Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
عن أبي قلابة قال: قال رسول الله وَيقول: البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا
يموت، ولكن كما شئت كما تدين تدان. ثم قال: هذا مرسل. [فإذا استوى
كل واحد على قبره فمنهم العريان والمكسو والأسود والأبيض ومنهم من
يكون له نور کالمصباح الضعيف ومنهم من يكون له نور کالمصباح إلى آخر
الحديث [إلا أنّ كل] واحد منهم لا يزال مطرقا برأسه ما يدري ما يصنع ألف
عام حتى يظهر من [الغرب] نار لها دوي [يساق] فيدهش لها [رءوس]
الخليقة إنس وجن ووحش وطير فيأتي كل واحد من الخلق عمله ويقول له:
قم فانهض إلی المحشر فمن کان له حينئذ عمل جيد أشخص له عمله بغلا
ومنهم من يشخص له حمارا ومنهم من يشخص له عمله كبشا تارة يحمله
وتارة [يكفيه] ويجعل لكل واحد منهم نورا [شعاعي بين] يديه وعن يمينه [من
الدرة](١).
٥٤٦١- وعن أبي أمامة رُّهُ قال قال رسول الله وَّ يجيء الظالم يوم
القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه
وعرف ما ظلمه به فما يبرح الذين ظلموا يقصون من الذين ظلموا حتى
ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات فإن لم يكن لهم حسنات رد عليهم من
سيئاتهم حتى يوردوا الدرك الأسفل من النار، رواه الطبراني في الأوسط (٢)
(١) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت قبل قوله: ([وتقدم] الكلام على
العراة والغرل. وأما البهم فجمع بہیم).
(٢) المعجم الأوسط (٥٩٧٦). أخرجه البخاري في التاريخ (٢٢٩٢٢٨/١/٢) - ولم يسق

٣٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ورواته مختلف في توثيقهم.
قوله: ((وعن أبي أمامة الباهلي)) واسمه صُديّ بن عجلان، تقدم الكلام
علی ترجمته.
قوله وَالخلية: ((يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم بين
الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه وعرف ما ظلمه به)) الحديث. قوله وَ له :
((حتى يورد الدرك الأسفل من النار)) الحديث، الدرك بالتحريك وقد يسكن
واحد الأدراك وقد قرئ بالوجهين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ فِى الدَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾(١)، وهي منازل في النار، والدرك إلى أسفل والدرج إلى
فوق، قاله ابن الأثير في النهاية (٢) والله أعلم.
تنبيه: أما مظالم العباد فلا بد من استيفائها، ففي معجم الطبراني(٣) عن
=
لفظه-، وحسين المروزي في زوائد الزهد (١٤٢٠/٤٩٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٣٥٤/١٠) رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (٤٩٥/١١) ٥٣١٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (٤١٨/٢).
(١) سورة النساء، الآية: ١٤٥.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١١٤).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٠/٦)، والحاكم (٦١٩/٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(٣٠٢٢). وقال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٢٠٩١/٥): رواه أحمد
والحاكم وصححه من حديث عائشة وفيه صدقة بن موسى الدقيقي ضعفه ابن معين
وغيره وله شاهد من حديث سلمان رواه الطبراني وهو منكر قاله الذهبي انتهى. قلت:
ورواه أحمد والحاكم من طريق صدقة بن موسى عن عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس
عن عائشة وقد ردَّ الذهبي على الحاكم تصحيحه وقال صدقة بن موسى ضعفه الجمهور
=

كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
٣٠٣
النبي وَّ: الظلم عند الله تعالى يوم القيامة ثلاث دواوين: ديوان لا يغفر الله
منه شيئا وهو الشرك بالله ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ﴾(١) الآية،
وديوان لا يترك الله منه شيئا وهو مظالم العباد بعضهم بعضا، وديوان لا يعبؤ
الله به شيئا وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل
على الكبائر والصغائر لكن مستحقه أكرم الأكرمين وما يعفو عنه من حقه
ويهبه أضعاف أضعاف ما يستوفيه وأمره أسهل من الديوان الذي لا يترك منه
لعدله وإيصال كل حق إلی صاحبه.
وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا
الميتة من المزابل وأكلوا الأطفال وكانوا يخرجون إلى الجبال ويتضرعون
فأوحى الله تعالى إلى أنبيائهم لو مشيتم إليّ بأقدامكم حتى تحفى ركبكم
وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم عن الدعاء فإني لا أجيب لكم
داعيا ولا أرحم منكم باكيا حتى تردّوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا فمطروا من
یومهم.
مسألة فقهية: فأما حقوق العباد فيتصور في مسائل كمن غصب أموالا ثم
تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو لانقراضهم
فاختلف في ذلك، فقالت طائفة لا توبة إلا بالأداء وقد تعذر فتعذرت التوبة
(٧٧/ ب) والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، قالوا
ويزيد بن بابنوس فيه جهالة.
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.

٣٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لأن هذا حق آدمي لم يصل إليه والله تعالى لا يترك من حقوق عباده شيئا بل
يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلابد أن يأخذ للمظلوم
حقه من ظالمه ولو لطمة أو كلمة أو رمية بحجر. وقالت طائفة يدفعها إلى
الإمام أو نائبه لأنه وكيل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال
الضائعة. وقالت طائفة أخرى بل باب التوبة مفتوح لهذا التائب ولم يُغلق عنه
ولا عن مذنب باب التوبة وتبوته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها والله
تعالى أعلم.
٥٤٦٢- وَرُوِيَ عَن زَاذَان قَالَ دخلت على عبد الله بن مَسْعُود وَقد سبق
إِلَى مَجْلِسه أَصْحَاب الْخَزّ والديباج فَقلت أدنيت النَّاس وأقصيتني فَقَالَ لي
ادن فأدناني حَتَّى أقعدني على بساطه ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول إِنَّه
يكون للْوَالِدِين على ولدهما دين فَإِذا كَانَ يَوْمِ الْقِيَامَة يتعلقان بِهِ فَيَقُول أَنَا
ولدكما فيودان أَو يتمنيان لَو كَانَ أَكثر من ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ(١).
٥٤٦٣ - وَعَن أنس بن مالك رَّ لَ قَالَ بَيْنا رَسُول الله ◌َّهِ جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ
ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ لَهُ عمر مَا أضْحكك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت
وَأَمي قَالَ رجلانٍ من أمتِي جثيا بَيَن يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا يَا رب خُذ
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢١٩/١٠ رقم ١٠٥٢٦). وقال الهيثمى في المجمع
١٠/ ٣٥٥: رواه الطبراني، عن عمرو بن مخلد، عن زكريا بن يحيى الأنصاري ولم
أعرفهما، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب
(٢١٠٢). ولم يدرج الشارح تحته شرحًا.

٣٠٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
لي مظلمتي من أخي فَقَالَ الله كَيفَ تصنع بأخيك وَلم يبْق من حَسَنَاته شَيْء
قَالَ يَا رب فليحمل من أوزاري وفاضت عينا رَسُول الله وَّرَ بالبكاء ثمَّ قَالَ إِن
ذَلِك لَيَوْمٍ عَظِيم يحْتَاجِ النَّاس أن يحمل عَنْهُم من أوزارهم فَذكر الحَدِيث
رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(١) وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْعَفو.
٥٤٦٤- وعن أبي هريرة زَقََّهُ قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة
فقال هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة قالوا لا، قال
فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فوالذي
نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما فيلقى
العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل
والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول
لا فيقول فإني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ألم أكرمك
وأسودك وأزوجك وأسخرلك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى
يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول إني أنساك كما نسيتني ثم
يلقى الثالث فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل
والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أظننت أنك ملاقي فيقول
(١) أخرجه الخرائطى في مساوىء الأخلاق (٦٠٢)، والحاكم (٥٧٦/٤). وصححه الحاكم
وتعقبه الذهبى فقال: فيه عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد، والأول ضعيف، وشيخه لا
يعرف. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب (١٤٦٩) و(٢١٠٣). ولم يدرج الشارح
تحته شرحا.

٣٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أي رب آمنت بك وبکتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ویشي بخير
ما استطاع فيقول ههنا إذا ثم يقول الآن نبعث شاهدا عليك فيتفكر في نفسه
من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه
ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي
يسخط الله عليه رواه مسلم(١).
ترأس بمثناة فوق ثم راء ساكنة ثم همزة مفتوحة أي تصير رئيسا. وتربع
بموحدة بعد الراء مفتوحة معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع
المغانم ويقال له المرباع.
قوله: ((عن أبي هريرة)) تقدم. قوله: ((قالوا يا رسول الله هل ترى ربنا يوم
القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليس في سحابة؟
قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا:
لا)) الحديث. تضارون، روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما
ومعنى التشديد لا تضارون غيركم في حال الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية
أو غيرها لخفائه، ومعنى المخففة لا يلحقكم في رؤيته ضير. قوله [صلى الله
تعالى عليه وسلم] في رؤية الشمس في الظهيرة، والظهيرة ساعة الزوال لأن
الشمس تظهر في ذلك الوقت أي تعلو غاية ما لها أن تعلو. وقال يعقوب:
الظهيرة نصف النهار حتى تكون الشمس حيال رأسك، انتهى.
قوله: ((فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا؟))
(١) صحيح مسلم (١٦) (٢٩٦٨).

٣٠٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
وسمى القمر بدرا لأنه يبادر الشمس، شبّه رؤية الباري سبحانه وتعالى برؤية
القمر لذلك إشارة إلى وضوحها وعدم الشك والمشقة والاختلاف فيها،
ومذهب جميع أهل السنة أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا،
[وأجمعوا] على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون ربهم دون الكافرين
وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله
تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا وهذا خطأ صريح
وجهل قببيح فقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين
ومن بعدهم إلى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة ولكن الجمهور من السلف
والخلف على أنها لا تقع في الدنيا ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها
الله تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير
ذلك لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا
على جهة الاشتراط ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة لله تعالى عن
ذلك بل يراه المؤمنون لا من جهة كما يعلمون لا من جهة. اهـ.
قوله: ((فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في
رؤية أحدهما)) أي ترون ربكم رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة وهو تشبيه
للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي. [اختلف العلماء] (١) في رؤية الله تعالى
فقال بعضهم لا يُرى الباري سبحانه وتعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقال
(١) هكذا في النسخة الهندية، والمثبت في الأصل بين المعقوفين: (وقال أو الليث السمر قندي:
تكلم الناس).

٣٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بعضهم: يراه أهل الجنة في الآخرة بغير تشبيه كما أنهم يعرفونه في الدنيا بغير
كيف ولا تشبيه فأهل الجنة يرونه بغير كيف ولا تشبيه كما شاء هو سبحانه
وتعالى، فأما من قال بأنه لا يُرى ذهب إلى قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ
اُلْأَبْصَرُ﴾(١)، وقال تعالى: [لموسى عليه الصلاة والسلام: رضيت؟ قال]:
﴿أَرِّ أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَئِنِى﴾(٢) ولفظة لن [تراني] تقتضي [الأبد]. وأما
من قال بالرؤية احتج بقوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَّاضِرَةُ ﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
﴾﴾(٣)، وقال في موضع آخر: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾(٤)، قال ابن
عباس: الزيادة النظر إلى وجهه تعالى، والأحاديث الواردة في الصحاح
صريحة بذلك، أهـ](٥).
قوله ◌َّة: ((فيلقى العبد ربه فيقول: أي فل)) الحديث، أي يا فلان حذفت
منه الألف والنون لغير ترخيم. وقال صاحب النهاية وغيره: أي فل أي حرف
ينادى به القريب وفل (٧٨ / أ) أي فلان وفُل بضم الفاء وإسكان اللام ومعناه
يا فلان كما تقدم وهو ترخيم على خلاف القياس، وقال ابن الأثير ليس
ترخيما لفلان لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيما لفتحوا اللام أو
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٤٣.
(٣) سورة القيامة، الآيات: ٢٢-٢٣.
(٤) سورة يونس، الآية: ٢٦.
(٥) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولم يُغلق عنه ولا عن
مذنب باب التوبة وتبوته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها والله تعالى أعلم).

٣٠٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
ضموها [وبه] قال سيبويه وقال ليست ترخيما وإنما هي صيغة ارتجلت في
باب النداء وقد جاء في غير النداء: قال: في [لغةِ أمسكَ] فلانا عن فُل،
[بكسر] اللام للقافية. وقال قوم إنها ترخيم فلان فحذفت النون للترخيم
والألف لسكونها وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم ومنه حديث أسامة
في الوالي الجائر يلقى في النار فتندلق أقتابه فيقال: أي فل أين ما كنت تصف؟
اهـ. قوله: ((ألم أكرمك وأسوِّدك)) بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في
قومك، اهـ، قاله المنذري. قوله: ((وأذرك ترأس)) بمثناة فوق ثم راء ساكنة ثم
همزة مفتوحة، أي تصير رئيسا، اهـ، قاله المنذري. وقال ابن الأثير (١): ترأس
القوم يرأسُهم رياسة إذا صار رئيسهم ومقدِّمهم ومعناه رئيس القوم وكبيرهم
ومنه الحديث، رأس الكفر من قبل المشرق ويكون إشارة إلى الدجال أو
غيره من رؤساء الضلال الخارجين بالمشرق، قاله في النهاية.
قوله: ((وتربع)) وقد ضبطه المملي بالتاء المثناة فوق والباء الموحدة فقال:
معناه يأخذ ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه وهو ربع المغانم ويُقال له المرباع،
اهـ. يقال ربعت القوم أربعهم إذا أخذت ربع أموالهم مثل عشرتهم أعشرهم
يريد ألم أجعلك رئيسا مطاعا لأن الملك كان يأخذ الربع من الغنيمة في
الجاهلية دون أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع وهو الربع من رأس ما
غنموه إذا غزى بعضهم بعضا ومنه قوله لعدي بن حاتم: إنا نأكل المرباع
وهو لا يحل لك في دينك ومنه شعر وفد تميم: نحن الرءوس وفينا يقسم الربع.
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٧٦/٢).

٣١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يقال: ربع وربع يريد ربع الغنيمة وهو واحد من أربعة، قاله في النهاية(١).
تنبيه: وفي رواية ابن هامان: ترتع بدل تربع بمثناة من فوق بعد الراء ومعناه
تتنعّم وقيل تأكل وقيل تلهو وقيل تعيش في سعة، قاله النووي في شرح
مسلم (٢).
قوله تعالى: ((فإني أنساك كما نسيتني)) أي أمنعك الرحمة كما امتنعت من
طاعتي.
وقال عياض (٣): قوله: أنساك كما نسيتني على طريق المقابلة في الكلام أي
أجازيك على نسيانك كما قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٤) أي يعاقبهم
عقابا صورته صورة المنسي بتركهم ومنعهم الرحمة والإعراض عنهم حيث
نجا غیرهم وفاز، اهـ
قوله: «فيقول أي رب آمنك بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت
وتصدقت ويثني بخير ما استطاع)) الحديث، أي يثني هذا العبد على نفسه
فيقول عملت كذا وكذا.
قوله: ((فيقول هاهنا إذاً)) ومعنى هاهنا إذا أي اثبت هاهنا أي مكانك حتى
تعرف أعمالك. وقال بعضهم قف هاهنا حتى يتحقق لك خلاف ما زعمت
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٨٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨/ ١٠٤).
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٢١/٨).
(٤) سورة التوبة، الآية: ٦٧.

٣١١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
وهما بمعنى واحد.
تنبيه: ((قوله: إذاً وإذاً)) جواب وجزاء يقول أنا آتيك فتقول إذاً أحسن إليك
وتكتب إذاً بالألف [عند الأكثر] لأن الوقف عليها بالألف ومنهم من يكتبها
بالنون وهما بأن الألف نون في الوقف. قوله: ((هاهنا إذا)) كذا هو عند أبي بحر
وغيره ومعناه اثبت مكانك إذا حتى تفتضح في دعواك. حكى ابن خروف في
شرح الحمل أن من العرب من يرفع ما بعد إذاً وإن اجتمعت فيه شروط
النصب، فتقول في الجواب: إذاً أكرمُك، حكاه سيبويه، وفي الحديث: إذا
يحلفُ ولا يبالي، اهـ. قاله عياض(١).
قوله: ((فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه (٧٨/ ب) ولحمه
وعظامه)) وذلك ليعذر من نفسه أي بعث الشاهد عليه ليعذر من نفسه من
الإعذار والمعنى ليزيل عذره من نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه
وهذا كقوله وَّة: ((لن تهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)) الحديث، رواه
أبو داود يعذروا بكسر الذال وفتحها فأما كسر الذال فهو من أعذر إذا صار ذا
ذنب كثير محتاجا إلى العذر من كثرة [ذنوبه يعني لن يهلك الناس حتى
تكثر](٢) ذنوبهم وأما من فتح الذال فهو من أعذر يعني يجعلهم الله بحيث لا
يقدرون على العذر بأن يبعث عليهم الرسل ويبينوا لهم الرشاد من الضلال
والحلال من الحرام والحق من الباطل فإذا عرفوا الحق من الباطل ولم
(١) انظر: فتح الباري (٣٨/٨).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٣١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يؤمنوا أو آمنوا ولكن أكثروا المعاصي ولم يتوبوا فحينئذ أهلكم الله تعالى،
ومعنى يعذروا من أنفسهم أي تكثر ذنوبهم ويستوجبوا العقوبة فيكون كمن
يعذبهم العذر، يقال أعذر الرجل إعذارا إذا صار ذا عيب وفساد. وقال في
الفائق(١) ويروى بفتح الياء وضمها في يعذروا والمعنى حتى يفعلوا ما يتجه
لمحل العقوبة بهم العذر والله علم.
٥٤٦٥- وعنه أيضا رئڅ﴾ أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم
القيامة قال هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول
الله قال هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه
كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من
يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة
فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا
فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيدعوهم
ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته ولا
يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وسلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم
كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم قال فإنها مثل
شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم
فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من
أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم
(١) الفائق في غريب الحديث (٤٠١/٢).

٣١٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار
وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل
السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو
آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف
وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاها فيقول هل عسيت إن أفعل
أن تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق
فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء
الله أن يسكت ثم قال يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله أليس قد أعطيت
العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول يا رب لا أكون أشقى
خلقك فيقول فما عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا
أسألك غير هذا فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا
بلغ بابها رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء الله أن
يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله ويحك يا ابن آدم ما أغدرك
أليس قد أعطيتني العهود أن لا تسأل غير الذي أعطيت فيقول يا رب لا
تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول تمن
فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله تمن من كذا وكذا يذكره ربه حتى إذا
انتهت به الأماني قال الله لك ذلك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري لأبي
هريرة مرَّالشَّا إن رسول الله وَّه قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله قال أبو
هريرة رؤوّه لم أحفظ من رسول الله ګ إلا قوله لك ذلك ومثله معه قال أبو

٣١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سعيد زَّهُ أشهد أني سمعته من رسول الله وَّيه يقول لك ذلك وعشرة أمثاله
قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة رواه البخاري (١).
أي فل أي يا فلان حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم إذ لو كان ترخيما
لما حذفت الألف قال الأزهري: ليست ترخيم فلان ولكنها كلمة على حدة
توقعها بنو أسد على الواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد وأما غيرهم فيثني
ويجمع ويؤنث أسودك بتشديد الواو وكسرها أي أجعلك سيدا في قومك
السعدان نبت ذو شوك معقف المخردل المرمي المصروع وقيل المقطع
يقال لحم خراديل إذا كان قطعا والمعنى أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى
يهوي في النار امتحش بضم التاء وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي
احترق وقال الهيثم هو أن تذهب النار الجلد وتبدي العظم الحبة بكسر الحاء
هي بزور البقول والرياحين وقيل بزر العشب وقيل نبت في الحشيش صغير
وقيل جمع بزور النبات وقيل بزر ما نبت من غير بذر وما بذر تفتح حاؤه
حميل السيل بفتح الحاء المهملة وكسر الميم هو الزبد وما يلقيه على شاطئه
قشبني ريحها أي آذاني ذكاها بذال معجمة مفتوحة مقصورة هو إشعالها
ولهبها.
قوله: ((وعنه أيضا)) تقدم الكلام عليه. قوله وَّ: ((هل تمارون في القمر ليلة
البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله)) فذكر الحديث إلى أن قال: ((فإنكم ترونه
کذلك)».
(١) صحيح البخاري (٦٥٧٣).

٣١٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: (تمارون) التماري الاختلاف والمنازعة وقوله: ((فإنكم ترونه
كذلك)) وقد تخيّل إلى بعض السامعين أن الكاف كاف التشبيه للمرئي وإنما
هي للرؤية وهي فعل الرائي ومعناه أنكم ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك
كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون فيه ولا تمترون، اهـ، قاله في النهاية (١).
[والرؤية تختص بالمؤمن، وقيل يراه منافقوا هذه الأمة وهو قول باطل،
والصحيح أنه لا يراه إلا نفس مؤمنة].
قوله: ((من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس)) الحديث. تنبيه:
الشمس تجمع على شموس وهي في السماء الرابعة وهي أفضل من القمر.
قال الإمام فخر الدين وهي تقطع في خطوة الفرس في شدة عدوها عشرة
آلاف فرسخ، اه، قاله الكمال الدميري في شرح المنهاج في المواقيت(٢).
قوله: ((ومنهم من يتبع الطواغيت)) الحديث، والطواغيت جمع طاغوت.
قال الليث وأبو عبيد والكسائي وجماهير أهل اللغة وهو ما كان يعبد من دون
الله تعالى من الأصنام وغيرها. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي وغيرهم:
الشيطان. وقيل هو الأصنام. قال الواحدي: الطاغوت يكون واحدا وجمعا
ويُذكر ويؤنث. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ
أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾(٣)، وهذا في الواحد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٠٢).
(٢) النجم الوهاج (٩/٢-١٠).
(٣) سورة النساء، الآية: ٦٠.

٣١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أَوْلِيَآؤُهُمُ اٌلَّغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾(١)، وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ أُجْتَنَبُواْ
الطّغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾(٢) اهـ.
قوله وُّه: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم،
فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا. فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله فيقول: أنا
ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم)) الحديث، الإتيان في الجملة كلما جاء في
الكتاب وفي أخبار الرسول وَطل من ذكر المجيء والإتيان وغير ذلك لا يُكيّف
ولا نجعله كمجيء الأشخاص وإتيانها وفي أمثال القبول والتسليم. وفي الحديث
الآخر، فيأتيهم الله في صورة غير [الصورة] التي يعرفونها إلى قوله: ((فيقولون
أنت ربنا»، المراد بالصورة هنا الصفة ومعناه فيتجلى الله سبحانه وتعالى لهم
على الصفة التي يعلمونها ويعرفونه بها وإنما عرفوه بصفته وإن لم تكن تقدمت
لهم رؤية له سبحانه وتعالى [لأنهم يرونه لا يشبه شيئا من مخلوقاته (٧٩/ أ)
فيعلمون أنه ربهم فيقولون أنت ربنا. والرؤية مختصة بالمؤمن. وقيل: يراه
منافقوا هذه الأمة وهو قول باطل والصحيح أنه لا يراه إلا نفس مؤمنة وإنما عبر
عن الصفة بالصورة](٣) لمشابهتها إياها ولمجانسة الكلام.
تنبيه: واعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين:
أحدهما وهو مذهب معظم السلف أو كلهم أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.
(٢) سورة الزمر، الآية: ١٧
(٣) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.

٣١٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله سبحانه وتعالى مع
اعتقادنا الجازم أن الله سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾(١) وأنه منزه
عن التجسم والانتقال والتحيز [في جهة] وعن سائر صفات المخلوقات وهذا
القول هو قول جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو
أسلم. والقول الثاني وهو قول معظم المتكلمين أنها تتأول على ما يليق بها على
حسب موانعها وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان
العرب وقواعد الأصول والفروع ذا رياضة في العلم، فعلى هذا يقال في قوله
وَالر: ((فيأتيهم الله)) أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه لأن العادة أن من غاب عن
غيره لا تمكنه رؤيته إلا بالإتيان فعبر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا.
وقيل المراد بيأتيهم الله سبحانه وتعالى أي يأتيهم بعض ملائكته، قال القاضي
عياض(٢): وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث. وقيل غير ذلك.
قوله: ((ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم)) أي ينصب، وظهراني جهنم
هو بفتح الظاء المعجمة المشالة وسكون لهاء وفتح النون أي بين ظهريها
والألف والنون زيدتا للمبالغة وظهرانيها أي وسطها ومعناه يمد الصراط
عليها. وفي هذا إثبات الصراط ومذهب أهل الحق إثباته وقد أجمع السلف
على ذلك وهو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون
ينجون على حسب منازلهم والآخرون يسقطون فيها. قال: وأصحابنا
(١) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٩/٣).

٣١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المتكلمون وغيرهم من السلف يقولون أن الصراط أدق من الشعر وأحدٌ من
السيف كما ذكره أبو سعيد الخدري [قاله النووي(١)].
قوله وَّيّة: ((فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته)» وفي رواية: يجيز بأمته،
ويجيز لغة في يجوز ويجيز هو بضم الياء وكسر الجيم وبالزاي أي أول من
يقطع مسافة الصراط، قاله عياض. ومعناه يكون أول من يمضي عليه
ويقطعه. يقال: جاز وأجاز بمعنى ويقال أيضا أجزت الوادي وجُزته لغتان
بمعنی. وقال الأصمعي: أجزته قطعته و جزته مشیت فیه، اهـ.
قوله وَليقال: ((ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل)) معناه لشدة الأهوال، والمراد
لا يتكلم في الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس فيها وتجادل
كل نفس عن نفسها ويسأل بعضهم بعضا ويتلاومون ويخاصم التابعون
المتبوعين.
قوله: ((وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم)) الحديث، هذا من كمال
شفقتهم ورحمتهم للخلق وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن فيُدعى
في كل موطن بما يليق به والله أعلم. قوله وَله: ((في جهنم كلاليب مثل شوك
السعدان)) الحديث، أما الكلاليب فجمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام
المشددة وهي حديدة معوجة الرأس عليها اللحم وترسل في التنور. قال
صاحب المطالع (٢): هي خشبة في رأسها عقافة حديد وقد تكون حديدا كلها
(١) شرح النووي على مسلم (٢٠/٣).
(٢) مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٣٦٠/٣).

٣١٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
ويقال لها أيضا كلاب اهـ، وكذا هي آلة الاجتذاب للدلو من البئر ويقال لها
أيضا كلاب بضم الكاف، وأما السعدان فهو نبت ذو شوك معقّف، اهـ، قاله
المملى. وقال بعض العلماء هو بفتح السين وإسكان العين المهملتين وهو
نبت له شوكة عظيمة مثل الحسك من كل الجوانب واحدتها سعدانة وهو من
أفضل مراعي الإبل يضرب به المثل.
قوله (٧٩/ ب) وَّة: ((تخطف الناس بأعمالهم)) هو بفتح الطاء وكسرها،
يقال خطف وخطف بكسر الطاء وفتحها والكسر أفصح، ويجوز أن يكون
معناه تخطفهم [بسبب أعمالهم القبيحة ويجوز أن يكون معناه تخطفهم](١)
على قدر أعمالهم، اهـ. قاله الكرماني(٢) وغيره.
قوله ◌َّ: ((فمنهم من يوبق بعمله)) ومعناه الذي أوبقته ذنوبه والموبق
بعمله هو المحبوس المعاقب أي يهلك ويحبس بسبب عمله السيّء من
أوبَقه إذا حبسه والإيباق الإهلاك أيضا. قوله وَيّر: ((ومنهم من يخردل ثم
ينجو)) الحديث. المخردل المرمي المصروع. وقيل المقطع، يقال لحم
خراديل إذا كان قطعًا. والمعنى أنه يقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى
النار، اهـ، قاله المنذري. وقال بعضهم المخردل بالخاء المعجمة والدال
المهملة ويقال فيه بالذال المعجمة أيضًا، ورواه بعضهم في البخاري
المجردل بالجيم عوضا عن الخاء فأما بالخاء فمعناه المقطع بالكلاليب كما
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٤٠/٥).

٣٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال المملى رحمه الله، وأما المجردل بالجيم [عوضا عن الخاء](١) [فمعناه]
المشرف على الهلاك والسقوط.
قوله وَّه: ((حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار)) الحديث، وهم
المؤمنون الخُلص إذ الكافر لا ينجو من النار أبدا ويبقى خالدا فيها أبدا، قاله
الكرماني(٢).
قوله وتلقى: ((أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد الله من برا
وفاجرًا)) أما البر فهو المطيع، وفي حديث: من كان لا يشرك بالله شيئا ممن
أراد أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله.
قوله وَيّ: ((فيعرفونهم)) أي في النار ((بآثار السجود وقد حرم الله تعالى على
النار أن تأكل أثر السجود)) الحديث. ظاهر هذا الحديث أن النار لا تأكل شيئا
من أعضاء السجود السبعة في قوله: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم،
الحديث. فالسبعة المأمور بالسجود عليها هي الجبهة واليدان والركبتان
والقدمان، فهذا قاله بعض العلماء وأنكره القاضي عياض رحمه الله تعالى.
وقال: المراد بأثر السجود الجبهة خاصة. وقال النووي: المختار الأول، فإن
قيل: فقد ذكر مسلم رحمه الله في صحيحه(٣) بعد هذا مرفوعا أن قوما
يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة،
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٦٣/٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٢/٣).