Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الأدب وغيره
POINE
قوله: وعن ثوبان رَّاللَّهُ هو مولى رسول الله وَّة، تقدم الكلام عليه.
قوله وَالر: ((طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته وبكى على خطيئته)) تقدم
الكلام علیه.
٤١٤٦ - وَعَن عقبة بن عامر رَّ ◌َّهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا النجَاة قَالَ
أمسك عَلَيْك لسَانك وليسعك بَيْتك وابك على خطيئتك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن
أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ كلهم من طَرِيق عبيد الله بن زحر عَن عَليّ بن يزِيد وَقَالَ
التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن(١).
قوله: وعن عقبة بن عامر نقله تقدم الكلام عليه.
=
(١/ ١٤٠ رقم ٢١٢) والشاميين (٥٤٨). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث عن ثوبان
إلا بهذا الإسناد تفرد به عيسى بن سليمان، وهو ثقة، سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل
يقول: سمعت أبي يقول: شرحبيل بن مسلم من ثقات الشاميين، وحدثنا محمد بن عثمان
بن أبي شيبة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن
الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز، فإن كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم.
وقال الهيثمى في المجمع ٢٩٩/١٠: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وحسن إسناده.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٠) و(٢٨٥٥) و(٣٣٣٢).
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٤)، وابن وهب في الجامع (٣٧٤)، وأحمد ١٤٨/٤
(١٧٣٣٤) و١٥٨/٤ (١٧٤٥٢) و٢٥٩/٥ (٢٢٢٣٥)، والترمذى (٢٤٠٦)، وابن أبى
الدنيا في الرقة (١٦٩) والصمت (٢) والعزلة (١)، والطبراني في الكبير ١٧/ ٢٧٠ (٧٤١)
والشاميين (٢٥٣)، والبيهقى في الآداب (٢٩٦) والزهد (٢٣٤) والشعب (٢٣٨/٢ -٢٣٩
رقم ٧٨٤) و(١٣/٧-١٤ رقم ٤٥٨٢) و(٤١٧/١٠ رقم ٧٧٢٣). وقال الترمذى: هذا
حديث حسن. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٨٨) و(٢٨٦١) وصحيح الترغيب
(٢٧٤١) و(٢٨٥٤) و(٣٢٣١).

٢٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك وليسعك
بيتك وابك على خطيئتك)) الحديث، قال الشيخ تقي الدين السبكي: وجدت
الصلاح كله في كلمتين من كلام النبي وَل وهو قوله عليَلة ((عليك بخويصة
نفسك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)) يعني: ((عليك بخويصة نفسك))
أي بالاشتغال بنفسك تهذبها وتنقيها من الأدناس [وتكسبها] الصفات
الحميدة التي تجاور بها رب العالمين والاشتغال بالناس لا خير، وأما
قوله ((وليسعك بيتك)) فلأن السلامة في العزلة ومتى خرج الإنسان من بيته
تعرض للشقاء وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ
فَتَشْقَى﴾(١)، قال: ونظمت هذا في قولي:
كبر النفس مانع لرشاد فكن حقيرا صغيرا
والزم البيت لا تفارقه شبرا تلق عند الخروج شرًّا كبيرًا(٢).أ.هـ
وفي أمره وَّه بالإقامة في البيوت رفق عظيم بأمته ورحمة شاملة إذ رفع
عنهم تلك المشاق بجلوسهم في أوطانهم(٣)، فإن قلت: فقد قال عليه الصلاة
والسلام: ((فسيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من
شاهق إلی شاهق کطائر بفراخه أو کثعلب بأشباله، ما أتقاه في ذلك الزمان، ما
(١) سورة طه ، الآية: ١١٧.
(٢) طبقات الشافعية (١٠ / ٢٩٦).
(٣) المدخل (٣٠٤/١).

٢٠٣
كتاب الأدب وغيره
أتقاه في ذلك الزمان)) فذاك يأمره بالإقامة في بيته وهذا يأمره بالفرار، وقال
سيدي أبو محمد بأن الوارد في الفرار محمول على زمان يكون بعض
المواضع فيه صالحا للإقامة وبعض فاسدا فإذا كان كذلك فينبغي على
المؤمن أن يفر بدينه من الموضع الفاسد إلى الموضع الصالح وأما إن كان
الزمان قد استوى حاله في مخالفة عموم السنن وارتكاب البدع وغير ذلك
فيلس له موضع يفر إليه فليكن حلسا منة أحلاس بيته فلا يخرج منه واعتزل
ما قدرت عليه وكن حلسا من أحلاس بيتك(١)، أ.هـ
٤١٤٧- وَعَن مَكْحُول ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رجل مَتى قيام السَّاعَة يَا رَسُول الله
قَالَ مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل وَلَكِن لَهَا أَشْرَاط وتقارب أسواق
قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا تقَارب أسواقها قَالَ كسادها ومطر وَلَّا نَبَات وَأَن تَفْشُو
الْغَيْبَة وتكثر أَوْلَاد البغية وَأَن يعظم رب المَال وَأَن تعلو أصوات الفسقة فِي
الْمَسَاجِد وَأَن يظْهر أهل الْمُنكر على أهل الْحق قَالَ رجلٍ فَمَا تَأْمُرِي قَالَ فر
بِدينِك وَكن حلسًا من أحلاس بَيْتك رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا هَكَذَا مُرْسلا(٢).
قوله: وعن مكحول رقَّانَّهُ هو: أبو عبد الله مكحول بن زيد الدمشقي، قيل :
كان مولى لسعيد بن العاصي فوهبه لامرأة من قريش فأعتقته، كان يسكن
دمشق سمع أنس بن مالك وأبا هند الرازي وواثلة بن الأسقع وأبا أمامة بن
(١) المدخل (٣٠٣/١).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في العزلة (١٩٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٥).

٢٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سهيل وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم، سكن دمشق وتوفي بها سمة ثمان
عشرة ومائة والله أعلم وهو من التابعين(١).
قوله: قال رجل: متى قيام الساعة يا رسول الله؟ قال ما المسؤول عنها
بأعلم من السائل، فذكر الحديث إلى أن قال: ((فر بدينك وكن حلسا من
أحلاس بيتك)) الحلس بالكسر هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب
يعني الزموا بيوتكم من الفتن كلزوم الحلس لظهر الدابة، أ.هـ قاله المنذري.
وقال غيره: الحلس كساء رقيق يجعل على ظهر البعير تحت القتب
والرحل ومنه قولهم: فلان حلس فلان أي ملازمه وفلان [٣٢٤/ ب] حلس
بيته إذا كان قليل الخروج منه (٢)، يعني أنه يتخذ بيته كأنه ثوبه الذي يستر به
عورته فيلازمه ولا يفارقه إذا عمت الفتن أو كثرت وهذا موجود مشاهد لأن
موضع العبادات رجعت للعادات بل بعض العبادات قد صارت اليوم وسائل
للدخول في الدنيا وأكلها وبعضهم يفعلها للرياء والسمعة في الغالب، فإذا كان
الأمر كذلك فالهرب من مواضع العبادات المشتملة اليوم على هذه المفاسد
إلى قعود الإنسان في بيته أسلم له بل أوجب عليه إن قدر والله أعلم(٣).
قوله: رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا، تقدم الكلام على الحديث
المرسل في اصطلاح المحدثين.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١١٣/٢-١١٤ ترجمة ٦٠٥).
(٢) مطالع الأنوار (٢/ ٢٩٣).
(٣) المدخل (٣٠١/١-٣٠٢).

٢٠٥
كتاب الأدب وغيره
٤١٤٨ - وَعَن أبي مُوسَى رَظْ لَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن بَين أَيْدِيكُم فتنا
كَقطع اللَّيْلِ المظلم يصبح الرجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا
وَيُصْبِحِ كَافِرًا الْقَاعِدِ فِيهَا خير من الْقَائِمِ والقائم فِيهَا خير من الْمَاشِي
والماشي فِيهَا خير من السَّاعِي قَالُوا فَمَا تَأْمُرنَا قَالَ كونُوا أحلاس بُيُوتِكُمْ رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد وَفِي هَذَا الْمَعْنِى أَحَادِيثِ كَثِيرَة فِي الصِّحَاحِ وَغَيرِهَا الحلس هُوَ
الكساء الَّذِي يَلِي ظهر الْبَعِيرِ تَحت القتب يَعْنِي الزموا بُيُوتِكُمْ فِي الْفِتَنْ
كلزوم الحلس لظهر الدَّابَّةَ(١).
قوله: وعن أبي موسى زَّوَِّه اسمه عبد الله بن قيس منسوب إلى الأشعر
جد القبيلة.
قوله وَالحلقة: ((إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا
ويمسي كافرا)) الحديث، وفي رواية: ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم))
قال النووي: معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل
تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة
كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر ووصف وَلا نوعا من شدائد تلك الفتن
وهو أنه يمسى مؤمنا ثم يصبح كافرا أو عكسه شك الراوي، وهذا لعظم الفتن
ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب والله أعلم بالصواب (٢).
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٥٩) و(٤٢٦٢)، وابن ماجه (٣٩٦١)، وابن حبان (٥٩٦٢).
وصححه الألباني في الإرواء (٢٤٥١)، الصحيحة (١٥٣٥)، صحيح الترغيب (٢٧٤٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣٣/٢).

٢٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: فما تأمرنا؟ قال: ((كونوا أحلاس بيوتكم)) ومنه حديث أبي بكر: ((كن
حلس بيتك حتى تأتيك يد خاطبة أو ميتة قاضية)) قاله في النهاية(١)، تقدم
الكلام على ضبط الحلس وتفسيره، وفي هذا الحديث الحض على ملازمة
البيوت والقعود فيها حتى يسلم من الناس ويسلموا منه ومن مراسيل الحسن
وغيره عن النبي ◌َّ أنه قال: ((نعم صوامع المؤمنين بيوتكم)) وقد تكون
العزلة في غير البيوت كالبادية والكهوف قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى
اُلْكَهْفِ﴾(٢) الآية، وما زال الناس يعتزلون ويخالطون كل واحد على ما
يعلم من نفسه ويتأتي له من أمره، وقد كان العمري بالمدينة معتزلا وكان
مالك مخالطا للناس ثم اعتزل آخر عمره رحمه الله تعالى، فيقال أنه أقام
ثمان عشرة سنة لم يخرج إلى المسجد وقيل له في ذلك، فقال: ليس كل أحد
يمكنه أن يخبر بعذره،واختلف الناس في عذره على ثلاثة أقوال، فقيل: لئلا
يرى المناكير، وقيل: لئلا يمشي إلى السلطان، وقيل: كانت به أفردة فكان
يرى تنزيه المسجد، ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في سراج المريدين(٢).
٤١٤٩- وَعَن الْمِقْدَاد بن الأسود قَالَ ايم الله لقد سَمِعت رَسُول الله وَله
يَقُول إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن إِن السعيد لمن جنب الْفِتَن إِن السعيد لمن
جنب الْفِتَن وَلمن ابْتُلِيَ فَصَبر فواها رَوَاهُ أَبُو دَاوُد واها كلمة مَعْنَاهَا التلهف
(١) النهاية (١/ ٤٢٣).
(٢) سورة الكهف، الآية: ١٠.
(٣) التذكرة (ص ١٠٩٤ - ١٠٩٥).

٢٠٧
كتاب الأدب وغیره
وَقَد تُوضَع للإعجاب بالشَّيْء(١).
قوله: وعن المقداد بن الأسود، تقدم الكلام علیه.
قوله: قال ايم الله، تقدم الكلام علي ذلك في قوله في السرقة: ((وايم الله لو
أن فاطمة بنت محمد)) الحديث.
فقوله: (( إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد
لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر فواها)) أي من وقع فيها بغير اختياره فصبر
ولم يجاوز حد الشرع، فواها له أي فطربا له، واهً: كلمة معناها التلهف وقد
توضع للإعجاب بالشيء (٢) أ.هـ، قاله المنذري.
٤١٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو(٣) رَوِّنَا قَالَ بَيْنَمَا نَحن حول رَسُولِ اللهِ وٍَّ إِذْ
ذكر الْفِتْنَة فَقَالَ إِذا رَأَيْتُمْ النَّاس قد مرجت عهودهم وَخفت أماناتهم وَكَانُوا
هَكَذَا وَشَبك بَيْنِ أَصَابِعِه قَالَ فَقُمْتِ إِلَيْهِ فَقلتِ كَيفَ أفعل عِنْد ذَلِك جعلني
الله تبَارك وَتَعَالَى فَدَاك قَالَ الزم بَيْتك وابك على نَفسك واملك عَلَيْك لسَانك
وَخذ مَا تعرف ودع مَا تنكر وَعَلَيْك بِأَمْرِ خَاصَّة نَفسك ودع عَنْك أَمر الْعَامَّة
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَادِ حسن مرجت أَي فَسدتْ وَالظَّاهِرِ أَن معنى
(١) أخرجه أبو داود (٤٢٦٣)، والبزار (٢١١٢)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٥٢/٢٠
(٥٩٨)، وفي مسند الشاميين (٢٠٢١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١ / ١٧٥. وصححه
الألباني في الصحيحة (٩٧٥)، وصحيح الترغيب (٢٧٤٣).
(٢) معالم السنن (٤ /٣٤٢-٣٤٣).
(٣) في الأصل ابن عباس.

٢٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قَوْله خفت أماناتهم أَي قلت من قَوْلهم خف الْقَوْم أَي قلوا وَالله أعلم(١).
قوله: وعن ابن عباس رَقُّنا، تقدم الكلام عليه.
قوله وَالله: ((إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم))
[٣٢٥/ أ] الحديث، أي: فسدت، والظاهر أن معنى قوله: ((وخفت أماناتهم))
أي قلت مأخوذ من قولهم: خف القوم أي قلوا، قاله الحافظ المنذري.
وقال غيره: مرجت بفتح الميم وكسر الراء المهملة كذا ضبطه الجوهري
أي اختلطت واضطربت ومرجت أمانات الناس أيضا فسدت ومرج الدين
فسد(٢) أ.هـ.
قوله: ((وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة» الظاهر أن هذا من
باب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمٌّ لَا يَضُرُكُم مَّن
ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾(٣). الآية(٤).
٤١٥١ - وَعَنِ ابْن عمر رََّا أَن عمر خرج إِلَى الْمَسْجِد فَوجدَ معَاذَا عِنْد
قبر رَسُول الله وَلهيبكي فَقَالَ مَا يبكيك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول الله وَيه
قَالَ الْيَسِير من الرِّيَاء شرك وَمن عادى أَوْلِيَاء الله فقد بارز بالمحاربة إِن الله
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٤٢ و٤٣٤٣)، وابن ماجه (٣٩٥٧)، والنسائي في الكبرى (٩٩٦٢)،
والبزار (٢٤٨٤ و٢٤٨٥). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٠٥ و٨٨٨ و١٥٣٥)
وصحيح الترغيب (٢٧٤٤).
(٢) الصحاح للجوهري (١ / ٣٤١)، وكشف المناهج (٤/ ٤٦١).
(٣) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.
(٤) كشف المناهج (٤ / ٤٦١).

٢٠٩
كتاب الأدب وغيره
يحب الْأَبْرَار الأتقياء الأخفياء الّذين إِن غَابُوا لم يفتقدوا وَإِن حَضَرُوا لم
يعرفوا قُلُوبهم مصابيح الهدى يخرجُون من كل غبراء مظْلمَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه
وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد وَقَالَ الْحَاكِمْ صَحِيحٍ وَلَا عِلّة لَهُ(١).
قوله: وعن ابن عمر رئیتھا، تقدم.
قوله: أن عمر خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله و آلام يبكي
فقال: ما يبكيك، قال: حديث سمعته من رسول الله وحَخله قال: ((اليسير من
الرياء شرك)) الحديث، تقدم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق.
يَأْتِي على
٤١٥٢- وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَه
النَّاسِ زمَان لا يسلم لذِي دين دينه إِلَّا من هرب بِدِينِهِ من شَاهِقٍ إِلَى شَاهِق
وَمن جُحر إِلَى جُحر فَإِن كَانَ ذَلِك كَذَلِك لم تتَلْ الْمَعيشَة إِلَّا بسخط الله فَإِذا
كَانَ ذَلِك كَذَلِك كَانَ هَلَاك الرجل على يَدي زوجته وولده فَإِن لم یکن لَهُ
زَوْجَة وَلَا ولد كَانَ ھَلَاکه على يَدِي أَبَوَيْهِ فَإِن لم یکن لَهُ أَبَوَانِ کَانَ هَلَاکه
على يَدِي قَرَابَتْه أَو الْجِيرَان قَالُوا كَيفَ ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ يُعَيِّرُونَهُ بِضيق
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩)، وابن أبى الدنيا فى الأولياء (٦) والتواضع (٨) وذم الرياء
(١٦١) والطحاوي في مشكل الآثار (١٧٩٨ و١٧٩٩)، وابن لال (٤٢)، والطبراني في
الكبير (٢٠/ ١٥٣ - ١٥٤ رقم ٣٢١)، والحاكم (٤/١ و٣٢٨/٤)، وأبو نعيم فى المعرفة
(٥٩٦٠ - ٥٩٦٢)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٤٦)
وصححه الحاكم ووافقه الذهبى فى الموضع الأول وتعقبه فى الثانى فقال: فيه عيسى بن
عبدالرحمن بن فروة تركه النسائي. وضعفه الألبانى فى ضعيف الترغيب (٢٠) و(١٦٣٦)
و(١٨٦٦).

٢١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْمَعيشَة فَعِنْدَ ذَلِك يُورد نَفسِهِ الْمَوَارِدِ الَّتِي يَهْلك فِيهَا نَفسه رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي
كتاب الزّهْد(١).
قوله: وروي عن أبي هريرة نظُّه تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من هرب بدينه
من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر)) فذكره إلى أن قال: ((فعند ذلك
يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه))
الحديث، المعيشة هي الکسب.
٤١٥٣ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْنِ رَّ ◌َ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ مِن انْقَطع
إِلَى الله كَفَاهُ الله كل مُؤْنَة ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن انْقَطْع إِلَى الدُّنْيَا
وَكَله الله إِلَيْهَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخِ بْنِ حَيّانِ فِي الثَّوَابِ وَإِسْنَادِ الطَّبَرَانِيّ
مقارب وأملينا لَهَذَا الحَدِيث نَظَائِرِ فِي الاقتصاد والحرص وَيَأْتِي لَهُ نَظَائِرِ فِي
الزّهْدِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى(٢).
(١) أخرجه البيهقى في الزهد (٤٣٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٦٣٧).
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا في الفرج (٢٦) والقناعة (٥٥)، والحكيم الترمذى في نوادر الأصول
(١٥٠١)، والطبراني في الأوسط (٣٤٦/٣ رقم ٣٣٥٩) والصغير (٢٠١/١ رقم ٣٢١)،
وابن منده في أماليه (١٧)، والعصمى في جزئه (٢٤)، والسلمى في التصوف (١١)،
والقضاعى في مسند الشهاب (٤٩٣ - ٤٩٧)، والبيهقى في الشعب (٢/ ٣٥١ رقم ١٠٤٤)
و(٢ /٤٨٧ رقم ١٢٨٩) و(٤٨٨/٢ رقم ١٢٩٠).
وقال الطبرانى: لم يروه عن هشام بن حسان إلا الفضيل بن عياض تفرد به إبراهيم بن
الأشعث الخراساني. وقال العصمى: غريب من حديث الحسن عن عمران غريب من
حديث الفضيل عن هشام بن حسان عن الحسن لم يروه عنه إلا إبراهيم خادم الفضيل.

٢١١
كتاب الأدب وغيره
قوله: وعن عمران بن حصين رقَُّ تقدم.
قوله وَق: ((من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا
يحتسب) تقدم الكلام عليه، وعن الحسن بن واقج قال: قال رسول الله وَاله :
((إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب في
رؤوس الجبال)) وروي على بن معبد من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن
[عن أبى هريرة وقيل عن عبد الله بن مسعود] يرفعه إلى النبي وَل قال: ((يأتي
على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق
وجحر إلى جحر فإذا كان كذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله تعالى، فإذا
كان كذلك حلت العزبة)) قالوا: يا رسول الله تحل العزبة وأنت تأمرنا
بالتزواج، قال: ((فإذا كان كذلك كان هلاك الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن
له أبوان کان هلاکه علی یدي زوجه فإن لم یکن له زوجة كان هلاکه علی
يدي ولده،فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران))،
قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا
يطيق فعندذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها نفسه)) (١). انتهى.
قال الهيثمى في المجمع ٣٠٣/١٠-٣٠٤: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن
الأشعث صاحب الفضيل، وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب
ويخطئ ويخالف، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨٥٤) وضعيف
الترغيب (١٠٦١) و(١٦٣٨) و(١٨٤٣) و(١٨٨٥).
(١) أخرجه البيهقى في الزهد (٤٣٩) عن أبى هريرة، والرافعى في التدوين (٢١/٢ و١٨٦/٢)
عن ابن مسعود. وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٢٧٠) وضعيف الترغيب (١٦٣٧).

٢١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه
وكظمه وما يفعل عند الغضب]
٤١٥٤- عَن أبي هُرَيْرَة ◌َو ◌َ أَن رجلا قَالَ لِلنَّبِي وَّهِ أوصني قَالَ لَا
تغْضب فردد مرَارًا قَالَ لَا تغْضب رَوَاهُ البُخَارِيّ (١).
قوله: عن أبي هريرة نقُّ تقدم.
قوله: أن رجلا قال للنبي وَل أوصني؟ قال: ((لا تغضب)) فردد مرارا قال
((لا تغضب)) الحديث، كان النبي ◌َّجلال عارفا بأدواء الخلق فلما استوصاه
الرجل وقد رآه مملوءا بالقوة الغضبية لم ير له خيرا من أن يتجنب دواعي
الغضب(٢) وإنما قال وَّ: ((لا تغضب)) لأنه عليه الصلاة والسلام كان
مكاشفا بأوضاع الخلق فيأمرهم بما هو أولى لهم ولعل الرجل كان غضوبا
فوصاه بتركه، قال البيضاوي: لعله لما رأى جميع المفاسد التي تعرض
للإنسان إنما هو من شهوته وغضبه، والشهوة مكسورة بالنسبة إلى ما يقتضيه
الغضب فلما سأله [٣٢٥/ ب] الرجل الإرشاد إلى ما يتوصل به إلى التجرد
عن القبائح نهاه عن الغضب(٣)،أ.هـ.
ثم الغضب من العباد على نوعين، محمود وهو ما كان لله تعالى، ومذموم
وهو ما کان لنفسه.
(١) أخرجه البخارى (٦١١٦)، والترمذى (٢٠٢٠)، والنسائى في مجلسان من أماليه (١٦).
(٢) الميسر فى شرح المصابيح (١٠٩١/٣).
(٣) الكواكب الدرارى (٢٣٣/٢١ - ٢٣٤).

٢١٣
كتاب الأدب وغيره
فهذا الحديث يدل على أن الغضب جماع الشر وأن التحرز منه جماع
الخير، وقال بعض العلماء: معنى لا تغضب أي لا تعمل بمقتضاه فيخفف
مؤنة الصبر وتأباه فالغضب مانع من الحلم والرفق ولعل هذا الرجل الذي
سأل النبي وَّل هو أبو الدرداء، فقد خرج الطبراني من حديث أبي الدرداء
قال: قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة؟. قال: ((لا تغضب
ولك الجنة))(١). قاله ابن رجب(٢).
تنبيه: الغضب في حق الآدمي، قيل: قيل هو فوران القلب وغليانه وقيل
عرض يتبعه غليان القلب لإرادة الانتقام، وجاء في الحديث: ((الغضب جمرة
تتوقد في قلب ابن آدم أما ترون إلى انتفاخ أوداجه واحمرار عينيه))(٣) أو كما
قال، وسيأتي ذلك، وأما غضب الله عز وجل أعاذنا الله تعالى منه فقيل: هو
إرادة الانتقام وقيل غير ذلك، واعلم أن هذا الحديث تضمن دفع أكثر
الشرور عن الإنسان فإنه مدة حياته بين لذة وألم فاللذة سببها ثوران الشهوة
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٥/٣ رقم ٢٣٥٣). وقال الهيثيمى فى المجمع ٧٠/٨:
رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله ثقات. وصححه الألبانی فی
صحيح الترغيب (٢٧٤٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٤٠٢ - ٤٠٤).
(٣) أخرجه أحمد ١٩/٣ (١١١٤٣) و٦١/٣ (١١٥٨٧)، والترمذي (٢١٩١)، والحاكم
٥٠٥/٤. قال الترمذي هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث تفرد بهذه السياقة
علي بن زيد بن جدعان القرشي، عن أبي نضرة، والشيخان نَّالًَّا لم يحتجا بعلي بن
زيد، وتعقبه الذهبي بقوله: ابن جدعان صالح الحديث. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (١٦٤١).

٢١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
للأكل والشرب والنكاح وغير ذلك، والألم سببه ثوران الغضب، ثم قد
یکون [تناوله أو دفعه] مباحا کنكاح الزوجة ودفع الصائل، وقد یکون حراما
كالزنا وقتال المسلم عدوانا ودفع المكروه [عدوانا] شر سببه الغضب، فإذا
اجتنب الغضب اندفع عنه الشر، فإن الإنسان يغضب فيقتل أو يقذف أو يطلق
امرأته أو [يها جر] صاحبه أو يحلف يمينا فيحنث فيها أو يندم عليها كما جاء
في الحديث ((اليمين حنث أو ندم)» (١) وقد يغضب فيكفر كما كفر جبلة بن
الأهيم حين غضب من لطمة أخذت أو أريدت منه قصاصا، وبالجملة
فالغضب أصل الشرور البشرية قاله الطوفي(٢).
فائدة: وللغضب دواء مانع ورافع، فالمانع تذكر فضيلة الحلم، وخوف الله
عز وجل كما حكى عن بعض الملوك أنه كتب ورقة فيها: ارحم من في
الأرض يرحمك من في السماء، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء،
ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين
أغضب، وروي ذلك في بعض الكتب التي أنزل الله تعالى ((ابن آدم، اذكرني
حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق))، ثم دفعها إلى
وزيره وقال له: إذا غضبت فادفعها إلي فجعل الوزير كلما غضب الملك
دفعها إليه فينظر فيها فيسكن غضبه، والرافع للغضب نحو ما ذكرناه عن
(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٠٣)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٢٩، وأبو يعلى (٥٥٨٧)
و(٥٦٩٧)، والطبراني في الصغير (١٠٨٣)، والحاكم ٤/ ٣٠٣. وصححه الحاكم.
وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٧٥٨).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٣٨-١٣٩).

٢١٥
كتاب الأدب وغيره
الملك وما روي عن النبي وَّر أنه قال: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم فليقعد
وإن كان قاعدا فليضطجع)) الحديث، وكان معاوية رَقُوالَهُ يقول: أما غضبي
على من أقدر عليه وما غضبي على من لم أقدر عليه، يعني أن الغضب لا فائدة
فيه بل هو تعب محض ومفسدة محضة لأن المؤذي لي إن كنت قادرا عليه
عاقبته إن شئت ولا حاجة إلى الغضب وإن لم أكن قادرا عليه [٣٢٦/ أ]
فالغضب المجرد لا يشفيني منه، فلا حاجة إليه والله أعلم قاله الطوفي أيضًا(١).
تنبيه: والتحقيق أن الناس في الغضب على ضربين أحدهما: مغلوب للطبع
الحيواني فلا يمكنه منعه وهو الغالب في الناس، والثاني: غالب للطبع
بالرياضة فيمكنه منعه ولولا هذا وإلا لكان قوله وَالله: ((لا تغضب)) تكليفا أو
أمرا بما لا يطاق وأقوى الأشياء في منع الغضب ودفعه التوحيد الحقيقي
العام وهو اعتقاد أن لا فاعل في الوجود إلا الله عز وجل وأن الخلق آلات
لفعله(٢) فإذا توجه إليه مكروه من جهة غيره كري فاعله الله عز وجل لا غيره
فإن ذلك الغير آلة للفعل الإلهي كالسيف الضارب والقوس الرامي والرمح
الطاعن والقدوم للنجار والسكين للنجار وحينئذ يندفع الغضب لأنه لو
غضب والحالة هذه لكان غضبه أما على الخالق وهو جراءة تنافي العبودية أو
(١) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٤٠ -١٤١).
(٢) وافق الطوفى قوله قول الجبرية والحق أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة حقيقة، وله إرادة
والله خالق العبد وفعله، قال تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ وقال:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

٢١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد ولهذا جاء في حديث أنس قال:
خدمت النبي وَّل عشر سنين فما قال للشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم
أفعله لم لم تفعله، ولكن يقول: ((قدر الله وما شاء فعل أو لو قدَّر لكان)) قلت:
وما ذاك إلا لكمال معرفته وَلو بأن لا فاعل ولا معطي ولا مانع إلا الله عز
وجل بخلاف غيره من الناس فإن غلامه إذا لم يقض شغله غضب وقام
وضربه فعلى هذا الفاعل في الوجود هو الله وحده وله آلات کبری وصغرى
ووسطى فالكبرى من له قصد واختيار كالإنسان الضارب بالعصى والصغرى
ما لا قصد له ولا اختيار كالعصى المضروب بها والوسطى من له قصد ولا
عقل له كالدابة ترفس ونحوها والله أعلم قاله الطوفي(١).
تنبيه آخر: قوله ((فردد مرارا)) يعني السائل كرر السؤال مرارا، يقول:
أوصني يا رسول الله لأنه لم يقنع بقوله ((لا تغضب)) فطلب وصية أنفع وأبلغ
منها فلم يزده النبي ◌َّ لعلمه بعموم نفعها وكرر الجواب لفهمه مقدار ما
أوصاه به ونبه السائل على ذلك بتكرارها وصار هذا كما قال له العباس:
علمني دعاء أدعوا به يا رسول الله، فقال: ((سل الله العافية)) فعاوده العباس
مرارا فقال: ((يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة فإنك
إن أعطيت العافية أعطيت كل خير)) (٢) أو كما قال، وكذلك لما قال
(١) المصدر السابق (ص ١٤٠-١٤١).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٨٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٦)، والترمذي (٣٥١٤)، وأبو
يعلى (٦٦٩٦). وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وصححه الألبانى فى المشكاة
(٢٤٩٠)، الصحيحة (١٥٢٣).

٢١٧
كتاب الأدب وغيره
لأصحابه اجتمعوا فإني أتلوا عليكم ثلث القرآن فاجتمعوا فتلا عليهم: ﴿قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ إلى آخرها ثم دخل منزله فأقامواينتظرونه ليكمل لهم ثلث
القرآن فخرج عليهم، فقال: ((ما تنتظرون! أما إنها تعدل ثلث القرآن))(١) يعني
سورة الإخلاص، أ.هـ قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية(٢).
٤١٥٥ - وَعَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِىِ وَلِّ قَالَ
قَالَ رجل يَا رَسُول الله أوصني قَالَ لَا تغْضب قَالَ ففكرت حِين قَالَ رَسُول
اللهَ وَّ مَا قَالَ فَإِذا الْغَضَب يجمع الشَّرّ كُله رَوَاهُ أَحْمد وَرُوَاته مُخْتَج بهم فِي
(٣)
الصَّحِيح (٣).
قوله: وعن حميد بن عبد الرحمن [هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف
القرشي الزهري، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان،
المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط
أخت عثمان بن عفان لأمه، وكانت من المهاجرات، كان فقيها نبيلا شريفا،
وثقه العجلي، وأبو زرعة، وابن سعد وغيرهم(٤)].
(١) أخرجه مسلم (٢٦١ و٢٦٢ - ٨١٢)، والترمذى (٢٨٩٩) و(٢٩٠٠) عن أبى هريرة.
(٢) التعيين شرح الأربعين (ص ١٤٤-١٤٥).
(٣) أخرجه أحمد ٣٧٣/٥ (٢٣١٧١)، والخرائطى في المساوىء (٣١٥ و٣٣٣). وقال
الهيثمى في المجمع ٦٩/٨: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (٢٧٤٦).
(٤) تهذيب الكمال (٧/ الترجمة ١٥٣٢) وتاريخ الاسلام ٣/ ٣٦٠، وتهذيب التهذيب ٣/
٤٥ - ٤٦.

٢١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ- قال قال رجل يا رسول الله
أوصني، قال: ((لا تغضب)) قال الخطابي: معنى لا تغضب أي لا تتعرض
لأسباب الغضب وللأمور التي تجلب الغضب إذ نفس الغضب مطبوع في
الإنسان لا يمكن إخراجه من جبلته، [٣٢٦/ ب] ومعناه: لا تفعل ما يأمرك
به الغضب ويحملك عليه من الأقوال والأفعال(١).
٤١٥٦- وَعَنِ ابْنِ عمرو رَوَلَا أَنْه سَأَلَ رَسُول الله وَّهِ مَا يباعدني من
غضب الله عز وجل قَالَ لَا تغْضب رَوَاهُ أَحْمد وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحه إِلَّا أنه
قَالَ مَا يَمْنعنِي(٢).
٤١٥٧- وَعَنِ جَارِيَة بن قدامَة أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله قل لي قولا
وأقلل لعَلي أعيه قَالَ لَا تغْضب فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَارًا كل ذَلِك يَقُول لَا تَغْضب
رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظِ لَهُ وَرُوَاته رُوَاة الصَّحِيحِ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَرَوَاهُ
الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط إِلَّا أَنْه قَالَ عَن الْأَحْتَف بن قيس عَن عَمه وَعَمه
جَارِيَة بن قدامَة أَنْه قَالَ يَا رَسُول الله قل لي قولا يَنْفَعنِي الله بِهِ فَذكره وَأَبُو
يعلى إِلَّا أَنْه قَالَ عَن جَارِيَة بن قدامَة أَخْبرنِي عَم أبي أَنْه قَالَ للَّبِي ◌َّرِ فَذكر
نَحوه وَرُوَاته أَيْضا رُوَاة الصَّحِيحِ (١).
(١) أعلام الحديث (٢١٩٧/٣).
(٢) أخرجه أحمد ١٧٥/٢ (٦٦٣٥)، وابن حبان (٢٩٦). وقال الهيثمى في المجمع ٦٩/٨:
رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألباني في
صحيح الترغيب (٢٧٤٧).
(٣) أخرجه أحمد ٤٨٤/٣ (١٥٩٦٤) و٣٤/٥ (٢٠٣٥٧) و(٢٠٣٥٨) و(٢٠٣٥٩)
=

٢١٩
كتاب الأدب وغيره
قوله: وعن جارية بن قدامة [جارية بن قدامة التميمي السعدي، عم
الأحنف بن قيس، وقيل: ابن عم الأحنف، وهو: جارية بن قدامة بن مالك بن
زهير بن حصن، ويقال: حصين بن رزاح وقيل: رياح بن أسعد بن بجير بن
ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي، يكنى أبا
أيوب وأبا يزيد، يعد في البصريين، روى عنه أهل المدينة وأهل البصرة (١)].
قوله: أن رجلا قال يا رسول الله قل لي قولا وأقلل لعلي أعيه قال ((لا
تغضب)) تقدم معنى الغضب أيضًا.
=
و٥/ ٣٧٢ (٢٣١٦٣)، وابن حبان (٥٦٨٩) و(٥٦٩٠)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٢٧٧
رقم ٧٤٩١)، والكبير (٢٦١/٢-٢٦٣ رقم ٢٠٩٣ و٢٠٩٤ و٢٠٩٥ و٢٠٩٦ و٢١٠١
و ٢١٠٧).
وأخرجه أحمد ٣٤/٥ (٢٠٣٥٩)، وأبو يعلى (٦٨٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٢
رقم ٢٠٩٧) و(٢٦٣/٢٠ رقم ٢١٠٣ عن جارية بن قدامة عن عمه. وأخرجه أحمد
٣٧٠/٥ (٢٣١٣٧)، والطبراني في الكبير (٢٦٢/٢ رقم ٢٠٩٩ و٢١٠٠) و(٢٦٣/٢
رقم ٢١٠٢ و٢١٠٥ و٢١٠٦ عن جارية عن ابن عم له.
وقال الهيثمى في المجمع ٦٩/٨: رواه أحمد والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: عن
الأحنف بن قيس، عن عمه وعمه جارية بن قدامة أنه قال: يا رسول الله، قل لي قولا
ینفعني الله به. فذكر نحوه. ورواه في الکبیر كذلك.
وفي رواية عنده: عن جارية بن قدامة أن عمه أتى النبي ◌َّ﴾، فذكر نحوه. وفي رواية: عن
جارية بن قدامة، عن ابن عم له قال: قلت: يا رسول الله ... ورجال أحمد رجال الصحيح.
ورواه أبو يعلى إلا أنه قال: عن جارية بن قدامة، أخبرني عم أبي أنه قال النبي وَّ فذكر
نحوه. ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٨).
(١) أسد الغابة (٣١٤/١ ترجمة ٦٦٤).

٢٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: رواه الطبراني عن الأحنف بن قيس [الأحنف بن قيس بن معاوية بن
حصين، وهو مقاعس، بن عبادة التميمي السعدي، أبو بحر البصري، ابن
أخي صعصعة بن معاوية، والأحنف لقب، واسمه الضحاك، وقيل:
صخر أدرك زمان النبي ◌َّ. ولم يره وروي: أن النبي ◌َل دعا له، روى عن
عمر وعلى وسعد وطلحة والعباس وغيرهم، قال الثوري ما وزن عقل
الأحنف بعقل إلا وزنه توفي سنة سبع وستين بالكوفة، متفق على ثقته
وجلالته(١)].
٤١٥٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء ◌َهُ قَالَ قَالَ رجل لرَسُول الله ◌َِّ دَلَّنِي على
عمل يدخلني الْجِنَّة قَالَ رَسُول الله وَِّ لَا تَغْضِبٍ وَلَك الْجِنَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
بِسْنَادَيْنِ أَحدهمَا صَحِيح(٢).
قوله: وعن أبي الدرداء نظمته تقدم الكلام عليه وعلى معنى حديثه.
٤١٥٩- وَعَنِ ابْنِ الْمسيب زَّ لَهُ قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ◌َّهِ جَالس وَمَعَهُ
أَصْحَابه وَقع رجل بِأبي بكر رَّتَهُ فَآتَاه فَصمت عَنْهُ أَبُو بكر ثمَّ آذاه الثَّانِيَة
فَصمت عَنْهُ أَبُو بكر ثمَّ آذاه الثَّالِثَة فانتصر أَبُو بكر فَقَامَ رَسُول الله ◌َِّ فَقَالَ أَبُو
بكر ◌َّهُ أوجدت عَليّ يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ◌َِّ نزل ملك من السَّمَاء
يكذبهُ بِمَا قَالَ لَك فَلَمَّا انتصرت ذهب الْملك وَقعد الشَّيْطَان فَلم أكن
(١) تهذيب الكمال (٢/ ٢٨٢-٢٨٧ ترجمة ٢٨٥).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٥/٣ رقم ٢٣٥٣) والشاميين (٢١). قال الهيثمي في
المجمع ٧٠/٨: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله ثقات.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٧٤٩).