Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
العلماء إلى أن الخشوع لابد منه في الصلاة وإلا فلا تصح والخشوع قطب
البدن وما احتوى عليه واتفقوا على أن محله القلب وهو ذبول يرد على
القلب عند الوقوف بين يدي الحق، وللناس فيه عبارات مختلفة وتقدم ذلك
في بابه.
القنطرة الثالثة: يسأل فيها عن صوم شهر رمضان فإن جاء به تاما جاز وله
مصحّحات (٨٣/أ) ومفسدات ذكرها العلماء في كتب الفقه وفيه وفي فضله
من الأحاديث ما لا یکاد یحصی وتقدم ذلك في بابه.
القنطرة الرابعة: يسأل فيها عن الزكاة ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة. قال
الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾(١)، فإن أدّاها على الوضع
الشرعي جاز العقبة وإن منعها أو منع منها شيئا فقد تسبب لنفسه في عذاب
مهول، وتقدمت الأحاديث في ذلك.
القنطرة الخامسة: يسأل فيها عن الحج والعمرة والحج أحد أركان
الإسلام وهو فرض عين بالإجماع بعد الكتاب والسنة وقد ورد في فضله
أحاديث كثيرة تقدمت.
القنطرة السادسة: يسأل فيها عن الوضوء والغسل فإن جاء [بهما] تامّين
جاز وإلا فهو محبوس في شدة وعناء زيادة على ما هو على ظهره من أوزاره،
والغسل والوضوء واجبان بالكتاب والسنة وإجماع الأمة عندما يقتضي
إيجابهما ولابد من الإتيان بهما على الوجه الشرعي وإلا فهو باق على ما كان
(١) سورة النور، الآية: ٥٦.

٣٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه من الحديث الأكبر والأصغر ولهما شروط وأركان مذكورة في كتب
الفقه فيجب على كل مسلم تعلم ذلك ومتى أخّر عصى واستحق العقوبة
والله أعلم.
القنطرة السابعة: وليس في القناطر أصعب منها: يسأل فيها عن ظلامات
الناس. وفي الصحيح أن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط حبسوا على قنطرة
يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا. وقال بعض السلف: إن الرجل
يحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا، ومظالم العباد
كثيرة لا تنحصر حتى لو نظر شخص إلى شخص بعين التهديد أو الاحتقار
بغير حق فهو ظلم، والآيات والأخبار في ذلك كثيرة جدا تقدمت، فإذا سلم
العبد من هذه القناطر، ومن يسلم منها وأمروا بالمرور على الصراط مُرُوا
أفواجا: المرسلون ثم النبيئون ثم الصديقون ثم المحسنون ثم الشهداء ثم
المؤمنون ثم العارفون وتبقى المسلمون مرورهم على قدر إيمانهم وأعمالهم
وسيد المرسلين واقف على الصراط يقول: يا رب سلم سلم فمنهم من يمر
كالبرق الخاطف الحديث. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال المصطفى وَالاله
فإذا صار الناس على [طرف] الصراط نادى ملك من تحت العرش يا فطرة
الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف على كل عاص منكم وظالم فيا
لها من ساعة ما أعظم خوفها وما أشد حره.
تنبيه: فإذا فرغ الخلق من الحساب فيقسم الخلق على أقسام ناج مطلق
وهو الذي رجحت حسناته وطاشت سيئاته وقسم قضى الله عليه بالعذاب

٣٤٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
مدة وهو من الموحدين [بما] استوجبه ولم يجب عليه الخلود في النار لكونه
من أهل الإيمان وقسم وجب عليه الخلود في النار لكونه من الكفار فهؤلاء
الأصناف إذا مرّوا على الصراط كان المؤمنون الناجون متباطئين في سرعة
الجواز فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح إلى آخره فيقطعون
الصراط ويسيرون إلى الحوض، وأما الكفار [فينقطعون] بين الصراط في
إدراك النار فلا يقطعون ظهر الصراط حتى يلج الجمل في سم الخياط. وأما
عصاة الموحدين الذين قضى الله عليهم مدة بالعذاب في النار فإنهم إذا مروا
على الصراط تخطفهم الكلاليب وتجتذبهم إلى النار فمنهم من يغمس فيها
غمسا ثم يخرج ومنهم من يبقى فيها ساعة وساعات إلى آخر من يخرج من
النار. قوله ◌َّر في الحديث: ((فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم أشد
مناشدة الله يوم القيامة في استيفاء الحق من المؤمنين الله يوم القيامة لإخوانهم
الذين في النار)) الحديث، وفي رواية في استقصاء الحق بالصاد للكافة وعند
بعضهم بضاد معجمة وعند (٨٣/ ب)) السمرقندي في استيصاء الحق ولا
وجه له [وعند] العذري والشجري، استيفاء الحق كما في رواية الكتاب
والأول أولى. [واعلم] أن هذه وهي استيفاء الحق ضبطت على أوجه:
أحدها استيضاء بتاء مثناة من فوق ثم مثناة من تحت ثم ضاد معجمة. والثاني
بحذف المثناة من تحت، والثالث استيفاء بإثبات المثناة من تحت وبالفاء
بدل الضاد. والرابع استقصاء بمثناة من فوق ثم قاف ثم صاد مهملة فالأول
موجود في [كثير] من الأصول ببلادنا والثاني هو الموجود في أكثرها والثالث

٣٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في بعضها وهو الموجود في الصحيحين لعبد الحق والرابع في بعضها ولم
يذكر القاضي غيره، وجميع الروايات التي ذكرناها صحيحة ولكل منها معنى
حسن وفيه كلام مطول في تفسير كل رواية والله أعلم. قوله: ((فيقال لهم
أخرجوا من عرفتم فتحرّم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا))
الحديث، أخرجوا من الإخراج خطابا للملائكة، وتقدم الكلام على تحريم
الصور على النار وعلى دارات الوجوه وعلى السبعة أعضاء التي أمر
بالسجود علیھا.
قوله: ((فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه)) الحديث،
فحديث أبي سعيد الخدري هذا بيّن في أن الإيمان يزيد وينقص كما تقدم عن
العلماء وهو مذهب أهل السنة فإن قوله: ((أخرجوا من في قلبه مثقال دينار
نصف دینار وذرة)) يدل على ذلك.
وقوله: ((من خير)) يريد به من إيمان أي من أعمال الإيمان التي هي أعمال
الجوارح فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من شرائع الإيمان. ومنه
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾(١)، وقد قيل أن المراد في هذا
الحديث أعمال القلوب كأنه يقول: أخرجوا من عمل عملا بنية من قلبه
لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) [وضرب بمثقال الذرة
المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: ((من كان في قلبه ذرة)) هذا
(١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.

٣٤٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته نية](١). وقال
القاضي عياض (٢): قيل معنى الخير المذكور في الحديث هنا اليقين. قال:
والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي
هو التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا التجزِّي لشيء زائد عليه من عمل
صالح أو ذِكر خفيّ أو عمل من أعمال القلب من شفقة على مسكين أو رقة
على يتيم أو خوف من الله تعالى، فما هي من أفعال القلب دون الجوارح،
وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلنا
ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشرك والإخلاص بقوله: لا
إله إلا الله، [ما في] الحديث، ثم هو بعد ذلك يقبض قبضة فيخرج قوما لم
يعملوا خيرا قط يريد إلا التوحيد المجرد عن الأعمال، وقد جاء مبينا فيما
رواه الحسين عن أنس في حديث مطول في الشفاعة وفيه: فأقول يا رب ائذن
لي فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك أو قال ليس ذاك إليك،
وعزتي وكبريائي وعظمتي وكبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله [قاله
النووى في شرحه] (٣).
قوله [أي الله عز وجل]: ((ثم يقول ارجعوا)) خطابا للملائكة كما تقدم.
(١) حصل تقديم في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (وقد قيل أن المراد في هذا الحديث
أعمال).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١ / ٥٦٦)، شرح النووي على مسلم (٣١/٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٣٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقوله تعالى: ((فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه)) الحديث،
وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير. وقوله تعالى: ((من
كان في قلبه مثقال ذرة)» هذا دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له
القلب وصحبته نية كما تقدم، وفيه دليل أيضا على زيادة الإيمان ونقصانه
كما تقدم أيضا، وهو مذهب أهل السنة ومثقال الذرة من الخير ما يزن كذا،
[والمراد بالذرة واحدة الذر وهو] (١) [والذر] النمل الصغير الأحمر واحدته
ذرة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾(٢)، وسئل ثعلب عنها
فقال: إنّ ((٨٤/ أ)) مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها وليس لها وزن.
ویحکی أن رجلا وضع خبزا حتی علاه الذر وستره ثم وزنه فلم یزد شيئا.
وهو أصغر ما يكون إذا مر عليها حول لأنها تصغر وتجري كما تفعل الأفعى.
وروي عن ابن عباس أنه قال: الذرة رأس النمل.
وقال صاحب المغيث(٣): قال بعض العلماء: الشعيرة أربع رزات والرزة
أربع سمسمات والسمسمة أربع خردلات والخردلة أربع ورقات نخالة
والورقة أربع ذرات، وقد تشبه أجزاء الغبار التي ترى عند طلوع الشمس في
الكوة بالذرات والذرة النملة الحمراء. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة
ليس لها وزن، وتقدم ذلك أيضا عن ثعلب، وذكر عن بعضهم قال: وضعت
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٠.
(٣) المجموع المغيث (١ / ٦٩٦- ٦٩٧).

٣٤٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
كذا وكذا ذرة في كفة الميزن فلم تترجح [بها]. وقال آخر وضعت خبزا فغشيته
النمل بحيث عمّته فوزنته [مع النمل ثم نقيته فوزنته] فما نقص من وزنه شيء،
وتقدم ذلك لكن هذه العبارة أوضح. وقيل الذرة ليس [لها] في الدنيا وزن أصلا
فأخبر الله تعالى أنه یحاسب في الآخرة بما لا وزن له في الدنیا، اهـ.
تنبيه: ورد في حديث آخر (١): أخرجوا من النار من وجدتم في قلبه مثقال
حبة [من](٢) خردل من إيمان أو كما ذكر، والحبة بفتح الحاء واحدة الحب
المأكول من الحنطة ونحوها، والخردل نبات معروف، قال الخطابي (٣):
الحبة من الخردل مثل ليكون عيارا في المعرفة وليس بعيار في الوزن لأن
الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، اهـ. ولكن ما يشكل في العقول
قد يرد إلى عيار المحسوسات ليعلم ومعنى الحديث أنه يدخل الجنة من كان
في قلبه أقل قدر من الإيمان؛ والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل [الخيور]
ولا خير أعظم منه. قال النووي(٤): قال العلماء: المراد بحبة الخردل زيادة
على أصل التوحيد: وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ففي رواية أخرجوا من
قال لا إله إلا الله وعمل من خير ما يزن كذا، ثم بعد هذا يخرج منها من لم
يعمل خيرا قط غير التوحيد.
(١) صحيح البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤) عن أبي سعيد الخدري ثـ
(٢) سقطت هذا اللفظ من النسخة الهندية.
(٣) فتح الباري (١ / ٧٣)، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١ / ١١٧).
(٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١/ ١١٧).

٣٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فإن قيل: كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟
[قلنا]: يجعل الله سبحانه وتعالى علامات يعرفون ذلك بها كما يعلمون كونهم
من أهل التوحيد. قال: وفيه أن الأعمال من الإيمان لقوله وَّة: ((خردل من
إيمان)) والمراد ما زاد على أصل التوحيد، اهـ. وتقدم معنى ذلك معزُوًّا لغيره.
قوله في الحديث: ((ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا)) هكذا هو خيرًا
بإسكان الياء، أي صاحب خير. قوله: ((فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة
وشفع النبيئون ولم يبق إلا أرحم الراحمين)) شفعت الملائكة هو بفتح الفاء.
قال النووي: وإنما ذكرته وإن كان ظاهرا لأني رأيت من يصحفه ولا خلاف
فيه، يقال شفع يشفع شفاعة فهو شافع وشفيع والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل
الشفاعة والمشفع بفتحها الذي تقبل شفاعته. قوله: ((فيقبض قبضة من النار))
معناه يجمع جماعة. قوله: ((فيخرج منها قوم من النار لم يعملوا خيرا قط))
فهؤلاء أحر قتهم النار جمیعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه بحيث
صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار، فظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم
مثقال ذرة من خير، فهذا السياق يدل على ذلك. وفي الحديث الآخر:
لأخرجن من قال لا إله إلا الله. قال القاضي عياض (١): فهؤلاء الذين معهم
مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار على أنه
أذن لمن عنده شيء زائد من العمل على مجرد الإيمان وجعل الشافعين من
الملائكة والنبيين دليلا عليه وتفرد الله سبحانه وتعالى بعلم ما (٨٤/ ب) تُكِنُّه
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١ / ٥٦٧)، شرح النووي على مسلم (٣١/٣).

٣٤٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان، اهـ.
قوله: ((قد عادوا حُمَما)) ليس بلازم في عادَه أن يصير إلى حالة كان عليها قبل
ذلك، بل معنى عادوا صاروا، اهــ وحمما الحمم بضم الحاء المهملة وفتح
الميم جمع حُمَمة وهي الفحمة واحدة الفحم بفتح الحاء. قال ابن دريد: ولا
يقال بسكونها وهو الجمر إذا [طفئ] ناره. قال القاضي (١): وقياس هذا الباب
السكون والفتح، اهـ. قاله عياض. قوله: «فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال لها
نهر الحياة)) الحديث، النهر فيه لغتان مشهورتان بفتح الهاء وإسكانها والفتح
أجود وبه جاء القرآن العزيز، ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه
وتقدم ذلك قريبا. وأما الأفواه فجمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة
وهو جمع سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها وأفواه
الجنة [شرقها] يقال فوهة النهر والطريق أي فمه وأوله كأنه يريد مفتتحات
مسالك قصور الجنة ومنازلها. قاله عياض(٢). قال صاحب المطالع(٣) كأن
المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها.
قوله: ((فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل)) الحديث. قال
[القتيبي] شبه نبات لحومهم بعد إحراقها بنبات الطاقة من النبت حين يطلع
يكون صبيغا فما يلي الشمس من أعاليها أخضر وما يلي الظل أبيض، قاله في
(١) انظر: شرح النووي على مسلم (٣٢/٣).
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١٦٥/٢).
(٣) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢٧٥/٥).

٣٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
النهاية (١). وتقدم الكلام على حميل السيل والحِبة مبسوطا في الحديث قبله.
قوله: ((ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس
أَصَيْفِر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض)) الحديث، أمّا يكون
في الموضعين الأولين فتامة ليس لها خبر معناها ما يقع وأصيفر وأخيضر
مرفوعان، وإما يكون أبيض [فتكون] ناقصة وأبيض منصوب وهو خبرها.
لطيفة. قوله: ((أصيفر))، الاصفرار من جنس ألوان الرياحين ولهذا يسر
الناظرين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ
اَلنَّظِرِينَ﴾(٢)، وسيد رياحين الجنة الحناء وهو أصفر وملتوية أي منعطفة
منثنية وذلك أيضا يزيد الريحان حسنا يعني اهتزازه وتميله أي الذي في قلبه
مثقال حبة من إيمان يخرج من ذلك الماء نضرا حسنا متنشطا متبخترا
كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة، انتهى، قاله
(٣)
الكرماني(٣).
قوله وقال: ((فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم)) الحديث. أما اللؤلؤ
فمعروف وفيه أربع قراءات في السبع بهمزتين في أوله وآخر وبحذفهما
وبإثبات الهمز في أوله دون آخره وعكسه، وأما الخواتم فجمع خاتم بفتح
التاء وكسرها ويقال خيتام وخاتام، قال صاحب التحرير المراد بالخواتيم هنا
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٠/٣).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٦٩.
(٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١ / ١١٧).

٣٥١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
أشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في أعناقهم علامة يعرفون بها، قال: ومعناه
تشبيه صفاتهم وتلألئهم باللؤلؤ والله أعلم. وفي حديث أبي هريرة: يكتب
على جباههم عتقاء الرحمن وهذا يعارض. ووجه الجمع بين الحديثين أن
يكون بعضهم سيماهم في وجوههم وبعضهم سيماهم في رقابهم وقد يعبر
بالرقبة عن جملة الشخص، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾(١)، وقال ◌َخلال في
حديث الخيل: ((ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها)) [فعبر] برقابها عن
جملتها. فإن قيل: كيف سألوا محو ذلك ذلك الاسم عنهم وهو اسم شريف
لأنه سبحانه وتعالى أضافهم إليه، وقد جاء في حديث المتاحبون في الله تعالى
فيكون في جباههم هؤلاء المتحابون في الله تعالى ولم يسألوا محوه.
فالجواب أنهم إنما يسألوا محو ذلك بخلاف المتحابين (٨٥/ أ)) في الله تعالى
لأنه أنفوا أن يُنسبوا إلى جهنم التي هي دار الأعداء واستحيوا من إخوانهم من
أجل ذلك فلما منّ الله عليهم بدخول الجنة أرادوا كمال الامتنان بزوال هذه
النسبة عنهم. وروي في حديث: أنهم إذا دخلوا الجنة قال أهل الجنة هؤلاء
الجهنميون فعند ذلك يقولون إلهنا لو تركتنا في النار كان أحب إلينا من العار
فيرسل الله تعالى ريحا من تحت العرش يقال لها المسرة فتهب على
وجوههم فتمحو الكتابة [وتزيدهم] بهجة وجمالا، اهـ، قاله في الديباجة.
[تتمة. قال القرطبي (٢): وذكر الكلابادي أبو بكر محمد بن إبراهيم في بحر
(١) سورة النساء، الآية: ٩٢.
(٢) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٨٥).

٣٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفوائد له (١) قال: حدثنا أبو نصر محمد بن إسحاق الرشادي فذكره إلى أن
قال: حدثنا نعيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن أبي قلابة: قال كان لي ابن أخ
يتعاطى الشراب فمرض فبعث إليّ ليلا أن ألحق به فأتيته فرأيت أسودين قد
دنيا من ابن أخي فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، هلك ابن أخي فاطلع أبيضان
من الكوة التي في البيت فقال أحدهما لصاحبه انزل إليه فلما [تنحى]
الأسودان فجاء فشم فاه فقال ما أرى فيه ذكرا ثم شم بطنه فقال ما أرى فيه
صوما ثم عاد فشم رجليه فقال ما أرى فيهما صلاة. فقال له صاحبه: إنا لله
وإنا إليه راجعون رجل من أمة محمد وَّةٍ ليس له من الخير شيء؟ ويحك
عدُ فانظر. فعاد فشم فاه فقال: ما أرى فيه ذكرا ثم عاد فشم بطنه فقال ما أرى
فيه صوما ثم عاد فشم رجليه فقال: ما أرى فيهما صلاة فقال ويحك رجل من
أمة محمد ليس معه من الخير شيء؟ اصعد حتى أنزل أنا، فنزل الآخر فشم
فاه وقال: ما أرى فيه ذكرا ثم شم بطنه فقال ما أرى فيه صوما ثم شم رجليه
فقال: ما أرى فيهما صلاة. قال: ثم عاد فأخرج طرف لسانه فشم لسانه ثم
قال: الله أكبر، أراه قد كبر تكبيرة بأنْتَاكيةَ يريد بها وجه الله تعالى. قال: ثم
فاضت نفسه وشممت في البيت رائحة المسك، فلما صليت الغداة قلت
لأهل المجلس هل لكم في رجل صالح من أهل الجنة، وحدثتهم حديث ابن
أخي فلما بلغت ذكر أنتاكية قالوا: ليست بأنتاكية هي أنطاكية. قلت: لا والله
لا أسمِّيها إلا كما سمّاها الملك، اهـ. قال: فهذه تكبيرة أراد بها وجه الله زائدة
(١) بحر الفوائد (المشهور بمعاني الأخبار) للكلاباذي (٦٠٩).

٣٥٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
على الشهادة التي هي شهادة الحق التي هي الإيمان بالله تعالى كما تقرر،
فشفاعة النبي وسيلة والملائكة والنبيئين والمؤمنين لمن كان له عمل زائد على
مجرد التصديق ومن لم يكن معه مع الإيمان خير هو الذي يتفضل الله عليه
فيخرجه من النار فضلا وكرما وعدا منه حقا [وكلمة] صدقا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (١)، فسبحان الرءوف
ج
بعبده الموفي بعهده، اهـ، قاله في الديباجة](٢).
تنبيه: ورد في الخبر الصحيح أن أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون
فيها ولا يحيون وأما عصاة هذه الأمة الذين أصابتهم النار بذنوبهم أو قال
بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة
فيهم فيجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة
أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل ويسمى هؤلاء عتقاء الله
تعالى، اهـ. فأما قوله: ((الذين أصابتهم النار بذنوبهم)) فمعناه أن المذنبين من
المؤمنين يميتهم الله إماتة بعد أن يُعذبوا المدة التي أراد الله سبحانه وتعالى،
وهذه الإماتة إماتة حقيقة يذهب معها الإحساس ويكون عذابهم على قدر
ذنوبهم ثم يميتهم ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي
قدرها الله ((٨٥/ ب)) تعالى يخرجون من النار موتى قد صاروا فحما
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٢) حصل تقديم لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: (قوله في الحديث:
(ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا) هكذا هو خيرا بإسكان الياء، أي صاحب خير).

٣٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فيحملون ضبائر. قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة. وقوله: ((فبثوا))
هو بالباء الموحدة المضمومة وبعدها ثاء مثلثة ومعناه فرقوا فيحملون كما
تحمل الأمتعة ويلقون على أنهار الجنة فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون ثم
تشتدّ [قوّتهم] بعد ذلك ويصيرون إلى منازلهم فهذا الظاهر من لفظ
الحديث، ومعناه. وحكى القاضي عياض فيه وجهين: أحدهما أنه إماتة
حقيقة والثاني ليست بموت حقيقي ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالآلام والله
أعلم، ويجوز أن تكون آلامهم أخف، هذا كلام القاضي والمختار ما قدمناه.
قاله النووي(١).
تنبيه أيضا: قد اختلفت الآثار في مقدار بقاء العصاة في النار، فقال الإمام
أبو العباس الإقليشي لم أجد في ذلك حدا في صحيح الآثار غير أن الإمام أبا
حامد الغزالي ذكر في الإحياء (٢) حال عصاة الموحدين فقال أن أقل بقاء
العاصي في النار لحظة وأكثره سبعة آلاف عام لما ورد به الإخبار، اهـ
تنبيه أيضا: هذا الحديث حجة لأهل السنة على المرجئة [أي الفرقة
الملقبة بالمرجئة، ولقبوا بالمرجئة لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه،يقال
أرجئت الأمر أي أخرته بهمز ولا يهمز، أو لأنهم يعطون الرجاء حيث
يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والله أعلم،
قاله في الديباجة،] حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ
(١) شرح النووي على مسلم (٨٣/١٧).
(٢) إحياء علوم الدين (٢٦/٤).

٣٥٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار وحجة على
المعتزلة أيضا حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار والله أعلم.
٥٤٦٧- وعن أنس رَّةُ قال كنا عند رسول الله وَليلةٍ فضحك فقال هل
تدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه فيقول يا
رب ألم تجرني من الظلم يقول بلى فيقول إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا
إلا مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا قال
فيختم على فيه ويقول لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام
فیقول بعدا لکن وسحقا فعنکن كنت أناضل رواه مسلم (١)
أناضل بالضاد المعجمة أي أجادل وأخاصم وأدافع
قوله: ((وعن أنس)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((عند النبي ◌َّ- فضحك
فذكره إلى أن قال: فقال يا رب ألم تجرني من الظلم)) معناه ألم تنقذني من
الظلم فإني ما أشركت بك شيئا ولا ارتكبت معصية وتعذيب من هذا صفته
ظلم وجنابك المقدس منزه عنه، يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه.
وقوله: ((قال: فيقول بلى)). قال النبي وَيُّه: يقول الله تعالى بلى أي ارتكبت
المعصية. قوله: ((فيقول: إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا إلا مني)) أي لا
أنفذ وأمضي، مِن أجاز أمره يجيزه إذا أمضاه وجعله جائزا، قاله في النهاية(٢).
قوله: «فیقول: کفی بنفسك اليوم عليك حسيبا والكرام الكاتبين شهودا)). قال
(١) صحيح مسلم (١٧) (٢٩٦٩).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣١٥/١).

٣٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الزمخشري: فإن قلت لم ذكر الحسيب؟ قلت لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي
والأمين لأن هذه الأمور الغالب أن يتولاها الرجال فكأنه قيل: كفى بنفسك
رجلا حسيبا وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك من جعلك والله
حسيب نفسك. قوله: ((ويقال لأركانه انطقي)) أي [لأعضائه وجوارحه
وأركان] كل شيء [جوانبه التي يستند إليها ويقوم بها]، [قوله: ((ثم يخلي بينه
وبین الكلام))، ومعنى يخلي بينه وبينه أي بينه وبين أركانه، قوله: (( ... ))، أي
الجوارحه وأركان كل شيء نواحيه،] قوله: («فيقول بعدا لكُنّ وسحقا)) أي
هلاكا، ويجوز أن يكون من البعد ضد القرب. قاله في النهاية(١).
قوله: ((فعنكُنَّ كنت أناضل)) أي أجادل وأخاصم وأدافع، قاله المنذري.
وقال بعض العلماء أي أدافع لئلا تُعذّبن. يقال: فلان يُناضل عن فلان إذا
تكلم عنه بعذره ودفع والأصل فيه المراماة، [يقال انتضل القوم وتناضلوا إذا
رموا السبق، وناضله إذا رماه] (٢) فأصله من المناضلة بالسهام.
٥٤٦٨- وعن أبي هريرة رَّالَّه قال قرأ رسول الله وداخل هذه الآية يومئذ
تحدث أخبارها الزلزلة ٨ قال أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم قال
فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا
و کذا رواه ابن حبان في صحيحه. (٣)
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١ /١٤٠).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) صحيح ابن حبان (٧٣٦٠)، وأخرجه ابن المبارك في مسنده (٩٣) وعنه أحمد (٣٧٤/٢)،
=

٣٥٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: ((وعن أبي هريرة تقدم))، قوله وَلخير: ((يوم ندعو كل أناس بإمامهم))،
قال يُدعى أحدهم فیعطی كتابه بيمينه ویمدُّ له في جسمه ستون ذراعا ویبیض
وجهه، الحديث. وقال ابن عمر: قال رسول الله وَّ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾(١) فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة
والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم (٨٦/ أ)) فأهل البدع والأهواء،
ذكره الخطيب أبو بكر الحافظ من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر.
فائدة يختم بها الباب: ومما يجلبه الموت على الإسلام من المنافع بياض
الوجوه يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ إلى
قوله: ﴿فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾(٢)، فجعل الله سبحانه وتعالى
الذين ابيضت وجوههم قسيما للذين اسودت وجوههم وبيّن أن الذين
=
والترمذي (٢٤٢٩ و٣٣٥٣) والنسائي في الكبرى (١١٦٢٩)، والبزار في مسنده - البحر
الزخار - (٨٥٤٩)، والبغوي في شرح السنة (١٥ / ١١٧)، وفي التفسير (٨ / ٥٠٢)،
والحاكم (٢/ ٥٨٠)، والبيهقي في الشعب (٧٢٩٨).
وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح ووافقه النووى في الرياض ١ / ١٥٣)، وقال
الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه عبد الحق في الأحكام
الكبرى (٣ / ٣٨٩)، (٤ / ٢٤٦) والحديث اختلف فيه فقيل: أخرجه الحاكم في
المستدرك (٢٥٦/٢) (٢/ ٥٣٢)، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم
يخرجاه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٢١٠٤)، والضعيفة (٤٨٣٤)،
وضعيف الجامع الصغير (٦٤٥٠).
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.

٣٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اسودت وجوههم هم الذي يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم؟ فاقتضى ذلك أن
كل مؤمن يبيض وجهه وأن كل من ابيض وجهه خالد في رحمة الله. وأما
الكافر فيسود وجهه، فهذا مما يقوّي في نفسك أن سواد الوجوه لا يكون إلا
للكافرين فكل مؤمن يبيض وجهه بحمد الله تعالى وبه قال أبي بن كعب
واختاره الطبري(١). وقال الحسن: السود وجوههم هم المنافقون وهو
تنصيص على بعض الكفار. وقال مالك بن أنس: هم أهل الأهواء. وقال ابن
عباس(٢): تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. وفي الحديث ما
يؤيده، والمراد بأهل الأهواء وأهل البدعة من يقدح هواهم [وبدعتهم] في
الإيمان. ومما يقوي في نفسك وجوه المؤمنين أيضا قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ
يَوْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴾﴾(٣)، الآية. يريد سبحانه وتعالى بذلك وجوه المؤمنين،
يدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى عقب ذلك: ﴿وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
﴾﴾(٤) الآية، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا
يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌوَلَا ذِلَّهُ﴾(٥) الآية. ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَِّّئَاتِ﴾(١) الآية،
(١) تفسير الطبري (٥/ ٦٦٦) وقال وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب القول الذي
ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٣٩٥٠)، تفسير الثعلبي (١٢٤/٣)، تفسير القرطبي (١٦٧/٤)،
تفسير ابن كثير (٢ / ٩٢).
(٣) سورة عبس، الآية: ٣٨.
(٤) سورة عبس، الآية: ٤٠.
(٥) سورة يونس، الآية: ٢٦.

٣٥٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
وقد ظهر لك من هذه الآية أن المراد بالذين كسبوا السيئات الكفار بدليل ذكر
خلودهم في النار والله أعلم.
وَّرَ فِي قَوْله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أَنَاِسٍ
٥٤٦٩- وَعنْهُ زَّوَّهُ عَنِ النَّبِي
بِإِمَمِهِمْ﴾(٢) قَالَ يدعى أحدهم فَيَعْطِى كِتَابِه بِيِمِينِهِ ويمد لَهُ فِي جِسْمِه ◌ِتُّونَ
ذِرَاعًا ويبيض وَجهه وَيَجْعَل على رَأسه تَاج من لُؤْلُؤْ يتلألأ قَالَ فَيَنْطَلق إِلَى
أَصْحَابه فيرونه من بعيد فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِهم فَيَقُول
أَبْشِرُوا فَإِن لكل رجل مِنْكُم مثل هَذَا وَأما الْكَافِرِ فَيَعْطِى كِتَابِه بِشمَالِهِ مسودا
وَجهه ويمدلَهُ فِي جِسْمه سِتُّونَ ذِرَاعًا على صُورَة آدم وَيجْعَل على رَأسه تَاج
من نَار فيراه أَصْحَابِهِ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ اخزه فَيَقُول أبعدكم الله فَإِن لكل رجل
مِنْكُم مثل هَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْنِ حبَانِ فِي صَحِيحِه وَاللَّفْظِ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي
الْبَعْث (٣).
=
(١) سورة يونس، الآية: ٢٧.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٧١.
(٣) أخرجه الترمذى (٣١٣٦)، وابن حبان (٧٣٤٩)، والحاكم ٢٤٢/٢ -٢٤٣. وقال
الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب
(٢١٠٥) و(٢١٦٥) الضعيفة (٤٨٢٧). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.

٣٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فصل في الحوض والميزان والصراط
الحوض مجتمع الماء، يقال استحوض الماء إذا اجتمع، ويجمع أحواضا
وحياضًا.
٥٤٧٠- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رَّهنا قال: قال رسول الله وَله
حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه
كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا.
٥٤٧١- وفي رواية حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من
الورق. رواه البخاري(١) ومسلم(٢).
قوله: ((عن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) تقدمت مناقبه.
قوله : ((حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من
المسك وكيزانه كنجوم السماء)) الحديث، وفي رواية: والذي نفسي بيده
لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وفي رواية: وإن فيه من الأباريق كعدد
نجوم السماء، وغير ذلك من الروايات. قال النووي(٣): الصواب المختار أن
هذا العدد للآنية على ظاهره وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي
ولا شرعي يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكدا بالقسم كما قال ◌َله:
(١) صحيح البخاري (٦٥٧٩).
(٢) صحيح مسلم (٢٧) (٢٢٩٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٥ / ٥٦).