Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١
كتاب الأدب وغيره
عشرة أقوال السلف وآخره قل أعوذ برب الناس، فقيل [المفصل] من
[سورة] الحجرات إلى آخر القرآن وقيل من قاف وقيل من القتال وقيل من
الجاثية وقيل من الصافات وقيل الصف وقيل تبارك، حكاه بن أبي الصيف
اليمني، وقيل من الفتح [حكاه] الذماري وقيل سبح حكاه ابن الفركاح وقيل
من الضحى حكاه الخطابي في غريبه(١).
قوله يدعوا في كل ركعتين بعد التشهد بثلاث دعوات يقول اللهم آتنا في
الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. الحديث فيه فضل الدعاء
باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقد اختلف أقوال المفسرين في
ذلك اختلافا يدل على عدم التوقف وعلى قلة التأمل لموضوع الكلمة فقيل
الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. وقيل العافية وقيل المال
وحسن المآل وقيل المرأة الصالحة والحور العين والصحيح الحمل على
العموم.
قال النووي(٢) وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا أنها العبادة
والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة، [و]قيل الحسنة نعيم الدنيا ونعيم
الآخرة، والله أعلم. قاله الكرماني في شرح البخاري. قوله فقال آخذ مضجعي
وليس في قلبي غمر على أحد. المضجَع فتح الجيم، وتقدم الكلام عليه في
أذكار النوم. [والغِمْر بكسر الغين المعجمة وسكون الميم هو الحقد، قاله
(١) البرهان في علوم القرآن (٢٤٦/١).
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/ ١٤).
٥٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحافظ، وقال غيره:]، والغمر بكسر أوله أي حقد وهو اسم ما يغشى القلب
من العداوة ويغمره أي یغطیه، اهـ.
٤٣٨٦- وَعَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قيل يَا رَسُول الله أَي
النَّاس أفضل قَالَ كل مخموم القلب صَدُوق اللِّسَان قَالُوا صَدُوق اللِّسَان
نعرفه فَمَا مخموم القلب قَالَ هُوَ التقي النقي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا
حسد. رواه ابن ماجه(١) بإسناد صحيح والبيهقي (٢) وغيره أطول منه.
قوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي الزاهد
العابد الصحابي ابن الصحابي، وعمرو يكتب بالواو في حالتي الرفع والجر
فرقا بينه وبين عمر. والعاصي الجمهور على كتابته بالياء وهو الفصيح عند
أهل العربية ويقع في كثير من الكتب بحذفها، وقد قرئ في السبع نحوه
﴿كالكبير المتعال﴾، و﴿الداع﴾، وقيل أنه أجوفي وجمعه الأعياص. قال أبو
هريرة رضي الله عنه (٣) ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله وَّخلال مني إلا عبد
(١) سنن ابن ماجه (٤٢١٦).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٤٦٢- ٦١٨٠) وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ
(٥٢٣/٢ - ٥٢٤)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٥)، والطبراني في مسند الشاميين
(١٢١٨)، وأبو نعيم في الحلية (١٨٣/١ و٦٩/٦)، وفي معرفة الصحابة (٢٦٤٣)، ابن
عساكر في تاریخ دمشق (٤٥١/٥٩).
وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٨٩٠) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله
بن عمر بإسناد صحيح. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٤٠/٤): هذا إسناد صحيح
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٤٨)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨٩).
(٣) صحيح البخاري (١١٣).
٥٦٣
كتاب الأدب وغيره
الله بن عمرو بن العاصي فإنه كان يكتب ولا أكتب. روي له عن رسول الله
وَلّ سبع [٣٨/ أ] مائة حديث، وإنّما قلَّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه
سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن
المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة والله أعلم. قاله الكرماني (١). وقد
تقدم الكلام علیه مبسوطا.
قوله قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال كل مخموم القلب صدوق
اللسان، الحديث. قال أبو عبيد (٢) معناه الذي نقي من الغل والغش. [وأما]
الغل [فهو] التغير بغير سبب شرعي اهـ.] (٣) مخموم القلب بالخاء المعجمة،
تقول العرب خممت البيت إذا كنسته، ومنه قول مالك وعلى الساقي خم
العين أي كنسها وتنظيفها، [ومنه] سميت الخمامة وهي [مثل الكناسة
والقمامة]، قاله القرطبي في التذكرة(٤) وهذا هو القلب السليم عن الكفر
والمعاصي وعن رؤية الدنيا وهي المال والبنون. قال سفيان الثوري هو الذي
يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره. وقال الجنيد(٥) [بقلب] سليم لديغ من
(١) الكواكب الدراري (٦٣/٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٢٨٢).
(٢) غريب الحديث لابن الجوزي (٣٠٩/١).
(٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (لولا أن الشياطين
يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت [السماء] اهـ).
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨١)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية
(١٩١٥/٥)، الغريبين في القرآن والحديث (٥٩٩/٢)، الفائق في غريب الحديث
(٣٩٦/١).
(٥) تفسير البحر المحيط (٢٥/٧)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤ /٢٣٦).
٥٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خشية الله تعالى. قال الزمخشري(١) وهذا من بديع التفاسير وكذلك قول
غيره هو الذي سلم وسلم وسالم واستسلم وقال بعض أهل الخير القلب
السليم من النفاق وهو الذي أشار إليه النبي وَّل بقوله في حديث أم معبد
الخزاعية [التي روت] عن النبي وَّل أنه كان يقول في دعائه اللهم طهر قلبي
من النفاق ولساني من الكذب وعملي من الرياء وعيني من الخيانة فإنك تعلم
خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وروى أحمد في مسنده(٢) من حديث أبي
هريرة أن النبي وَّ قال لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا
إلى ملكوت [السماء] اهـ.
٤٣٨٧ - وروى الْحسن رَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن بدلاء أمتي لم يدخلُوا
الْجِنَّة بِكَثْرَة صَلَاة وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَة وَلَكِن دخلوها برحمة الله وسخاوة الأنفس
وسلامة الصُّدُور. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء(٣) مرسلًا.
قوله وروي عن الحسن، هو الحسن البصري تقدم الكلام عليه. قوله مَله
إنّ بُدَلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة الحديث.
(١) الكشاف (٣٢٦/٣).
(٢) مسند أحمد (٨٦٤٠، ٨٧٥٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٥٧٤)، ابن ماجه
(٢٢٧٣)، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق (٥٠)، والحارث = بغية الباحث
(٢٥)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٧٤)، وقال البوصيري في الزوائد في إسناده
علي بن زيد بن جدعان ضعيف. وقال في إتحاف الخيرة المهرة (١/ ١٤٧) علي بن زيد
بن جدعان ضعیف، وداود بن المحبر وضاع.
(٣) ابن أبي الدنيا في الأولياء (٥٨)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (١٣٥٦)،
وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣٠).
٥٦٥
كتاب الأدب وغيره
قوله رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلا، تقدم الكلام على
الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين. قال في النهاية (١) البدلاء هم
الأولياء والعُبَّاد، والواحد بدل كحمل أو بديل كحميل سموا بذلك لأنه كلما
مات منهم واحد بدل بآخر. قال الجوهري(٢) الأبدال قوم من الصالحين لا
تخلوا الدنيا منهم قال، وقال ابن دريد الواحد بديل اهـ. وفي حديث علي
رضي الله عنه(٣) الأبدال بالشام والنجباء بمصر والعصائب بالعراق،
والعصائب جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين،
قاله في التنقيح.
[قوله رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلا، تقدم الكلام على
الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.](٤) أراد أن التجمع [للحروب]
(١) النهاية في غريب الأثر (١ / ١٠٧).
(٢) لسان العرب (٤٩/١١).
(٣) أخرجه أحمد (٨٩٦)، وفي فضائل الصحابة (١٧٢٧)، ومن طريقه الضياء في المختارة
(١١٠/٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٢/١٠) رواه أحمد، ورجاله رجال
الصحيح غير شريح بن عبيد، وهو ثقة، وقد سمع من المقداد، وهو أقدم من علي. وقال
ابن كثير في البداية والنهاية (٢١٤/٩) تفرد به أحمد، وفيه انقطاع، فقد نص أبو حاتم
الرازي على أن شريح بن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الأشعري،
وأن روايته عنهما مرسلة. فما ظنك بروايته عن علي بن أبي طالب، وهو أقدم وفاة منهما؟
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٢٦٦). في السلسلة الضعيفة (٢٩٩٣).
(٤) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال في الإحياء كان
کرز بن وبرة من الأبدال).
٥٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والفتن يكون بالعراق، وقيل أراد جماعة من الزهاد وسماهم بالعصائب لأنه
قرنهم [بالأبدال] بالأبدال والنجباء. [وقال](١) حماد بن زيد من الأبدال
وعلامتهم أن لا يولد لهم ولد، تزوج حماد بن زيد [ستين] وقيل سبعين
امرأة فلم يولد له [ولد] (٢). قال القزويني(٣) مأوى الأبدال جبل لبنان لما فيه
من القوت الحلال فإن فاكهته وزروعه لم يزرعها أحد من الناس، تقدم
الكلام عليه في الحج مبسوطا. وقال في الإحياء (٤)كان كرز بن وبرة من
الأبدال.
٤٣٨٨- وَرُوِيَ عَن أبي ذَرِ رََّهُ أَن رَسُول اللهِ وٍَّ قَالَ قد أَفْلِح من
أخْلص قلبه للْإِيمَان وَجعل قلبه سليما وَلسَانه صَادِقًا وَنَفسه مطمئنة وخليقته
مُسْتَقِيمَة الحَدِيث. رواه أحمد(٥) والبيهقي (٦)، وتقدم بتمامه في الإخلاص.
(١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي الأصل: (وكان).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) آثار البلاد وأخبار العباد (ص ٨٢) لزكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى:
٦٨٢ هـ).
(٤) قوت القلوب (٥٩/١).
(٥) مسند أحمد (٢١٣١٠)، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١١٤١)، وأبو نعيم في
الحلية (٢١٦/٥)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١٠١)، وقال أبو نعيم عقبه:
غریب من حدیث خالد تفرد به بحیر عنه.
(٦) البيهقي في الشعب (١٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٣٢/١٠): رواه أحمد،
وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٠٧٥)، والضعيفة (٤٩٨٥)،
وضعيف الترغيب والترهيب (١٧٣١).
٥٦٧
كتاب الأدب وغيره
قوله: وعن أبي ذر هو بتشديد الراء، ويقال أبا الذر هو الصحابي الجليل
جندب بن جنادة بضم الجيم القرشي الغفاري، وغفار بكسر [٣٨/ ب] الغين
المعجمة قبيلة من كنانة، الصحابي الكبير أسلم قديما، كان رابع أربعة أو
خامس خمسة أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاده بإذن النبي وَلو [ثم قدم المدينة
على رسول الله (َخالي] وصحبه حتى توفي ◌َله وحديث إسلامه وإقامته عند
زمزم مشهور، سيَّره عثمان إلى الربذة فتوفي بها سنة اثنين وثلاثين وصلى
عليه ابن مسعود ودفنه بها ثم قدم ابن مسعود المدينة فأقام بها عشرة أيام
وتوفي أيضا. والربذة موضع قريب من المدينة منزل من منازل حاج العراق
اهـ. قاله الكرماني(١).
قوله وقالله: قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان فذكر الحديث إلى أن قال
وخليقته مستقيمة تقدم [الكلام على](٢) هذا الحديث في الإخلاص. وتقدم
الكلام على الإخلاص. والخليقة والخلق بمعنى واحد وهو الطبع والجبلة
قاله الأصبهاني في شرح الأحاديث الودعانية والله أعلم.
(١) الكواكب الدراري (١٣٩/١).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٥٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في التواضع والترهيب من الكبر والعجب والافتخار
ء
٤٣٨٩ - عَن عِيَاض بن حَمَّاد رََّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّ: ((إِن الله أوحى
إِلَيّ أَن تواضعوا حَتَّى لا يفخر أحد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد)) رواه
مسلم(١) وأبو داود(٢) وابن ماجه(٣).
قوله عن عياض بن حمار على لفظ الحمار الدابة المعروفة بن أبي حمار
بن ناجية بن [عقال] بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن
حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي وصحف ابن مندة
محمد بن سفيان هذا فقال محمد بالخاء المعجمة وأسقط من نسبه جماعة
فغلطوه فيها. نزل عياض البصرة وهو معدود في أهلها، روي له عن النبي وَيل
ثلاثون حدیثا، روى مسلم منها حديثا واحدا، روى عنه مطرف ويزيد ابنا عبد
الله والحسن البصري وغيرهم وكان عياض هذا حِرْمِيَّ النبي ◌َّ فكان إذا
حج طاف في ثيابه وكان أشراف العرب الذين كانوا يتحمسون [في] دينهم
[يشددون] إذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم ولم يطف إلا
في ثيابه فكان لكل شريف من أشرافهم رجل من قريش فيكون كل واحد
منهما حِرْمِيَّ صاحبه كما يقال كري للمكري والمكتري قال والنسب في
(١) صحيح مسلم (٦٤) (٢٨٦٥).
(٢) سنن أبي داود (٤٨٩٥).
(٣) سنن ابن ماجه (٤١٧٩).
٥٦٩
كتاب الأدب وغيره
الناس إلى الحرم حرمي بكسر الحاء وسكون الراء يقال رجل حرمي فإذا
کان في غیر الناس قالوا حَرَمي؛ اهـ
قوله ◌َّه إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد
ولا يبغي أحد على أحد الحديث. ونذكر نبذة من كلام القوم في التواضع
يحصل بالوقوف عليها الاقتداء بهم.
سئل الفضيل بن عياض (١) عن التواضع فقال تخضع للحق وتنقاد له
وتقبله ممن قاله. وقيل التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رآى لنفسه قيمة
فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره. وقال سيد الطائفة
الجنيد رحمة الله عليه هو خفض الجناح ولين الجانب. وقال أبو يزيد هو أن
لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى في الخلق شرا منه. وقال ابن عطاء (٢):
هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر [فهو] كطلب
الماء من النار.
ويذكر عن سفيان الثوري (٣) قال أعز الخلق خمسة أنفس عالم زاهد وفقيه
صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني. وقال عروة بن الزبير
(٤)
رأيت عمر بن الخطاب على [٣٩/ أ] عاتقه قربة ماء قلت يا أمير المؤمنين لا
ينبغي لك، فقال لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٠).
(٣) مدارج السالكين (٣٣٠/٢).
(٤) إرشاد العباد إلى سبيل الرشاد (١٧٨/١)، ومدارج السالكين (٣٣٠/٢).
٥٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فأحببت أن أكسرها، وركب زيد بن ثابت نَّهُ فدنا ابن عباس رضي الله
عنهما ليأخذ بركابه فقال [مُر](١) يا ابن عم رسول الله وَلّه فقال هكذا أمرنا أن
نفعل بكبرائنا فقال زيد أرني يدك فأخرجها إليه فقبّلها وقال هكذا أمرنا أن
نفعل بأهل بيت رسول الله وَيخل ومرَّ الحسين بن علي رضي الله عنهما بصبيان
يلعبون معهم كِسَر خبز فاستضافوه فنزل يأكل معهم ثم حملهم إلى منزله
وأطعمهم وكساهم، وقال اليد لهم لأنه لم يجدوا شيئا غير ما أطعموني
ونحن نجد أكثر منه. ويُذكر أن أبا ذر الغفاري (٢) عيَّر بلالا بسواده ثم إنه ندم
فألقى نفسه فألقى بنفسه وحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي
بقدمه. فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال رضي الله عنهما.
وبلغ عمر بن عبد العزيز زَ الَّةُ(٣): أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم.
فكتب [إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم.] (٤) فإذا أتاك كتابي
فبع الخاتم. وأشبع به ألف بطن. واتخذ خاتما بدرهمين. واجعل فصه
حديدا. واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه. [والله أعلم](٥). وقال
بعض العارفين كن فقيرا من الله كما أنت فقير إليه فهو مثل قوله مَله: وأعوذ
بك منك، ومعنى فقرك من الله أن [لا] يشم منك رائحة من روائح الربوبية بل
(١) هكذا هذه العبارة في النسخة الهندية، وفي النسخة المغربية: (مه).
(٢) مدارج السالكين (٣٣٠/٢).
(٣) مدارج السالكين (٣٣١/٢)، وتفسير القرطبي (٨٩/١٠).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٥٧١
كتاب الأدب وغيره
العبودية المحضة. وقسم عمر بن الخطاب(١) بين الصحابة حُللا فبعث إلى
معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد فأعتقهم فبلغ عمر فبعث إليه
بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال لأنك بعَت الأولى فقال معاذ رَّاللَّهُ وما
عليك ادفع إليّ نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك، فقال عمر رضي الله
تعالى عنه رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ. وقال رجاء بن حيوة (٢)
قوّمتُ ثياب عمر بن عبد العزيز - وهو يخطب - باثني عشر درهما. وكانت قباء
وعمامة وقمصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة. ورأى محمد بن واسع ابنا له
يمشي مشية منكرة. فقال: تدري بكم اشتريت أمك؟ بثلاثمائة درهم، وأبوك-
لا أكثر الله في المسلمين مثله- أنا. وأنت تمشي هذه المشية؟
وقال إبراهيم بن أدهم(٣): ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في
سفينة، وفيها رجل مضحاك. كان يقول: كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا-
وكان يأخذ [بشعر] رأسي ويهزني- لأنه لم يكن في السفينة أحقر مني.
والأخرى: كنت عليلا في مسجد. فدخل المؤذن تلك الليلة، وقال: اخرج.
فلم أطق، فأخذ برجلي وجرني إلى خارج. والأخرى: كنت بالشام وعلي
فرو. فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذلك. وفي
رواية أخرى: كنت يوما جالسا فجاء إنسان وبال علي. وقال بعضهم: [رأيت
(١) مدارج السالكين (٣٣٠/٢).
(٢) مدارج السالكين (٣٣٠/٢).
(٣) مدارج السالكين (٣٣٠/٢).
٥٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في الطواف] رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف، ثم
رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا. فتعجبت منه. فقال لي: إني
تكبرت في موضع يتواضع الناس [هناك]، فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع
[٣٩/ ب] الناس فيه. قال الله تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
اُلْأَرْضِ هَوْنَا﴾(١) الآية، أي سكنية ووقارا، متواضعين غير أشرين ولا مرحين
ولا متكبرين. قال الحسن (٢) [علماء حلماء]، وقال محمد بن الحنفية
أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا، والهون بالفتح في
اللغة الرفق واللين. قال أبو حاتم، (٣) وأنشدني [الكريزني]:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا فكم تحتها قوم هُمُ منك أرفع
فإن كنتَ في عزٍّ وخيرٍ ورفعة فكم مات مِن قومِ همُ منك أوضع
وقال الحسن: التواضع أن تخرج من بابك فلا يلقاك مسلم إلا رأيت له
علیك فضلًا.
قوله وقليل﴾ حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد الحديث.
الفخر ادعاء الكبر والشرف، فعليك بالتواضع وعدم الفخر على أحد فإن
رسول رسول الله وَلليه نبَّهك على التواضع بأن أصلك من تراب فقال في خطبة
حجة الوداع الناس من آدم وآدم من تراب. وقوله ولا يبغي أحد على أحد،
(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣.
(٢) تفسير البغوي ٣/ ٣٧٥، تفسير الثعلبي ٧/ ١٤٥، مدارج السالكين ٣٢٧/٢.
(٣) روضة العقلاء (ص ٦١).
٥٧٣
كتاب الأدب وغيره
قال أهل اللغة البغي هو التعدي والظلم والاستطالة والاستعلاء بغير حق
وأصله من بغى الجرح إذا فسد. قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمّ
ے
مَّتَعَ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ (١) أي تجازون به في الدنيا تعجيلا لعقوبته والعرب تقول
البغي مصرعة، قال الشاعر (٢):
يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فاربع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل [حقًّا] على جبل لهُدَّ منه أعاليه وأسفله؛ اهـ
قاله في الديباجة.
٤٣٩٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَّةِ قَالَ: ((مَا نقصت صَدَقَة
من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّ عزا وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله)) رواه
مسلم (٣) والترمذي (٤).
قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام علیه.
قوله وَّلة ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله بعفو إلا عزا وما تواضع
أحد لله إلا رفعه، تقدم هذا الحديث في العفو عن الجاني وتقدم الكلام على
التواضع في الحدیث قبله.
٤٣٩١ - وَعَن نصيح الْعَنسِي عَن ركب الْمِصْرِيّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله
حَلِّ طُوبَى لمن تواضع فِي غير منقصة وذل فِي نَفسه من غير مَسْأَلَة وَأنْفق مَالا
(١) سورة يونس، الآية: ٢٣.
(٢) الكشاف (٢/ ٣٢٤) وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه.
(٣) صحيح مسلم (٦٩) (٢٥٨٨).
(٤) سنن الترمذي (٢٠٢٩).
٥٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جمعه فِي غير مَعْصِيّة ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة
طُوبَى لمن طَابَ كَسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس
شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله.
رواه الطبراني(١)، ورواته إلی نصیح ثقات، وقد حسن هذا الحديث أبو عمر
النمري(٢) وغيره. وركب. قال البغوي: لا أدري سمع من النبي ◌َّ أم لا،
وقال ابن منده: لا نعرف له صحبة، وذكر غيرهما أن له صحبة، ولا أعرف له
غير هذا الحدیث.
قوله وعن نصيح العنسي روى عنه مطعم بن المقدام قال الذهبي:
ضعیف. کذا.
(١) الطبراني في المعجم الكبير (٤٦١٥/٧١/٥)، (٤٦١٦)، وفي مسند الشاميين (٩١٢،
وأخرجه البخاري في التاريخ (١١٤٨)، والبغوي في معجم الصحابة (٢/ ٤١٧)، ابن أبي
الدنيا في التواضع والخمول (٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٨٢)، وابن
الأعرابي في المعجم (٢٣٠٧/٣)، وابن منده في معرفة الصحابة (ص: ٦٥٨)، وتمام في
الفوائد (١٦٠٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٨٣٣)، وابن بشران في أماليه (١٦)،
والقضاعي في مسند الشهاب (٦١٥)، والبيهقي في السنن (١٨٢/٤)، وفي الشعب
(٣٣٨٨)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٢١١) وابن الأثير في أسد الغابة
(٨٥/٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٢٩/١٠) رواه الطبراني من طريق نصيح
العنسي عن ركب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(٣٦٤٢)، والضعيفة (٣٨٣٥)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٣٦٨).
(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٥٠٨) وقال: له حديث واحد حسن. وقال ابن حجر
في الاصابة (٥٥١/٣) إسناد حديثه ضعيف ومراد ابن عبد البرِّ بأنه حسن لفظه.
٥٧٥
كتاب الأدب وغيره
قوله عن ركب المصري، وركب المصري قال الحافظ: قال البغوي(١): لا
أدري أسمع من النبي ◌َّ أو لا، وقال ابن مندة لا تعرف له صحبة، وذكر
غيرهما أنّ له صحبة. قال الحافظ: ولا أعرف له غير هذا الحديث، اهـ.
قوله وَّ طوبى لمن طاب كسبه، تقدم الكلام على طوبى في مواضع من
هذا التعليق، والمراد بطيب الكسب كسب الحلال.
قوله وَخلال وصلحت سريرته. صلحت بضم اللام وفتحها وتقدم ذلك في
الورع وترك الشبهات، والسريرة والسر ما يكتم عن الناس، والمراد بطيب
السريرة طيب نياته وأفعاله التي يكتمها عن الناس.
قوله ◌َّه وأنفق الفضل من ماله. الفضل هو ما يفضل [عمّا] لابد له منه
من حوائجه الأصلية يعني أنفق ما فضل عن حوائجه في وجوه الطاعات
والقربات.
قوله وَاليه وأمسك الفضل، من قوله الفضل من قوله هو الكلام فيما لا
يعنيه والذي يعنيه هو الكلام الذي يكون عليه [٤٠ / أ]واجبا أو مندوبا أو
مباحا تتعلق به مصلحة وما سوى هذه الثلاثة فهو مما لا يعنيه، ويعنيه بفتح
الياء يهمه. وتقدم الكلام على ذلك أيضا. وتفسير هذه الألفاظ ذكره
الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية(٢).
(١) معجم الصحابة للبغوي (٢ / ٤١٧).
(٢) شرح الأربعون الودعانية (ص ١٩٧-١٩٨).
٥٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٣٩٢ - وَعَنِ ثَوْبَانِ رَّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِّ مِن مَاتَ وَهُوَ بَرِيء من
الْكبر والغلول وَالدّين دخل الْجنّة. رواه الترمذي(١)، واللفظ له والنسائي(٢)
وابن ماجه(٣) وابن حبان في صحيحه(٤) والحاكم(٥)، وقال: صحيح على
شرطهما، وقد ضبطه بعض الحفاظ، الکنز بالنون والزاي، وليس بمشهور،
وتقدم الكلام عليه في الدین.
قوله وعن ثوبان، ثوبان هو مولی رسول الله ولا تقدم الكلام عليه.
قوله وَّ: من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة،
الحديث. الكبر هو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق، فالكبر
يتولد من الإعجاب، والإعجاب هو أن ينظر العبد إلى نفسه بعين العظمة
وينظر غيره فقيرا ويقول أنا وأنا كما قال إبليس لعنه الله أنا خير منه، ويطلب
الترفع في المجالس والتصدر ويستنكف من رد الكلام. والإعجاب يتولد من
(١) الترمذي (١٥٧٣).
(٢) النسائي في الكبرى (٨٧٦٤).
(٣) ابن ماجه (٢٤١٢).
(٤) ابن حبان (١٩٨).
(٥) الحاكم (٢٦/٢)، وأخرجه أحمد (٢٧٦/٥ و٢٧٧)، والخرائطي في المساوئ (٦٠٨)
والدارمي (٢٥٩٥) والروياني (٦١١ و٦١٢) والطبراني في الأوسط (٧٧٤٧) وأبو نعيم
في معرفة الصحابة (١٣٨٢)، والبيهقي (٣٥٥/٥)، (١٠١/٩-١٠٢)، وفي الشعب
(٥١٥١)، وابن عساكر (٥٨/٧)، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٠ / ٤٩١): الترمذي
والنسائي وبن ماجه وصححه بن حبان والحاكم من حديث ثوبان وصححه الألباني في
صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٢).
٥٧٧
كتاب الأدب وغيره
الجهل وقد عظم الله تعالى شأن الكبر بقوله ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
اٌلْمُسْتَكْبِرِينَ﴾(١)، ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَبِرِينَ﴾(٢)، وقال بعضهم
لبعض المتكبرين: أوّلك نطفة [مذرة؛ وكذلك البيضة المذرة، يقال مذرت
البيضة بالذال المعجمة إذا فسدت، وفي الحديث: (الشر النساء المذرة
الوذرة) أي الفاسدة التي لا تستنجي عند الجماع] وآخرك جيفة قذرة وأنت
فيما بين ذلك تحمل العذرة. وقد نظم الشاعر المعني:
كيف [يزهو] من [رجيعه] (٣) أبد الدهر ضجيعه
قال بعضهم: المتكبر شر من المشرك فإن المتكبر متكبر عن عبادة الله
والمشرك يعبد الله وغيره ولذلك جعل الله النار دار المتكبرين كما قال تعالى
﴿أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَاً فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ
ج﴾(٤).
وأخبر أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم فقال تعالى
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَّرٍ جَبَّارٍ﴾(٥).
وقال وَّ: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، رواه مسلم
وسيأتي الكلام [على] الذرة وعلى الحديث، وكما أن من تواضع لله رفعه الله
فكذلك من تكبر على الانقياد للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه
(١) سورة النحل، الآية: ٢٣.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٠.
(٣) هكذا هذه العبارة في الأصل وهو الصواب، وفي النسخة الهندية: (ضجيعه).
(٤) سورة الزمر، الآية: ٧٢.
(٥) سورة غافر، الآية: ٣٥.
٥٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ويعاديه فإنما تكبر على الله فإن الله هو الحق وكلامه حق ودينه حق والحق
صفته ومنه وله فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله فإنما رده على الله وتکبر علیه.
[قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويحسن أن نذكر هنا أبيات أبي العتاهية،
واسمه إسماعيل بن القاسم:
يا عجبا للنالو ذكروا وحاسبوا أنفسهم أبصروا
فإنما الدنيا لهم معبر
وعبروا الدنيا إلى غيرها
المعروف والشر هو المنكر
والخير مما ليسى يخفى هو
الحشر ذاك الموعد الأكبر
والموعد القبر وما بعده
لا فخر إلا فخر أهل التقى غدا إذا ضمهم المحشر
والبر كانا خير ما يدخر
ليعلمن الناس أن التقى
وهو غدا في لحده يقبر
وعجبت للإنسان من فخره
وجيفة آخره يفخر
ما بال من أوله نطفة
يرجو ولا تأخير ما يحذر
أصبح لا يملك تقديم ما
وأصبح الأمر إلى غيره في كل ما يقضى وما يقدر
ومما يناسب ذلك ما ذكره ابن خلكان أن مطرف بن عبد الله بن الشخير
نظر إلى يزيد بن المهلب وهو يمشي وعليه حلة يسحبها، فقال له ما هذه
المشية التي يكرهها الله تعالى ورسوله ويه. فقال يزيد: أما تعرفني. فقال:
بلى أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت بين ذلك حامل عذرة. ونظم
أبو محمد الخوارزمي فقال:
عجبت ممن يعجب بصورته وكان من قبل نطفة مذرة
٥٧٩
كتاب الأدب وغيره
وهو من عند الله حسن صورته يصير في الأرض جيفة قذرة](١)
[قوله مذرة أي فاسدة، ومن ذلك البيضة المذرة، يقال مذرت البيضة
بالذال المعجمة إذا فسدت، وفي الحديث(٢) شر النساء المذرة الوذرة أي
الفاسدة التي لا تستحي عند الجماع. قوله ◌َية والغلول، الغلول هو ما يأخذه
أحد الغزاة من الغنيمة مختصا به ولا يُحضره لأمير الجيش وتقدم الكلام
على ذلك في الجهاد. قوله {َّ﴾ والدين، تقدم الكلام على الدين في بابه](٣).
٤٣٩٣ - وَعَن طَارق قَالَ خرج عمر رَاشَهَ إِلَى الشَّام ومعنا أَبُو عُبَيْدَة فَأَتوا
على مخاضة وَعمر على نَاقَة لَهُ فَنزل وخلع خفيه فوضعهما على عَاتِقه وأخذ
بزمام نَاقَتْه فَخَاضَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة يَا أَمِير الْمُؤمِنِينَ أَنْت تفعل هَذَا مَا يسرني أَن
أهل الْبَلَد استشرفوك فَقَالَ أوه وَلَو يقل ذَا غَيْرِك أَبَا عُبَيْدَة جعلته نكالا لأمة
مُحَمَّد إِنَّا كُنَّا أذلّ قوم فأعزنا الله بِالْإِسْلَامِ فمهما نطلب الْعِزّ بِغَيْرِ مَا أعزنا الله
بهِ أذلنا الله. رواه الحاكم(٤)، وقال: صحيح على شرطهما.
(١) سقطت هذه الفقرة من الأصل، وأثبتت في النسخة الهندية.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣١١/٤)، والنجم الوهاج في شرح المنهاج (١ / ٤١٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) الحاكم في المستدرك (٦٢/١ و٨٢/٣)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه
الذهبي، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٨٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٨٣٦،
٣٤٤٣٣)، وأبو داود في الزهد (٦٩) وهناد في الزهد (٨١٧) والدينوري في المجالسة
(٤١٨). وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤٧/١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨١٩٦)،
وصححه الألباني في الصحيحة (١١٨/١)، وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٩٣).
٥٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وعن طارق كذا كذا.
قوله خرج عمر إلى الشام ومعه أبو عبيدة، الظاهر أنه أبو عبيدة بن
الجراح.
قوله فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل وخلع خفيه فوضعهما
على عاتقه. العاتق معروف.
قوله: وأخذ بزمام ناقته فخاض. زمام الناقة: قال الجوهري: خطام الناقة
هو زمامها، وقال الزمام الخيط الذي تشد فيه البرة ثم يشد في طرفه المقود
وقد يسمى المقود زماما وزممت البعير [٤٠/ ب] خطمتُه. قال والبُرَّة حلقة
من صفر تجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي تجعل في آخر جانبي
المنخرين اهـ. قاله الكرماني(١).
قوله: فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا ما يسرني أن أهل
البلد استشرفوك. معناه خرجوا إلى لقائك وإنما قال له ذلك لأن عمر لما
قدم الشام [ما تزيًّا بزيّ] الأمراء [فخشي] أن لا يستعظموه.
قوله: فقال أوه ولو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد
وسلم
صلىالله
الحديث. أوه كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع وهي ساكنة الواو
ومكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا آه من كذا وربما شددوا الواو
وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا أوّه وربما حذفوا الهاء فقالوا أُو. وبعضهم يفتح
الواو مع التشديد فيقال أوَّه، ذكره في النهاية.
(١) الكواكب الدراري (٢٨/٢).