الأبيض الذي في خلل صوفه طاقات سود، وقال
الداودي هو المتغير الشعر بياض وسواد، وقال الكسائي هو الذي فيه بياض
وسواد، والبياض أكثر، قاله صاحب العلم المشهور. قال في سلاح المؤمن،
قال بعض أصحاب المعاني: يحتمل أن اختلاف اللونين على هذا في هذا
المثال لاختلاف الحالين البياض لجهة أهل الجنة الذين ابيضت وجوههم
والسواد لجهة أهل النار الذين اسودت وجوههم، انتهى.
وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى (٢): يحتمل أن تكون الحكمة
في كون الكبش أملح أن البياض من جهة الجنة والسواد من جهة النار. ثم
قال: وظاهر هذا الحديث مستحيل، وإذا تقرر ذلك استحال أن ينقلب
الموت كبشا لأن ذلك من انقلاب الحقائق وهو محال، وقد تأول الناس هذا
الخبر على وجهين أحدهما: أن الله تعالى خلق صورة كبش خلق فيها
الموت، فلما أراه أهل الجنة وأهل النار وعرفوه فعل الله تعالى فيه فعلا يشبه
الذبح أعدمه عند ذلك العقر حتى يأمن أهل الجنة فيزدادوا سرورا إلى
(١) معالم السنن (٢٢٨/٢).
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٣/ ٥٠).

١٩١
كتاب صفة الجنة والنار
سرورهم وييأس منه أهل النار فيزدادوا حزنا إلى حزنهم، وعلى هذا يدل
باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك ولا بعد انتهى.
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((فينادي به مناد يا أهل الجنة فيشرئبون
وينظرون))، الحديث، يشرئبون قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي يمدون
أعناقهم لينظروا، انتهى، أي يتشوّفون ليبصروا ما عرض لهم. وقال ابن
الأثير(١) وغيره: أي رافعي رؤوسهم متشوقين متطاولين لينظروا إليه، وكل
رافع رأسه مشرئب، انتھی.
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف على
الصراط»، الحديث. قال الإمام القرطبي في التذكرة (٢): قلت: هذه الأحاديث
مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها لا إلى غاية ولا إلى أمد مقيمين على
الدوام والسرمد من غير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال تعالى
في كتابه الكريم وأوضح فيه من عذاب الكافرين والذين كفروا ﴿لَهُمْ نَارُ
جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى
كُلَّ كَفُورٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِن تَّصِيرٍ﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ
جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾(٤) الآية. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُواْ
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٥٥/٢).
(٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٩٢٦).
(٣) سورة فاطر، الآية: ٣٦-٣٧.
(٤) سورة النساء، الآية: ٥٦.

١٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ (١) الآية، فمن قال أنهم يخرجون منها وأن النار
تبقى خالية بجملتها خاوية على عروشها وأنها تفنى وتزول فهو خارج عن
مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما اجتمع عليه أهل السنة
والأئمة العدول ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَّلِهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ،
جَهَنَّمٌ﴾ (٢) الآية، وإنما تخلّى جهنم وهي الطبقة العليا التي فيها العصاة من
أهل التوحيد، انتهى. قوله: ((ثم قرأ: ﴿وَأَنذِرُهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ
وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾(٣)، وأشار بيده إلى الدنيا)) الحديث. قال
العلماء: إذ الآخرة ليست دار غفلة، ومعنى أنذرهم أعلمه وحذرهم،
والنذارة إعلام بالشر والبشارة إعلام بالخير، ويوم الحسرة يعني به زمن ذبح
الموت إذا سمعوا خلود فلا موت، وقضي يعن انختم وتُمِّم، والأمر يعني
خلود أهل النار فيها. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾،
استئناف خبر عما کانوا علیه في الدنیا لا تعلق له بما قبله.
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في رواية الترمذي رحمه الله تعالى: ((إذا
كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار
فيذبح))، الحديث .... فقد استفتى بعض الناس علماء زمانه عن هذا
الحديث، فذكر كلاما مطولا وفي آخره: ولا يجوز أن يظن أن الموت الذي
(١) سورة الحج، الآية: ١٩.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١٥.
(٣) سورة مريم، الآية: ٩٣.

١٩٣
كتاب صفة الجنة والنار
يذبح هو ملك الموت- معاذ الله من ذلك- فلا يظن بملائكة الله عز وجل
المقربين صلوات الله تعالى عليهم وسلم شيء من ذلك، إنما الموت معنى
من المعاني جسّده الله تبارك وتعالى يعرفه بها أهل الجنة لدوام سرورهم
ويعرفه بها (١٥٦) أهل النار لدوام حزنهم وحسرتهم ولم يكن يشهد أهل
الجنة قبل ذبح الموت تكدير ولا خول فإنها دار أمن من أول دخلوهم. وإنما
قال في الحديث: ((يزدادون فرحا إلى فرحهم))، وهم لا يزالون في زيادة من
الفرح لما أنعم الله تعالى عليهم ويرضاه عنهم ورؤيتهم لربهم الدائم الباقي
جل جلاله، فيراه أهل الجنة بأعين باقية خالدة لا موت فيها. وقال بعضهم
فظاهر عمومات أدلة الكتاب والسنة تدل على أن الموت ثمّ كغيره من الجن
والإنس والملائكة، قال الله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّ اٌلْمَوْتَةَ
الْأُولَى﴾(١)، ولم يستثني بذكر الموت ولا أنه يذوق موتتين دون غيره، فكل
مخلوق يموت وكل من يموت يحيى بعد موته، وإنما جيء بالموت في
صورة كبش لتمام النعمة عليه إشارة إلى أني قد فديتكم من الموت بمثل ما
فديت به يعني إسماعيل صادق الوعد أو إسحاق على الخلاف في ذلك،
انتهى. وقال بعض الناس في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((يؤتى بالموت
كهيئة كبش)) الحديث، الموت معنى من المعاني فالمذبوح الموت وهو غير
ملك الموت.
(١) سورة الدخان، الآية: ٥٦.

١٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وجاء في سورة السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَُّكُم مَّلَكُ اٌلْمَوْتِ﴾(١)، وفي سورة
الأنعام: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾(٢)، وفي الزمر: ﴿اَللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا﴾(٣)، والوجه فيه أنه يتوفى الأنفس بقدرته عز وجل بواسطة الملائكة،
وملك الموت هو المقدم على ملائكة القبض، والملائكة الأعوان بالمباشرة،
فيقال: أنهم يعالجون الخروج إلى أن تبلغ الروح إلى الفم فيقبضها ملك الموت،
وإنما جيء به في صورة كبش لتمام النعمة عليهم إشارة إلى أني قد فديتكم من
الموت بمثل ما فديت به نببي إسماعيل صادق الوعد صلى الله تعالى عليه وسلم
أو إسحاق عليه الصلاة والسلام على الخلاف فیه، انتھی.
قوله ((كالكبش الأملح فيوقف بين الجنة والنار فيذبح)) أيضا نقل القرطبي
رحمه الله تعالى عن كتاب خلع النعلين: أن الذابح للكبش بين الجنة والنار
يحيى بن زكريا صلى الله تعالى عليهما وسلم بين يدي النبي عليه أفضل
الصلاة والسلام إذ في اسمه وسلو إشارة إلى الحياة الأبدية(٤). وذكر صاحب
كتاب العروس وكذا صاحب الفردوس أن الذي يذبحه جبريل عليه الصلاة
والسلام(٥) انتهى.
(١) سورة السجدة، الآية: ١١.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٦١.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٤٢.
(٤) خلع النعلين (ص ٣١٧)، والتذكرة (ص ٩٢٨).
(٥) التذكرة (ص ٩٢٨).

١٩٥
كتاب صفة الجنة والنار
٥٧٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َ يُؤْتِى بِالْمَوْتِ يَوْم
الْقِيَامَة فَيُوقف على الصِّرَاط فَيُقَال يَا أهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين وجلين أَن
يخرجُوا من مكانهم الَّذِي هم فِيهِ ثُمَّ يُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين
فرحين أَن يخرجُوا من مكانهم الَّذِي هم فِيهِ فَيُقَال ھَل تعرفُون هَذَا قَالُوا نعم
هَذَا الْمَوْتِ قَالَ فَيُؤْمَر بِهِ فَيَذْبَح على الصِّرَاط ثمَّ يُقَال لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا خُلُود
فیما یجدونَ لا موت فیها أبدا. رواه ابن ماجه(١) بإسناد جید.
قوله: ((عن أبى هريرة)) تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه.
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش
أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم ينادي مناد يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا
قال فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم ربنا هذا الموت)) الحديث، وفي رواية
للترمذي: فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضطجع
فيذبح، فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتوا فرحا
(١) سنن ابن ماجه (٤٣٢٧)، وأخرجه أحمد (٧٥٤٦) و (٨٩٠٦ و١٠٦٥٦)، وابن حبان
(٧٤٥٠) وهناد في الزهد (٢١٢)، والحاكم (١/ ٨٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط
مسلم وقال البوصيري المصباح (٢٦٤/٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وقال ابن
كثير: إسناده جيد قوي على شرط الصحيح النهاية (ص ٣٤٢) وأخرجه بنحوه ضمن
حديث مطول الترمذي (٢٧٣٤) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي
هريرة، وقال: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٣٧٧٣)، وصحيح الجامع الصغير (٧٩٩٩).

١٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار بالحياة فيها والبقاء لماتوا ترحا، قاله في
حادي الأرواح(١).
وهذا الكبش والاضجاع والذبح ومعانيه الفريقين ذلك حقيقة لا خيال
ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطأ قبيحًا. وقال الموت عرض
والعرض لا يتجسم فضلا عن أن يذبح وهذا لا يصح فإن الله سبحانه وتعالى
ينشيء من الموت صورة كبش يذبح كما ينشيء من الأعمال صورا معاينة
يثاب بها ويعاقب، والله تعالى ينشيء من الأعراض أجساما تكون الأعراض
مادة لها، وينشىء من الأجسام أعراضا كما ينشئ سبحانه وتعالى من
الأعراض أعراضا ومن الأجسام أجساما فالأقسام الأربعة ممكنة مقدورة
للرب سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى ينشيء من الأعراض أجساما
يجعلها مادة لها كما في الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم: (تجيء
البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان))، الحديث، فهذه القراءة ينشئها
الله تعالى غمامتين، وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث(٢):
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٣٤٧).
(٢) أحمد (١٨٣٦٢)، (١٨٣٨٨)، وأخرجه ابن ماجه (٣٨٠٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٠٦)،
(٣٦٠٤٦) ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٦٩٣)، وفي المعجم الكبير (٢١
/ ٢/٢٤/٢١) البزار = البحر الزخار (٣٢٣٦)، والحاكم ١/ ٥٠٠، وأبو نعيم في الحلية
٢٦٩/٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص: ٢١٢)، وقال العراقي في المغني عن
حمل الأسفار (ص: ٣٥٥) أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه على شرط مسلم. وقال
البوصيري في مصباح الزجاجة (١٣٢/٤) هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه ابن أبي

١٩٧
كتاب صفة الجنة والنار
((إنهما يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتمجيده وتحميده ينعطفن حول
العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن حول العرش)) الحديث،
رواه الإمام أحمد، وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث
الآخر في عذاب القبر ونعيمه للصور التي يراها فيقول من أنت فيقول أنا
عملك الصالح، وأنا عملك الشيِّن. وهذا حقيقة لا خيال ولكن الله سبحانه
وتعالى أنشأ له وعليه صورة حسنة وصورة قبيحة وهذا النور الذي يقسم بين
المؤمنين يوم القيامة إلى نفس إيمانهم أنشأ الله سبحانه وتعالى لهم منه نورا
یسعی بین أیدیھم، فهذا أمر معقول لو لم يرد النص، فورود النص به من باب
تطابق السمع والعقل انتهى. فهذا ملخص من كلام صاحب حادي
الأرواح(١).
٥٧٦٤ - وَعَن أنس ◌َّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ يُّؤْتِى بِالْمَوْتِ يَوْمِ الْقِيَامَة
كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَحِ فَيُّوقف بَيْن الْجِنّةِ وَالنَّارِ ثمَّ يُنَادِي مُنَاد يا أهل الْجِنَّة فَيَقُولُونَ
لِبْكِ رَبِنَا قَالَ فَيَّقَال هَل تعرِفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم رَبنَا هَذَا الْمَوْت ثمَّ يُنَادي
مُنَادِ يَا أهل النَّارِ فَيَقُولُونَ لبيْك رَبِنَا قَالَ فَيُقَال لَهُم هَل تعرِفُون هَذَا فَيَقُولُونَ
نعم رَبِنَا هَذَا الْمَوْتِ فَيَذْبَحِ كَمَا تذبح الشَّاة فَيَأْمَن هَؤُلَاءِ وَيَنْقَطِعِ رَجَاء
=
الدنيا والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ورواه مسدد في مسنده ورواه أبو بكر بن
أبي شيبة في مسنده. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٥٨)، وصحيح الترغيب
والترهيب (١٥٦٨).
(١) انظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٤٠٠) وما بعدها.

١٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هَؤُلاءِ. رواه أبو يعلى (١) واللفظ له والطبراني(٢) والبزار(٣) وأسانيدهم
صحاح.
قوله رحمه الله تعالى: ((وعن أنس))، هو ابن مالك، تقدم الكلام عليه
رضي الله تعالى عنه. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (١٥٧) (يؤتى
بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار))، الحديث،
تقدم الكلام على الكبش الأملح في الأحاديث قبله. قوله وَّل: ((ثم ينادي
مناد: يا أهل الجنة!)»، الحديث، تقدم الكلام على قوله: ((لبيك ربنا)» في الباب
قبله وغيره. قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((فيقال: هل تعرفون هذا؟
فيقولون: نعم ربنا، هذا الموت))، الحديث، كان يزيد الرقاشي رحمه الله
تعالى يقول في كلامه: ((أمن أهل الجنة من الموت فطاب لهم العبش، وأمنوا
من الأسقام فهنا لهم في جوار الله عز وجل طول المقام)»، ثم يبكي حتى تجري
دموعه على لحيته، قاله في حادي الأرواح (٤).
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٨٩٨)، وفي المعجم (٣١١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٣٩٥/١٠): رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط بنحوه والبزار ورجالهم رجال الصحيح
غير نافع بن خالد الطاحي وهو ثقة. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢٧٦/٨):
رواه أبو يعلى والطبراني والبزار، وأسانيدهم صحاح. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٣٧٧٤).
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٣٦٧٢).
(٣) أخرجه البزار (٧٢٤٠).
(٤) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ٤٠٣).

١٩٩
كتاب صفة الجنة والنار
٥٧٦٥ - وَعَنِ ابْن عمر ◌َّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلّهِ إِذا صَار أهل الْجَنَّة
إِلَى الْجِنَّة وَأهلِ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجْعَلِ بَيْن الْجِنَّة وَالنَّار
فَيَذْبَح ثمَّ يُنَادِي مُنَاد يَا أهل الْجَنَّةُ لَا موت يَا أهل النَّار لَا موت فَيَزْدَاد أهل
الْجِنَّةِ فَرِحا إِلَى فَرَحهمْ وَأهل النَّار حزنا إِلَى حزنهمْ.
وَلّ قَالَ: يدْخل الله أهل الجنّة الْجنَّة وَأهل
٥٧٦٦- وَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي
النَّارِ النَّارِ ثُمَّ يقوم مُؤذن بينهم فَيَقُول يَا أهل الجنَّة لَا موت وَيَا أهل النَّار لا
موت كل خَالِد فِيمَا هُوَ فِيهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم(١) ولنختم الكتاب بِمَا ختم
بِهِ البُخَارِيّ رَحمَه الله كِتَابِه وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله
وَّر كلمتان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان
سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمَ(٢).
قَالَ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم مملي هَذَا الْكِتَاب ◌َقُوَِّهُ وَقد تمّ مَا
أرادنا الله بِهِ من هَذَا الْإِمْلَاء الْمُبَارك ونستغفر الله سُبْحَانَهُ مِمَّا زل بِهِ اللُّسَان أَو
دَاخِله ذُهُول أَو غلب عَلَيْهِ نِسْيَان فَإِن كل مُصَنف مَعَ التؤدة والتأني وإمعان
النّظر وَطول الْفِكر قل أَن يَنْفَكّ عَن شَيْء من ذَلِك فَكيف بالمملى مَعَ ضيق
وقته وترادف همومه واشتغال باله وغربة وَطنه وغيبة كتبه وَقد اتّفق إملاء عدَّة
مِن الْأَبْوَابِ فِي أَمَاكِن كَانَ الْأَلْيَقِ بهَا أَن تذكر فِي غَيرِهَا وَسبب ذَلِك عدم
استحضارها فِي تِلْكَ الأَمَاكِن ونذكرها فِي غَيرهَا فأمليناه حسب مَا اتّفق
(١) أخرجه البخاري (٦٥٤٨)، ومسلم (٤٢ و٤٣ - ٢٨٥٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٠٦) و(٦٦٨٢) و(٧٥٦٣)، ومسلم (٣١ - ٢٦٩٤).

٢٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَقدمنَا فهرست الْأَبْوَابِ أول الْكتاب لأجل ذَلِك وَكَذَلِكَ تقدم فِي هَذَا
الإِمْلَاءِ أَحَادِيث كَثِيرَة جدا صِحَاح وعَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا وَلَكِن
لم ننبه على كثير من ذَلِك بل قلت غَالِبًا إِسْنَاد جيد أَو رُوَاته ثِقَات أَو رُوَاة
الصَّحِيحِ أَو نَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا منع من النَّص على ذَلِك تَجْوِيز وجود عِلّة لم
تحضرني مَعَ الْإِمْلَاءِ وَكَذَلِكَ تقدم أَحَادِيث كَثِيرَةٍ غَرِيبَة وشاذة متْنا أو إِسْنَادًا
لم أتعرض لذكر غرابتها وشذوذها وَالله أسأَل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه
الْكَرِيمِ وَأَن ينفع بِهِ إِنَّه ذُو الطول الْوَاسِعِ الْعَظِيمِ.
قوله رحمه الله تعالى: ((وفي رواية: يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار
النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت)) الحديث. وهذا
الأذان فإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار، ولهم نداء
آخر يوم زيارتهم ربهم تبارك وتعالى يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك
فيسارعون إلى الزيارة كما يؤذّن مؤذن الجمعة إليها، وذلك في مقدار يوم
الجمعة كما مر فيباب زيارتهم الرب عز وجل، والله تعالى أعلم، قاله أيضا في
حادي الأرواح(١).
سؤال: ملك الموت هل يجيء بعدما يموت وهل قول من قال بأنه لا
يجيء لئلا تكدر حياته عيش أهل الجنة حق أم لا؟ وهل في كتاب الله تعالى
أو في سنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أو الآثار المعتمدة التي يرجع
الحكم إليها في مثل هذه الواقعة ما يدل على ذلك أو لا. قال شيخ الإسلام
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: ١٦٤).