Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب والأدب وغيره
تمجَل مجَلا بفتحها فيهما ومجلت تمجُل بضمها مجْلا بإسكانها لغتان
مشهورتان وأمجلها غيرها. قال أهل اللغة والغريب (١) المجل هو التنفط
الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها ويصير كالقبة فيه ماء قليل،
والمراد بذلك خلو القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها، والله أعلم. وأما قوله:
((كجمر دحرجته على رجلك فنفط))، أي أطلقته فتدحرج أي يطلق ظهرا
لبطن بين يديه والجمر والدحرجة معروفان ونفط بفتح النون وكسر الفاء ولم
يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة إما أن يكون ذكَّر نفط اتباعا للفظ الرجل، وإما
أن يكون اتباعا لمعنى الرجل وهو العضو.
وأما قوله: ((فتراه منبترا)) أي مرتفعا [أي] قائما [و]موضعه فارغ وأصل
هذه اللفظة الارتفاع ومنه المنبر لارتفاعه وارتفاع الخطيب عليه. قوله: ((ثم
أخذ حصاة فدحرجها على رجله)) هكذا وقع في بعض الأصول بإفراد لفظ
الحصاة وهو صحيح، وروي ثم أخذ حصى فدحرجه. قال القاضي عياض (٢)
أو النووي هكذا ضبطناه وهو ظاهر ويكون معناه دحرج ذلك المأخوذ أو
الشيء وهو الحصاة.
فائدة: قال صاحب التحرير معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب
شيئا فشيئا فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت وهو
اعتراض لون مخالف للون الذي قبله فإذا زال شيء آخر صار كالمجل وهو
(١) شرح النووي على مسلم (١٦٩/٢)، والكواكب الدراري (١٨/٢٣).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦٩/٢).

٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق الظلمة التي قبلها،
شبّه زوال النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب
الظلمة إياه بجمر يدحرجه على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى
التنفط. والله أعلم.
قوله: ((فيصبح الناس فيتبايعون)) لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، [أي يجري
بينهم البيع ولا يحفظون في المعاملات الأمانة](١). قوله: ((حتى يقال إن في
بني فلان رجلا أمينا)) الحديث، للتعجب.
فائدة أيضا: لما عرض الله تعالى الأمانة على السموات والأرض
والجبال. فقال لها: هل تحملين الأمانة بما فيها؟ [قالت]: وما فيها. قال: إن
أحسنت جوزيتِ [٨٠/ أ] وإن أسأت [عوقبتِ]، قالت: [لا]. فقد بان أنّ
الإنسان إنما كلف حملها لما ركَّبه الله تعالى فيه من العقل فبالعقل صار
الإنسان هو الحامل والمكلف والمخاطب. واعلم أن العقل عقلان عقل
إلهي وعقل يكتسبه الرجل بالتجربة والتهديد فمن غلب عقله هواه افتضح
ومن زاد علمه على عقله كان وبالا عليه ومن لم ينفعه العلم لم يأمن ضرر
الجهل، اهـ ذكره ابن فرحون في کتابه.
٤٥٤٠- وعن ابن مسعود زَّالَّه قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها
إلا الأمانة قال: يؤتى العبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أد
أمانتك، فيقول: أي رب كيف، وقد ذهبت الدنيا، فيقال: انطلقوا به إلى
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٨٣
کتاب والأدب وغيره
الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته کھیئتها یوم دفعت إليه، فيراها
فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه
خارج قلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة،
والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عددها، وأشد ذلك
الودائع. قال: يعني زذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال
ابن مسعود؟ قال: كذا، قال: صدق. أما سمعت الله يقول ((إن الله يأمركم أن
تؤدوا الأمانات إلى أهلها)) رواه أحمد (١) والبيهقي (٢) موقوفا، وذكر عبد الله
بن الإمام أحمد في كتاب الزهد(٣) أنه سأل أباه عنه فقال: إسناد جيد.
قوله: ((وعن ابن مسعود)) تقدم. قوله: ((القتل في سبيل الله يكفر الذنوب
كلها إلا الأمانة)) الحديث. تقدم الكلام على الأمانة مبسوطًا واضحًا في
الحديث قبله. قوله: ((فيقول انطلقوا به إلى الهاوية)) قال الله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ,
(١) أخرجه مسدد في المسند (المطالب العالية ١٤/ ٥٨٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق
(١٥٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢٠١/٤) موقوفا، وقال أبو نعيم: رواه إسحاق بن يوسف
الأزرق عن شريك فرفعه، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٧٦).
وأخرجه مرفوعا الطبراني في الكبير (١٠٥٢٧/٢١٩/١٠)، وأبو نعيم في الحلية
(٤/ ٢٠١)، وقوام السنة الترغيب والترهيب (٢٤٥)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية
(٣٦/٢٠): إسناده جيد، ولم يروه أحمد، ولا أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٣/٥): رواه الطبراني ورجاله ثقات. وضعفه الألباني في
ضعيف الجامع (٤١٣٠)، والضعيفة (٤٠٧١).
(٢) شعب الإيمان (٤٨٨٥)، والسنن الكبرى (٤٧١/٦)، والسنن الصغير (٢/ ٣٧٤).
(٣) انظر: مسائل عبد الله (٩٤٣)، الجامع لعلوم الإمام أحمد (١٠٩/١٥).

٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هَاوِيَةٌ ﴾﴾(١)، الآية. قوله: ((فيهوي في إثرها)) الهوي هو السقوط. قوله: ((حتى
إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه)) الحديث. المنكبان هما عظما الكتف.
٤٥٤١ - وعن ابن عمر رَو ◌َّهَا قال: قال رسول الله وَلّ: لا إيمان لمن لا أمانة له،
ولا صلاة لمن لا طهور له، الحديث. رواه الطبراني(٢)، وتقدم في الصلوات.
قوله: (وعن ابن عمر)) تقدم. قوله وَّة: ((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا صلاة
لمن لا طهور له)) الحديث. قيل هو على التغليظ، قيل سميت الأمانة أمانة
لأنه يؤمن معها من منع [الحق مأخوذة] من الأمن، حكاه في التحصيل،
وتقدم الكلام على الأمانة وعلى الطهور والمراد به الوضوء.
٤٥٤٢- وروي عن علي رَّه قال: كنا جلوسا مع رسول الله وَله فطلع
علينا رجل من أهل العالية، فقال يا رسول الله: أخبرني بأشد شيء في هذا
الدين وألينه؟ فقال: ألينه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله،
وأشده يا أخا العالية الأمانة، إنه لا دين لمن لا أمانة له، ولا صلاة له، ولا زكاة
له. الحديث رواه البزار (٣).
(١) سورة القارعة، الآية: ٩.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٢٢٩٢)، وفي المعجم الصغير (١٦٢)، وأبو طاهر
المخلص في المخلصيات (٢٥٢٩) (٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩٢):
رواه الطبراني في الأوسط والصغير وقال: تفرد به الحسين ابن الحكم الحبري. وضعفه
الألباني في ضعيف الجامع (٦١٧٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٢١٣).
(٣) البزار = البحر الزخار (٨١٩). والشجري في أماليه (٣٨/١)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢٩٢/١٠) رواه البزار، وفيه أبو الجنوب، وهو ضعيف. وقال الألباني في ضعيف
الترغيب والترهيب (١٧٧٢)، وفي الضعيفة (٦٦٧١): منكر جدًا.

٨٥
کتاب والأدب وغيره
قوله: ((وروي عن علي)) هو ابن أبي طالب تقدم الكلام عليه. قوله:
((وأشده يا أخا العالية الأمانة)) تقدم الكلام على قوله يا أخا العالية في البيوع
وعلى الأمانة في أوائل هذا الباب.
٤٥٤٣ - وعن علي ◌َّالَهُ عن النبي ◌َّهِ قال: إذا فعلت أمتي خمس عشرة
خصلة، فقد حل بها البلاء. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم
دولا، وإذا كانت الأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعق
أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم
القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمر، ولبس الحرير،
واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك
ريحا حمراء، أو خسفا أو مسخا رواه الترمذي (١)، وقال: لا نعلم أحدا روى
هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة.
(١) أخرجه الترمذي (٢٢١٠)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٥)، وابن حبان في المجروحين
(٢٠٦/٢ -٢٠٧)، والطبراني في الأوسط (٤٦٩)، وابن بشران (١٢٤٨) والداني في الفتن
(٣٢٠)، والخطيب في التاريخ (١٥٧/٣-١٥٨)، والشجري في أماليه (٢٦٥/٢)، وأبو
القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٢٣٩)، وابن الجوزي في العلل (١٤٢١)، وقال
الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عليّ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدا
رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه
بعض أهل الحديث وضعفه من قبل حفظه. وقال البرقاني عن الدارقطني: هذا باطل.
قلت: من جهة الفرج؟ قال: نعم تاريخ بغداد ٣٩٦/١٢). قال العراقي في المغني عن
حمل الأسفار (ص: ١٢٥٧): فرج بن فضالة ضعيف. وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (١٧٢٧)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٧٤).

٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٥٤٤ - وفي رواية للترمذي(١) من حديث أبي هريرة: إذا اتخذ الفيء دولا
والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير دين، وأطاع الرجل امرأته، وعق
أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة
فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت
القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا
عند ذلك ريحا حمراء، وخسفا ومسخا وقذفا، وآيات تتابع كنظام بال قطع
سلکه فتتابع. قال الترمذي: حديث غريب.
قوله: ((وعن علي)) أيضا تقدم. قوله وَّيقول: ((إذا فعلت أمتي خمس عشرة
خصلة فقد حل بها البلاء)) الحديث. قوله: ((إذا كان المغنم دولا))، قال في
الفائق: الدول بالضم والفتح ومعناه ما يدول الإنسان أي يدور من الحظ.
قوله: ((الأمانة مغنما)) أي يرى من في يده أمانة أن الخيانة فيها غنيمة قد غنمها
وقال بعض العلماء أيضا أي تذهب الأمناء بودائع الناس وأماناتهم فيتخذونها
مغانم. قوله: ((والزكاة مغرمًا)) أي يرى رب المال أن إخراج زكاته غرامة
يغرمها. وقال بعضهم أيضا: أي يعدون الزكاة غرامة أي يشق عليهم أداؤها
كما يشق أداء الغرامات. قوله: ((وكان زعيم القوم أرذلهم)) الزعيم الكفيل
الذي يتكفل بأمر القوم ويقوم به. والأرذل بالذال المعجمة هو من كل شيء
الرديّ منه، والله أعلم. قوله: ((وشربت الخمر))؛ ((ولبس الحرير واتخذت
القينات- وفي نسخة القيان- والمعازف))، تقدم الكلام على ذلك في بابه.
(١) سنن الترمذي (٢٢١١).

٨٧
کتاب والأدب وغيره
[((ولعن آخر هذه الأمة أولها)) هو على ظاهره ويدخل في ذلك الرافضة
وغيرهم الذين يلعنون الصحابة](١). والمعازف بالعين المهملة والزاي
[المزاهر] وهي عيدان الغناء، قاله في المطالع(٢)، وقال في النهاية (٣): هي
الدفوف وغيرها مما يضرب به وقيل: إن كل لعب عزف [وتقدم الكلام على
ذلك في بابه]. [وشرب الخمر من علامات الساعة فإن قلت شرب الخمر
كيف يكون من علاماتها والحال أنه كان واقعا في جميع الأزمان، وقد حدّ
رسول الله وَخلال بعض الناس لشربه إياها.
قلت: المراد منه أن تشرب شربا فاشيا [إذا نفس الشرب وحده ليس
علامة بل العلامة مجموع الأمور المذكورة في الأحاديث](٤).
قوله: ((ولعن آخر هذه الأمة أولها)) وهو على ظاهره ويدخل في ذلك الرافضة
وغيرهم [٨٠/ ب] الذين يلعنون أكابر الصحابة ويكفرون أكابر الأمة.
قوله [صلى الله تعالى عليه وسلم] في رواية الترمذي: إذا اتخذ الفيء
دولا، والفيء معناه ما اتخذ من الكفار من غير قتال كالمال الذي تركوه فزعا
من المسلمين والخراج والجزيو وتقدم الكلام على دولا في [كلام](٥) الفائق
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) مشارق الأنوار (٢/ ٨٠).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٣٠/٣).
(٤) حصل تقديم لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والأرذل بالذال
المعجمة هو من كل شيء الرديّ منه، والله أعلم. قوله: (وشربت الخمر).
(٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومعناه إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بأموال الفيء
ويمنعون عنها مستحقيها. قوله: ((وتُعلُّم لغير دين)) أي يحملهم على التعلم
غير الدين من طلب المقاصد الدنيوية والمناصب الدنيوية، [ولقوله]
صَلَى اللّهِ .
وسلم
من تعلم علما لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة
أي ريحها كمن يتعلمه للرياسة أو للمال أو لتعظيم الناس له. قال ابن القيم.
وهذا من أكبر الكبائر.
ومنها كتم العلم مثل أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب
عليه. ومنها تفسير القرآن بالرأي لقوله وَيّ من قال في القرآن بغير ما يعلم
جاء يوم القيامة ملجما [بلجام] من نار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ
مقعده من النار. تفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور والإخبار عن
الله بأنه أراد ما لا يتحقق إرادته إياه، اه.
تنبيه: من علامات الساعة أن يرفع العلم وفي حديث آخر أن يقل العلم [و]
ليس المراد منه محوه من صدور الحفّاظ وقلوب العلماء بل رفعه بموت
حملته وقبض العلماء. وأما قوله: ((أن يقل العلم)) فبكسر القاف. فإن قلت:
قلة العلم [تقتضي ] بقاء شيء منه والرفع عدم بقائه فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: القلة قد تطلق ويراد بها العدم، أو كان ذلك باعتبار الزمانين كما
يقال مثلا القلة في ابتداء أمر الأشراط أي العلامات والعدم في انتهائه. قاله
الكرماني(١). قوله: ((وظهرت الأصوات في المساجد)) أي ارتفعت الأصوات
فيها باللغط. وفي حديث آخر: سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في
(١) الكواكب الدراري (٢/ ٦١).

٨٩
کتاب والأدب وغيره
مساجدهم ليس لله فيهم حاجة، الجلوس في المسجد لحديث الدنيا هو بدعة
إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله تعالى والصلاة ولنشر العلم ونحو ذلك،
وعلى هذا كان يجتمع السلف الصالح في المسجد لا في التحدث بما يتعلق
بأحوال الدنيا. فرع: حكم الطرطوشي في كتابه عن مالك أنه كره أن يتكلم
بألسنة العجم في المسجد. قال: وهو لمن يحسن العربية أشد.
قوله: ((فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وخسفا ومسخا وقذفا)) تقدم ذلك
في أماكن من هذا التعليق. وفي بعض الأحاديث: فليرتقبوا عند ذلك ريحا
حمراء وزلزلة وخسفا ومسخًا.
قوله: ((وآيات تتابع كناظم قد انقطع سلكه فتتابع)) الحديث، ضبطناه
بتاءين من فوق وألف ثم ياء مثناة من تحت وعين مهملة. وأما قوله: ((كناظم
قطع سلكه فتتابع)) فهو بالباء الموحدة قبل العين، يقال: تتابع بالمثناة من
تحت في الشر وتتابع بالموحدة في الخير، والنظام بكسر النون وبالظاء
المعجمة المراد به هنا اللؤلؤ المنظوم أي المجموع في الخيط، والسلك
بكسر السين المهملة وسكون اللام الخيط. قاله صاحب التنقيح.
٤٥٤٥- وروي عن ثوبان رَّ ◌َّهُ قال: قال رسول الله ◌َله ثلاث متعلقات
بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك
فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر. رواه البزار(١).
(١) البزار = البحر الزخار (٤١٨١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٤٩/٨): رواه البزار،
وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال
=

٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وروي عن ثوبان)) هو مولى رسول الله صلى [٨١/ أ] الله عليه
وسلم تقدم. قوله وقال: ((ثلاث متعلقات بالعرش الرحم تقول اللهم إني بك
فلا أقطع والأمانة تقول اللهم إني بك فلا أخان والنعمة تقول اللهم إني بك فلا
أكفر)) الحديث. الرحم هي القرابة وتقدم الكلام على الأمانة، وعلى هذا
الحديث في صلة الرحم.
عن النبي ٹے قال: خیر کم قرني،ثم
رضِوعِنْهُ
٤٥٤٦ - وعن عمران بن حصين
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا
يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، وتظهر فيهم
السمن. رواه البخاري(١) ومسلم(٢).
قوله: ((وعن عمران بن حصين)) تقدم. قوله ◌َير: ((خير القرون قرني ثم
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) الحديث. المراد من قوله وَّ: قرني،
الصحابة ومن الذين يلونه التابعون ومن الذين يلونهم تابعوا التابعين، قاله في
شرح مشارق الأنوار.
٤٥٤٧- وعن عبد الله بن أبي الحمساء زَّلَهُ قال: بايعت رسول الله وَلَه
ببيع قبل أن يبعث فبقيت له بقية ووعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم
=
البزار- مختصر زوائد مسند- (٤٧٩/٢): لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن ثوبان، وقد تقدم
ذكرنا ليزيد وأبى عثمان يعنى بالتضعيف. وقال الألباني في السلسلة الضعيفة
(٦٤٨١): ضعيف جداً، وضعيف الترغيب والترهيب (١٤٩٣).
(١) صحيح البخاري (٢٦٥١).
(٢) صحيح مسلم (٢١٤) (٢٥٣٥).

٩١
کتاب والأدب وغيره
ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو مكانه فقال: يا فتى لقد شققت علي، أنا
ههنا منذ ثلاث أنتظرك. رواه أبو داود(١) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت(٢)
كلاهما عن إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم عن عبد
الله بن شقيق عن أبيه عنه، وقال أبو داود: قال محمد بن يحيى: هذا عندنا عبد
الكريم بن عبد الله بن شقيق. وقد ذكر عبد الله بن أبي الحمساء أبو علي بن
السكن في كتاب الصحابة فقال: روى حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن
ميسرة عن ابن شقيق عن أبيه، ويقال عن بديل عن عبد الكريم المعلم، ويشبه
أن يكون ما ذكره أبو علي من إسقاط عبد الكريم منه هو الصواب، والله أعلم.
قوله: ((وعن عبد الله بن أبي الحمساء))، وأبو الحمساء اسمه كذا كذا.
فائدة: قوله في آخر الحديث، وقد ذكر عبد الله بن أبي الحمساء أبو علي بن
السكن في كتاب الصحابة. [و]ابن السكن هذا يكنى أبا علي واسمه سعيد بن
عثمان وهو إمام من الأئمة الحفاظ وهو من كبار أهل هذا الشأن ثقة واسع
[الباع] في الحديث. [وكثير الرحلة، سمع بالعراق والشام ومصر وخراسان
يُصار إليه من خلائق]، وهو من العلماء [القدماء، مات في المحرم سنة ثلاث
(١) سنن أبي داود (٤٩٩٦).
(٢) الصمت لابن أبي الدنيا (٤٥٧)، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢٤٦/٤)، وابن
سعد في الطبقات (٥٩/٧)، والحربي في غريب الحديث (٩٤٤/٣)، والخرائطي في
مكارم الأخلاق (١٩٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٠٩٠)، والبيهقي في السنن
الكبرى (٣٣٤/١٠)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢١٧/٣)، وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (١٧٧٦)، وفي مشكاة المصابيح (٤٨٨٠).

٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وخمسين وثلاثمائة]، أصله بغدادي وسكن بمصر ومات بها في نصف
المحرم [سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة](١) وإذا صحح شيئا اعتمده الأئمة.
قاله الحصني في سير الملوك والله أعلم.
قوله: ((بايعت رسول الله ◌َي ببيع قبل أن يبعث))، الحديث، بايعت أي
اشتريت منه شيئا قبل أن يوحى إليه وبقي له من ثمن ذلك المبيع شيء. قوله:
((فيقت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت يومي والغد فأتيته في اليوم
الثالث وهو في مكانه)) الحديث، أي جئت ذلك المكان فإذا نبي الله ينتظرني
بذلك المكان ولم يخرج من ذلك المكان وفاءً بما وعد من لزوم ذلك
المكان حتى أجيئه بما بقي من الثمن. قوله: ((لقد شققت علي يا فتى أنا هنا
منذ ثلاث أنتظرك)) [أي من حينئذ] أي حملت المشقة عليّ وأوصلتها إليّ،
اهـ. وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل [بن إبراهيم] ◌َلَآل بقوله: ﴿إِنَّهُو
كَانَ صَادِقَ اٌلْوَعْدِ﴾ (٢) فيقال إنه كان وعد إنسانا في موضع فانتظره فيه اثنين
وعشرين يوما وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا قال إن شاء الله تعالى، وهو
الأولى، ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلابد من الوفاء إلا أن يعتذر فإن
كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهو النفاق فإن اللسان سبّاق إلى الوعد
ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا [وذلك](٣) من أمارات
النفاق، اهـ قوله: ((إبراهيم بن طهمان))، طهمان بفتح الطاء المهملة وسكون
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سورة مريم، الآية: ٥٤.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٩٣
کتاب والأدب وغيره
الهاء، ابن شعبة الخراساني، أبو سعيد، كان صحيح الحديث كثير السماع
حسن الرواية واسع القلب مات سنة ثلاث وستين ومائة بمكة، قاله
الكرماني(١). وقوله: ((بُديل بن ميسرة))، بُديل بضم الباء الموحدة وفتح الدال
المهملة وسكون الياء [٨١/ ب] آخر الحروف واللام.
٤٥٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَلِّ قَالَ آيَة الْمُنَافِقِ ثَلَاث إِذا
حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا انْتمن خَان رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَزَاد
مُسلمٍ فِي رِوَايَة لَهُ وَإِن صلى وَصَامَ وَزعم أنه مُسلم (٢)
٤٥٤٩ - وَرَوَاهُ أَبُو يعلى من حَدِيث أنْس وَلَفظه قَالَ سَمِعت رَسُول الله
وَلِّ يَقُول ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٍ وَإِن صَامَ وَصلى وَحِج وَاعْتمر وَقَالَ
إِنِّي مُسلم فَذكر الحَدِيث(٣).
٤٥٥٠- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ◌َوَّا أن النبيِ وَّ قال: أربع
من کن فیه کان منافقا خالصا، ومن کانت فيه خصلة منهن کانت فيه خصلة
من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر،
وإذا خاصم فجر. رواه البخاري(٤) ومسلم(٥).
(١) الكواكب الدراري (٧٩/٤)
(٢) أخرجه مسلم (١٠٩ و١١٠-٥٩).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٤٠٩٨). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٠٧-١٠٨: رواه أبو يعلى، وفيه
يزيد الرقاشي، وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩٣٨) و(٢٩٩٨).
(٤) صحيح البخاري (٣٤، ٣١٧٨).
(٥) صحيح مسلم (١٠٦) (٥٨).

٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) تقدمت ترجمته. قوله: ((أربع
من كن فيه كان منافقًا خالصًا)) فذكره إلى أن قال: ((إذا ائتمن خان)) تقدم
الكلام على الخيانة في الأمانة وتقدم هذا الحديث أيضا في الصدق.
٤٥٥١- وعن ابن عمر رًَّا عن النبي ◌َّ- قال: إذا جمع الله الأولين
والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان،
رواه مسلم (١) وغيره(٢).
٤٥٥٢- وفي رواية لمسلم(٣): لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال:
هذه غدرة فلان.
قوله: ((وعن ابن عمر)) المراد به عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم. قوله
وَالى: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال
هذه غدرة فلان بن فلان))، وفي رواية لمسلم: يرفع لكل غادر لواء يعرف به
يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان بن فلان الحديث. والغدر ترك الوفاء،
والغادر الذي يواعد على أمر ولا يفي به، يقال غدر يغدر بكسر الدال في
المضارع؛ واللواء قال أهل اللغة هو الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحب
الجيش أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له. [قالوا:](8) والنصب
(١) صحيح مسلم (٩) (١٧٣٥).
(٢) صحيح البخاري (٣١٨٨، ٦٩٦٦)، وأخرجه الترمذي (١٥٨١) وقال: هذا حديث حسن
صحیح.
(٣) صحيح مسلم (١٢) (١٧٣٥).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٩٥
کتاب والأدب وغيره
والرفع هاهنا بمعنى واحد فلا فرق بين الروايتين، [قالوا:] فمعنى يرفع لكل
غادر لواء أن له علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة وكانت
العرب ترفع للغادر لواء في المحامل والأسواق الحفلة ومواسم الحج
و کذلك یطاف بالجاني مع جنایته، ألا تری إلی قول شاعرهم:
أسُمَّيّ ويحكِ هل سمعتِ بغدرة رُفع اللواء لنا بها في المجمَعِ
وفي هذا الحديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية
العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، وقيل لأنه غير مضطر إلى
الغدر لقدرته على الوفاء كما في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك
والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر. وذكر القاضي عياض(١)
احتمالين: أحدهما هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته أو للكفار
وغيرهم أو غدره الأمانة التي قُلّدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها
فمتى [أخافهم](٢) أو ترك [الشفقة] عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده.
والاحتمال الثاني أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق
[عليهم] العصا ولا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه. والصحيح الأول.
قوله: ((بقدر غدرته))، أي إن كانت عظيمة رفع له لواء عظيم أو صغيرة
فصغير. قوله: وفي رواية لمسلم أنه ينصب عند إستِه أي عند مقعده لا يفارقه
ليمر به الناس فيروه فيعرفوه فیزداد خجلا وفضيحة.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٤٤/١٢).
(٢) هكذا في الأصل ولعله الصواب، وفي النسخة الهندية: (خافهم).

٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل الإست العجز، واعلم أنهم لما أخفوا الذنب وهو الغدر عوملوا
بنقيض فعلهم فأظهر ذنبهم في الآخرة بل وربما كان سببا لظفر عدوه به لعدم
وفائه له بعهده.
تنبيه: ففي الحديث حث على الوفاء بالعهد وتحريم نقضه وأن من أمّن
حربيا أو عاهده أو عقد له الجزية لا يجوز له قتله ما دام في العهد ويلزمه
الكف عنه لأن في نقض العهد [تنفيرا] لأهل الحرب عن الدخول في العهد
والأمان فوجب الوفاء به وهذا الوعيد الشديد يدل على أن نقض العهد
كبيرة، انتهى. [٨٢/ أ] [حكاية لطيفة تتعلق بمعنى الحديث: قال الحافظ
عبد الحق الإشبيلي(١) يروى أن الهادي أمير المؤمين كانت له جارية تسمى
غادرا كانت أحظى من عنده وأغلبهم على قلبه وأملكهم لنفسه وكانت من
أحسن الناس وجها وأطيبهم غناء وكان إبراهيم الموصلي هو الذي رباها
وأدبها وباعها بعشرة آلاف دينار فبينما الهادي [يوما] يشرب مع ندمائه وهي
تغنيهم من وراء الستر إذ عرض له فكر وسهو وتغير لونه وقطع الشراب،
فقال له ندماؤه ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: وقع في فكري أني أموت وأن
أخي هارون يلي الخلافة ويتزوج جاريتي غادرا هذه، فقالوا له نعيذك بالله یا
أمير المؤمنين، يطيل الله بقاءك ونتقدم نحن وهو بين يديك ونموت قبلك.
فقال ليس هذا مما يزيل ما في نفسي، ثم أمر أن يؤتى برأس هارون ثم رجع
عن ذلك وأمر بإحضاره فعرّفه ما خطر بباله فاستعطفه هارون وجعل يكلمه
(١) العاقبة في ذكر الموت (ص ١٠٦).

٩٧
كتاب والأدب وغيره
بما يوجب زوال ما في نفسه ويخضع له ويتذلل فلم يقنع بذلك وقال لا
أرضى حتى تحلف لي بكل ما أحلفك أني إن مت لم تتزوج جاريتي هذه
غادرًا. قال أفعل. فأحلفه بكل يمين يحلف به الناس من طلاق وعتاق وحج
راجلا وغير ذلك من الأيمان المؤكدة أنه لا يتزوجها أبدا. قال فلم يلبث بعد
ذلك إلا شهرًا أو نحوه حتى مات. وولي هارون الخلافة بعده فلما ولي بعث
إلى الجارية فخطبها فقالت يا أمير المؤمنين كيف بأيماني وأيمانك قال أكفر
عن يميني وأحج راحلا ففعل وتزوجها ووقعت من قلبه أعظم موقع وشغف
بها أشد من شغف أخيه الهادي حتى كانت تسكره وتنام في حجره فلا يتحرك
ولا ينقلب حتى تنتبه. فبينما هي ليلة نائمة في حجره إذ انتبهت فزعة
[مذعورة] فقال لها مالك فديتك؟ فقالت له رأيت أخاك الهادي الساعة في
النوم [وهو ینشدني]:
أخلفت [عهدي] بعدما جاورت سكان المقابر
أيمانك الكذب الفواجر
ونسيتني وحنثت في
وظللت في الحور الغرائر
وظللتُ في أهل البلى
ونكحت غادرة أخي
صدق الذي سماك غادر
ـد ولا تدر عنك الدوائر
لا يهنك الإلف الجديـ
ح وصرت حیث غدوت حائر
ولحقت بي قبل الصبا
قالت ثم ولى عني [وكأنها] مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة. فقال لها
هارون هذه أحلام الشيطان. فقالت كلا والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت

٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بين يديه ولحظت حتى خرجت روحها [بين يديه] تلك الساعة. فلا تسل عن
حال هارون وما لقي عليها تلك الساعة. توفي الهادي سنة سبعين ومائة،
(هـ](١).
قوله مَّة: ((فيقال هذه غدرة فلان بن فلان)) إنما أنث هذه وهي إشارة إلى
اللواء [٨٢/ ب] وهو مذكر لأنه في معنى العلامة، وفي حديث آخر ولا غادر
أعظم غدرا من أمير عامة أي أن غدره أفحش وأعظم إثما، وقد مال أكثر
العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر بخلاف الخائن والفاسق، وذهب
بعضهم إلى الجهاد معه. قاله في المفهم ففي هذا الحديث دليل على أن
الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سترا على آبائهم وهذا
الحدیث خلاف قولهم خر جه البخاري ومسلم وحسبك، اهـ.
تنبيه: قال ابن العماد في شرح عمدة الأحكام، ووجه هذا القول الذي يقول
أن الناس يدعون يوم القيامة بأسماء أمهاتهم بأنهم إذا دعوا بأمهاتهم دخل في
ذلك عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فإنه من غير أب ويدخل فيه أولاد
الزنا للستر عليهم ويدخل فيه أولاد فاطمة ◌َيّهَا لشرف نسبها فإن أولاد
بنات النبي وَلا ينسبون إليه ◌َّالله بخلاف أولاد بنات غيره لقول الشاعر:
بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
(١) حصل تقديم لهذه الصحيفة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (والاحتمال الثاني أن
يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق [عليهم] العصا ولا يتعرض لما يخاف
حصول فتنة بسببه. والصحيح الأول).

٩٩
كتاب والأدب وغيره
ولذلك ينسب أولاد البنات إلى بني هاشم والمطلب ومنع استحقاق
الزكاة كما ينسب [إليهم] مواليهم فلا يعطوا منها، ولقوله ونَ﴾ موالي القوم
منهم، ولقوله ◌َّة: بني أخت القوم من أنفسهم، اهـ.
فائدة: وفي هذا الحديث دليل على أن في الآخرة للناس ألوية فمنها ألوية
خزي وفضيحة يعرف بها أهلها، ومنها ألوية حمد وثناء وتشريف وتكريم.
قال الآ لواء الحمد بيدي، وروي: لواء الكرم بيدي، وروى الزهري عن أبي
سلمة عن أبي هريرة(١) قال: قال رسول الله وَ ليه امرؤ القيس صاحب لواء
الشعراء إلى النار، فعلى هذا من كان إماما ورأسا في أمر [ما] معروفا به فله
لواء يعرف به خيرا كان أو شرا وقد يجوز أن يكون للصالحين والأولياء ألوية
(١) أحمد (٧١٢٧)، وأخرجه البزار (٧٩١٢)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٠)، وابن
عدي في الكامل (٣٣١/١) (١٣٥/٥)، (٢٠٦/٩)، وأبو يعلى (المطالب العالية
٢٦٠٤)، وبحشل في تاريخ واسط (ص١٢٢)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث
(٢٢٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٨/١)، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا
يصح. وقال ابن عدي في الكامل (٣٣١/١): وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل. وقال في
(١٣٥/٥): وهذا منكر بهذا الإسناد، ولا يرويه غير أبي الجهم هذا، ولا يروي عن أبي
الجهم غير هشيم، ولا أعرف لأبي الجهم، عن الزهري وغيره غير هذا الحديث وقد روي
هذا الحديث عن عبد الرزاق بن عمر الدمشقي، عن الزهري كما رواه أبو الجهم. وقال
ابن عدي (٢٠٦/٩): وأبو الجهم هذا إنما يعرف بهذا الحديث، على أن هذا الحديث قد
روي عن أبي الجهم، عن الزهري، رواه عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني، عن
الزهري بهذا الإسناد، كما رواه أبو الجهم، وأبو الجهم لم يرو عنه غير هشيم، ولا يعرف
إلا بهذا الحديث. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١١٩/٨) رواه أحمد والبزار، وفي
إسناده أبو الجهيم شيخ هشيم بن بشير ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وضعفه
الألباني في ضعيف الجامع (١٢٥٠) والسلسلة الضعيفة (٢٩٣٠).

١٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يعرفون بها تنويها بهم وإكراما لهم وإن كانوا غير معروفين في الدنيا. قال وَالت:
رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره. وقد ذكر أبو حامد الغزالي في الدرة
الفاخرة في كشف علوم الآخرة أنه يعقد للمكفوفين راية وتجعل بيد شعيب
عاليَلام فيصير إمامهم وكذلك الشباب المتعففون يعقد لهم راية خضراء
وتجعل بيد يوسف عَ السَّلامنا ويصير إمامهم وكذلك وكذلك [المجذومين] تعقد
لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب ◌َالَ فيصير إمامهم. وذكر البكائين وأنه
يعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة وتجعل بيد نوح ،َالشَّام ويصير
إمامهم وكذلك الشهداء يعقد لهم راية عفرة وتجعل في يد يحيى،َلاما ويصير
إمامهم وذكر العلماء أنه تعقد لهم راية [بيضاء] تجعل بيد إبراهيم
ويصير إمامهم والقراء تعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى
ويصير إمامهم والأغنياء أيضا تعقد لهم راية ملونة [٨٤/ أ](١) وتجعل بيد
سليمان ◌َلَلام ويصير إمامهم، هذا معنى ما ذكره مختصرا انتهى.
٤٥٥٣- وعن أبي هريرة رَّالَّه قال: كان رسول الله وَلل يقول: اللهم إني
أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست
البطانة. رواه أبو داود(٢) والنسائي(٣) وابن ماجه (٤).
(١) اللوحة ٨٣ تكرار للوحة ٨٢.
(٢) سنن أبي داود (١٥٤٧) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٣٨٣).
(٣) سنن النسائي (٢٦٣/٨).
(٤) سنن ابن ماجه (٣٣٥٤)، وأخرجه إسحاق بن راهويه (٢٩٩)، وأبو يعلى (٦٤١٢)، وابن
حبان (١٠٢٩)، والبغوي في شرح السنة (١٣٧٠)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة
=