Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
[وأحمد بن حنبل وغيرهما.(١)
الزهد قصر الأمل في الدنيا، وزاد سفيان الثوري](٢) ليس بأكل الغليظ ولا
لبس العباء. وقيل حقيقة الزهد في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَمُكُمْ﴾(٣) فالزاهد هو الذي لا يفرح بموجود من الدنيا
ولا يحزن على مفقود منها. وقال الإمام أحمد مرة قصر [الأمل] [في
الدنيا](٤) واليأس والإعراض عنها، اهـ.
وقال الجنيد: سمعت سريًّا يقول(٥): إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه
وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب [أهل] وداده لأن لم يرضها لهم.
وقال يحيى بن معاذ(٦) الزهد يورث السخاء بالملك والحبّ يورث السخاء
بالروح.
وقال الإمام أحمد بن حنبل(٧): الزهد عدم فرحه بإقبال الدنيا وحزنه على
إدبارها فإنه نظرائه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدا؟
(١) إحياء علوم الدين (٤ / ٢٤٢)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (٢٦٥/٥).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٢٣.
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) البيهقي الزهد الكبير (٧٦/١)، وتاريخ مدينة دمشق)،، وقال النووي في (٢٠ ص ١٧٩)،
الرسالة القشيرية (١ / ١٥٢).
(٦) نهاية الأرب في فنون الأدب (٢٦٥/٥).
(٧) مدارج السالكين (٢/ ١١).

٦٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقال: نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا أنقصت. وقال
ابن المبارك(١): الزهد هو الثقة بالله تعالى مع حب الفقر، وقال عبد الواحد
بن زيد (٢) ترك الدينار والدرهم.
وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما يشغل عن الله تعالى. وقال يحيى بن
معاذ لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى تكون فيه ثلاث خصال: عملا بلا علاقة
وقول بلا طمع وعز بلا رياسة. وقال الإمام أحمد بن حنبل(٣): الزهد على
ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني ترك الفضول من الحلال
وهو زهد الخواص، والثالث ترك ما يشغل عن الله تعالى وهو زهد العارفين،
والذي [١٥٣/ ب] أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا
وأخذه في منازل الآخرة ومتعلقه أشياء لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد
فيها وهي المال والصورة والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله تعالى
وليس المراد رفضها من الملك فقد كان سليمان وداود عليهما [الصلاة
والسلام] من أزهد [أهل زمانهما، ولهما من المال والنساء والملك ما لهما،
وكان نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أزهد] البشر على الإطلاق وله تسع
نسوة وكان عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف
والزبير من الزهد [بمكان] مع ما لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي من
(١) الإمتاع والمؤانسة (٢٩٥/١).
(٢) انظر: الزهد الكبير (٧٩/١).
(٣) الرسالة القشيرية (١٥٥/١)، والآداب الشرعية (٢٣١/٢).

٦٢٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم، وكان
عبد الله بن المبارك من أئمة الزهاد مع [ما له من] مال كثير، وكذلك الإمام
الليث بن سعد وسفيان من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول لولا هو
لتمندل بنا هؤلاء. ومن أحسن ما قيل في الزهد قول الحسن (١) أو غيره ليس
الزهد في الدنيا تحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يد الله
أوثق منك بما في يدك وأن تكون في المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك [فيما]
لو لم تصبك فهذا من أجمع کلام في الزهد وأحسنه، وقد روي مرفوعا وقال
ابن الجلاء الزهد [هو] النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل
عليك الإعراض عنها.
وقال إبراهيم بن [آدم](٢) الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض وزهد فضلة
وزهد سلامة، فالزهد الفرض الزهد في الحرام والزهد الفضل الزهد في
الحلال والزهد السلامة الزهد في الشبهات. وقد اختلف الناس هل يستحق
اسم الزهد من زهد في الحرام خاصّة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا
على قولين: أحدهما [أنه] يستحق اسم الزهد بذلك وهو قول الزهري وابن
عيينة وغيرهما.
(١) يروى عن يونس بن ميسرة الجبلاني انظر: الزهد (١٠٨/١)، الزهد وصفة الزاهدين
(٢٠/١)، مدارج السالكين (٢/ ١٣).
(٢) ابن أبي الدنيا في الزهد (ص ١٢٦)، والمجالسة وجواهر العلم (٩٠٥)، والزهد وصفة
الزاهدين (١٢)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨ ص ٢٦).

٦٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح وهو قول
طائفة من العارفين وغيرهم. وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في
الزهد بالعراق، فذكروا فيه اختلافا كثيرا، قال: وأنا أذهب إلى [أن](١) الزهد
في ترك ما شغلك عن الله عز وجل وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن وهو
يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه، قاله ابن رجب(٢). قال القاضي
أبو الوليد بن رشد وغيره: الزهد راحة القلب والبدن وفي الدنيا والآخرة،
فالزهاد هم الملوك في الحقيقة وهم العقلاء الإيثارهم الباقي على الفاني. وقد
قال الإمام الشافعي وأصحابه(٣): لو أوصى لأعقل الناس صرف إلى الزهاد
فكم بين من شغله الله وبين من شغلته الدنيا، شتّان ما بين الشغلين،
[تشاغل قوم بدنياهم] وقوم تخلوا لمولاهم
فألزمهم باب مرضاته وعن سائر الخلق أغناهم. (٤
وقال سفيان بن عيينة(٥): الزهد ثلاثة أحرف زاي وهاء ودال فالزاي ترك
الزينة والهاء ترك الهوى والدال ترك الدنيا بجملتها.
والزهد في اللغة خلاف الرغبة، يقال زهد في الشيء وعن الشيء زهدا
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) جامع العلوم والحكم (١٨٦/٢).
(٣) انظر: روضة الطالبين (١٦٩/٦)، وكفاية الأخيار (٣٤٤/١).
(٤) انظر: فيض القدير (٢٨٢/٤).
(٥) البيهقي في الزهد الكبير (٦٠) أبا بكر الخراش يقول سئل أبو بكر الوراق عن الزهد فقال
الزهد ثلاثة أحرف أما الزاي فترك الزينة وأما الهاء فترك الهوى وأما الدال فترك الدنيا.

٦٢٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وزهادة. وأما حقيقته الشرعية فاختلف فيها اختلافا [١٥٤/ أ] كثيرا يطول
ذكره والراجح عند بعضهم أنه استصغار الدنيا بجملتها واحتقار جميع شأنها
لتصغير الله لها وتحقيره إياها وتحذيره من غرورها في غير ما آية من كتاب الله
تعالى كقوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ
أَتَّقَى﴾(١)، وكقوله ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ
اُلْغَرُورُ﴾(٢) فالزاهد هو المستصغر للدنيا المحتقر لها الذي انصرف قلبه
عنها لصغر قدرها عنده فلا يفرح بشيء منها ولا يحزن على فقد ولا يأخذ
منها إلا ما [أمر] بأخذه مما يعينه على طاعة ربه ويكون مع ذلك دائم الشغل
بذكر الله تعالى وذكر الآخرة وهذا هو أرفع أحوال الزهد لأن من بلغ إلى هذه
الرتبة فهو في الدنيا بشخصه وفي الآخرة بروحه وعقل، اهـ قاله في الديباجة.
فائدة: وقد اختلف الناس في الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة؟ فقال
أبو حفص (٣): الزهد لا يكون إلا في الحلال ولا حلال في الدنيا فلا زهد
وخالفه الناس في هذا وقالوا بل الحلال موجود أو على تقدير أن لا يكون
فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما تناوله المضطر فيها كتناوله
للميتة والدم ولحم الخنزير، ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد فقالت طائفة
الزهد إنما هو في الحلال لأن ترك الحرام فريضة، وقالت [فرقة] بل الزهد لا
(١) سورة النساء، الآية: ٧٧.
(٢) سورة لقمان، الآية: ٣٣.
(٣) الرسالة القشيرية (١٥٤/١).

٦٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يكون إلا في الحرام وأما الحلال فنعمة من الله على عبده والله يحب أن يرى
أثر نعمته على عبده فشكره على نعمه والاستعانة بها على طاعته واتخاذها
طريقا إلى جنته أفضل من الزهد فيها والتخلي عنها ومجانبة أسبابها
والتحقيق أنها شغلته عن الله تعالى فالزهد فيها أفضل وإن لم تشغله عن الله
بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل، والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها
والطمأنينة إليها والله أعلم.
[قوله وَّة: ((ازهد في الدنيا يحبك الله)) الحديث، فأمّا كون الزهد في الدنيا
سببا لمحبة الله تعالى فلأن الله عز وجل يحب من أطاعه ويبغض من عصاه
وطاعة الله عز وجل لا تجتمع مع محبة الدنيا، عرف ذلك بالنصوص والنظر
والتجربة والطبع والتواتر. وأما كون [الزهد](١) فيما عند الناس [سببٌ]
لمحبة الناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم إذ الدنيا ميتة والناس
كلابها فمن زاحمهم عليها أبغضوه ومن زهد فيها ووفرها عليهم أحبّوه،
وعدوّ المرء من يعمل عمله. ومما يروى من شعر الشافعي في هذا المعنى:
وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همُّهنَّ اجتذابها
وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فإن تجتنبها کنت سلما لأهلها
وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ◌َّ بالأمر بالاستعفاف [عن مسألة]
الناس والاستغناء عنهم فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه لأن
المال محبوب لنفوس بني آدم فمن طلب منهم [مما] يحبّونه كرهوه لذلك.
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦٢٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وأما من زهد فيما في أيدي الناس وعف عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك
ويسود به عليهم كما قال أعرابي لأهل [١٥٤/ ب] البصرة من سيد هذه
القرية؟ قالوا: الحسن. قال: [بم] سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه
واستغنى عن دنياهم. قاله ابن رجب(١)، فهذا الحديث يدل على أن الله تعالى
یحب الزاهدین في الدنيا.
قال بعض السلف: قال [الحواريون] لعيسى عليّلام: يا روح الله علمنا عملا
واحدا يحبنا الله عز وجل عليه. قال: ابغضوا الدنيا يحبكم الله عز وجل وقد
ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة. وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ
اُلْمَالَ حُبَّا جَمَّا ﴾﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُر ◌ِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ ﴾﴾(٣)،
والمراد حب المال [فإذا] ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها بل
يرفضها ويتركها. اهـ. قاله ابن رجب(٤)](6). قوله: ((يحبك الله)) هو بفتح الياء
المشددة والأصل يحببك الله بكسر الباء الأولى وسكون الثانية مجزوم على
جواب الأمر الذي هو ازهد في الدنيا فأسكنت الباء الأولى عند إرادة الإدغام
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠٦).
(٢) سورة الفجر، الآية: ٢٠.
(٣) سورة العاديات، الآية: ٨.
(٤) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٠٢).
(٥) حصل تأخير لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقد يقع لي ذلك مع
بعضهم كانوا يتوددون إليّ بالكلام في بعض الليالي زمن الانقطاع والتوجه لا في هذا
الوقت فالله تعالى المسئول في حسن العاقبة إنه كريم جواد، اهـ. قاله في الديباجة).

٦٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بنقل حركتها إلى الساكن قبلها وهو الحاء فاجتمع ساكنان فحرك الآخر
لالتقاء الساكنين بالفتح تخفيفا. ثم قال: ولا بد من ذكر حقيقة المحبة هنا
بالنسبة إلى الله تعالى، فنقول: قال أبو عبد الله المازري: الباري سبحانه
وتعالى لا يوصف بالصفة المعهودة [فينا] لأنه مقدس عن أن يميل أو يمال
بالصفات المعهودة في غيره وإنما محبته سبحانه وتعالى للخلق إرادته لثوابهم
وتنعمهم ومعنى محبة المخلوقين له إرادتهم أن ينعمهم ويحسن إليهم ويدفع
المضارّ عنهم كما قال عليه الصلاة والسلام جُبلت القلوب على حب من
أحسن إليها ولا [إحسان] في الحقيقة إلا الله تعالى خالق المحسنين
وإحسانهم فهو الحقيق بالمحبة دون من سواه ومن محبته محبة من أحبه من
نبي وملك وولي وغير ذلك ومن ذلك محبته أيضا وامتثال أمره واجتناب
نهيه واتباع سنة [رسوله] وَ﴾له ولا [تصح] حقيقة المحبة إلا بذلك ولقد
أحسن من قال:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته إن المحب لمن أحب مطيع
ولذلك قال سهل بن عبد الله التستري: المحبة ملازمة الطاعة ومباينة
المخالفة، وقال أبو علي الرودباري المحبة الموافقة وقال يحيى بن معاذ
ليس بصادق من ادّعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.
قوله وَلّ: ((وازهد فيما في أيدي الناس)) الحديث، سبب ذلك والله أعلم أن
القلوب مجبولة مطبوعة على حب الدنيا غالبا ومن نازع إنسانا في محبوبه

٦٢٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
كرهه وقلاه ومن لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه، قال الشارح ولا [يبعد
عندي] أن الزاهد تحبه الإنس والجن أخذا بعموم لفظ الناس. قال: وقد يقع
لي ذلك مع بعضهم كانوا يتوددون إليّ بالكلام في بعض الليالي زمن
الانقطاع والتوجه لا في هذا الوقت فالله تعالى المسئول في حسن العاقبة إنه
کریم جواد، اهـ. قاله في الديباجة.
٤٨٥٦ - وعن إبراهيم بن أدهم قال: جاء رجل إلى النبي وَلا فقال: يا رسول
الله دلني على عمل يحبني الله عليه، ويحبني الناس عليه؟ فقال: أما العمل الذي
يحبك الله عليه فالزهد في الدنيا، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه، فانبذ إليهم
ما في يديك من الحطام. رواه ابن أبي الدنيا (١) هكذا معضلا، ورواه بعضهم عنه
عن منصور عن ربعي بن حراش قال: جاء رجل. فذكره مرسلا(٢).
قوله: ((وعن إبراهيم بن أدهم)) وليس لإبراهيم بن أدهم في الكتب
[١٥٥/ أ] الستة ذكر إلا في هذا المحل. وإبراهيم، قال الإمام أبو الحسن
(١) ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (٣٣)، وفي الزهد (١١٨)، وقال ابن رجب في جامع العلوم
والحكم (٢/ ١٧٧) وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا ، وقال الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٣٢١٤) حسن لغيره
(٢) قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١٧٧/٢): خرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في
مسند إبراهيم بن أدهم وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٤١ من طريق إبراهيم بن أدهم،
عن منصور، عن مجاهد، عن أنس، به ؛ لكن وصله خطأ، قال أبو نعيم عقب الحديث:
((ذكر أنس في هذا الحديث وهم من عمر أو أبي أحمد، فقد رواه الأثبات عن الحسن بن
الربيع فلم یجاوزوا فيه مجاهدا»، ثم ساقه مرسلا من طريق مجاهد.

٦٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الماوردي صاحب الحاوي معناه بالسّريانية أب رحيم، قال [الفضل] بن
موسى حجّ أدهم أبو إبراهيم بن أدهم بأم إبراهيم وكانت به حبلى فولدت
إبراهيم بمكة فجعلت تطوف به على الخلق في المسجد ادعوا لابني أن
يجعله الله رجلا صالحا.
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في الرسالة (١) كان إبراهيم بن [آدم] من
كورة بلخ وكان من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أو [أرنبا]
وهو في طلبه فهتف به هاتف ألهذا خلقت أم بهذا أمرت؟ ثم هتف به من
قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فنزل عن دابته وصادف
راعيا لأبيه فأخذ جبة الراعي من الصوف فلبسها وأعطاه فرسه وما معه ثم إنه
دخل البادية ثم دخل مكة وصحب بها سفيان الثوري والفضيل بن عياض،
ودخل الشام ومات بها وكان يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين
وغير ذلك وأنه رآى في البادية رجلا علمه اسم الله الأعظم [فدعا به بعده
فرأى الخضر عليه الصلاة والسلام، وقال: إنما علمك أخي داود اسم الله
الأعظم،] أخبرني بذلك الشيخ أبو عبد الله السلمي.
وقال [خادمه] أبو سعيد الخراساني إبراهيم بن بشار وكان من كبار مشائخ
الصوفية صحبت إبراهيم بن [آدم] فقلت أخبرني عن بدء أمرك هذا، وكان
إبراهيم بن [آدم] [كبير الشأن](٢) في باب الورع يحكى عنه أنه قال أطب
(١) الرسالة القشيرية (١/ ٢٢).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦٣١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
مطعمك ولا عليك أن لا تقوم بالليل ولا تصوم بالنهار؛ وقيل كان عامة دعائه
اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. وقال أبو حاتم الرازي سمعت أبا
نعيم يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: إبراهيم بن [آدم] كان يشبه إبراهيم
الخلیل ولو کان في أصحاب رسول الله ێ لکان رجلا فاضلا، اهـ.
قوله: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّ، فقال يا رسول الله دلني على عمل يحبني
الله عليه وتحبني الناس عليه. فقال: أما العمل الذي يحبك الله عليه فالزهد في
الدنيا، وأما العمل الذي تحبك الناس عليه فانبذ إليهم ما في يديك من
الحطام))، الحديث. النبذ الطرح، والحطام الدنيا.
قوله: ((معضلا)) الحديث المعضل في اصطلاح المحدثين هو الذي سقط
من رواته [راويين] فأكثر أو كما ذكر وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين
عظيمتين، إحداهما الزهد في الدنيا فإنه مقتض لمحبة الله عز وجل لعبده،
والثانية الزهد فيما في أيدي الناس فإنه مقتض لمحبة الناس، فأما الزهد في
الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وإلى ذم الرغبة في الدنيا. قال الله
تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ﴾﴾(١)، الآية. وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ
عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾(٢)، والآيات في ذلك كثيرة.
وقد ذمّ الله تعالى من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته، [و]الأحاديث في
ذم الدنيا [وحقارتها عند الله تعالى] كثيرة، قاله ابن رجب(٣).
(١) سورة الأعلى، الآية: ١٦.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٦٧.
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٧٨).

٦٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله في الحديث في الكلام عليه ((عن ربعي بن حراش)»: ربعي بكسر الراء
وسكون الموحدة وكسر المهملة وتشديد الياء، وحراش بكسر المهملة
وبالراء الخفيفة وبالشين المنقطة وليس في [١٥٥/ ب] الصحيحين حراش
بالحاء المهملة سواه، ابن جحش بالجيم المفتوحة والميم المهملة الساكنة
وبالمعجمة العبسي بالمهملة المفتوحة الموحدة الساكنة وبالمهملة الكوفي
الأعور العابد الورع، يقال له لم يكذب قط، وكان له ابنان عاصيان على
الحجاج فقيل للحجاج إن أباهما لم يكذب كذبة قط، لو أرسلت إليه فسألته
عنهما، فأرسل إليه فقال هما في البيت، فقال قد عفونا عنهما بصدقك،
وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره إلى الجنة أو النار، فما ضحك
إلا بعد موته.
وله أخوان مسعود وهو الذي تكلم بعد الموت وربيع وهو أيضا حلف أن
لا يضحك حتى يعرف [إلى] الجنة أم لا فقال غاسله إنه لم يزل [متبسما]
على سريره حتى فرغنا.
وقال ابن المديني ولم يرو عن مسعود شيء إلا كلامه بعد الموت.
والربعي بحسب اللغة المنسوب إلى الربع والحراش جمع الحرش هو الأثر،
اهـ، قاله الكرماني (١).
وقال الحافظ أبو نعيم (٢): عن ربعي بن حراش أسند عن عمر بن الخطاب
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠٩/٢).
(٢) أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٧).

٦٣٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وعلي بن أبي طالب وحذيفة وغيرهم [فمن ما] رواه عن حذيفة(١) قال: قال
رسول الله وَله سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه شيء أعز من ثلاثة: أخ
يستأنس به أو [درهم حلال أو] سنة يعمل بها حديث [غريب، و] قال أبو
الفرج، قال: فلقد أخبر [غاسله] أنه لم يزل مبتسما على سريره ونحن نغلسله
حتى فرغنا منه، توفي سنة أربع ومائة والله أعلم. [قوله:] فذكره مرسلا، تقدم
الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.
لطيفة: عن عاصم الأحول(٢) قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول:
أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي وَلّ وأبي بكر
وعمر، فقال عن هؤلاء فسل. [انتهى.
٤٨٥٧- وعن أبي هريرة رَّه قال: قال رسول الله وَّ: الزهد في الدنيا
يريح القلب والجسد. رواه الطبراني (٣)، وإسناده مقارب.
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣٧٠/٤ و١٢٧/٧)،
وقال أبو نعيم: غريب ؛ تفرد به روح بن صلاح، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٧٢/١) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه روح بن صلاح، ضعفه ابن عدي، وقال
الحاكم: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله موثقون .. وضعفه الألباني في
ضعيف الجامع (٣٢٩٦)، والضعيفة (٣٧١٣).
(٢) الزهد لابن السري (٥٦٣)، وحلية الأولياء (٣٠٧/١).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦١٢٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٨٦/١٠): رواه
الطبراني في الأوسط، وفيه أشعث بن نزار ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في
بعضهم. وابن عدي في الكامل (١/ ٣٧٥)، والبيهقي في الشعب (١٠٥٣٧) عن أبي هريرة،
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣١٩٦)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٧).

٦٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله:] ((وعن أبي هريرة)) تقدم قوله وَ﴾ ((الزهد في الدنيا يريح القلب
والجسد)). تقدم الكلام على الزهد في الدنيا.
٤٨٥٨- وعن الضحاك رَّ يُ قال: أتى النبي وَله رجل فقال: يا رسول الله
من أزهد الناس ؟ قال: من لم ينس القبر والبلى، وترك فضل زينة الدنيا، وآثر
ما یبقی علی ما یفنی، ولم يعد غدا في أيامه،وعد نفسه من الموتى. رواه ابن
أبي الدنيا(١) مرسلا وستأتي له نظائر في ذكر الموت إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وعن الضحاك)) هو بن مزاحم الهلالي أبو القاسم ويقال أبو محمد
الخراساني روى عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن
أرقم وأنس ابن مالك وقيل لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة وعن
الأسود بن يزيد النخعي وعبد الرحمن بن عوسجة وعطاء وأبي الأحوص
الجشمي والنزال بن سبرة وعنه جماعة قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ثقة
مأمون وقال ابن معين وأبو زرعة ثقة وقال أبو قتيبة عن شعبة قلت لمشاش
الضحاك سمع من بن عباس قال ما رآه قط وقال سلم بن قتيبة أبو داود عن
شعبة حدثني عبد الملك بن ميسرة قال الضحاك لم يلق بن عباس إنما لقي
سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير وقال أبو أسامة عن المعلى عن شعبة
عن عبد الملك قلت للضحاك سمعت من ابن عباس قال لا قلت فهذا الذي
(١) ابن أبي الدنيا في الزهد (١٠٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٣١٨)، والبيهقي في شعب
الإيمان (١٠٠٨١) عن الضحاك بن مزاحم، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب
(١٨٦٨)، وفي السلسلة الضعيفة (١٢٩٢): ضعيف مرسل.

٦٣٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
تحدثه عمن أخذته قال عن ذا وعن ذا وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد
كان شعبة لا يحدث عن الضحاك بن مزاحم وكان ينكر أن يكون لقي ابن
عباس قط وقال علي عن يحيى بن سعيد كان الضحاك عندنا ضعيفا وقال
البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن حكيم بن الديلم عن الضحاك يعني
بن مزاحم قال سمعت ابن عمر يقول ما طهر كف فيها خاتم من حديد وقال
لا أعلم أحدا قال سمعت بن عمر إلا أبو نعيم وقال أبو جناب الكلبي عن
الضحاك جاورت بن عباس سبع سنين وذكره ابن حبان في الثقات وقال لقي
جماعة من التابعين ولم يشافه أحدا من الصحابة ومن زعم أنه لقي بن عباس
فقد وهم وكان معلم كتاب ورواية أبي إسحاق عن الضحاك قلت لابن
عباس وهم من شريك وقال ابن عدي عرف بالتفسير وأما روايته عن ابن
عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ففي ذلك كله نظر وإنما اشتهر
بالتفسير قاله الحسين بن الوليد مات سنة ١٠٦ وقال أبو نعيم مات سنة
خمس ومائة.
قوله: ((من أزهد الناس؟ قال: من لم ينس القبر والٍلًا)) الحديث، سيأتي
الكلام عليه في ذكر الموت إن شاء الله تعالى.
٤٨٥٩- وروي عن ابن عباس نَّهَا قال: قال رسول الله وَله: إن الله عز
وجل ناجى موسى بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، فلما سمع
موسى كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل،
وكان فيما ناجاه ربه أن قال: يا موسى إنه لم يتصنع لي المتصنعون بمثل

٦٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم،
ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي قال موسى: يا رب البرية
كلها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام: ماذا أعددت لهم، وماذا
جزيتهم؟ قال: أما الزهاد في الدنيا، فإني أبحتهم جنتي يتبوؤون منها حيث
شاؤوا، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإنه إذا كان يوم القيامة لم يبق عبد
إلا ناقشته وفتشته إلا الورعون فإني أستحييهم وأجلهم وأكرمهم، فأدخلهم
الجنة بغير حساب، وأما البكاؤون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا
يشاركون فيه. رواه الطبراني(١) والأصبهاني(٢).
قوله: ((وروي عن ابن عباس)) تقدم. قوله: ((إن الله ناجى موسى عليه
الصلاة والسلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام)»، الحديث.
موسى هذا هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب كظيم الله بن
إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله [وهارون أخوه لأبيه وأمه، واسم أمهما،
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٩٣٧)، وفي المعجم الكبير (١٢٠/١٢/
١٢٦٥٠).
(٢) الأصبهاني في الترغيب (٢٢٧)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٥٤٥- ١٠٩٩)، وابن
أبي الدنيا في الزهد (١٩٨)، والآجري في الشريعة (٦٩٣)، وابن شاهين في جزء من
حديثه (١٧)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٤٨١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٤٧)،
والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٥٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٣/٨): رواه
الطبراني، وفيه جويبر وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٥٢٥٨)،
وضعيف الترغيب والترهيب (١٨٦٩).

٦٣٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وقيل: يوحاند. قال ابن اسحاق: اسمها نجيبة، وولد موسى بعد هارون
ثلاث سنين. قال في تاريخ كنز الدرر]. سؤال: لِمَ لَمْ يكلم الله سائر الأنبياء
مشافهة إلا موسى ،عَل﴾؟ قيل: لأنه لم يكن لنبي من الأنبياء من الأعداء ما
الموسى عَلَم كفرعون واليهود وقارون ولم يكن قوم أسوأ أدبا وأقسى قلبا
من قومه فخصه الله بكلامه لیحتمل ما امتحن به من البلاء، وأيضا كان موسى
قَ الَلام في مدرجة الشوق فلو لم يسمعه كلامه بعدما منعه الرؤية لمات قلبه،
فإن قال قائل: بأي شيء علم موسى أنه كلام الله؟ قيل: لأنه لم ينقطع كلام
بالنفس، ويقال: لأنه سمع الكلام من الجوانب الستة ويقال لأن جميع
جوارحه صارت کسمعه ووجد اللذة لها من كلامه كما وجد بسمعه، ويقال:
كلام الله في نفسه [١٥٦ / أ] معجزة يعرف بمعنى الكلام [أنه كلام الله] (١)،
فإن قيل لم منعه الرؤية، قيل لأن الرؤية غاية الكرامة [وغاية الكرامة](٢)
تُعطى لأكرم الخلق وهو محمد وَّة، ويقال لو أراه لوجب عليه شكره ولو
شكر لاستحق الزيادة ولا مزيد على الرؤية فلذلك حرمه وهذا هو المعنى في
قوله وقليل أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، والله أعلم. قاله ابن العماد، قوله:
فلما سمع كلام الآدميين مقتهم، الحديث. المقت هو أشد البغض وتقدم
ذلك.
تنبيه: كلام الله تعالى يباين كلام البشر من ثلاثة أوجه: أحدها أنه يسمع
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٦٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من غير حرف ولا صوت، وكذلك سمعه موسى ◌َلَامًا. الثاني: أنه لا تقطيع
فيه ولا تنفس لأنه لا يكون بجارحة. الثالث أنه لا يسمع بالأذن وحدها بل
يسمع بسائر البدن من سائر الجهات، وتحصل اللذة بسماعه لأنه تعالی لیس
في جهة وكذلك سمعه موسى ﴾آلآت، قاله الكرماني.
وروى الحاكم في المستدرك(١) من أحاديث أبي معشر واسمه نجيح
[السندي] المدني صاحب أبي هريرة وصاحب المغازي مرفوعا، قال: مكث
موسى بعد أن كلمه الله أربعين يوما لا يراه أحد إلا مات وأبو معشر ضعفه
الأكثرون، وقال ابن عدي مع ضعفه يكتب حديثه وكان يحيى بن سعيد
القطان لا يحدث عنه ويضحك إذا ذكره ويتعجب من جرأته على وضع
الأحاديث على رسول الله وَاخله.
قوله: ((أما الزهاد في الدنيا)) الحديث، الزهاد جمع زاهد وتقدم الكلام على
الزهد مبسوطا، وأما الورعون فهم جمع ورع، تقدم الكلام على الورع في
(١) المستدرك (٢ /٦٢٩)، وأخرجه ابن معين في تاريخه- رواية الدوري (١٨٣/٣)، ومن
طريقه: ابن عدي في الكامل (٣١٠/٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١ / ٥٤) وأخرجه
عبد الله بن أحمد في السنة (٥٤٣ و١٠٩٧)، وابن أبى حاتم في تفسيره
(٨٩٢٦/١٥٥٨/٥)، و (١٦٨٨٣/٢٩٧٣/٩) وأورده السيوطي في الدر المنثور
(٥٣٦/٣)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث
عبد الرحمن بن معاوية، وقال الذهبي في التلخيص: إسناده لين. وأبو مَعْشَرٍ هو نجيح
المدني،ضعيف، وذكره الذهبي في الميزان (٢٤٧/٤) في ترجمته ضمن الأحاديث التي
أنكرت عليه. وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية من صغار التابعين، وهو متكلم فيه.

٦٣٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
بابه. وأما البكاءون فهم جمع باكٍ وسيأتي الكلام على البكاء في بابه. قوله
وَبير: ((فأولئك لهم الرفيق الأعلى)) الحديث، والمراد بالرفيق الأعلى من
ذكرهم الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ﴾(١)،
ومعنى الآية أنه يكون مع النبيين في الجنة لا تفوته رؤيتهم ولا مجالستهم،
فالرفيق الأعلى جماعة الأنبياء الذين يسكنون في أعلى عليين وهو اسم جاء
على فعيل ومعناه الجماعة كالصديق والخليط والرفيق المرافق في الطريق.
تنبيه: وفي الحديث أن النبي وَّ قال عند الموت(٢): اللهم ألحقني بالرفيق
الأعلى أي الملائكة أصحاب الملأ الأعلى.
فإن قلت: هذا فيه التمني للموت إذ لا يمكن الإلحاق [بهم] إلا بالموت.
قلت: هذا ليس تمنيا للموت غايته أن يكون مستلزما لذلك، والمنهي ما هو
المقصود بذاته أو المنهي هو المقید وهو ما یکون من ضر أصابه، وهذا ليس
منه بل للاشتياق إليهم.
قال ابن بطال (٣): فإن قيل: قول النبي ◌ُّ: ألحقني تمني للموت، أجيب بأنه
قال ذلك بعد أن علم أنه ميت في يومه ذلك ورآی الملائكة المبشرة له عن ربه عز
وجل بالسرور الكامل، ولهذا قال النبي صلى الله [١٥٦/ ب] عليه وسلم لفاطمة
(١) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٢) صحيح البخاري (٤٤٤٠)، وصحيح مسلم (٨٥) (٢٤٤٤).
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٨٨/٩).

٦٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رضِوعة
فَهَا (١) لا كرب على أبيك بعد اليوم، وكانت نفسه مسرعة في اللحاق بكرامة الله
عك الله
تعالى وسعادة الأبد، وكان ذلك خيرا له من كونها في الدنيا، وبهذا أمر ◌َالله أمته
حيث قال: فليقل اللهم توفني ما كانت الوفاة خيرا لي، انتهى. قاله الكرماني (٢).
وقيل معنى ألحقني بالرفيق الأعلى، أي بالله تعالى، فقال الله رفيق بعباده من الرفق
والرأفة، وهو فعيل بمعنى فاعل. فقوله [صلى الله تعالى عليه وسلم:] الرفيق
الأعلى، قال الخطابي(٣) والصاحب المرافق وهو هنا بمعنى الرفقاء، يعني
الملائكة والظاهر أنه معهود من قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾(٤)، أي
أدخلني في جملة أهل الجنة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اهـ
ففيه دليل على أنه ◌ٍَّ ﴾ خيّر بين الحياة والموت فاختار القدوم على ربه عز
وجل. وعن عائشة ◌َّهَا(٥) أنها لما سمعت ذلك قالت: إذا لا يختارنا.
ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة قال أجلسوني، فأجلسوه
فقال(٦): أنا الذي أمرتني فقصّرت ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله، ثم
رفع رأسه فأبدّ النظر ثم قال إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قُبض
رضي الله تعالی عنه.
(١) صحيح البخاري (٤٤٦٢).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٠/ ٢٠١).
(٣) عمدة القاري (١٨/ ٦٤).
(٤) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٥) صحيح البخاري (٦٣٤٨)، وصحيح مسلم (٨٧ - (٢٤٤٤).
(٦) حلية الأولياء (٣٣٥/٥).