Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: ((وعن سلمان)) هو الفارسي، تقدمت ترجمته مرارًا زَّ لَهُ.
قوله ◌َ﴾ في هذا الحديث ويوضع الصراط مثل حد الموسى، وفي حديث
ابن مسعود الذي بعده قال: يوضع الصراط على سواء (٩٢/ أ) جهنم مثل
حد السيف المرهف، الحديث، وسواء جهنم بالفتح والمد مثل سوى
بالكسر والقصر وسواء الشيء وسطه لاستواء المسافة إليه من الأطراف. وفي
الحديث أيضا: يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، معناه في وسطها
ومعظمها، قاله ابن سيدة.
٥٤٨٩- وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َوَّلَهُ قَالَ: يوضع الصِّرَاط على سَوَاء
جَهَنَّم مثل حد السَّيْف المرهف مدحضة مزلة عَلَيْهِ كلاليب من نَار يخطف
بهَا فممسك يهوي فِيهَا ومصروع وَمِنْهُم من يمر كالبرق فَلَا ينشب ذَلِك أَن
ينجو ثمَّ كَالرِّيحِ فَلَا ينشب ذَلِك أَن ينجو ثمَّ كجري الفرس ثمَّ كرمل الرجل
ثُمَّ كمشي الرجل ثمَّ يكون آخِرهم إنْسَانا رجل قد لوحته النَّار وَلَقي فِيهَا شرا
حَتَّى يدْخِلهُ الله الْجِنَّة بِفضل رَحمته فَيْقَال لَهُ تمن وسل فَيَقُول أَي رب أتهزأ
مني وَأَنْتِ رَبِ الْعِزَّةِ فَيْقَال لَهُ تمن وسل حَتَّى إِذا انْقَطَعت بِهِ الأَمَانِي قَالَ لَك
مَا سَأَلْت وَمثله مَعَه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن وَلَيْسَ فِي أُصَلِّي رَفعه (١)
=
(٢٢٢١)، والآجري في الشريعة (٨٩٤، ٨٩٥)، وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم
والحكم (ص: ٢١٧) وخرجه الحاكم مرفوعًا وصححه ولكن الموقوف هو المشهور،
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٢٦)، وفي الصحيحة (٩٤١).
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠٣/٩ رقم ٨٩٩٢). وقال الهيثمى في المجمع ٣٦٠/١٠:
=

٤٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَتقدم بِمَعْنَاهُ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَةِ الطَِّيل.
قوله في حديث ابن مسعود: ((مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار))
الحديث، المزلة مفعلة من زل يزل إذا زلق والمزلة بفتح الزاي وكسرها
وتقدم الكلام على المدحضة وعلى الكلاليب وأنها جمع كلوب.
قوله: ((ومنهم من يمرّ كالبرق فلا ينشب)) أن ينجو، معنى ينشب أي لم
یمکث ولم يحدث شيئا حتى فعل ذلك.
قوله: ((ثم كرَمَل الرجل)) الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا
وتقدم الكلام على ذلك في مواضع من هذا التعليق. قوله {وَله: ((فيقال له تمنَّ
وسل. فيقول: أي رب أتهزأ مني وأنت رب العزة. فيقال له: تمنّ وسل حتى
إذا انقطعت به الأماني)) الحديث، تقدم الكلام على قوله: ((سل وتمنى))،
وعلى قوله: ((أتهزأ مني)) قريبًا.
٥٤٩٠- وعن أم مبشر الأنصارية نَظَرايتها أنها سمعت رسول الله وَيه يقول
عند حفصة لا يدخل النار إن شاء الله من أهل الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها
ج
قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾(١)،
فقال النبي ◌َّ قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِى الَّذِينَ أَثَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا
=
رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عاصم، وقد وثق. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب (٣٦٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.
(١) سورة مريم، الآية: ٧١.

٤٠٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
جِئِيًّا ﴾﴾(١) رواه مسلم (٢) وابن ماجه(٣).
قوله: ((وعن أم مبشّر الأنصارية)) قال النووي في شرح مسلم(٤) في قول
مسلم: دخل النبي ◌َّ على أم مبشّر الأنصارية في نخل لها، هكذا هو في أكثر
النسخ دخل على أم مبشر وفي بعضها دخل على أم معبد أو أم مبشر، قال
الحافظ المعروف في رواية الليث أم مبشر بلا شك ووقع في رواية غيره أم
معبد كما ذكره مسلم بعد هذه الرواية. ويقال فيها أيضًا أم بشير فتحصل لنا
على أنه يقال لها أم مُبشر وأم بشير وأم معبد. [وقال] أبو عمر بن عبد البر:
قيل اسمها خليدة بضم الحاء ولا يصح وبعض أهل العلم يقول أن أم مبشر
هذه امرأة زيد بن حارثة وطائفة تقول أنها غيرها وأم مبشر قيل ابنة البراء بن
معرور لها صحبة أسلمت وبايعت روت عن النبي و ◌َل﴾ وعن حفصة بنت عمر
بن الخطاب على خلاف. روى عنها جابر بن عبد الله ومجاهد بن جبر.
قوله: ((أنها سمعت النبي وَلل يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء الله
تعالى من أهل الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها. قالت: بلى يا رسول الله،
فانتهرها)) الحديث، حفصة هي بنت عمر بن الخطاب زوجة رسول الله وَ الخالد
والمبايعة تحت الشجرة كانت عام الحديبية، بايعوا رسول الله وَخلاله على
(١) سورة مريم، الآية: ٧٢.
(٢) صحيح مسلم (١٦٣) (٢٤٩٦).
(٣) سنن ابن ماجه (٤٢٨١).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٢١٣).

٤٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الموت دونه وعلى أن لا ينفروا وقد كان ◌َّالله في ظل شجرة على ظهره غصن
من أغصانها والشجرة هي شجرة الرضوان بالحديبية. قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ
رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾(١) فلما بايعوا قال لهم
رسول الله وَله: أنتم اليوم خير أهل الأرض، وكان عددهم ألفا وخمسمائة
وعشرين وقيل ألفًا وأربع مائة وقيل ألفا وثلاثمائة. والمبايعة المعاهدة
والمحالفة ومبايعتهم إياه ◌َّ التزام طاعته وبذل الوسع في امتثال أوامره
وأحكامه ومبايعته إياهم الوعد بالثواب على ذلك، اهـ.
تنبيه: الحديبية بضم الحاء المهملة وفتح الدال وتخفيف الياء، كذا قال
الشافعي نَّاللَ وبتشديد الياء عند أكثر النحويين. وقال ابن المديني أهل
المدينة يثقلونها وأهل العراق يخففونها وهي قرية سميت ببئر هناك وقيل
سميت حَدبا هنالك وكانت الصحابة رَّ هَم بايعوا رسول الله وَالله [تحت
الشجرة وتسمى بيعة الرضوان كما تقدم] (٢) وهي على مرحلة من مكة والله
أعلم. قوله: (قالت: بلى)) بلى إيجاب المنفي أي يدخلها أصحاب الشجرة.
قوله: ((فانتهرها رسول الله وَليّ)) قال صاحب الغريب: الانتهار الزجر، يقال
نهره (٩٢/ ب) وانتهره [إذا استقبله بكلام زجره، وقال بعضهم: يقال نهره
وانتهره] أي زبره ويجوز أن يقرأ بالزاي المعجمة أي دفعها يقال نهزه ووكزه
وهمزه أي ضربه ودفعه، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: ((فقالت حفصة
(١) سورة الفتح، الآية: ١٨.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٤٠٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
ج
وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾)) الحديث، في هذا الحديث فضيلة أهل بدر
والحديبية. وقوله وَّجله: ((لا يدخل النار إن شاء الله)) الحديث. قال العلماء:
معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا كما صرح به في حديث حاطب وإنما قال: إن
شاء الله للتبرك لا للشك، وأما قول حفصة: ما قالت وقد قال الله: ﴿وَإِن
مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية، فقال ◌َّهِ: قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾(١)
ففيه دليل للمناضرة والاعتراض، والجواب على وجه الاسترشاد وهو
مقصود حفصة لا أنها أرادت ردّ مقالتِهِ وَّ﴾. وقد اختلف أهل العلم في معنى
الورود هاهنا: فقال ابن عباس: هو الدخول، والضمير في قوله: واردها للنار
وإليه ذهب الأكثرون. وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله الذين
اتقوا، الآية، والنجاة إنما تكون بعد الدخول، والصحيح أن المراد بالورود في
الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها
وينجو الآخرون. وقوله تعالى: ﴿وَّنَذَرُ اٌلِّلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾﴾(٢) أي نترك
الذين ظلموا في النار جائين على الرُّكب، أي جالسين عليها.
٥٤٩١- وعن أبي سمية قال اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها
مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فلقيت جابر بن
عبد الله فقلنا إنا اختلفنا ههنا في الورود فقال تردونها جميعا فقلت له إنا
اختلفنا في ذلك فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعا
(١) سورة مريم، الآية: ٧٢.
(٢) سورة مريم، الآية: ٧٢.

٤٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله وَليل يقول
الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا
وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من
بردهم ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين رواه أحمد (١) ورواته ثقات
والبيهقي بإسناد حسنه(٢).
قوله: «وعن أبي سُميّة)) وأبو سميّة اسمه لا يعرف وانفرد عنه كثير بن زياد
قوله: ((إنا اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا:
يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فذكر الحديث إلى أن قال:
(١) أحمد (١٤٥٢٠)، وأخرجه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١١٢٧)، وعبد بن
حميد (١١٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٠)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول
(٩٩، ٩٩١)، وقال الزيلعى في تخريج أحاديث الكشاف (٣٣٣/٢) والبيهقي في شعب
الإيمان وقال: إسناده حسن وبهذا السند والمتن رواه ابن مردويه في تفسيره ورواه النسائي
في کتاب الکنی أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا سليمان به
وله طريق آخر رواه الحاكم في مستدركه في كتاب الأهوال ... وقال صحيح الإسناد ولم
يخرجاه. قال البوصيري إتحاف الخيرة المهرة (٨/ ٢٠٧) رواه عبد بن حميد والحارث
بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي، ومدار أسانيدهم على أبي سمية، وهو مجهول. ورواه
الحاكم من وجه آخر وصححه. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٦١٥٦).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٧٠) قال البيهقي: هذا إسناد حسن ذكره البخاري في التاريخ
وشاهده في الحديث الثابت عن أبي الزبير، عن جابر، عن أم مبشر، عن النبي ێ مثله، إلا
أنه قال: خامدة قال أبو عبيد: وإنما أراد تأويل قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]
ج
فيقول ورودها، ولم يصبهم من حرها شيء إلا ليبر الله قسمه .

٤٠٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله
يقول: الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها))، معناه لم يدخل
دخولا تخليديا، ويجب التأويل بمثله جمعا بين الآيات والأحاديث فتكون
على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن النار أو قال لجهنم
ضجيجا من بردهم، الحديث. تقدم الكلام على الاختلاف في الورود في
الحديث قبله فلما وجب ورود النار بمقتضى قوله: ﴿وَإِن مِّنِكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا﴾(١)، وكان في القوم من لا يُعذّب اختلفت مراتبهم في ورودها فمنهم
ج
من يمر على الصراط المنصوب عليها متعاليا عنه مبعَدًا عنها مع الإسراع
كالبرق أو كالريح ونحو ذلك فلا يحسون ألمها بل لا يسمعون حسيسها كما
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَى أَوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾
و
لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾(٢) الآية، ومنهم من يُلزم بالمرور على الصراط من
غير تجاف عنه لما يقتضيه علمه وحاله إلا أنه يدركه اللطف فيغلب نور
إيمانه لهب النار فيطفئه كما جاء في الحديث: إن النار تقول للمؤمن جز يا
مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ولا يخفى عليك أن هذا القول من النار لا يكون
إلا للمؤمن الضعيف البطيء السير فكيف يكون انطفاء النار بنور المؤمن
القوي وكيف يكون خمود النار إذا ركز النبي وَِّ حربَتَه على الصراط
المنصوب عليها لا جرم أنه جاء في الحديث أن المؤمنين يمرون بالنار
(١) سورة مريم، الآية: ٧١.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠١-١٠٢.

٤٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ويخلصون منها إلى الجنة فإذا رأوا الجنة قالوا: ليس قد وُعِدنا بورود النار
فما لنا ما وردناها، فتقول لهم الملائكة قد وردتم النار ولكن حين وردتموها
كانت خامدة فإذا اقتضى اللطف في القضاء الموجب لسكّانها إماتتهم ظهرت
عناية الله سبحانه وتعالى بالمؤمنين ولاح من ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا
يحب أن يعذِّبهم وكيف يعذبهم وقد شفع فيهم نبيهم وَّ فقد (٩٣/ أ) ثبت في
الحديث أنه وَلّ رفع يديه ودعا ثم سجد ثم قام فدعا ثم سجد ثم قام فدعا
فسجد ثلاثا فلما سُئل عن ذلك قال: سألت ربي في أمتي فأعطاني ثلثهم ثم
سجدت شكرا ثم سألته فيهم فأعطاني الثلث الثاني فسجدت شكرا ثم سألته
فيهم فأعطاني الثلث الباقي فسجدت شكرًا.
قوله: ((لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها)) تقدم الكلام على البر والفاجر في
الباب قبله. قوله وحَّله: ((فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على
إبراهيم حتى أن للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم)) الآية، فهذا ميراث
ورثه المسلمون من حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام فنار المحبة في قلوب
المؤمنين، تخاف منه جهنم(١) [قال: الجنيد رحمة الله عليه: قالت النار يا رب
لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني قال نعم كنت أسلط عليك
ناري الكبرى قالت: وهل نار أعظم مني وأعظم قال نعم نار محبتي أسكنها
قلوب أوليائي المؤمنين. قاله ابن رجب الحنبلي(٢).
(١) هنا فقرة لم سقط جلها، والصحيفة الثانية من اللوح بيضاء «في النسخة الهندية».
(٢) التوحيد لابن رجب (ص: ٤٩)، وجامع العلوم والحكم (٧٢٦/٢).

٤٠٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
تنبيه فيه بشرى: قال ابن الفرات في تاريخه وهو أربعة أجزاء: إذا كان يوم
القيامة تهبّ ريح قدرته على نار جهنم فتصير تحت أقدام أمة محمد وَّةٍ،
فیمرون علیها وهي خامدة، اهـ.
٥٤٩٢- وعن قيس هو ابن أبي حازم قال كان عبد الله بن رواحة واضعا
رأسه في حجر امرأته فبكت امرأته فقال ما يبكيك قالت رأيتك تبكي فبكيت
قال إني ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾(١) ولا أدري أنجو
منها أم لا رواه الحاكم (٢) وقال صحيح على شرطهما كذا قال.
قوله: ((وعن قيس)) هو ابن أبي حازم أبو عبد الله، واسم أبي حازم حصين
بن عوف، ويقال: عبد عوف بن الحارث، وقيل: عوف بن الحارث من بني
أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار الأحمسي البجلي، أدرك الجاهلية،
وأسلم وجاء إلى النبي وَّ ليبايعه، فوجده قد توفي، يعد في تابعي الكوفة،
وقد ذكر في أسماء الصحابة مع اعترافهم أنه لم ير النبي وَخلاله روى عن العشرة
(١) سورة مريم، الآية: ٧١.
(٢) الحاكم في المستدرك (٥٨٨/٤) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: فيه إرسال، وأصاب بذلك؛ فإن عبد الله بن رواحة زَ الَة
توفي في حياة النبي وَّة، في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة، ورواية قيس بن أبي حازم عنه
مرسلة-كما في التهذيب (٢١٢/٥). وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٣١٠)، ووكيع في
الزهد (٣٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٦٥٧٦)، وأحمد في الزهد (ص ٢٤٩)، وهناد
في الزهد (٢٢٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٤٢٣)، وابن جرير في تفسيره (١١٠/١٦)
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١١١).

٤١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلا عن عبد الرحمن بن عوف، وروى عن بلال بن رباح، وعبد الله بن
مسعود، وعمار بن ياسر وجرير بن عبد الله، وجماعة كثيرة من الصحابة،
وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو.
روى عنه أبو إسحاق السبيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش،
وطارق بن عبد الرحمن، وجماعة كثيرة من التابعين.
شهد النهروان مع علي بن أبي طالب. قال ابن عيينة: ما كان بالكوفة أروى
عن أصحاب النبي وَّ من قيس بن أبي حازم. وطال عمره حتى جاوز المائة
بسنين كثيرة، ومات سنة ثمان وتسعين، أو سبع.
قوله: ((كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت
امرأته)) الحديث، هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو
بن امرىء القيس الأكبر بن مالك الأعز بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن
الحارث بن الخزرج الأنصارى الحارثى المدنى، شهد العقبة، وكان ليلتئذ
نقيب بنى الحارث بن الخزرج، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والحديبية،
وخيبر، وعمرة القضاء، والمشاهد كلها مع رسول الله وَّة إلا الفتح وما
بعدها، فإنه كان توفى قبلها يوم مؤتة، وهو أحد الأمراء فى غزوة مؤتة، وهو
خال النعمان بن بشير، وكان أول خارج إلى الغزوات وآخر قادم. وكان أحد
الشعراء المحسنين الذين يردون الأذى عن رسول الله وَله والإسلام
والمسلمين، وامرأته اسمها لا يعرف ، والحجر بفتح الحاء وكسرها وتقدم
الكلام على ذلك.

٤١١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
تنبيه: البكاء يمد ويقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا
قصرت أردت الدموع وخروجها قال كعب بن مالك:
بكت عيني وحقّ لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل
ووهم الجوهري في نسبته لحسان وتقدم ذلك أبسط من هذا في الجنائز
والله أعلم. قوله: ((قال إني ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنِكُمْ إِلَّا
ج
وَارِدُهَا﴾(١) الحديث، تقدم الكلام على الورود في الحديث قبله.
٥٤٩٣- وعن حذيفة وأبي هريرة نَّهَا قالا قال رسول الله وَّل يجمع الله
الناس فذكرا الحديث إلى أن قالا فيأتون محمدا ◌ً﴾ فیقوم ویؤذن له وترسل
معه الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق
قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف
يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم
أعمالهم ونبيكم رَّر قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز
أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زاحفا قال وفي حافتي
الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوش
في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفًا. رواه
مسلم(٢) ويأتي بتمامه في الشفاعة إن شاء الله وتقدم حديث ابن مسعود في
الحشر وفیه والصراط کحد السیف دحض مزلة قال فیمرون على قدر نورهم
(١) سورة مريم، الآية: ٧١.
(٢) صحيح مسلم (٣٢٩) (١٩٥).

٤١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر
كالريح ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملا فيمرون على قدر أعمالهم
حتى يمر الذي نوره على إبهام قدميه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق
رجل فتصيب جوانبه النار. رواه ابن أبي الدنيا(١) والطبراني(٢) والحاكم(٣)
واللفظ له وروى الحاكم(٤) أيضًا بإسناد ذكر أنه على شرط مسلم عن
(١) صفة الجنة لابن أبي الدنيا (٢٩).
(٢) الطبراني في الكبير (٩ / ٤١٦ - ٤٢١ / ٩٧٦٣) (٩ / ٤٢١ /٩٧٦٤).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٨٩/٤-٥٩٢) وقال: ((رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات،
غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في الصحيحين لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر
الصحابة، فأما الأئمة المتقدمون فكلمهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث
صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة، وتعقبه الذهبي
بقوله: «ما أنكره حديثا على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرف، وكان الحاكم قد أخرج
الحديث (٣٧٦/٢ -٣٧٧) من طريق أبي خالد نفسه، ثم قال: «هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ))، ووافقه الذهبي. ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي كما في
النهاية لابن كثير (١٧٣/٢ - ١٧٥). وأخرجه الدارقطني في الرؤية (١٦٥) (١٦٦) (١٦٧)،
وعبد الله بن أحمد في السنة (١٢٠٣) والبيهقي في البعث (٤٣٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠
/ ٣٤٣): ((رواه كله الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير أبي خالد الدالاني
وهو ثقة)).
(٤) الحاكم في المستدرك (٥٨٦/٤) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه
وقد رواه شعبة، عن إسماعيل السدي. أخرجه أحمد (٤٣٥/١) وأبو يعلى (٥٢٨٢)
والدارمي (٢٨١٣) والترمذي (٣١٥٩) وأبو يعلى (٥٠٨٩) والحاكم (٣٧٥/٢ و٥٨٦/٤)
والواحدي في الوسيط (١٩١/٣) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (٩٨)، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن، ورواه شعبة، عن السدي فلم يرفعه. ورواه شعبة عن إسرائيل فلم يرفعه.
=

٤١٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
(١)
ج.
المسيب قال سألت مرة عن قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا﴾
فحدثني أن ابن مسعود حدثهم أن رسول الله ◌َي قال يرد الناس ثم يصدرون
عنها بأعمالهم وأولهم كلمح البرق ثم كلمح الريح ثم كحضر الفرس ثم
کالراکب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه.
قوله: ((وعن حذيفة وأبي هريرة)) حذيفة هو ابن اليمان العبسي اليمني ثم
الأنصاري صاحب سر رسول الله وَهدية أطلعه رسول الله وَّل على المنافقين،
وكان عمر رَوَّ إذا مات واحد منهم يتبع حذيفة فإن صلى عليه فهو أيضا
يصلي عليه وإلا فلا. مات بالمدائن سنة ست وثلاثين، قاله الكرماني(٢)،
وتقدم الكلام على مناقب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((فيأتون محمدًا بَّة، فيقوم ويؤذن له وترسل معه الأمانة والرحم
فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا)) الحديث. أما تقومان فبالتاء المثناة من
فوق والمؤنثتين الغائبتين تكونان بالتاء المثناة من فوق والله أعلم. وأما
جنبتي الصراط بفتح الجيم والنون ومعناهما جانباه، وقيل: ناحيتاه. قال ابن
=
أخرجه أحمد (٤٣٣/١) والترمذي (٣١٧/٥) والطبري (١١١/١٦) والحاكم (٥٨٧/٤)
والترمذي (٣١٦٠) قال الترمذي: قال عبد الرحمن قلت لشعبة إن إسرائيل حدثني عن
السدي عن مرة عن عبد الله عن النبي ◌َّ، قال شعبة وقد سمعته من السدي مرفوعا ولكني
عمدا أدعه. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٨٠٨١)، والمشكاة ٥٦٠٦،
والصحيحة (٣١١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣٠).
(١) سورة مريم، الآية: ٧١.
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٨/١٥).

٤١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأثير: جنبة الوادي بفتح النون جانبه وناحيته وإما إرسال الأمانة والرحم فهو
لعظم أمرهما وكبير موقعهما فتُصوّران مشخّصتين عند الصراط على الصفة
التي يريدها الله تعالى: ويقومان بقربه فإنه ممر الصالح وعليه يمر الداني
(٩٣/ ب) والقاصي يشهد أن للأمين والواصل على الخائن والقاطع والله
أعلم. وقال صاحب التحرير في الكلام اختصار والسامع فهم أنهما يقومان
ليطالبا كل من يريد الجواز بحقهما، اهـ. قوله وَبِير: ((فيمرّ أولكم كالبرق))
فذكره إلى أن قال: ((ثم كمرِّ الريح ثم كمرِّ الطير وشد الرجال تجري بهم
أعمالهم)) فهو كالسفير لقوله وَطلّ: ((فيمر أولكم كالبرق ثم كالريح، معناه
أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم(١) وأما شدّ
الرجال فهو بالجيم جمع رجل هذا هو الصحيح المشهور المعروف، ونقل
القاضي عياض(٢) أنه في رواية ابن هامان بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان
في المعنى، وشدها عدوها البالغ وجريها. وقوله مَير: ((حتى يجيء الرجل فلا
يستطيع السير إلا زحفا)) بسكون الحاء أي مشيا على اليد كمشي الطفل أول
أمره، ويقال منه زحف وأزحف وزحفوا إليهم في القتال مشوا إليهم قليلا
قليلا تشبيها بذلك ويزحفون على إستاهم في خبر اليهود، قاله عياض. قال
ابن دريد وغيره الزحف هو المشي على الإست مع إشرافه بصدره، اهـ.
قوله: ((وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به))
(١) شرح النووي على مسلم (٧٢/٣).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٨٥)، وانظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (١٢٥/٣).

٤١٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
الحديث حافتي الصراط هو بتخفيف الفاء وهم جانباه وتقدم الكلام على
الكلاليب وإنها جمع كلوب، قوله: ((مخدوش ناج ومكدوش في النار))
المكدوش هو بالدال ووقع في أكثر الأصول هنا مكردس بالراء ثم الدال وهو
قريب من معنى المكدوش وتقدم شيء من ذلك في الباب قبله أو قبل قبله.
قوله : ((والذي نفسي بيده إن قعر جهنم لسبعين خريفا)) الحديث، وقع في
بعض الأصول لسبعون بالواو وهذا ظاهر وفيه حذف تقديره أن مسيرة قعر
جهنم مسيرهُ سبعون سنة ووقع في معظم الأصول والروايات لسبعين بالياء
وهو صحيح أيضا، وهو رواية الكتاب، أما على مذهب من يحذف المضاف
ويبقي المضاف إليه على جره فيكون التقدير سير سبعين وأما على أن قعر
جهنم لكائن في سبعين خريفا والخريف السنة هكذا ذكره النووي (١). ((ولا
يخفى ما فيها من معاني التكلف وكثرة الحذف وأسهل من ذلك أن نصب
الجزءين في باب ليت وأخواتها نطقت بها العرب، قال الشاعر:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا إن حراسنا أسدا
قوله {﴾ في حديث ابن مسعود: ((ومنهم من يمر كشد الرجل)) يريد به شدة
العدو، ومنه حديث السعي لا يقطع الوادي إلا شدا، أي عدوا. والعدْوُ هو
الإسراع في المشي. قوله: ((ويرمل رملا))] (٢) تقدم معنى الرمل في أماكن
متقدمة من هذا التعليق.
(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ٧٣).
(٢) سقطت هذه الصحيفة من النسخة الهندية.

٤١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((ثم كحُضْر الفرس)) وحضر بضم الحاء المهملة وبعدها ضاء
معجمة ساكنة العدو. وقوله: ((ثم كالراكب في رحله)) يقال لدار الإنسان
ومسكنه ومنزله رحل، والله أعلم.
٥٤٩٤- وعن عبيد بن عمير رَقُوالَهُ عن النبي وَّ قال الصراط على جهنم
مثل حرف السيف بجنبتيه الكلاليب والحسك فيركبه الناس فيختطفون
والذي نفسي بيده وإنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. رواه
البيهقي (١) مرسلا وموقوفا على عبيد بن عمير أيضا.
قوله: ((وعن عبيد بن عمير)) هو عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر
الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة. ولد في زمن رسول الله - وَالو-، ويقال:
رآه، وهو معدود في كبار التابعين،سمع عمر، وأبا ذر، وعبد الله بن عمرو بن
العاص، وعائشة. ولم يسمع من أبيه شيئا، ولا يذكره، روى عنه عطاء بن أبي
رباح، وعمرو بن دینار، ومجاهد، مات قبل ابن عمر.
قوله: ((الصراط على جهنم مثل حد السيف بجنبتيه الكلاليب والحسك
فيركبه الناس فيختطفون)) الحديث، بجنبتيه بفتح النون وسكونها، وتقدم
ضبط ذلك في الإنفاق في وجوه الخير في قوله قائلة: ما طلعت شمس إلا بعث
بجنبتيها ملكان، الحديث. وتقدم الكلام على الكلاليب والحسك قريبا.
قوله وسيدة: ((والذي نفسي بيده إنه ليُؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة
ومضر)) الحديث، ربيعة ومضر اسم القبيلتين من قبائل العرب.
(١) البعث والنشور للبيهقي (٤٠٣)، (٤٠٤).

٤١٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
٥٤٩٥ - وعن أبي هريرة زَو ◌ّه قال قال رسول الله وَل يلقى رجل أباه يوم
القيامة فيقول يا أبت أي ابن كنت لك فيقول خير ابن فيقول هل أنت مطيعي
اليوم فيقول نعم فيقول خذ بأزرتي فيأخذ بأزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى
وهو يعرض بين الخلق فيقول يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت
فيقول أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني، قال فيمسخ الله أباه
ضبعا فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول الله يا عبدي أبوك هوى فيقول لا
وعزتك، رواه الحاكم(١)، وقال صحيح على شرط مسلم، وهو في البخاري (٢)
إلا أنه قال: يلقى إبراهيم أباه آزر فذكر القصة بنحوه.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَية: ((يلقى رجل
أباه يوم القيامة فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن)) وفي
البخاري: يلقى إبراهيم أباه آزر، الحديث. وروى (٩٤/ أ) البخاري في
أحاديث الأنبياء(٣) وفي التفسير(٤) عن إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني أخي
(١) الحاكم في المستدرك (٥٨٩/٤)، وأخرجه البزار = البحر الزخار (٩٨٦٤)، كشف
الأستار عن زوائد البزار (٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١١٨/١): رواه البزار،
ورجاله ثقات. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١٩٩/٨): رواه أحمد بن منيع
هكذا مرسلا، ورواته ثقات، ثم رواه مرفوعًا بسند صحيح من حديث أبي هريرة نحوه.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٦٣١).
(٢) صحيح البخاري (٣٣٥٠).
(٣) صحيح البخاري (٣٣٥٠).
(٤) صحيح البخاري (٤٧٦٩).

٤١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صاالله
وسلم
عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي
قال: يلقى إبراهيم عليَلنا آباه آزر يوم القيامة على وجه آزر فترة وغبرة، فيقول
له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول
إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أن
يكون أبي في النار. فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال:
يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ [بقوائمه]
ويلقى في النار، ورواه النسائي والبزار(١) والحاكم(٢) في آخر المستدرك عن
أبي سعيد أن النبي وَّ قال: ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة [يريد] أن
يدخله الجنة؟ قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك لأن الله قد حرم الجنة
على كل مشرك. قال: فيقول أي رب أبي، فيُحوّل في صورة قبيحة وريح منتنة
فيتركه، قال: فكان أصحاب رسول الله وَّه يرون أنه إبراهيم عليه الصلاة
والسلام ولم يزدهم رسول الله وَّ على ذلك ثم قال: صحيح على شرط
(١) أخرجه البزار ((كشف الأستار)) (٩٤ و٩٥). قال البزار: لا نعلم رواه إلا التيمي، ولا عنه
إلا ابنه، وهو حديث غريب. ((كشف الأستار)) (٩٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١١٨/١) رواه أبو يعلى والبزار، ورجالهما رجال الصحيح. وقال البوصيري في إتحاف
الخيرة المهرة (٢٢٤/٨) رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه بلفظ واحد، والبزار
والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٢) الحاكم في المستدرك (٥٨٧/٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٠٤٩)، وابن حبان (٢٥٢) (٦٤٥). وصححه
الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٣١٤/١).

٤١٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
الشيخين. قوله في الحديث الأول: فيأخذ بأزرته، الأزرة هي معقد الإزار.
وقوله أيضا في حديث الكتاب: فيمسخ الله أباه ضبُعا، الحديث. والحكمة في
كونه مُسخ ضبعا دون غيره من الحيوان أن الضبع أحمق الحيوان ومن حمقه
أنه يغفل عما يجب التيقظ له ولذلك قال علي بن أبي طالب رَّهُ: لا أكون
كالضبع يسمع الكدم فيخرج حتى يُصاد والكدم الضرب الخفيف فلما لم
يقبل آزر النصيحة من أشفق الناس عليه وقبل خديعة عدوه الشيطان أشبه
الضبع الموصوفة بالحمق لأن الصياد إذا أراد أن يصيدها رمى في جحرها
بحجر فتحسبه شيئًا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك، ولأن آزر لو
مسخ كلبا أو خنزيرا لكان فيه تشويه لخلقه فأراد الله تعالى إكرام إبراهيم عليه
الصلاة والسلام بجعل أبيه على هيئة متوسطة. يقال ذيخته أي ذللته. [((قوله:
يقال ذيخته أي ذللته لعله قدمه هنا مخرج المبيضة ومحله عقب قوله قريبا:
والأنثى ذيخة، فيضبط الفعل من هذه المادة والله أعلم))](١). فلما خفض
إبراهيم لأبيه جناح الذل من الرحمة، فلم يقبل حشر، بصفة الذل يوم القيامة.
اهـ، قاله الكمال الدميري في كتابه حياة الحيوان.
قوله في حديث الأنبياء: ((فإذا هو بـ(ذيخ] متلطخ)) أي فيمسخ إلى صورة
[ذيخ]، و[الذيخ] بكسر المعجمة وسكون التحتانية هو ذكر الضباع، والأنثى
ذيخة وأراد بالتلطخ التلطخ برجيعه أو بالطين، كما قال في الحديث الآخر
بذيخ أمدر أي متلطخ بالمدر ويلقى في النار حيث لا تبقى له صورته التي هي
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٤٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سبب الخزي فهو عمل بالوعد والوعيد كليهما. تنبيه: فإن قلت إذا أدخل الله
أباه النار فقد أخزاه لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ الثَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ,﴾(١)
وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد وأنه محال.
قلت: لو لم يدخل النار لزم الخلف في الوعيد وهذا هو المراد بقوله: حرم
الجنة على [الكافرين]، اهـ قاله الكرماني(٢). والله أعلم. وفي حديث الخليل أيضا
عليه الصلاة والسلام أنه يحمل أباه ليجوز به الصراط فينظر إليه فإذا هو عيلام
أمدر، العيلام ذكر [الضبع] والياء والألف زائدتان، قاله في النهاية(٣). والله أعلم.
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٢.
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٣٣/١٨).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩٢).