Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الأدب وغيره
قوله صلى الله عليه وسلم: وكونوا عباد الله إخوانا، قال أبو العباس
القرطبي أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة
والمعاونة والنصيحة اهـ. وقال غيره أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة
ومعاشرتهم في المودة والرفق والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك من
صفاء القلوب والنصيحة بكل حال انتهى. وقوله كما أمركم يحتمل أنه يريد
هذا الأمر الذي هوز.
قوله: كونوا إخوانا لأن أمره عليه الصلاة والسلام هو أمر الله وهو مُبَلِّغ
ويحتمل أنه يريد بذلك.
قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾(١) فإنه خبر عن المشروعية التي ينبغي
للمؤمنين أن يكونوا عليها. ففيها معنى الأمر والله تعالى أعلم.
قوله وسيقار: المسلم أخو المسلم، المعني به الأخوة في الدين، وفيه الحث
على التحاب والتصافي والاجتناب عن التباعد والتجافي.
قوله مَّيّة: لا يظلمه ولا يخذله، قال العلماء الخذلان ترك الإعانة والنصرة
ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا [أمكنه] ولم يكن له
عذر شرعي أي لا يخلي بينه وبين من يظلمه. [٣٥/ أ] كأنه لما تأخر عن
نصره وأسلمه لظالمه کان خاذلا، قاله عیاض.
قوله مَّيله: ولا يحقره هو بالحاء المهملة وبالقاف أي لا يحتقره فلا يتكبر
عليه ويستقله ورواه بعضهم لا يخفره بضم الياء آخر الحروف وبالخاء
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.

٥٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المعجمة والفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقص أمانه. قاله القاضي عياض
رحمه الله.(١) والصواب المعروف هو الأول وهو الموجود في غير كتاب
مسلم بغير خلاف. وروي لا يحتقره وهذا يرد الرواية الثانية. قوله وَاليهود
التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا معناه أن الأعمال الظاهرة لا
[تحصل] بها التقوى وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله وخشيته
ومراقبته.
قوله صلى الله عليه وسلم: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم
أي يكفيه من الشر، والباء في بحسب زائدة وهي بإسكان السين لا بفتحها
وهو خبر ابتداء مقدم، والمبتدأ أن يحقر تقديره حسب امرئ من الشر
احتقاره أخاه أي كافيه من الشر ذلك فإنه النصيب الأكبر والحظ الأوفر
[و]يفيد أن احتقار المسلم حرام.
قوله {وَيّ كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله فالدم والمال
معروفان وعرض الإنسان فسره في النهاية بأنه موضع المدح والذم من
الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره. وقال ابن قتيبة (٢)
عرض الرجل نفسه وبدنه لا غیر، وقيل غير ذلك، وتقدم في الورع.
قوله رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم تقدم الكلام على مالك بن
أنس إمام دار الهجرة وأما البخاري فهو من بخارى وهي مدينة عظيمة ذات
(١) شرح النووي على مسلم (١٢١/١٦).
(٢) أدب الكاتب (ص ٢٧).

٥٤٣
کتاب الأدب وغيره
قصور عالية وجنات متوالية وقرى [متصلة العمارة] سبعة وثلاثون ميلا في
مثلها ويحيط بجميعها سور واحد وداخله سور آخر على المدينة وبها قلعة
حصينة وأهلها ذوو ثروة ويسار وأما مناقبه فقد تقدم بعضها وسيأتي ذكر
مناقبه مبسوطا إن شاء الله تعالى.
٤٣٧٦ - وَعِنْهُ زَّوَّهُ أَن رَسُول اللّه وٍَّ قَالَ لَا يجْتَمع فِي جَوف عبد مُؤمن
غُبَار فِي سَبِيل الله وفيح جَهَنَّم وَلَّا يجْتَمع فِي جَوف عبد الْإِيمَان والحسد .
رواه ابن حبان في صحيحه(١)، ومن طريقه البيهقي (٢).
قوله و عنه زقٹ﴾ تقدم الكلام علیه. قوله {قائلا لا يجتمع في جوف عبد مؤمن
غبار في سبيل الله وفيح جهنم. فيح جهنم هو كذا قوله ◌َّ ولا يجتمع في
جوف عبد الإيمان والحسد، المراد بالحسد هنا هو تمني زوال النعمة عن
المحسود وهذا حرام بالاتفاق وفي الحسد آيات وأحاديث مشهورة ووجه
قُبح الحسد أنه اعتراض على الخالق ومعاندة له حيث ينعم على زيد فيكره
عمرو إنعامه عليه ثم يحاول نقض فعله وإزالة فضله وفي المعنى قول
بعضهم:
ألاقل لمن بات حاسدا أتدري على من أسأت الأدب
(١) صحيح ابن حبان (٤٦٠٦).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٣٩٥٢، ٦١٨٥، ١٠٣٣٥)، وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في
التوبيخ والتنبيه (٧٤) ومن طريقه قوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٤) وحسنه الألباني
في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٨٦).

٥٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يعني الله عز وجل حيث كرهت فضله وعاندت فعله، وقال أبو الطيب(١):
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
ووجه ظلم الحاسد أنه يجب عليه أنه يحب لمحسوده ما يحب لنفسه
وهو لا يحب لنفسه زوال النعمة فقد أسقط حق محسوده عليه ولأن في
الحسد [٣٥/ ب] [تعبَ النفس] وحزنها بغير فائدة وبطريق محرم فهو
تصرف محرم، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾(٢)،
[وب]اجملة الحسود لا یسود، الحسود محبوس في جلدته وفي ذم الحسد من
الشعر ما يطول ذكره، اهـ. قاله الطوفي أو ابن خميس في كتابه ذم الغيبة على
الشك في ذلك(٣).
٤٣٧٧ - وَعنْهُ رََّّهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِيَّاكُمْ والحسد فَإِن الْحَسَد يَأْكُل
الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلِ النَّارِ الْخَطِب أَو قَالَ العشب. رواه أبو داود(٤) والبيهقي(٥)
ورواه ابن ماجه(٦) والبيهقي (٧) أيضا وغيرهما من حديث أنس: أن رسول الله
(١) شرح ديوان المتنبي (٣٣٠/١).
(٢) سورة النساء، الآية: ٥٤.
(٣) التعيين (ص ٢٩٥-٢٩٦).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٠٣)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢١٩٧) والسلسلة
الضعيفة (١٩٠٢).
(٥) البيهقي في شعب الإيمان (٦٦٠٨)، وفي الآداب (ص ١٤١).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٤٢١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٧٨١)، والضعيفة
(١٩٠١).
(٧) البيهقي في شعب الإيمان (٦٦١٠).

٥٤٥
كتاب الأدب وغيره
وَّة قال: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ
الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة من النار)).
قوله و عنه زغلڅ﴾ تقدم الكلام علیه.
قوله وَّة: إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب أو العشب، الحديث. وقال سفيان(١) بلغني أن الله تعالى يقول
الحاسد عدوُّ نعمتي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي.
وقال الغزالي (٢): في الحسد أن يكره الحاسد حدوث النعمة لغيره وهو
حرام ويجب عليه أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ويستحب له أن
يحمد الله تعالى على حصول النعمة لغيره كما يحمد الله عليها إذا حصلت
له. قال جبريل عَل حين شرب النبي وَّ اللبن ليلة الإسراء الحمد لله لو
شربت الخير غوت أمتك.
[الرابع و](٣) [من] الحسد أن لا يكره حصول النعمة لغيره إذا كانت
مساوية للنعمة التي عليه ويكره له حصول منزلة ودرجة أعلى من درجته
ومنزلته فيرضى بالمساواة ولا يرضى بالزيادة، فهذا كله حرام ويشمله اسم
الحسد. والحسود غير راض بقسمة الله تعالى وحكمته في الخلق، ومن نظر
إلى أن الأشياء بقسمة الله تعالى رضي عن الله تعالى [ودعا لغيره] بحدوث
النعمة وبقائها [ورضي بما قسم] الله تعالى فقد داوى قلبه من الحسد وأتى
(١) تفسير الثعلبي (٣٣٠/٣).
(٢) إحياء علوم الدين (١٩٦/٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٥٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الله بقلب سليم من الحسد، اهـ.
٤٣٧٨ - وَعَنِ ضَمِرَة بن ثَعْلَبَةِ رَو ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَهَ لَا يَزَال النَّاس
بِخَير مَا لم يتحاسدوا. رواه الطبراني(١) ورواته ثقات.
وعن ضمرة بن ثعلبة البهزي وبهز قبيلة من بني سليم بن منصور، سكن
حمص قال أبو حاتم: له صحبة. وقال ابن السّكن: يقال له صحبة. وقال
البغويّ: سكن الشّام. وقال ابن حبّان: حديثه عند أهل الشام، وروى له
البغوى هذا الحديث وقال: قال البغويّ: لا أعلم له غيره(٢). كذا كذا
قوله لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا تقدم الكلام على الحسد.
٤٣٧٩ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن بسر رَّهُ عَنِ النَّبِيِ وَلِ قَالَ لَيْسَ مني ذُو
حسد وَلَّا نميمة وَلَّا كَهَانَة وَلَا أَنَا مِنْهُ ثُمَّ تَلا رَسُول الله وَّ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرٍ مَا اُكْتَسَبُواْ فَقَدٍ أُخْتَمَلُواْ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا
(٣) رواه الطبراني(٤)، وَتقدم فِي بَاب أجلاء الْعلمَاء حَدِيثه أَيْضا عَنِ النَّبِى
٥٨
وَّ لَا أَخَاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم من الدُّنْيَا فيتحاسدون ..
(١) الطبراني في المعجم الكبير (٨١٥٧/٣٠٩/٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٨/٨)
رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٨٦)، وصحيح الترغيب
والترهيب (٢٨٨٧).
(٢) معجم الصحابة (٤٠٥/٣) والإصابة (٣٩٦/٣-٣٩٧).
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وعزاه الهيثمى في مجمع الزوائد (٩١/٨) للطبراني،
وقال وفيه سليمان بن سلمة الخبائري وهو متروك. انظر: جامع المسانيد والسُّنَن
(٦١٠١)، وقال الألباني في ضعيف الجامع (٤٩٤٣)، والضعيفة (٥٨٦): موضوع.
وضعفه فقط في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٥).

٥٤٧
كتاب الأدب وغيره
قوله وعن عبد الله بن بسر تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َّ ليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه الحديث. ذو
بمعنى صاحب وتقدم هذا الحديث في النميمة، إياكم والحسد فإنه يأكل
الحسنات كما تأكل النار العشب
٤٣٨٠- وَعَن عبد الله بن كَعْب عَن أَبِيهُ رَّ ◌َّهُ أَن رَسُول اللّهِ وٍَ قَالَ مَا
ذئبان جائعان أرسلا فِي زريبة غنم بأفسد لَهَا من الْحِرْص على المَال والحسد
فِي دين الْمُسلم وَإِن الْحَسَد لِيَأْكُلِ الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُلِ النَّارِ الْحَطب.
٤٣٨١- وَفِي رِوَايَة إِيَّاكُمْ والحسد فَإِنَّهُ يَأْكُلِ الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّارِ
العشب. ذكره رزين، ولم أره في شيء من أصوله بهذا اللفظ إنما روى
الترمذي(١) صدره وصححه، ولم يذكر الحسد بل قال: ((على المال
والشرف)) وبقية الحديث تقدمت عند أبي داود (٢) من حديث أبي هريرة.
قوله وعن عبد الله بن كعب هو عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري
السلمي المدني، أخو عبد الرحمن، وعبيد الله، ومحمد، ومعبد بني كعب بن
مالك، ووالد عبد الرحمن بن عبد الله بن کعب بن مالك. و کان قائد أبيه حين
(١) الترمذي (٢٣٧٦)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٨١) - زيادات نعيم بن حماد-،
وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤١/٣)، وأحمد (١٥٧٨٤)، وابن حبان (٣٢٢٨)،
والدارمي ٢/ ٣٠٤، والطبراني في الكبير (١٨٩/٩٦/١٩)، والبيهقي في الآداب (٩٧٤)،
والبغوي في شرح السنة (٤٠٥٤). وقال الترمذي: حديث حسن. وصححه الألباني في
صحيح الجامع الصغير وزيادته (٥٦٢٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٥٠).
(٢) سبق.

٥٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عمي قال أبو زرعة: ثقة وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال محمد بن
سعد: کان کعب بن مالك قد عمي، وکان ابنه عبد الله قائده. وقد سمع عبد
الله من عثمان، وكان ثقة، وله أحاديث، قال ابن حبان: مات في ولاية سليمان
بن عبد الملك سنة سبع أو ثمان وتسعين(١).
قوله ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم الحديث تقدم الكلام على هذا
الحديث في كتاب البيوع.
٤٣٨٢- وَعَنِ الزبير رَّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ دب إِلَيْكُمْ دَاء الْأُمَم
قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء والبغضاء هِيَ الحالقة أما إِّي لَا أَقُول تحلق الشّعْر
وَلَكِن تحلق الدّين. رواه البزار (٢) بإسناد جيد والبيهقي(٣) وغيرهما.
قوله وعن الزبير، الزبير بضم الزاي أي ابن العوام بتشديد الواو القرشي
أحد العشرة المبشرة بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى وأحد المهاجرين
(١) تهذيب الكمال (١٥ / ترجمة ٣٥٠١).
(٢) البزار (٢٢٣٢)، وأخرجه أحمد (١٤٣٠، ١٤٣١)، والترمذي (٢٥١٠)، والضياء في
المختارة (٨٨٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٣٦١)، وصحيح الترغيب
والترهيب (٢٦٩٥)، وفي صحيح سنن الترمذي (٢٠٣٨)، وفي الإرواء ٢٣٨/٣ (٧٧٧)
وقال: رجاله ثقات.
(٣) أخرجه البيهقي (٢٣٢/١٠)، وفي الآداب (١٥١)، وفي الشعب (٦١٨٩) (٨٣٧٣)،
وأخرجه الطيالسي (١٩٠)، وعبد الرزاق (١٩٤٣٨)، وأحمد (١٤٣٠)، وعبد بن حميد
(٩٧)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٤٦٦)، وابن قانع في الصحابة (٢٢٣/١ -
٢٢٤)، وأبو يعلى في مسنده (٦٦٩)، والشاشي في مسنده (٥٥)، وأبو الشيخ في التوبيخ
(٦٣)، وابن شاهين في الترغيب (٤٨٥)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢١٢٥) وفي
التمهيد (١٢١/٦)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٠١).

٥٤٩
كتاب الأدب وغیره
الهجرتين وحواري النبي وَلّ وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي :
صلى الله
صدي
وَسِلم
أسلمت وأسلم هو رابع أربعة وخامس خمسة على يد الصديق وهو ابن ست
عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل وهاجر إلى أرض
الحبشة وشهد مع رسول الله وَلّ المشاهد كلها روى له عن رسول الله وَله
ثمانية وثلاثون حديثا ذكر البخاري تسعة منها وهو أول [من سَلَّ] السيف في
سبيل الله وثبت مع النبي وَل يوم أحد، كان أبيض معتدل اللحم [٣٦/ أ]
خفيف العارضين ومناقبه كثيرة، قاله الكرماني(١)، وتقدم الكلام عليه
مبسوطا. قول وَجّل دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء الحديث،
تقدم الكلام على ذلك في النميمة وغيرها. قال الجوهري (٢) الحسد أن يتمنى
زوال نعمة المحسود إليك يقال حسده يحسده حسودا، وقال في الإحياء (٣)
الحسد من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب فهو فرع الغضب
والغضب أصله.
قال وورد في ذمه آثار كثيرة من ذلك الحديث المطول الذي رواه أنس
فقال يطلع الآن رجل من أهل الجنة وسيأتي بعد الحديث الذي بعده.
وروي أن موسى ثَلًا لما تعجل إلى ربه رآى في ظل العرش رجلا فغبطه
بمكانه وقال إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره
باسمه وقال [عز وجل] أحدثك من عمله بثلاث كان لا يحسد الناس على ما
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١١٢).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٤٦٥/٢).
(٣) إحياء علوم الدين (١٨٦/٣).

٥٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
آتاهم الله من فضله و کان لا یعق والديه وكان لا يمشي بالنميمة.
وقال قال زكرياء عليه الصلاة والسلام: قال الله تعالى: الحاسد عدو
لنعمتي متسخط بقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وقال
بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد، حسد إبليس آدم،في الستار على
رتبته فأبى أن يسجد له فحمله ذلك على المعصية وقيل بالكبر أخرج إبليس
من الجنة وبالحسد قتل قابيل هابیل.
وقال بكر بن عبد الله (١): كان رجل يغشى بعض الملوك يقوم بحذاء الملك
ويقول أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء یکفیك مساءته، فحسده رجل
على ذلك المقام وعلى الكلام فسعى به إلى الملك فقال إن هذا يقوم الذي
يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن ن الملك أبخر، قال له الملك: وكيف
يصح ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك فإذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا
يشم ريح البخر، [ثم] قال له: انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا
الرجل إلى منزله فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء
الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء [تكفيك]
مساءته، فقال له الملك: ادن مني، فدنا منه، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم
الملك منه [ريح] الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلانًاً إلا قد صادقا.
قال: وكان الملك لا یکتب بخطه إلا في جائزة أو صلة، فکتب له كتابًا بخطه
إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده
(١) فنون العجائب (ص ٢٣٨)، وإحياء علوم الدين (١٨٨/٣).

٥٥١
كتاب الأدب وغيره
تبناً، وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما
هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه
ومضى به إلى العامل، فقال العامل: في كتابك أني أذبحك وأسلخك، فقال: إن
الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك. قال: ليس لكتاب
الملك مراجعة، فذبحه وسلخه، وحشا جلده تبنًا وبعث به، ثم عاد الرجل إلى
الملك فقال كعادته، فتعجّب الملك من ذلك، فقال: ما فعل الكتاب؟ فقال:
لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال الملك: ذكر لي أنك تزعم أني أبخر،
قال: ما قلت ذلك. قال: فلمَ وضعت يدك على أنفك حين كلمتك، قال: لأنه
أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال: صدقت ارجع إلى مكانك قد
كفاك المسيء [٣٦/ ب] مساءته.
وقال ابن سيرين(١): ما حسدت أحدا على الدنيا لأنه إن من أهل الجنة
فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة بالإضافة إلى الجنة، وإن كان من أهل
النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار.
وقال أبو الدرداء(٢): ما أكثر أحد ذكر الموت [إلا ] قل حسده وقل فرحه.
وقال معاوية(٣) كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد للنعمة إلا الحاسد
(١) روضة العقلاء (ص ١٣٤)، والزهد الكبير (ص ٣١٥)، وإحياء علوم الدين (١٨٩/٣)
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٨٣)، وشرح السنة (٢٦١/٥)، وشرح الصدور بشرح حال
الموتی والقبور (ص ٢٨).
(٣) الفاضل (٣١/١)، والعقد الفريد (١٥٨/٢)، والمجالسة وجواهر العلم (١١٣/١)
البداية والنهاية (١٣٨/٨).

٥٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
للنعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، ولذلك قيل كل العداوة قد ترجى سلامتها
إلا عداوة من عاداك من حسد وقال بعض الحكماء الحسد جرح لا يبرأ.
وقال الحسن(١): يا ابن آدم لم تحسد أخاك إن كان الذي أعطاه الله
لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن كان غير ذلك فلم تحسد من
مصيره إلى النار. قال ومراتب الحسد أربعة: الأولى أن يحب زوال النعمة
وإن كانت لا تنتقل إليه وهذا غاية الخبث. الثانية أن يحب زوال النعمة إليه
لرغبته فيها مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة واسعة نالها
غيره، وهو يحب أن تكون له. والثالثة أن لا يشتهي عينها بل يشتهي لنفسه
مثلها فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كي لا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة أن
يشتهي لنفسه مثلها فإن لم [تصل] لا يحب زوالها عنه وهذه الأخيرة هي
المعفو عنها إن كان في أمر الدنيا والمندوب إليه إن كان في أمر الآخرة،
والثالث فيها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف من الثالثة، والأولى مذمومة
قطعا، وتسمية الثانية حسدا فيه توسع وتجوز ولكنه مذموم لقوله تعالى ﴿وَلَّا
تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾(٢).
قال الغزالي(٣): والحسد من أعظم أمراض القلب ولا تُداوى أمراض
القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لذلك أن تعلم أن الحسد ضرر
(١) إحياء علوم الدين (١٨٩/٣)، والزواجر (١ /١٠٣).
(٢) سورة النساء، الآية: ٣٢.
(٣) إحياء علوم الدين (١٩٦/٣).

٥٥٣
كتاب الأدب وغيره
عليك في الدنيا والدين، أما [كونه] ضررا في الدين فلأنك سخطت قضاء الله
وقدره وكرهت نعمته التي [قُسِمَتْ له] بين خلقه وناهيك بها جناية على
الدين فإنك شاركت إبليس وسائر الكافرين في محبتهم للمؤمنين البلايا
وزوال النعم وهذه [الخبائث] في القلب تأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب و تمحوها کما یمحو اللیل النهار.
وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم به ولا تزال في كمد وغم
وتشعب قلب وضيق صدر وكل ذلك [مؤلم] للقلب [مسيء] له بلا فائدة (١)
فكيف [وأنت عالم بأن ذلك] يسخط الله تعالى [فما أعجب أمر عاقل
يتعرض لسخط الله تعالى](٢) من غير نفع يناله بل مع [ضرر يحتمله وألم
يقاسیه ] [فـآيخسر دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة ومع ذلك لا ضرر
على المحسود في دينه ولا دنياه بذلك لأن النعمة تزول عنه بحسدك بل كل
ما [قدره] الله تعالى فلا بد أن ينتهي إلى الحد الذي [قدره] الله تعالى له فلكل
أجل كتاب اهــ قاله في الديباجة.
(١) وفي العبارة اضطراب وقد جاءت في إحياء علوم الدين (١٩٦/٣) هكذا: فكيف وأنت
عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل كيف يتعرض
لسخط الله تعالی من غیر نفع یناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسیه فيهلك دينه ودنياه من
غير جدوى ولا فائدة وأما أنه ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا
تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير
معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل إجل كتاب.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٥٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٣٨٣- وَعَن أنس بن مَالك ◌َِّلّهُ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله وَّهُ يَا بني إِن
قدرت على أَن تصبح وتمسي لَيْسَ فِي قَلْبك غش لأحد فافعل الحَدِيث. رواه
الترمذي(١) وقال حديث حسن غريب.
قوله وعن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه. قوله وَّ لأنس يا بني إن
قدرت على أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل الحديث.
الغش نقيض النصح.
٤٣٨٤ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َّ لَهُ قَالَ كُنَّا جُلُّوسًا مَعَ رَسُول الله ◌َِّ فَقَالَ
يطلع الآن عَلَيْكُم رجل من أهل الجنَّة فطلع رجل من الأنْصَار تنظف لحيته
من وضوئِهِ قد علق نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الشمَال فَلَمَّا كَانَ الْغَد قَالَ النَّبِيِ وَِّ مثل ذَلِك
(١) وهو طرف من حديث طويل وأخرج جملا منه، مفرقا: الترمذي (٥٧٩). (٢٦٧٨)،
(٢٦٩٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ... وقد روى عباد بن
ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس ولم يذكر فيه: عن سعيد بن
المسيب. قال أبو عيسى: وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه. ولم يعرف لسعيد بن
المسيب عن أنس هذا الحديث ولا غيره. ومات أنس ابن مالك سنة ثلاث وتسعين،
ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين. قلت: قد توبع عبد الله
ابن المثني. وأخرجه بتمامه: أبو يعلى في مسنده (٣٦٢٤)، والطبراني في الأوسط
(٥٩٩١). وفي الصغير (٨٥٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٣٤٢).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٧٢/١) رواه أبو يعلى، والطبراني في الصغير ... وفيه
محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو ضعيف. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
(٤٠٦/٧) ورواه الترمذي مختصرا جدا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب
(١٧٢٧)، وضعيف الجامع الصغير (٦٣٨٩).

كتاب الأدب وغيره
٥٥٥
فطلع ذَلِك الرجل مثل المرة الأولى فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَالَ النَّبِيِ وَّ مثل
مقَالَتْه أَيْضا فطلع ذَلِك الرجل على مثل حَاله الأول فَلَمَّا قَامَ النَّبِي ◌َّ تبعه
عبد الله بن عَمْرو فَقَالَ إِنِّي لاحيت أبي فأقسمت أَنِّي لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَانًا فَإِن
رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى تمْضِي فعلت قَالَ نعم قَالَ أنس فَكَانَ عبد الله
يحدث أَنْه بَات مَعَه تِلْكَ الثَّلاث اللَّيَالِي فَلم يره يقوم من اللَّيْل شَيْئًا غير أنه إِذا
تعار تقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وَكبر حَتَّى لصَلَاة الْفجْرِ قَالَ عبد الله
غير أنّي لم أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرا فَلَمَّا مَضَت الثَّلاث اللَّيَالِي وكدت أن أحتقر
عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني وَبَين أبي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِن سَمِعت
رَسُول الله وَّ يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات يطلع عَلَيْكُم الآن رجل من أهل الجنّة
فطلعت أَنْت الثَّلاث المرات فَأَرَدْت أَن آوي إِلَيْك فَأنظر مَا عَمَلك فأقتدي
بك فَلم أرك عملت كَبِير عمل فَمَا الَّذِي بلغ بك مَا قَالَ رَسُولِ الله ◌ِِّ قَالَ مَا
هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْت فَلَمَّا وليت دَعَانِي فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّ مَا رَأَيْت غير أَنِّي لَا أجد فِي
نَفسِي لأحد من الْمُسلمين غشا وَلَا أحسد أحدا على خير أعطَاهُ الله إِيَّه فَقَالَ
عبد الله هَذِه الَّتِي بلغت بك. رواه أحمد (١) بإسناد على شرط البخاري ومسلم
(١) مسند أحمد (١٢٦٩٧)- ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٨٦/٧ -
٢٦١٩/١٨٧)-، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٩/٨): رواه أحمد والبزار بنحوه.
ورجال أحمد رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي البزار، إلا أن سياق الحديث لابن
لهيعة. رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين ورواه البزار وسمي الرجل في رواية
له سعدا وفيها ابن لهيعة. قال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧٨/٦) هذا إسناد
صحيح على شرط البخاري ومسلم.

٥٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والنسائي، ورواته احتج بهم أيضا إلا شيخه سويد بن نصر، وهو ثقة وأبو
يعلى(١) والبزار (٢) بنحوه، وسمى الرجل الْمُبْهم سَعْدا.
وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ سعد مَا هُوَ إِلَّ مَا رَأَيْت يَا ابْن أخي إِلَّا أَنّي لم أَبَت
ضاغنا على مُسلمٍ أَو كلمة نَحْوها. وزاد النسائي(٣) في رواية له والبيهقي (٤)
والأصبهاني(٥): ((فَقَالَ عبد الله هَذِه الَّتِي بلغت بك وَهِي الَّتِي لَا تطِيق)).
(١) معجم أبي يعلى الموصلي (١٢)، وأخرجه ابن حبان (٦٩٩١)، والعقيلي في الضعفاء
(٢٨٩/٢)، وقال العقيلي في ترجمة: عبد الله بن قيس الرقاشي: حديثه غير محفوظ، ولا
يتابع عليه، ولا يعرف إلا به وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٧٧٢) ضعيف الترغيب
والترهيب (١٧٢٨).
(٢) مسند البزار = البحر الزخار (٦٣٠٨)، (١٩٨١ - كشف الأستار) وعبد بن حميد في مسنده
(٨٣/٣-١١٥٧/٨٤ - منتخب) والطبراني في مكارم الأخلاق (٦٢-٦٣ /٧٢) وابن عبد
البر ١٢١/٦-١٢٢، والبغوي (٣٥٣٥) عن عبد الرزاق وهذا في مصنفه (٢٠٥٥٩).
(٣) السنن الكبرى للنسائي (١٠٦٣٣).
(٤) البيهقي في شعب الإيمان (٦١٨١).
(٥) قوام السنة الأصبهاني في الترغيب والترهيب (١١٣٥)، (٢٢٧٤)، وأخرجه عبد الله بن
المبارك في الزهد له (٢٤١- ٦٩٤/٢٤٢ نعيم بن حماد)، وفي مسنده (٣-١/٤) النسائي
في عمل اليوم والليلة (٨٦٣).
وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦٦٠٦/٢٦٥/٥) من طريق أبي اليمان الحكم بن
نافع: أخبرني شعيب عن الزهري قال: حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك (وذكره) قال
الحافظ حمزة بن محمَّد الكناني؛ كما في تحفة الأشراف (٣٩٥/١): لم يسمعه الزهري
عن أنس، رواه عن رجل عن أنس؛ كذلك رواه عقيل وإسحاق بن راشد وغير واحد عن
الزهري وهو الصواب أ. هـ
وقال الحافظ ابن حجر في النكت الظراف (٣٩٥/١): وقد ظهر أنه معلول. وقال
=

٥٥٧
كتاب الأدب وغيره
٤٣٨٥ - وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ(١) أَيْضا عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ كُنَّا
جُلُوسًا عِنْدِ رَسُول الله ﴿ لَ قَالَ فَقَالَ ليطلعن عَلَيْكُم رجل من هَذَا الْبَاب من
أهل الجنَّة فجَاء سعد بن مَالك فَدخل مِنْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فَذكر الحَدِيثِ قَالَ
فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُمَا مَا أَنَا بِالَّذِي أَنْتَهِي حَتَّى أبايت هَذَا
الرجل فَأَنْظر عمله قَالَ فَذكرِ الحَدِيثِ فِي دُخُوله عَلَيْهِ قَالَ فناولني عباءة
فاضطجعت عَلَيْهَا قَرِيبًا مِنْهُ وَجعلت أرمقه بعيني ليله كلما تعار سبح وَكبر
وَهَللِ وَحمد الله حَتَّى إِذا كَانَ فِي وَجه السحر قَامَ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ دخل الْمَسْجِد
فصلى ثِنْتَيْ عشرَة رَكْعَة باثنتي عشرَة سُورَة من الْمفصلِ لَيْسَ من طواله وَلَا
من قصاره يَدْعُو فِي كل رَكْعَتَيْنِ بعد التَّشَهُّد بِثَلَاث دعوات يَقُول اللَّهُمَّ آتنا
فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَابِ النَّارِ اللَّهُمَّ اكْفِنَا مَا أهمنا من
أَمر آخرتنا ودنيانا اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلك من الْخَيْرِ كُله وَأَعُوذ بك من الشَّرّ كُله حَتَّى
إِذا فرغ قَالَ فَذكر الحَدِيث فِي استقلاله عمله وَعوده إِلَيْهِ ثَلَاثًا إِلَى أَن قَالَ فَقَالَ
آخذ مضجعي وَلَيْسَ فِي قلبي غمر على أحد. [الغمر] بكسر الغين المعجمة
وسكون الميم: هو الحقد، وقوله: تنطف: أي تقطر.
[لاحيت] بالحاء المهملة بعدها ياء مثناة تحت: أي خاصمت. [تعار]
بتشديد الراء: أي استيقظ.
البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤٣٩/٧): هذا إسناد صحيح مرسل؛ يعني: أنه معلّ
بالانقطاع الذي ذكره آنفًا ..
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٦١٨٣)، وأخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٧٢٤)،
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٧٢٩).

٥٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وعن أنس أيضا تقدم الكلام علیه.
قوله كنا جلوسا مع رسول الله وَ ل﴾ فقال يطلع عليكم رجل من أهل الجنة
فطلع رجل من الأنصار. [٣٧/ أ] الأنصار جمع نصير كشريف وأشراف أو
جمع ناصر كصاحب وأصحاب أي أنصار الرسول وَل وهم عبارة عن
الصحابة الذين آوَوْا ونصروا رسول الله وَّله من أهل المدينة وهو اسم
إسلامي سمى الله تعالى به الأوس والخزرج ولم يكونوا يُدعون الأنصار قبل
نُصرتهم لرسول الله وَله ولا قبل نزول القرآن بذلك واختص عرفا بأصحاب
المدينة الذين آوَوْا ونصروا وهم المتبذلون بالبيعة على إعلان توحيد الله
وشريعته فلذلك کان حبهم علامة الإيمان.
قال ◌َ له(١): آية المؤمن حب الأنصار، وحب الأنصار آية الإيمان، وآية
النفاق بغض الأنصار، والنفاق هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر والبغض هو
ضد المحبة، فإن قلت المطابقة تقتضي أن يقابل الإيمان بالكفر بأن يقال آية
الكفر كذا فلم عُدِل عنه، قلت البحث في الذين ظاهرهم الإيمان وهذا البيان
ما به] يتميز المؤمن الظاهري عن المؤمن الحقيقي. فلو قيل آية الكفر
بغضهم لا يصح إذ هو ليس بكافر ظاهر، فإن قلت الأنصار جمع قلة فلا
يكون لما فوق العشرة لأنهم كانوا أضعاف آلاف؟ قلت القلة والكثرة إنما
تعتبر في نكرات الجموع أما في المعارف فلا فرق بينهما، والمقصود من
الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم لما كان منهم من إعزاز
الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير
(١) مسند أبي يعلى (٤٣٠٨).

كتاب الأدب وغيره
٥٥٩
ذلك. قال النووي(١) معناه إن عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم من نصرة
دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم بمهمات دين
الإسلام حقَّ القيام وحبهم النبي ◌ُّ وحبه إياهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا
للإسلام وأحب الأنصار لهذه الخصال كان ذلك من دلائل صحة إيمانه
وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام، ومن أبغضهم كان بضد ذلك
واستُدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم، قاله الكرماني(٢).
قوله تنظف لحيته من وضوئه، تنظف أي تقطر اهـ قاله المنذري، وقال
غيره تنطف بكسر الظاء وضمها يقال نطف بفتح الطاء ينطف بضمها
وكسرها بمعنى أي تقطر وتسل، والنطف القطر [القطرة من الماء]، انتهى.
والوَضوء بفتح الواء الماء الذي يتوضأ به.
قوله فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأول الحديث. هذا الرجل سماه
البزار (٣) في رواية سعد بن مالك وكذلك البيهقي سماه أيضا في روايته سعد
بن مالك.
قوله فلما قام النبي ◌َّ تبعه عبد الله بن عمرو فقال إني لاحيت أبي
فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا الحديث، لاحيثُ الحاء المهملة بعدها ياء
مثناة تحت أي خاصمت أبي، قاله المنذري.
قوله فأقسمت، [والقسم الحلف].
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٦٤/٢).
(٢) الكواكب الدراري (١/ ١٠٣).
(٣) البزار في مسنده (١٩٨١ - كشف).

٥٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: يستفاد منه جواز الإخبار بغير الواقع لتحصيل المصلحة، وإن لم
[تكن] هناك مفسدة تدفعها. اهـ، قاله قاضي القضاة العسقلاني الشهير بابن
حجر.
قوله غير أنه إذا تعارّ تقلب على فراشه ذكر الله عز وجل [٣٧/ ب] أي
استيقظ.
قوله في رواية البزار فقال سعد يا ابن أخي ما هو إلا ما رأيت إلا أني لم
أبت ضاغنا على مسلم أو كلمة نحوها. الضغائن جمع ضغينة وهي الحقد.
أما الحقد فهو استدامة الغيظ والعزم على الانتقام عند القدرة والنفس
المطمئنة إذا نظرت [في](١) أن الأشياء قليلها وكثيرها [بقضاء الله تعالى]
وأسلم الله واستسلم استراح من الغل والحسد والنفس المطمئنة التي تطمئن
وتعلم أن كل شيء من عند الله وترضی به اهـ.
قوله فجعلت أرمقه بعيني ليله. أرمقه يعني أي أنظر إليه.
قوله فصلى اثنتي عشرة ركعة باثنتي عشرة سورة من المفصل الحديث.
المفصل المبين والمميز، قال الله تعالى ﴿كِتَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾(٢)، أي
جعلت تفاصيل في معاني مختلفة من حِكَم وأمثال ومواعظ ووعد وحلال أو
حرام وقيل سمي بذلك لكثرة الفصول بين السور وقيل لقلة المنسوخ فيه
[وقيل سمي مفصلا لكثرة الفصول التي تقع بينهما من التسمية] وفي أوله
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٣.