Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة مكحول بعد الجراح وقال معاوية بن صالح عن أبي مسهر مات سنة اثنتي عشرة ومائة قلت وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من أيسر أهل دمشق فخرج من ماله كله. قوله: ((أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث)) معاوية [١٣٢/ أ] كذا. قوله: ((أن رجلا أسرف على نفسه)) أي أخطأ وأكثر من الذنوب وجاوز القصد في ذلك، والسرف الخطأ، والسرف مجاوزة الحد. قوله: ((فلقي رجلا فقال إن الآخر قتل تسعة وتسعين نفسا كلهم ظلما)) الحديث، الآخر هو بهمزة مقصورة وخاء مكسورة، هكذا رويناه عن كافة شيوخنا وبعض المشايخ يمد الهمزة وهو خطأ وكذا فتح الخاء هنا خطأ ومعناه الأرذل والأبعد والأدنى على الذم، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومرداه نفسه فحقّرها وعابها لا سيما وقد فعل هذه الفاحشة، وقيل إنها كناية يكني بها عن نفسه وغيره إذا أخبر عنه بما يستقبح والله أعلم. قوله: ((قيسوا ما بين المكانين فأيهم كان أقرب فهو منهم)) الحديث، وأما قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم أو اختلافهم فيه أن يُحكِّموا رجلا ممن يمرّ بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك، قاله القرطبي(١). وفيه على أن الأرض فيها الطيب والخبيث والصالح وضده وبذلك جاءت السنة. (١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٨٤). ٤٦٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((فوجوده أقرب إلى دير التوابين بأنملة))، وفي الرواية الأخرى: بقيد أنملة، ((فغفر له))، أي بقدر أنملة والأنملة طرف الإصبع والله أعلم. مسألة لها تعلق بحديث قاتل النفس: اختلف العلماء هل في الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا؟ فقال الجمهور التوبة تأتي على كل ذنب وتقبل، وقالت طائفة لا تقبل توبة القاتل، وهذا مذهب ابن عباس وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقد ناظر ابن عباس(١) في ذلك أصحابه فقالوا له أليس قد قال الله تعالى في سورة الفرقان ﴿إِلَّ مَن تَابَ﴾(٢)، فقال: كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله وَ له فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِاَ لْقٍ﴾(٣) إلى قوله: ﴿إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ﴾(٤)، فهذه في أولئك، وأما التي في سورة النساء وهي قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾(٥) الآية، فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم. وقال زيد بن ثابت(٦) لما نزلت التي في (١) صحيح البخاري (٤٥٣٢)، وصحيح مسلم (١٢٢)، والناسخ والمنسوخ القاسم بن سلام (٤٢٣/١)، ومدارج السالكين (٣٩٣/١). (٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٨. (٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٨. (٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٨. (٥) سورة النساء، الآية: ٩٣. (٦) الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (١/ ٤٢٧)، وتفسير البغوي (١ / ٤٦٥) ٤٦٣ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة الفرقان عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، آية النساء، وباللينة آية الفرقان. قال ابن عباس رَوَهَا(١) آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء، قال هؤلاء: ولأن التوبة من قتل النفس عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إذ التوبة من حق الآدمي لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم يصل إليه ولم يستحله منه وقد تعذر. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ [١٣٢/ ب] أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اٌللَّهِ﴾(٢) الآية، فهذه الآية في حق التائب، وبقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ (٣)، فهذه في حق غير التائب لأنه لا فرق بين الشرك وما دونه وعلّق المغفرة بالمشيئة [فخصّص] وعلق وفي التي قبلها عمَّم وأطلق، وبقوله: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ أُهْتَدَى ﴾﴾(٤)، فإذا تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحًا فالله عز وجل غفار غفار له. قالوا: وقد صح عن النبي ﴾ حديث الذي قتل مائة نفس ثم تاب (١) مدارج السالكين (٣٩٣/١)، وحياة الحيوان الكبرى (٤٢٢/١)، ونيل الأوطار (٢١٠/٧). (٢) سورة الزمر، الآية: ٥٣. (٣) سورة النساء، الآية: ٤٨. (٤) سورة طه، الآية: ٨٢. ٤٦٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فنفعته توبته وألحق بالقرية الصالحة التي خرج [إليها] وصح عنه وَلّ من حديث عبادة بن الصامت(١) أن رسول الله وَل قال وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا [تسرقوا] ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك. وفي حديث الشفاعة(٢): أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل، وفيه: فيقول الله عز وجل وعزتي وجلالي لأخرجنّ من النار من قال لا إله إلا الله. وأضعاف هذه النصوص كثيرة تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد. قالوا: وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا﴾(٣) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾(٤) الآية، وقوله وَّه: من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، الحديث. ونظائره كثيرة، وقد اختلف العلماء في هذه النصوص على طرق: أحدها: القول بظاهرها (١) صحيح البخاري (١٨). (٢) صحيح البخاري (٢٢، ٦٥٦٠)، وصحيح مسلم (٣٠٤) (١٨٤) عن أبي سعيد الخدري. (٣) سورة النساء، الآية: ١٤. (٤) سورة النساء، الآية: ١٠. ٤٦٥ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة وتخليد أرباب هذه الجرائم في النار، وهو قول الخوارج والمعتزلة. ثم اختلفوا: فقالت الخوارج هم كفار لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وقالت المعتزلة ليسوا بكفار بل فسّاق ومخلدون في النار. هذا كله إذا لم يتوبوا. وقالت فرقة: هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وأما من فعلها لا يعتقد تحريمها لم يلحقه هذا الوعيد، وعيد الخلود، اهـ. مسألة ثانية: واختلف العلماء أيضا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى عليه للمقتول يوم القيامة حق؟ فقالت طائفة: لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها، وقد استوفى ورثة المقتول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله. وقالت طائفة: المقتول قد ظلم وفاتت نفسه ولم يستدرك ظلامته، والوارث إنما أدرك ثأر نفسه وشفى غيظ نفسه وأي منفعة حصلت له ذلك وأي ظلامة استوفاها من القاتل، قالوا: فالحقوق في القتل ثلاثة: حق لله، وحق للمقتول، وحق للوارث. فحق الله لا يزول إلا بالتوبة، وحق الوارث قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة [١٣٣/ أ] أشياء من القصاص والعفو مجّانا أو إلى مال فلو أحلّه وأخذ منه مالا لم يسقط حق المقتول بذلك فكذلك إذا [اقتص] منه لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين؟ قالوا: ولو قال القتيل لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه لكان يسقط حقه ولم يسقطه فإن قلتم يسقط فباطل لأنه لم يرض بإسقاطه، وإن قلتم لا ٤٦٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه، وهذه حجج كما ترى [قوية] لا تندفع إلا بأقوى منها وأمثالها. فالصواب والله أعلم أن يقال: إذا تاب القاتل وسلم نفسه طوعا إلى الوارث يستوفي منه حق مورِّثه سقط عنه الحقان [وبقي] حق الموروث لا يضيعه الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول فإن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله والتوبة تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب [لدين](١) [لله تعالى] ورسوله إذا قتل مسلمًا في الصف ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله سبحانه وتعالى يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد [فعفا] عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا فإن الله يقبل توبته ويعوض هذا المقتول، فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله، ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ اُلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ﴾ (٢)، وهاتان المسألتان ذكرهما المسعودي الحنفي في كتابه تهذيب النفوس. ٤٧٦٩ - وعن أبي هريرة ◌َّهُ أن رسول الله وَيّ قال: قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من (١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية. (٢) سورة النمل، الآية: ٧٨. ٤٦٧ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول. رواه مسلم(١)، واللفظ له، والبخاري(٢) بنحوه. قوله: ((وعن أبي هريرة) تقدم. قوله: ((قال الله عز وجل أنا عند ظن عبيد بي وأنا معه حيث يذكرني))، قوله: ((أنا عند ظن عبدي بي))، قال القرطبي (٣): قيل معناه ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن قبول الأعمال عند فعلها على [شروطها] تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله، [قال:] ويؤيده قوله وَّر: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه فإنه سبحانه وتعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظن [أنّ] الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه فذلك هو القنوط من رحمة الله تعالى واليأس من روح الله تعالى، وهو من أعظم الكبائر. وقال النووي(٤): أنا عندي ظن عبدي بي: قال القاضي معناه بالغفران له إذا استغفرني والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلبها، وقيل (١) صحيح مسلم (٢) (٢٦٧٥). (٢) صحيح البخاري (٧٤٠٥). (٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٢/ ٦٧). (٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/١٧). ٤٦٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب المراد به الرجاء وتأميل [العفو] وهذا وضح. قوله: ((وأنا معه حين يذكرني)) أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾(١)، فمعناه بالعلم [والإحاطة،] وفي [حديث آخر: فإن] ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، قال المازري [١٣٣/ ب] النفس تطلق في اللغة على معان منها الدم ومنها نفس الحيوان وهما مستحيلان في حق الله تعالى ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى في نفسي ومنها الغيب وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾(٢) أي ما في غيبي فيجوز أيضًا أن يكون مراد الحديث أي إذا ذكرني [غالبا أثابه] الله وجازاه بما [سبق] مما لا يطلع عليه أحد. قوله: ((وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم))، هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على [الأنبياء، صلوات الله تعالى وسلماه عليهم أجمعين، واحتجوا أيضا بقوله تعالى:] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمُنَا بَنِىّ ءَادَمَ﴾ الآية إلى قوله ﴿تَفْضِيلًا﴾(٣)، [فالتقييد] بالكثير احتراز من الملائكة ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة لقوله (١) سورة الحديد، الآية: ٤. (٢) سورة المائدة، الآية: ١١٦. (٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٠. ٤٦٩ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة تعالى في بني إسرائيل ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾(١)، ويتأولون هذا الحديث على أن [الناكرين غالبا] يكونون طائفة [لا] نبي فيهم فإذا ذكر الله تعالى في خلائق [من الملائكة] كانوا خيرًا [من تلك الطائفة] اهـ، قاله في الديباجة. قوله وَّالية: ((والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)) الحديث، اللام في لله هي لام الابتداء. قال النووي (٢): قال العلماء: فرح الله تعالى هو رضاه، فالفرح هاهنا وفي أمثالها كناية عن الرضا وسرعة القبول وحسن الجزاء لتعذر إطلاق ظاهر الفرح على الله تعالى، والمعنى الله أرضى بالتوبة وأقبل لها. قال الإمام المازري (٣): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تقريره. قوله: ((يجد ضالته بالفلاة))، والفلاة الأرض الفضاء التي لا ماء بها. [تتمة: قال الزمخشري(٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ ج وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾(٥): هذا دليل على أن الرجل إذا كان بيلد لا يتمكن (١) سورة الجاثية، الآية: ١٦. (٢) انظر: النهاية في غريب الأثر (٤٢٤/٣)، ولسان العرب (٥٤١/٢). (٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧ / ٦٠). (٤) الكشاف (١/ ٥٨٧). (٥) سورة النساء، الآية: ٩٧. ٤٧٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب والعوائق من عليه الدين، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى وأدوم على العبادة حقت عليه الهجرة. وعن النبي وَلَّ(١): ((من قرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب له الجنة و کان رفیق إبراهیم ونبيه محمد))، وقال في آخر سورة العنكبوت في قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِيََّ فَاعْبُدُونِ ﴾﴾(٢)، معنى الآية: أن المؤمن إذا لم تتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم یتمشی له أمر دينه کما یجب فلیهاجر عنه إلى بلد آخر يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا، ولعمري أن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرّب أولونا فلم يجدوا فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلتفت وأجم وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله تعالى وجوار بيت الله تعالى، فلله الحمد على ما سهّل ذلك وقدر ورزق من الصبر وأورع من الشكّ، انتهى](٣). قوله: ((ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت به باعا))، [الحديث، هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهره، ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي. و] الباع والبوع [بضم الباء (١) أخرجه الثعلبي في تفسير الثعلبي (٣٧٢/٣) عن الحسن مرسلا انظر: تخريج الأحاديث والآثار (٣٥١/١)، (٥٠/٣). (٢) سورة العنكبوت، الآية: ٥٦. (٣) سقطت هذه الفقرة من الأصل، وأثبتت من النسخة الهندية. ٤٧١ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة والبوع بفتحها، كله بمعنى] سواء هو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره، قال الباجي: هو قدر أربعة أذرع، وهو هاهنا مثل لقرب ألطاف الله من العبد إذا تقرّب إليه بالإخلاص والطاعة، قاله في النهاية(١). قوله: ((وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه هرولة)) الهرولة المشي [والعدو] وهو كناية عن سرعة إجابة الله تعالى وقبول توبة العبد ولطفه ورحمته ومعنى الحديث: من تقرّب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي، [وتوفيقي وعنايتي]، وإن زاد زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة، أي صببت عليه رحمتي وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، اه، قاله النووي في الرياض(٢). [والمراد أنّ جزاءه يكون تضيعفه على حسب تقرّبه]. ٤٧٧٠ - وعن يزيد بن نعيم قال: سمعت أبا ذر الغفاري زَقْ لَمُ، وهو على المنبر بالفسطاط يقول: سمعت النبي ◌َّ يقول: من تقرب إلى الله عز وجل شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أقبل إلى الله عز وجل ماشيا أقبل إليه مهرولا، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل، والله أعلى وأجل. رواه أحمد (٣) والطبراني(٤)، وإسنادهما حسن. (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٦٢). (٢) رياض الصالحين (ص: ١٥٨). (٣) أحمد (٢١٣٧٤) وأخرجه البغوي في معجم الصحابة (٥٠٥/٢)، وقال: ولم يرو زياد الغفاري فیما أعلم غير هذا. (٤) الطبراني في المعجم الكبير (١٦٤٦/١٥٥/٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٧/١٠) رواه أحمد والطبراني، وإسنادهما حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٨٤٠). ٤٧٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((وعن يزيد بن نعيم)) هو زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة بن عمرو الحضرمي قال ابن يونس: وينسب إلى جده روى عن زياد بن الحارث الصدائي وحبان بن بح الصدائي وأبي ذر وأبي أيوب وابن عُمر وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وبكر بن سوادة والحارث بن يزيد الحضرمي ويزيد بن عمرو المعافري قال العجلي: تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات قال ابن يونس: عن الحسن بن العدّاس مات سنة خمس وتسعين كذا قال قلت حديثه في زياد بن الحارث ووثقه يعقوب بن سفيان أيضًا. قوله: (سمعت أبا ذر الغفاري وهو على المنبر بالفسطاط)) وأبو ذر تقدم الكلام عليه، توفي: بالربذة وهي قرية معروفة بها [قبر أبي ذر، منها إلى المدينة مسيرة ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم]، والفسطاط تقدم الكلام عليه في فضل سُكنى الشام [١٣٤ / أ]قوله: ((من تقرب إلي شبرا)) الحديث، تقدم الكلام علیه. ٤٧٧١- وعن شريح هو ابن الحرث قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ◌َّ* يقول: قال النبي ◌َّ: قال الله عز وجل: يا ابن آدم قم إلي أمش إليك، وامش إلي أهرول إليك. رواه أحمد(١) بإسناد صحيح. (١) مسند أحمد (١٥٩٢٥)، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٤٢٤/٥)، وأخرجه المخلصيات (٢٢٥٤) (٩٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٢٢٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩٦/١٠): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن الحارث، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٤٠)، والصحيحة (٢٢٨٧)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٣١٥٣)، وأخرجه مسدد موقوفا - كما في إتحاف الخيرة = ٤٧٣ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة قوله: (وعن شريح)) هو ابن قيس بن الجهم بن معاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندى الكوفى التابعى، ويقال: شريح بن شرحبيل، ويقال: ابن شراحيل، ويقال: إنه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، والصحيح الأول. أدرك النبى وَخلّ ولم يلقه، وقيل: لقيه، والمشهور الأول. قال يحيى بن معين: كان فى زمن النبى ۋە ولم یسمع منه، روی عن عمر بن الخطاب، وعلى، وابن مسعود، وزید بن ثابت، وعبد الرحمن بن أبى بكر، وعروة البارقى، رضى الله عنهم. وروى عنه قيس بن أبى حازم، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، ومرة، والنخعى، والشعبى، وآخرون، قال الأكثرون: استقضاه عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، على الكوفة، وأقروه بعده، فبقى على قضائها ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة. قالوا: وولى القضاء لعمر زَقْلَه، من سنة ثنتين وعشرین. روى عن حفص بن عمر، قال: قضى شريح ستين سنة. وروى ميسرة، عن شريح، قال: وليث القضاء لعمر، وعثمان، وعلى، ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ولعبد الملك إلى أيام الحجاج، فاستعفيت الحجاج، وكان له يوم استعفائه مائة وعشرون سنة، وعاش بعد استعفائه سنة، وقال على بن المدينى: ولى شريح البصرة سبع سنين فى زمن زياد، المهرة (٧٣٣٢) موقوفا، والمطالب العالية (٣١٤٦) عن شريح، حدثني رجل من أصحاب النبي ◌َّ- قبل تلاطخ هذه الأحاديث، أنه قال: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، قم إلي امش إليك، [وامش] إلي، أهرول إليك. ٤٧٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وولى الكوفة ثلاثا وخمسين سنة. وقال على بن أبى طالب لشريح، رضى الله عنه: أنت أقضى العرب. وقال أبو الشعثاء: قدم علينا شريح البصرة، فقضى فينا سنة، فما رأينا مثله قبل ولا بعد، وقال ابن قتيبة فى المعارف، والشيخ أبو إسحاق فى طبقاته: ولى شريح القضاء خمسا وسبعين سنة. وروى البيهقى فى كتابه فى مناقب الشافعى فى باب الجرح والتعديل، أن الشافعى قال: لم يكن شريح قاضيا لعمر بن الخطاب. قال البيهقى: وقد اختلفوا فيه. قال: وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وأنكر آخرون قول الشافعى. قالوا: وتوليته القضاء لعمر فمن بعده مشهور، واتفقوا على توثيق شریح، ودينه، وفضله، والاحتجاج برواياته، وذكائه، وأنه أعلمهم بالقضاء(١). وتقدم معنى هذا الحديث أيضا. ٤٧٧٢- وعن أنس بن مالك رَّ ◌ِلَّه قال: قال رسول الله وَّ: الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله بأرض فلاة. رواه البخارى(٢) (٣) ومسلم (٣). ٤٧٧٣ - وفي رواية لمسلم(٤): لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عنه، وعليها طعامه وشرابه، (١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٣/١-٢٤٤). (٢) صحيح البخاري (٦٣٠٩). (٣) صحيح مسلم (١) (٢٦٧٥). (٤) صحيح مسلم (٧) (٢٧٤٧). ٤٧٥ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح. قوله: ((وعن أنس بن مالك)) تقدم. قوله ◌َّيقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم ... بأرض فلاة))، [أي فقده وأضاعه ولم يجده بموضعه، رباعي، وضللت الشيء بفتح اللام وكسرها نسيته، والفتح أشهر. وفي الرواية الأخرى: ((كان على راحلته بأرض فلاة))، والفلاة المفازة أي أن الله تعالى أرضى بتوعيده من واجد ضالته بالفلاة، قاله الكرماني(١)]، الحديث، الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر [المدرّب على الركوب والسير والحمل ومثاله في الإبل قلبك، وكذلك النجيب، وقد سمي الجمل أيضا راحلة، قاله عياض (٢)]، وقال ابن [قتيبة(٣)]: الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في الإبل عرفت وسميت الراحلة لأنها ترحل أي يجعل عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة. وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة كما يقال نسابة وعلامة [حق الله (١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٢٧/٢٢). (٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢٨٥/١). (٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٠١). ٤٧٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تعالى]. قوله: ((فأخذ بخطامها)»: الخطام ما يقاد به الدابة. قوله: «ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)). فائدة: في شعب البيهقي (١): عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: تعبَّد رجل في صومعة فمطرت السماء وأعشبت الأرض فرآى حمارا يرعى فقال يا رب لو كان لك حمار رعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه إنما أجازي العباد على قدر عقولهم، اهـ. ٤٧٧٤- وعن الحارث بن سويد عن عبد الله نَّه قال: سمعت رسول الله وَلّ يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام فاستيقظ، وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله تعالى: قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ، فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته. رواه البخاري(٢) ومسلم(٣). (١) شعب الإيمان (٤٦٤٠)، وأخرجه ابن عدي في الكامل (١٦٥/١)، وقال: هذا حديث منكر لا يرويه بهذا الإسناد غير أحمد بن بشير قال يحيى بن معين: أحمد بن بشير متروك. انظر: الموضوعات (١٢١/١)، واللآلىء المصنوعة (١٢٢/١). (٢) صحيح البخاري (٦٣٠٨). (٣) صحيح مسلم (٣) (٢٧٤٤). ٤٧٧ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة [الدوية] بفتح الدال المهملة، وتشديد الواو والياء جميعا: هي الفلاة القفر والمفازة قوله: ((وعن الحارث بن سويد)) هو أبو عائشة الحارث بن سويد التيمي الكوفي من تيم الرباب. من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم. قال أحمد بن حنبل- وقد سئل عنه -: مثل هذا يسأل عنه، يعني الجلالة قدره وعلو منزلته. روى عن ابن مسعود، روى عنه: إبراهيم التيمي، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير (١). قوله: (الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دَويَّة مُهلِكة)) الحديث. قال العلماءُ: فرح الله تعالى رضاه، قال المازري(٢): الفرح ينقسم على وجوه منها: السرور والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: والمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشدّ مما يرضى واجد الضالة بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا للمعنى في نفس السامع ومبالغة في تقريره. وأما الدوية فقال الحافظ بفتح الدال المهملة وتشديد الواو والياء جميعا هي الفلاة القفر والمفازة، اهـ. قال العلماء: الأرض القفر هي الخالية لا ماء به والجمع قفار بالكسر، والقفار بالفتح أيضا، القفر، وأقفر فلان من [أهله] والمكان من سكانه والجسد من اللحم والرأس من الشعر إذا انفرد وخلا، قاله صاحب المغيث. وقال الإمام القرطبي (٣) في قوله: في أرض دوية مهلكة، (١) جامع الأصول (١٢/ ٣٠٠). (٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ٦٠). (٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٧ / ٦١). ٤٧٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أما دوية فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال وبتشديد الواو والياء جميعا كما ذكره الحافظ، وذكر مسلم في الرواية وهي رواية أبي بكر بن أبي شيبة أرض داوية بزيادة ألف وهي بتشديد الياء أيضا وكلاهما صحيح. قال أهل اللغة: الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية. وقال الخليل: هي المفازة. قالوا: ويقال دوية وداوية فأما الدوية فمنسوبة إلى الدو بتشديد الواو وهي التربة التي لا نبات بها وأما الداوية فهي على إبدال إحدى الواوين ألفا كما قيل في النسب إلى طيء طائي [١٣٤ / ب] وأما المهلكة فهي بفتح الميم ويفتح اللام وكسرها وهي موضع خوف الهلاك ويقال لها مفازة وقيل أنه من [قولهم] فوز الرجل إذا هلك، اهـ. [ومهلكة أي يهلك سالكها بغير زاد ولا ماء ولا راحلة]. ٤٧٧٥ - وعن أبي ذر رَّهُ قال: قال رسول الله وَله: من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي. رواه الطبراني(١) بإسناد حسن. قوله: ((وعن أبي ذر)) تقدم. قوله ◌َّيقول: ((من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى)) الحديث، يعني من أحسن فيما بقي من عمره بالطاعات وكثرة الخيرات غفر له ما مضى من ذنوبه السالفات. قوله: ((ومن أساء فيما بقي)) (١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٨٠٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٢/١٠) رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٨٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٥٦). ٤٧٩ كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة أي من عمره أي بكثرة المعاصي القبيحات، ((أخذ بما مضى وما بقي)) أي حوسب على ما مضى من ذنوبه وما سيفعله من الخطيئات. ٤٧٧٦ - وعن عقبة بن عامر زَّ لَهُ قال: قال رسول الله وَله: إن مثل الذي يعمل السيئات، ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل حسنة أخرى، فانفكت أخری حتى تخرج إلى الأرض. رواه أحمد (١) والطبراني (٢) بإسنادين، رواة أحدهما رواة الصحيح. قوله: ((وعن عقبة بن عامر)) تقدم. قوله: ((إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة))، الحديث. الدرع واحدة الدروع وهي قميص النساء وهو أيضا لبوس الحديد. ٤٧٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو نَّ الًَّا أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله: أوصني. قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، قال: يا رسول الله زدني، قال: إذا أسأت فأحسن وليحسن خلقك. رواه ابن حبان في صحيحه(٣)، (١) مسند أحمد (١٧٣٠٧). (٢) المعجم الكبير للطبراني (٧٨٣/٢٨٤/١٧ و٧٨٤)؛ وأخرجه نعيم بن حماد في زياداته على الزهد لعبد الله بن المبارك (١٧٠)، والروياني (١٦٥)، والبغوي في شرح السنة (٤١٤٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٠٢/١٠) أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٨٥٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٥٧)، وصحيح الجامع الصغير (٢١٩٢). (٣) ابن حبان (١٩٢٢). ٤٨٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والحاكم(١) وقال: صحيح الإسناد. ٤٧٧٨ - ورواه الطبراني (٢) بإسناد، ورواته ثقات: عن أبي سلمة عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر، والعلانية بالعلانية. وأبو سلمة لم يدرك معاذا. (١) المستدرك (٢٧٢/٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعنه رواه البيهقي في الشعب (٨٠٢٧)، وأخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (١١٢٧)، والخرائطي في المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (٤)، والطبراني في الأوسط (٨٧٤٧)، والخطيب في المتفق والمفترق (١ / ٩٥). وقال ابن حجر في الأمالي الحلبية (ص٣٧): ((هذا حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح بهذا الإسناد ورواته مصريون موثوقون لكن في عبد الله بن صالح مقال ولم ينفرد به وله شاهد من حديث أبي ذر أخرجه الترمذي ولفظه اتق الله حيث كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)). قلت: هذه المتابعة رواها البيهقي في الشعب (٨٠٢٨). وقال الهيثمي (٢٣/٨): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن صالح وقد وثق وضعفه جماعة وأبو السميط سعيد بن أبي مولى المهري لم أعرفه . قلت: سعيد بن أبي سعيد مولى المهري يكنى أبا السميط بمهملتين مصغر مصرى، روى عنه حرملة بن عمران التجيبي قال بن يونس لم يحدث عنه غيره كذا قال وقد ذكر البخاري وابن حبان في الثقات انه روى عنه أيضا أسامة بن زيد واخرج حديثه المذكور الحاكم وصححه قلت وهذا أحد الأربعة التي ذكر بن عبد البر انها لا توجد لها أصل من بلاغات مالك. انظر: لسان الميزان (٣١/٣). (٢) الطبراني (٢٧٤/١٧٥/٢٠)، وأخرجه هناد (١٠٩٢)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٢) والهيثم بن كليب (١٤٠٠). وقال العراقي: رجاله ثقات وفيه انقطاع تخريج أحاديث الإحياء (٤ / ١٦٣٠).