Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
إلى حالة العلم وأعذر إليهم مرة بعد أخرى ولم يعاقبهم إلا بعد الحجج
الظاهرة وإن كانوا قد جبلوا على حب الدنيا وطول الأمل فلم يتركهم
مهملين دون إعذار وتنبيه وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم
[والخلف و] السلف في النذير، فقيل محمد رَّ، قاله علي.
وعن ابن عباس أنه الشيب، وحجة الأول أن الله بعث الرسل مبشرين
ومنذرين إلى عباده قطعا لحجتهم بقوله [تعالى:] ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾(١)، فأعذر الله سبحانه وتعالى إلى عباده ثلاث مرات: الأولى
ببعثة النبي وَّة، والمرتان في الأربعين وفي الستين لتتم حجته عليهم وهذا
أصل الإعذار من الحاكم إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى، اهـ، قاله في
الديباجة.
٥٠٩٠م- وعن سهل مرفوعا: من عمر من أمتي سبعين فقد أعذر الله إليه
في العمر. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
قوله: ((وعن سهل)) هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن سعد بن مالك
بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن
الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنا، فسماه النبى وَلجلال سهلا.
شهد سهل قضاء رسول الله وَّله فى المتلاعنين، قال الزهرى: سمع من النبى
وَخلقه، وكان له يوم وفاة النبى وَل خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان
وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من
(١) سورة الاسراء، الآية: ١٥.

٢٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أصحاب النبى وَال بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له
عن رسول الله وَ له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية
وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه الزهرى، وأبو حاتم، وغيره(١).
قوله وقديقول: ((من عمّر من أمتي سبعين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر)) تقدم
معنى أعذر الله إليه في العمر في الحديث قبله، وفي الترمذي: أعمار أمتي ما
بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك، وفي رواية حصاد أمتي من
بلغ الخمسين فقد تنصف المائة فماذا ينتظر. شعر:
كانت أمامي ثم خلفتها
لهفي علی خمسين عاما مضت
لو كان عمري مائة هذّني تذكري أني تنصفتها
في بعض الكتب السالفة (٢) أن لله مناديا ينادي كل يوم أبناء الخمسين زرع
دنا حصاده، أبناء الستين هلموا إلى الحساب، أبناء السبعين ماذا قدمتم وماذا
أخرتم، أبناء الثمانين لا عذر لكم. وفي حديث مرفوع(٣) إن لكل شيء
حصادا وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين:
وما حالاتنا إلا ثلاث شباب ثم شيب ثم موت
وآخر ما يسمى المرء شيخا ويتلوه من الأسماء ميت
وقال وهيب(٤): إن لله مناديا ينادي في السماء الرابعة كل صباح أبناء
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٨/١).
(٢) حلية الأولياء ج ٨ ص ١٥٨) عن وهب بن منبه.
(٣) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٠٢).
(٤) حلية الأولياء ج ٨ ص ١٥٨) عن وهب بن منبه.

٢٤٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الأربعين زرع دنا حصاده، أبناء الخمسين ماذا قدمتم وماذا أخرتم؟ أبناء
الستين لا عذر لكم. وفي حديث أن الله تعالى يقول للحفظة ارفقوا بعبدي ما
دامت حداثته فإذا بلغ الأربعين حقّقا وتحفظا فكان بعض روايته يبكي عند
روايته ويقول: حين كبرت السنّ ورقّ العظم وقع التحفظ. وقال مسروق: إذا
أتتك الأربعون فخذ حذرك. قال النخعي(١) كان يقال لصاحب الأربعين
احتفظ بنفسك، وكان كثير من السلف إذا بلغ الأربعين تفرغ للعبادة، اهـ. قاله
ابن رجب الحنبلي في كتابه اللطائف(٢).
٥٠٩١- وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وٍَّ أَلا أنبئكم بِخَيْرِكُمْ
قَالُوا نعم قَالَ خياركم أطولكم أعمارا وَأَحْسَنُكُمْ أعمالا. رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته
رُوَاة الصَّحِيحِ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ (٣). وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث
جَابر وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرطهمَا(٤).
٥٠٩٢- وعن أبي بكرة زَّ لَّهُ أن رجلا قال: يا رسول الله: أي الناس خير؟
قال: من طال عمره وحسن عمله. قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره
(١) الطبقات الكبرى (٢٧٧/٦).
(٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٠٢).
(٣) أخرجه أحمد ٢٣٥/٢ (٧٢١٢) و٤٠٣/٢ (٩٢٣٥)، وابن حبان (٤٨٤) و(٢٩٨١)،
والبيهقي في الكبرى (٥٢٠/٣ رقم ٦٥٢٨). وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٩٨)
وصحیح الترغيب (٢٦٥١) و(٣٣٦١).
(٤) أخرجه عبد بن حميد (١٠٨٤)، والحاكم (٣٣٩/١). وصححه الألباني في الصحيحة
(١٢٩٨) وصحيح الترغيب (٣٣٦٢).

٢٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وساء عمله. رواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني(٢)
بإسناد صحيح والحاكم (٣) والبيهقي في الزهد (٤) وغيره.
قوله: ((وعن أبي بكرة)) أبو بكرة اسمه نفيع مصغر النفع، وكني به لأنه
تدلى من حصن الطائف إلى النبي ◌َّ ببكرة وكان أسلم في الحصن
[٢٢١/ أ] وعجز عن الخروج منه إلا بهذا الطريق وتسور الحائط أي تسلقه.
قاله الكرماني (٥) .
وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا في غير ما موضع من هذا التعليق. قوله
وَلة: ((خيركم من طال عمره وحسن عمله)) الحديث، وهذان قسمان من
(١) الترمذي (٢٣٣٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الطيالسي (٨٦٤)، وأحمد
(٢٠٤١٥-٢٠٤٤٣-٢٠٤٤٤-٢٠٤٨٠-٢٠٤٨١-٢٠٤٨٢-٢٠٤٩١- ٢٠٤٩٢-
٢٠٥٠٠-٢٠٥٠١-٢٠٥٠٤)، والدارِمِي (٢٧٨٤)، (٢٧٨٥)، والبزار = البحر الزخار
(٣٦٢٣)، وأبو بكر الشافعي في كتاب الفوائد (الغيلانيات) (٤٥٢)، وابن عبد البر في
التمهيد (٢٥٢/٢٠)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٩٤)، وقال البزار: وهذا الحديث قد
روي عن النبي ◌َ﴾ من غير وجه وهذا من أحسن الأسانيد التي تروى في ذلك إن شاء الله.
(٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٥٤٤٩)، وفي معجمه الصغير (٨١٨)،
(٣) الحاكم في المستدرك (٣٣٩/١)، وعنه أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٧١/٣)، وفي الزهد
(٦٢٧، ٦٢٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٣/١٠): رواه الطبراني في الصغير
والأوسط، وإسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٢٩٧)، وصحيح
الترغيب والترهيب (٣٣٦٣).
(٤) الزهد الكبير للبيهقي (٦٢٧ - ٦٢٨).
(٥) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٥٦/١٦)، وتهذيب الأسماء واللغات
(١٩٨/٢).

٢٤٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
أربعة طرفان بينهما وواسطة لأن الإنسان إما طويل العمر أو قصيره وعلى
التقديرين إما حسن العمل أو سيئه فطويل العمر حسن العمل وطويل العمر
سيء العمل طرفان شرهما الثاني وقصير العمر حسن العمل وقصير [العمر]
سيء العمل واسطتان خيرهما الأول، قاله في شرح مشارق الأنوار(١).
٥٠٩٢ - وَعَن عبد الله بن بسر رَّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وََّ خِيرِ النَّاس من
طال عمره وحسن عمله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِیث حسن(٢).
٥٠٩٣- وَعَنِ أنْس ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ أَلا أنبئكم بخياركم قَالُوا
بَلَى يَا رَسُول الله قَالَ خياركم أطولكم أعمارا إِذا سددوا
رَوَاهُ أَبُو يعلى بِإِسْنَاد حسن(٣).
٥٠٩٤- وعن عبد الله بن مسعود رَّ بُّ قال: قال رسول الله وَله: إن لله
عبادا يضن بهم عن القتل، ويطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن
أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش،
ويعطيهم منازل الشهداء. رواه الطبراني(٤)، ولا يحضرني الآن إسناده.
(١) كشف المناهج (٤ / ٤٠٧).
(٢) أخرجه الترمذى (٢٣٢٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وصححه الألبانى الصحيحة (١٨٣٦)، المشكاة (٥٢٨٥)، الروض النضير (٩٢٦)
وصحيح الترغيب (٣٣٦٤).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٣٤٩٦). قال الهيثمى في المجمع ٢٠٣/١٠: رواه أبو يعلى، وإسناده
حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٤٩٨) وضعفه في ضعيف الترغيب (١٩٦١).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٣٧١/١٧٦/١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
=

٢٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن عبد الله بن مسعود)) تقدم. قوله: ((إن لله عبادا يضن بهم عن
القتل ويطيل أعمارهم في حسن العمل)) الحديث، يضن بالضاد المعجمة
معناه يبخل ومنه قوله تعالى: ﴿وما هو على الغيب بضنين﴾ على إحدى
القراءتين، وتقدم هذا الحديث، وكذلك حديث أبي هريرة الذي بعده
وحديث عبد الله بن شداد في الصلاة.
٥٠٩٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّهُ قَالَ كَانَ رجلانٍ من بلي حَيّ من قضاعة
أسلما مَعَ رَسُول الله وٍَّ فاستشهد أَحدهمَا وَأخر الآخر سنة قَالَ طَلْحَة بن
عبد الله فَرَأَيْتِ الْمُؤخر مِنْهُمَا أَدخلِ الْجَّة قبل الشَّهِيد فتعجبت لذَلِك
وِِّ فَقَالَ رَسُول الله وَ أَلَيْسَ قدْ صَامَ بعده
فَأَصْبَحت فَذكرت ذَلِك للنَِّي
رَمَضَان وَصلى سِتَّة آلاف رَكْعَة وَكَذَا وَكَذَا رَكْعَةِ صَلَاة سنة رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد
حسن (١) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ كلهم عَن طَلْحَة
بِنَحْوِهِ أطول مِنْهُ وَزَادِ ابْن مَاجَه وَابْنِ حبَان فِي آخِرِه فَلَمَّا بَينهما أبعد مِمَّا بَين
السَّمَاء وَالْأَرْض (٢).
E
(٢٠٣/١٠) رواه الطبراني، وفيه جعفر بن محمد الواسطي الوراق ولم أعرفه، وبقية
رجاله ثقات. وقال الألباني في ضعيف الجامع (١٩٥٠)، والضعيفة (٣١٩٧)، وضعيف
الترغيب والترهيب (١٩٦٢): ضعيف جدًا.
(١) أخرجه أحمد ٣٣٣/٢ (٨٣٩٩ و٨٤٠٠). وقال الهيثمى في المجمع ٢٠٤/١٠: رواه
أحمد، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٢) و(٣٣٦٥).
(٢) أخرجه أحمد ١٦١/١ (١٣٨٩) و١٦٣/١ (١٤٠٣)، وابن ماجه (٣٩٢٥)، وابن حبان
(٢٩٨٢). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٣) و(٣٣٦٦).

٢٤٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٥٠٩٧- وَعَن عبد الله بن شَدَّاد أَن نَفرا من بني عذرة ثَلَاثَة أَتَوا النَّبِي
صَلَى اللّه
وسلم
فأسلموا قَالَ فَقَالَ النَّبِيِنَِّ من يكفيهم قَالَ طَلْحَة أَنَا قَالَ فَكَانُوا عِنْد طَلْحَة
فَبعث النَِّي پ﴾ بعثا فخرج فِیهِ أحدهم فاستشهد ثمَّ بعث بعثا فخرج فِیهِ آخر
فاستشهد ثمَّ مَاتَ الثَّالِث على فراشه قَالَ طَلْحَة فَرَأَيْتِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة الَّذِين
كَانُوا عِنْدِي فِي الْجِنَّ فَرَأَيْت الْمَيِّت على فراشه أمامهم وَرَأَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهد
صلى الله
أخيرا يَلِيهِ وَرَأَيْت أَوَّلهمْ آخِرِهم قَالَ فداخلني من ذَلِك فَأتيت النَّبِي
وسلم
فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ وَمَا أنْكرت من ذَلِك لَيْسَ أحد أفضل عِنْد الله عز وجل
من مُؤمن يعمر فِي الْإِسْلَام لتسبيحه وتكبيره وتهليله رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى
ورواتهما ژُوَاة الصَّحیح وَفِي أَوله عِنْد أَحْمد إرْسَال گَمَا مر وَوَصله أَبُو یعلی
بِذکر طَلْحَة فِیهِ(١).
أن النبي وَّ دخل على العباس وهو
٥٠٩٨- وعن أم الفضل نَّا
يشتكي فتمنى الموت فقال: يا عباس عم رسول الله وَّو لا تتمن الموت إن
کنت محسنا تزداد إحسانا إلی إحسانك خیر لك، وإن کنت مسیئا، فإن تؤخر
تستعتب من إساءتك خير لك، لا تتمن الموت. رواه أحمد (٢) والحاكم(١)
(١) أخرجه أحمد ١٦٣/١ (١٤٠١)، وعبد بن حميد (١٠٤)، والبزار (٩٥٤)، والنسائى
(١٠٦٠٦)، وأبو يعلى (٦٣٤). قال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٠٤: رواه أحمد فوصل
بعضه، وأرسل أوله، ورواه أبو يعلى والبزار فقالا: عن عبد الله بن شداد عن طلحة،
فوصلاه بنحوه، ورجالهم رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة (٦٥٤)
وصحيح الترغيب (٣٣٦٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٨٧٤)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢٣/٤)، والحارث

٢٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واللفظ له، وهو أتم وقال: صحيح على شرطهما.
قوله: ((وعن أم الفضل)) واسمها لبابة بنت الحارث فأم الفضل هي زوجة
العباس بن عبد المطلب، وأنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي فيها:
بجبل نعلمه وسهل
ما ولدت نجيبة من فحل
عم النبي المصطفي ذي الفضل
كسته من بطن أم الفضل
وخاتم الرسل وخير الرسل أكرم بها من كهلة وكهل
قوله أن النبي وَجّ دخل على العباس وهو يشتكي فتمنى الموت،
الحدیث. یشتکي معناه في مرضه الذي توفي فيه.
قوله وَلّ للعباس: ((لا يتمنى الموت)) الحديث. احتجت الشافعية بهذا
الحديث على كراهة تمني الموت، وإنما نهى عن تمني الموت لأنه في معنى
التبرم عن قضاء الله تعالى في أمر ينفعه في آخرته، والحكمة في ذلك أن
الإنسان إما أن يكون مطيعا أو عاصيا فإن كان مطيعا [توجب له الزيادة في
(١٠٨٢ - زوائد الهيثمي)، وأبو يعلى (٧٠٧٦)، والطبرانى (٢٨/٢٥ /٤٤)، وقال
البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢١) رواه أبو بكر بن أبي شيبة ورجاله ثقات،
والحارث، وأبو يعلى وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢٠٢/١٠) رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح
غير هند بنت الحارث.
فإن كانت هي القرشية أو الفراسية فقد احتج بها في الصحيح، وإن كانت الخثعمية فلم
أعرفها، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٣٦٨)، وفي أحكام الجنائز
(ص ١٢).
(١) الحاكم (٣٣٩/١)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

٢٤٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الحسنات، وإن كان عاصيا] (١) فلعله يتوب قبل أن يموت، فأما الدعاء
بالموت فلم تظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب
عليها من الفوائد.
أشار النبي وَيُّه إلى المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به وهو
انقطاع الأعمال بالموت ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ولو لم يكن
إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه فما دام معه الإيمان فالحياة خير له،
واستثنى العلماء من تمني الموت لفتنة في الدين فمتى خشي على نفسه أن
يفتتن فلا كراهة في تمني الموت والحالة هذه وتمني الموت يقع على وجوه
منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد فينهى حينئذ عن تمني الموت، ووجه
كراهيته في هذا الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلا
للاستراحة من ضره [وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت فلعله إلى خبر
أعظم من ضرّه] فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.
وفي الحديث عن النبي ◌َّم قال(٢): إنما يستريح من غفر له، فلهذا لا ينبغي
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٧١٣)، والحارث بن أبي أسامة، بغية الباحث (٢٥٧)، والبزار كشف
الأستار (٧٨٩). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٢٩٠)، وقال أبو نعيم: غريب من حديث ابن
لهيعة، تفرد به المعافى، فيما قاله سلیمان.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣٠) رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن
لهيعة وفيه كلام. وقال الهيثمي في (٣٣٠/٢) رواه البزار، ورجاله ثقات. وصححه
الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧١٠).

٢٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله عز وجل، ومنها
[تمنيه](١) خوف فيجوز حينئذ، وقد تمناه ودعا به خشية [٢٢١/ ب] فتنة
الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام، وفي حديث المنام: وإذا أردت بقوم
فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، ومنها تمني الموت عند حضور أسباب
الشهادة اغتناما لحصولها يجوز ذلك أيضا، وسؤال الصحابة الشهادة
وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه
وأهل بيته الطاعون لما وقع بالشام، ومنها تمنيه لمن وثق بعمله شوقا إلى
لقاء الله عز وجل فهذا يجوز أيضا وقد فعله كثير من السلف. قال أبو
الدرداء (٢) أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وقد دل على ذلك قول الله عز
وجل: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة خالصة من دون الناس فتمنوا الموت
إن كنتم صادقين﴾(٣) الآية.
قوله: ﴿قل يا أيها الذين هادوا﴾(٤) إلى قوله: ﴿فتمنوا الموت﴾، فدل
ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه ثم أخبر أنهم لا يتمنونه
أبدا بما قدمت أيديهم فدل على أنه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) حلية الأولياء (٢١٧/١)، وشرح السنة (١٤ / ٢٥٠)، وصفة الصفوة (٦٣٦/١)، ولطائف
المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٦).
(٣) البقرة: ٩٤.
(٤) الجمعة:٦.

٢٥١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
القدوم عليها، ومنها تمني الموت على غير الوجوه المتقدمة [فقد](١)
اختلف العلماء في كراهيته واستحبابه، وقد رخص فيه جماعة من السلف
و کرهه آخرون. اهـ، قاله ابن رجب(٢).
[قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: وإن كان مسيئا فلعله أن يستعتب، أي
يطلب العتبى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع من الذنب، فقد قال الله
تعالى في حق الكافرين: ﴿وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾، وقد قال النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم: ((لك العتبى حتى ترضى))].
[قوله في الحديث: ((وإن كنت مسيئا فأن تؤخر تستعتب من إساءتك))
الحديث، تستعتب بفتح التاء أي ترجع عن الإساءة وتطلب الرضى، يقال
استعتب إذا طلب أن يرضى عنه، كما تقول استرضيته فأرضاني [فالاستعتاب
الاسترضاء، وهو طلب أن يرضى عنه كما تقول: استرضيته فأرضاني،
فالاستعتاب الاسترضاء وهو طلب الرضا والعفو، والاستعتاب أيضا
الاستقالة، يقال استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني] أي فرضي عني أو
استقلته فأقالني.
ومنه قوله تعالى: ﴿وإن يستعتبوا﴾(٣) الآية، أي وإن يسترضوا أو يستقيلوا
فما هم من المرضيين ولا من المقالين، يقال عتبة يعتبه عتبا، والأمم المعتبة
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٧).
(٣) فصلت: ٢٤.

٢٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالفتح والكسر من الموحدة والغضب والعتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة
الموجدة وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي والمقصود أن يطلب رضى الله
تعالى بالتوبة ورد المظالم](١). [قال سهل بن عبد الله التستري(٢): لا يتمنى
الموت إلا ثلاثة: رجل جاهل بما بعد الموت أو رجل يفر من أقدار الله عليه
أو مشتاق محب للقاء الله. روي أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم الخليل
عليه الصلاة والسلام ليقبض روحه فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت
خليلا يقبض روح خليله؟ فعرج ملك الموت إلى ربه تعالى، فقال قل له: هل
رأيت خليلا يكره لقاء ربه؟ فرجع إليه، فقال:
[فاقبض] روحي الساعة جزى الله عنا الموت خيرا لأنه
تعجّل راحات النفوس من الردى
أبرّ منا من والدينا وأرأف
ويدني [لي](٣) إلى الدار التي هي أشرف اهـ
قاله في الديباجة](٤).
(١) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (أبرّ منا من والدينا
وأرأف -- تعجّل راحات النفوس من الردى *** ويدني [لي] إلى الدار التي هي أشرف،
اهـ. قاله في الديباجة).
(٢) تفسير القرطبي (٢٦٩/٩)، وشرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (٢٣/١).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) تكررت هذه الفقرة في النسخة الهندية في موضعين، هذا الموضع، والآخر حيث: حصل
تقديمها، وأدرجت قبل قوله: (قوله: (وعن عمرو بن الحمق) كذا قوله ◌َّة: (إذا أحب الله
عبدا عسله. قالوا: وما عسله يا رسول الله؟ قال: يوفق له عملا صالحا) الحديث).

٢٥٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
٥٠٩٩- وعن جابر بن عبد الله نظّوالتّهنا قال: قال رسول الله وَّة: لا تتمنوا
الموت، فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد،
ويرزقه الله الإنابة. رواه أحمد(١) بإسناد حسن والبيهقي(٢).
قوله: ((وعن جابر)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((لا تتمنوا الموت)) تقدم
الكلام على النهي عن تمني الموت في الحديث قبله. قوله وَ الله: ((فإن هول
المطلع)) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام وهو موضع الاطلاع من
الإشراف إلى [الانجذاب]، شبه ذلك به والمطلع بفتح الميم واللام موضع
الطلوع ويكسر اللام وقت الطلوع، وقيل بالوجهين فيهما، قاله عياض؛
وهول المطلع هو ما يكشف للميت عند حضور [٢٢٢/ أ] الموت من أهوال
الآخرة وشدائدها التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا، يريد به الموقف يوم
القيامة أو ما يشرف من أمر الآخرة من رؤية الملائكة ورؤية أعماله من خير
(١) رواه أحمد (١٤٥٦٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٥٦٢)، وعبد بن حميد (١١٥٣)،
والبزار كما في كشف الأستار (٣٢٤٠)، (٣٤٢٢)، وابن عدي في الكامل (٢٠٦/٧)، وأبو
الفضل الزهري في حديثه (٣٣٨)، والحاكم (٢٤٠/٤)، وقال الحاكم: إسناده صحيح
ولم يخرجاه. وقال الهيثمي: في (٣٣٤/١٠): رواه أحمد والبزار، وإسنادهما جيد.، وقال
البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢٠) رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن
منيع، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه،
والبيهقي. قال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٩٦٣): كذا قال، وتبعه الهيثمي
١٠/ ٢٠٣ وفي إسناده ضعيف واضطراب، وبيانه في الضعيفة (٤٩٧٩).
(٢) البيهقي في الشعب (١٠١٠٥).

٢٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أو شر وما يبشر به عند ذلك من الجنة أو النار مع ما يلقاه من شدة الموت
وكربه وغصصه فشبه بالموضع الذي يشرف عليه من موضع عال. جزع
الحسن بن علي ◌َّنا عند موته وقال: أريد أن أشرف على ما لم أشرف عليه
قط، وبكى الحسن البصري عند موته، وقال: نفيسة ضعيفة وأمر هول عظيم
وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: أريد
أن أسافر سفرا ما سافرته قط وأسلك طريقا ما سلكته قط وأزور سيدي
ومولاي وما [رأيته] قط وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط فهذا كله من
هول المطلع الذي قطع قلوب الخائفين حتى قال عمر عند موته (١): لو أن لي
ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع، ومن هول المطلع ما يكشف
للميت عند نزوله قبره من فتنة القبر، فإن الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم
مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم
من الجنة والنار وما يلقون من ضمة القبر وضيقه وهوله وعذابه إن لم يعاف
الله من ذلك. رئي بعض الصالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله فأنشأ
يقول:
وليس يعلم ما في القبر داخله إلا الإله وساكن الأجداث
[قوله صلى الله تعالى عليه وسلم] في الحديث(٢) وإن من السعادة أن
(١) المحتضرين (٤٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٤٤٢١)، وأحمد (١٤٥٦٤)، وعبد بن حميد (١١٥٦)، والبزار
كشف الأستار (٣٢٤٠ و٣٤٢٢)، وابن عدي في الكامل (٢٠٦/٧)، والبيهقي في شعب

٢٥٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة الحديث، الإنابة الرجوع والتوبة من ذنوبه
السالفة والاجتهاد في العمل الصالح فإذا تمنى الموت فقد تمنى انقطاع عمله
الصالح فلا ينبغي له ذلك. وروي إبراهيم الحربي من رواية ابن لهيعة عن
ابن الهاد عن ابن المطلب عن أبيه(١) أن النبي ◌َّ- قال: السعادة كل السعادة
طول العمر في طاعة الله تعالى.
قال الكرماني (٢): قلت: المراد بطوله الممدوح ما لم ينتكس ويبقى على
عمله ويقوى على طاعته، اللهم اجعلنا من السعداء، اهـ. وقد روي معنى
الحديث عن النبي (8* من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري (٣) عن أبي
=
الإيمان (١٠١٠٥)، والحاكم (٢٤٠/٤)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٤٢٠): رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع،
وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، وأحمد بن حنبل، والحاكم وصححه، والبيهقي.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٠٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٢٨).
(١) أخرجه الخطيب في تاريخه (١٦/٦)، قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص:
١٦٧٩) أخرجه إبراهيم الحربي في كتاب ذكر الموت من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد
عن المطلب عن أبيه عن النبي وَلّم قال السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله ووالد
المطلب عبد الله بن حوطب مختلف في صحبته ولأحمد من حديث جابر إن من سعادة
المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة والترمذي من حديث أبي بكرة: أن رجلا قال يا
رسول الله أي الناس خير؟ قال من طال عمره وحسن عمله قال هذا حديث حسن
صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٤٦٦)، والضعيفة (٣٠٠٨).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٢/ ١٦٤).
(٣) صحيح البخاري (٥٦٧٣).

٢٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هريرة عن النبي وَالله: لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد
خيرا، الحديث.
وفي مسند الإمام أحمد (١) عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله وَالو
فذكّرنا ورقّقنا فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت.
فقال النبي وَجّ: يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من
عملك فهو خير لك، وفي هذا المعنى أحاديث وكلها تدل على النهي عن
تمني الموت بكل حال وأن طول عمر المؤمن خير له فإنه يزداد فيه خيرا،
وهذا قيل أنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله تعالى.
فائدة: واختلف السالكون أيما أفضل من تمني الموت شوقا إلى لقاء الله
أو من تمني الحياة رغبة في طاعة الله أو من فوض الأمر إلى الله ورضي
باختياره له ولم يختر لنفسه شيئا، واستدل طائفة من الصحابة على تفضيل
الموت على الحياة بقوله عز وجل: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾(٢)، ولكن
(١) أخرجه أحمد (٢٢٢٩٣)، وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٤٧٧ والطبراني في المعجم
الكبير الكبير (٢١٧/٨/ ٧٨٧٠) قال الإِمام أحمد: يروي عنه-يعني: القاسم- علي بن
يزيد أعاجيب، وما أراها إلَّا من قبل القاسم، وإنما ذهبت رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنما
كانت روايته عن القاسم، ربما حدث بشر بن نمير عن القاسم. قال شعبة: ألحقوه به.
انظر: العلل المتناهية ٢/ ٣٣٤.، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٣/١٠) رواه أحمد،
والطبراني، وزاد فيه: وإن كنت خلقت للنار، فبئس الشيء تتعجل إليه.، وفيه علي بن يزيد
الألهاني، وهو ضعيف. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ١٣٠) سند لین.
(٢) آل عمران: ١٩٨.

٢٥٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الأحاديث الصحيحة تدل على أن عمر المؤمن كلما طال ازداد بذلك
[٢٢٢/ ب] مما له عند الله من الخير فلا ينبغي له أن يتمنى انقطاع ذلك،
اللهم إلا أن يخشى الفتنة على دينه فإنه إذا خشي الفتنة على دينه فقد خشي
أن يفوته ما عند الله من الخير ويتبدل ذلك بالشر عياذا بالله من ذلك والموت
خير من الحياة على هذه الحال.
قال ميمون بن مهران(١): لا خير في الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في
الدرجات يعني أن التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات والعامل يجتهد
في علو الدرجات ومن عداهما فهو خاسر كما قال تعالى: ﴿والعصر إن
الإنسان لفي خسر﴾ (٢) السورة كلها، فأقسم الله تعالى أن كل إنسان خاسر إلا
من اتصف بهذه [الأوصاف] الأربعة: الإيمان والعمل الصالح والتواصي
بالحق والتواصي بالصبر على الحق، فهذه السورة ميزان للأعمال يزن
المؤمن [به] نفسه [فيبين] له بها ربحه من خسرانه و[لهذا] قال الإمام
الشافعي نَّ لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم، اهـ. قاله ابن رجب(٣).
فائدة أخرى: قال الحسن(٤) لو علم ابن آدم أن له في الموت راحة وفرحا
لشق عليه أن يأتيه الموت لما يعلم من فظاعته وشدته وهوله، فكيف وهو لا
(١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٩).
(٢) العصر: ١ -٥.
(٣) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣٠٠).
(٤) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٨).

٢٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يعلم ما له في الموت نعيم دائم أو عذاب مقيم؟
بكى النخعي عند احتضاره وقال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني
بالجنة أو النار، فالمتمني للموت كأنه يستعجل [حلول] البلاء وإنما أمرنا
بسؤال العافية، وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت فقال: لا تتمن الموت
فإنك ميت ولكن سل الله العافية.
قال إبراهيم بن أدهم(١): إن للموت كأسا لا يقوى عليها إلا خائف وجل
مطيع لله كان يتوقعها. وقال أبو العتاهية (٢):
ألا للموت كأس أي كأس وأنت لكأسه لا بد حاسي
إلى كم والممات إلى قريب تذكّر بالممات وأنت ناسي
٥١٠٠- وعن أبي هريرة رََّ أن رسول الله وَّل قال: لا يتمنى أحدكم
الموت إما محسنا فلعله يزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب. رواه البخاري،
واللفظ له (٣) ومسلم.
٥١٠١- وفي رواية لمسلم(٤): لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدعوا به من
قبل أن يأتيه، وإنه إذا مات انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم.
(١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٨).
(٢) ديوان أبو العتاهية (ص ٧٢) انظر: لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٢٩٨).
(٣) صحيح البخاري (٥٦٧٣ -٧٢٣٥).
(٤) صحيح مسلم (١٣) (٢٦٨٢).

٢٥٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
قوله وَالله: ((لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد)) الحديث. إما
محسنا هو بكسر الهمزة على أنها عاطفة ومحسنا إما خبر كان المحذوفة أي
إما أن يكون محسنا أو حال تقديره إما أن يتمناه محسنا. وقوله: ((يستعتب))
بفتح الياء أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرضى. يقال: استعتب إذا طلب أن
يرضى عنه، وتقدم الكلام على الاستعتاب في حديث أم الفضل وقبله.
قوله: ((وفي رواية لمسلم لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن
يأتيه)) الحديث. أشار بقوله من قبل أن يأتيه إلى أن في الدعاء بالموت قبل
حلوله نوع اعتراض ومراغمة للمقدور والمحتوم. فإن قلت: وسائر الأدعية
كذلك لأنها إما مقدرة فلا فائدة في سؤالها لوقوعها لا محالة أو غير مقدرة
ففي سؤالها اعتراض ومراغمة للقدر، هذا يؤدي إلى سدّ باب الدعاء وهو
باطل. قلت: أما الدعاء بالمغفرة والرحمة والأمور الأخروية ففيه إظهار
الافتقار والمسكنة والخضوع والتذلل والاحتياج.
وأما الدعاء بالموت فلم يظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة
الحياة وما يترتب عليها من الفوائد. أشار النبي ،َالسّلام إلى المعنى في النهي عن
تمني الموت والدعاء به، اهـ. قاله العراقي في شرح الأحكام(١).
قوله صلى الله [٢٢٣/ أ] عليه وسلم في الحديث أنه إذا مات انقطع عمله،
قال النووي رحمه الله تعالى(٢) هكذا هو في بعض نسخ مسلم وفي كثير منها
(١) طرح التثريب في شرح التقريب (٢٣٤/٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٨/١٧).

٢٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أمله وكلاهما صحيح، والأول أجود وهو المذكور في الأحاديث.
٥١٠٢- وعن أنس رَوَّهُ قال: قال رسول الله وَله: لا يتمنى أحدكم
الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت
الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي. رواه البخاري(١) ومسلم (٢)
وأبو داود(٣) والترمذي (٤) والنسائي(٥).
قوله: ((وعن أنس)) تقدم. قوله ونيلر: ((لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به))
الحديث، قال النووي(٦) في هذا الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر
نزل به ومطلق الضر يتناول الدنيوي والأخروي لكن المراد إنما هو الضرر
الدنيوي من مرض أو فاقة أو محنة من عدو ونحو ذلك من مشاق الدنيا كما
هو مبين في رواية النسائي وابن حبان فقال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل
به في الدنيا، وهو الذي أراده أيوب عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿مسني
الضر﴾(٧) وإخوة يوسف عليَل في قولهم: ﴿مسنا وأهلنا الضر﴾، فأما إذا
خاف ضررا في دينه أو فتنة فيه فالظاهر أنه لا بأس معه بالدعاء بالموت،
(١) أخرجه البخاري (٦٣٥١) (٥٦٧١) و(٧٢٣٣).
(٢) صحيح مسلم (١٠) (٢٦٨٠).
(٣) أبو داود (٣١٠٨).
(٤) الترمذي (٩٩٣).
(٥) النسائي ٣/٤).
(٦) شرح النووي على مسلم (١٧ / ٧).
(٧) الأنبياء: ٨٣.