Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب الحدود وغيرها بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى محله وعلى الترغيب في القيام به وعلى شرف أهله وعلى أنه واجب على كل مسلم استطاع سواء كان الأمر رجلا أو امرأة أو عبدا كما عليه إجماع الأمة ولذلك كان السلف رَّ ه﴾ لا تأخذهم في الله لومة لائم ذكره ابن النحاس في تنبيهه(١). ٣٤٨٤ - وَعَنِ النُّعْمَان بن بشيرِ نَا عَنِ النَّبِي ◌ََّ قَالَ مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمثل قوم استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضِهِمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلَهَا إِذا استقوا من المَاء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا لَو أَنَا خرقنا فِي نصيبنا خرقًا وَلم نؤذ من فَوْقِنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِن أخذُوا على أيديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ(٢). قوله: وعن النعمان بن بشير زَقْرِيّا، تقدم الكلام عليه. قوله وَيقة: ((مثل القائم في حدود الله والواقع فيها)) الحديث. قوله: ((القائم في حدود الله)) هو القائم في إزالتها ودفعها وإنكارها (٣). قوله: ((مثل قوم استهموا)) أي: اتخذ كل واحد منهم سهما، أي: نصيبا من .(٤) السفينة بالقرعة (٤). (١) تنبيه الغافلين (ص ٢٨-٢٩). (٢) أخرجه البخارى (٢٤٩٣) و(٢٦٨٦)، والترمذى (٢١٧٣)، وابن حبان (٢٩٧ و٢٩٨ و٣٠١). (٣) رياض الصالحين (ص ٨٣). (٤) اللامع الصبيح (٧/ ٥١١). ٤٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((فكان الذين في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها)) يمر بالماء أي بالبول والغائط في أعلاها ليطرحها على البحر فيؤذيهم به (١). قوله: ((وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)) يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عهما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده قاله ابن الأثير (٢). أى منعوهم من الخرق نجي الآخذون ونجى المأخوذون وهكذا إن أقيم الحدود فتحصل النجاة للكل وإلا هلك العاصي بالمعصية وغيرهم بترك الإقامة وفيه تعذيب العامة بذنوب الخاصة واستحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من أذى جاره خوف ما هو أشد منه قاله الكرماني(٣). ومعنى الحديث: أن القوم إذا كان فيهم من يأتي المنكر فتركوه مع ما أراد هلك وهلكوا جميعا وإذا أقاموا العدل ونهوا عن الفساد خلصوا وخلص المفسدون فالهلاك هو السكوت والمداهنة والنجاة في الدنيا والآخرة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانظر كيف كان الأخذ على أيدي المفسدين والإنكار عليهم ومنعهم ما أراده سببًا لنجاتهم أجمعين وقس على هذا فإنما ضرب الله ورسوله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون (٤). (١) شرح المصابيح (٣٦٤/٥). (٢) النهاية (١/ ٢٨). (٣) الكواكب الدرارى (٥٩/١١). (٤) تنبيه الغافلين (ص ٢٣). ٤٣ كتاب الحدود وغيرها واعلم أن في تمثيل النبي ◌ٍَّّ هذا في الحديث جملة من الفوائد منها أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة كاشتراك أهل الدنيا في السفينة التي آلة النجاة في الدنيا وكما أن سكوت شركاء السفينة عن السفينة الذي أراد فسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة بل وفي الدنيا كما في الأحاديث. ومنها أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر إنما أجنى على ديني لا على دينكم وعليكم أنفسكم ولي عملي ولكم عملكم ونحو هذا الكلام فيما يجري على ألسنة الجاهلين لأن شؤم فعله وسوء عاقبة فساده یشملهم أجمعين. ومنها أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من [٢٠٩/ ب] خرقها كان سببا لنجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم وكان سببا لنجاة المسلمين جميعا من الإثم وله عند الله الأجر الجزيل على ذلك. ومنها: أنه إذا أنكر منكر من أهل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى الحمق وقلة العقل والجهل بعواقب هذا الفعل إذ المنكر ساع في نجاة المعترض وغيره فذلك كذلك لا يعترض على منكر المنكر إلا من عظم حمقه وقل عقله وجهل عواقب المعصية وشؤمها إذا المنكر قائم ٤٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره وهو ساع لسبب نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج. ومنها: أن من سكت عن خرق الشريك للسفينة مع استطاعته حتى غرقت أثم فیما نزل به ومات عاصیا بإهلاك نفسه. ومنها: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياه في الهلاك سواء ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره ولا الصالح منهم من الطالح كذا إذا سكت الناس عن تغيير المنكر عمهم العذاب ولم يتميز بين مرتكب الإثم وغيره ولا بين الصالح منهم وغيره. ومنها: أنه لا يقدم أحد من الشركاء على خرق السفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم وأليم العقاب إذ لو علم حق العلم أنه يفعل في دينه بمعصيته من الفساد ما يفعله خارق السفينة فيها لما قدم على المعصية أبدا. ومنها: أنه لا يقدم على خرق السفينة إلا من آمن يقينا ما في خرقها من هلاكه إذ لا يقدم على هلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه، كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعيد الله له وأليم عذابه على الزنا ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وهذه قريبة من التي قبلها والله أعلم(١)، أ.هـ. (١) تنبيه الغافلين (ص ٨٨-٨٩). ٤٥ كتاب الحدود وغيرها ٣٤٨٥- وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود ◌ََّّهُ أَن رَسُول الله وَلَ قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب ◌َأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأمْرِه ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَانِ حَبَّة خَرْدَل رَوَاهُ مُسلم الْحَوَارِي هُوَ النَّاصِر للرجل والمختص بِهِ والمعين والمصافي(١). قوله: وعن ابن مسعود زقّ ◌َّ تقدم الكلام عليه. قوله ◌َّ: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره)) أي: ما من رسول من الرسل المتقدمة ويعني بذلك غالب الرسل لا كلهم بدليل الحديث الآخر ((يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد)) فهذا العموم وإن كان مؤكدا بمن بعد النفي فهذا مخصص بما ذكرناه(٢)، أ. هـ. الحواري: هو الناصر للرجل والمختص به والمعين والمصافي،أ.هـ قاله المنذري. وقال الأزهري وغيره: الحواريون هم أصفياء الأنبياء وقيل هم أنصارهم وقيل هم المجاهدون وقيل الحواري المخلص في حب نبيه الخالص من كل عيب وحوراي الدقيق النقي الذي تنخل، وقال ابن الأنباري: هم المختصون المفضلون وقيل غير ذلك(٣). (١) أخرجه مسلم (٨٠ - ٥٠)، وابن حبان (١٧٧) و(٦١٩٣). (٢) المفهم (١/٢). (٣) إكمال المعلم (١/ ٢٩١)، والنهاية (١ / ٤٥٨)، وشرح النووي على مسلم (٢٨/٢). ٤٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((يأخذون بسنته ويقتدون بأمره)) والسنة هي الطريقة والسيرة. قوله: (( ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون)» الحدیث. قوله: «ثم إنها [٢١٠/ أ] تخلف من بعدهم خلوف) الرواية ((إنها)) بهاء التأنيث وهي عائدة إلى الأمة أو الطائفة، ويحتمل الضمير في أنها هو الذي تسميه النحويون ضمير الشأن والقصة ومعنى تخلف تحدث وهي بضم اللام وأما الخلوف بضم الخاء فهو جمع خلف بفتح الخاء وسكون اللام وهو القرن بعد القرن واللاحق بعد الاسبق وقيل هو الخالف بشر ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾(١) وأما الخلف بفتح اللام فهو الخالف بخير وهذا هو الأشهر وجوز بعضهم في كل واحد منهم الفتح والإسكان(٢)، أ.هـ. يقال خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وأخلفه أي جاء بعده ومنه سمي الخليفة لأنه يخلف غيره ويقوم مقامه قاله عياض(٣)، والمراد به هاهنا الخلف بعد السلف والخلوف الحضور والمتخلفون وذكر في النهاية الخلف بالتحريك والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالسكون في الشر كما تقدم ومن السكون حديث ابن مسعود ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف انتھی (4). (١) سورة الأعراف، الآية: ١٦٩. (٢) شرح النووي على مسلم (٢٨/٢). (٣) مشارق الأنوار (٢٣٨/١). (٤) النهاية (٦٥/٢-٦٦). ٤٧ كتاب الحدود وغيرها فاختر يا هذا لنفسك إما ان تكون خلف الحواريين والأنبياء فتكون رفيقهم في دار القرار أو خلف الفاسقين والأشقياء فترد معهم دار البوار إذ الساكت عن المنكر مع إمكان الإنكار شريك في الاسم يرد مع شريكه النار، قاله ابن النحاس في تنبيهه(١). قوله: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) الحديث، معناه: أن أدنى مراتب أهل الإيمان ان تضطرب قلوبهم لظهور المنكر ويكون منه (في جهد) وعناء حتى لا يستقر ولا ينقطع النزاع عنها، فإن استقرت على ذلك وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان وسمة المؤمنين فسمتهم أذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية عرية عن الصفات النورانية(٢). ففي هذا الحديث الحث البالغ على اتباع السنة والتمسك بها والنهي العظيم عن مخالفة القول العمل لما فيه من الجرأة على المخالفة مع العلم، وقد جاء ((إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان))(٣). (١) تنبيه الغافلين (ص ٢٤). (٢) الميسر (٨٤/١-٨٥). (٣) أخرجه أحمد ٢٢/١ (١٤٥) و٤٤/١ (٣١٦)، وعبد بن حميد (١١)، والبزار (٣٠٥)، والفريابي في صفة المنافق (٢٤ و٢٥ و٢٦) والبيهقي في الشعب (٣٧٢/٣ رقم ١٦٤١) عن عمر. وقال الدارقطنى في العلل (٢٤٦): والموقوف أشبه بالصواب والله أعلم. وقال الذهبي: هذا حديث مقارب الإسناد لم يخرجوه في الكتب الستة وميمون فيه لين. وأخرجه البزار (٣٥١٤)، وابن حبان (٨٠)، والطبرانى (١٨ / ٢٣٧ رقم ٥٩٣) عن عمران = ٤٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وقوله: ((ليس من وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) محمول على المبالغة الشديدة في ترك جهادهم وفي ذلك دليل على تفاوت درجات الإيمان وهو الذي اختاره النووي والمحققون. أ.هـ. ٣٤٨٦ - وَعَن زَيْنَب بنت جحش ◌َّالَا أَن النَّبِيِ وَلِّ دخل عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُول لَا إِلَه إِلَّ الله ويل للْعَرَب من شَرّ قد اقترب فتح الْيَوْم من ردم يَأْجُوجِ وَمَأْمُجُوج مثل هَذِهِ وَحلق بَين أصبعيه الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا فَقلت يَا رَسُول الله أنهلك وَفِينَا الصالحون قَالَ نعم إِذا كثر الْخبث رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم(١). قوله: وعن زينب بنت جحش رَّما أن النبي وَّ دخل عليها فزعا يقول لا إله إلا الله)) وروى الجماعة إلا أبا ذر من حديث زينب أيضا قالت: خرج رسول الله وَ﴾ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب))، زينب بنت حجش بن [رئاب الأسدية (٢)، تكنى أم الحكم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله وَّة، وكانت زينب قديمة الإسلام، ومن المهاجرات مع رسول الله وَخيلة، تزوجها رسول الله وَخله فى سنة خمس من الهجرة، قاله قتادة، والواقدي، وبعض أهل المدينة وقال ابن = بن حصين. قال البزار: وهذا الكلام لا نحفظه إلا عن عمر بن الخطاب نَّه واختلفوا في رفعه عن عمر فذكرناه، عن عمران إذ كان يختلف في رفعه عن عمر، وإسناد عمر إسناد صالح، فأخرجناه عن عمر، وأعدناه عن عمران لحسن إسناد عمران. وصححه الألبانى في الصحيحة (١٠١٣) وصحيح الترغيب (١٣٢ و١٣٣ و٢٣٣٠). (١) أخرجه البخارى (٣٣٤٦) و(٣٥٩٨) و(٥٢٩٣) و(٧٠٥٩) و(٧١٣٥)، ومسلم (١ و٢- ٢٨٨٠)، والترمذى (٢١٨٧)، وابن ماجه (٣٩٥٣)، وابن حبان (٣٢٧). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣٤٤/٢ - ٣٤٦ ترجمة ١١٦٥). ٤٩ كتاب الحدود وغيرها المسيب، وأبو عبيدة، وخليفة بن خياط: تزوجها رسول الله وَجله سنة ثلاث. وروى ابن سعد أنه تزوجه لهلال ذى القعدة سنة خمس من الهجرة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل رسول الله وَل تحت زيد بن حارثة مولى رسول الله وَيّة، ثم طلقها فاعتدت، ثم زوجها إليه سبحانه وتعالى رسول الله وَّه، فأنزل فيها: ﴿فَلَمَّا قَضَىُ زَيْدُ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا﴾(١)، وكانت تفتخر على نساء رسول الله وح خلال وتقول: زوجنى الله عز وجل من السماء. وكانت امرأة صناعا تعمل بيدها وتتصدق به فى سبيل الله عز وجل، وعن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت فى هذه الدنيا الشرف الذى لا يبلغه شرف، أن الله عز وجل زوجها نبيه ◌َّه فى الدنيا، ونطق به القرآن، إن رسول الله وَي قال لنا ونحن حوله: ((أسرعكن بى لحوقا أطولكن باعا))، فبشرها رسول الله وَ خلال بسرعة لحوقها به قليل، وهى زوجته فى الجنة. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا فى بيت إحدانا بعد رسول الله وَ لآل نمد أيدينا فى الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، رحمها الله تعالى، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبى وَّه إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناع اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به فى سبيل الله. ومناقبها كثيرة. توفيت سنة عشرين وهى بنت ثلاث وخمسين سنة، ذكره ابن سعد، وأجمع أهل السير أنها أول نساء رسول الله وَل موتًا بعده، ودفنت بالبقيع فيما بين دار عقيل ودار ابن الحنفية، قاله ابن سعد، وصلى عليها عمر بن (١) سورة الحزاب، الآية: ٣٧. ٥٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الخطاب، رضى الله عنهما، ونزل فى قبرها أسامة بن زيد، ومحمد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبى أحمد بن جحش، ومحمد بن طلحة بن عبد الله، وهو ابن أختها حمنة، فكلهم محارم لها، رضى الله عنها، وهى أول امرأة جعل عليها النعش، أشارت به أسماء بنت عميس، كانت رأته فى الحبشة، وكان عمر، رضی الله عنه، يطلع إلى شىء يسترها، فأشارت به أسماء. روی لها عن رسول الله و له أحد عشر حديثا، والمشهور الذى عليه الجمهور أنها توفيت سنة عشرين. وقال خليفة بن خياط: سنة إحدى وعشرين]. قوله : ((ويل للعرب من شر قد اقترب)) المراد بالويل هنا الحزن قاله ابن عرفة(١)، وقال أبو هريرة: ويل لهم من إمارة الصبيان يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب»(٢) وإنما خصص العرب بالذكر لأن معظم مفسدتهم راجع إليهم وقد وقع ما أخبر به حيث يقال إن يأجوج هم الترك وقد أهلكوا الخليفة المعتصم وجرى ما جرى ببغداد(٣). فأخبر عليه الصلاة والسلام بما [٢١٠/ ب] يكون بعده من أمر العرب وما يستقبلهم من الويل والحرب وقد وجد ذلك بما استؤثر عليهم به من الملك والدولة والأموال والإمارة وصار ذلك في غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا في البوادي بعد أن كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه الصلاة (١) التذكرة (ص ١٠٦٢). (٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (١٠٢٠) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٣٨٣/١-٣٨٤). (٣) الكواكب الدرارى (٩/١٤). ٥١ كتاب الحدود وغيرها والسلام وما جاء به من الدين والإسلام فيما لم يشكروا والنعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم أموال بعض سلبها الله منهم ونقلها إلى غيرهم كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾(١)(٢). قوله: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بين أصبعيه الإبهام والتي تليها)) الحديث، والردم السد الذي بناه ذو القرنين يقال ردمت الثلمة ردما إذا سددته (٣). قول: ((مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها)) هذا إخبار وتفسير من الصحابة الذين شاهدوا إشارة النبي، ثم إن الرواة بعدهم عبروا بإصطلاح الحساب فقال سفيان: وعقد بيده عشرة أي جعل إصبعيه كالحلقة وعقد وهيب بيده تسعين وعقد التسعين او العشرة من موضوعات الحساب وهو أن يجعل رأس الإصبع السبابة في وسط رأس الإبهام وبضمها حتى لا يبين بينهما إلا خلل يسير وهذا تقريب في العبارة (٤). والحاصل أن الذي فتحوه قليل وهم مع ذلك لا يلهمهم الله تعالى أن يقولوا غدا نفتحه إن شاء الله تعالى فإذا قالوا خرجوا، روى البزار من حديث يوسف بن مريم الحنفي قال: بينا أنا قاعد مع أبي بكرة نَّهُ إذ جاء رجل فسلم عليه فقال: أما تعرفني فقال أبو بكرة: ومن أنت؟ قال: تعلم رجلا أتى (١) سورة محمد، الآية: ٣٨. (٢) التذكرة (ص ١٠٦٢). (٣) النهاية (٢١٦/٢)، والكواكب الدرارى (٩/١٤)، وعمدة القارى (٢٣٨/١٥). (٤) إكمال المعلم (٤١٢/٨ - ٤١٣)، والنهاية (١ /٤٢٧ و٢١٦/٢). ٥٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب النبي فأخبره أنه رأى الردم فقال له أبو بكرة: أنت هو! قال: نعم، فقال: اجلس حدثنا قال: انطلقت إلى ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت بيتا فاستلقيت فيه على ظهري وجعلت رجلي على جداره فلما كان عند غروب الشمس سمت صوتا لم أسمع مثله، فرعت فقال لي رب البيت لا تذعرن فقإن هذا لا يضرك شيء، هذا صوت قوم منصرفون هذه الاسعة عند هذا السد، قال: فيرك ان تراهم، قلت: نعم قال: فغدوت إليه قال: فإذا لبنة من حديد كل واحد مثل الصخرة وإذا كانه البرد المحبر وإذا مسامير مثل الجذوع فأتيت النبي ◌َّ فأخبرته فقال لي: ((صف لي)) فقلت: كأنه البرد المحبر فقال رسول الله وَله: ((من سره ان ينظر على رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا)) قال أبو بكرة صدق(١). أ.هـ. وروى الإمام محمد بن الربيع الجيزي، في مسند من دخل مصر من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنت عند رسول الله وَّ أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله وَله، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال ◌َّة: ((ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا (١) أخرجه البزار (٣٦٦٨). وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن رسول الله وَيلة. إلا أبو بكرة، ولا نعلم له طريقا عن أبي بكرة غير هذا الطريق. وقال الهيثمى في المجمع: رواه البزار، عن شيخه عمرو بن مالك، تركه أبو زرعة وأبو حاتم، ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويغرب، وفيه من لم أعرفه. وقال الألباني في الضعيفة (١٠٧٠): ضعيف جدا. ٥٣ كتاب الحدود وغيرها علم لي إلا ما علمني ربي عز وجل)) ثم قال ◌َّ: ((ابغني وضوء)) فتوضأ. ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر. ثم قال رَالية: ((اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم)) قال: فأدخلتهم، فلما رفعوا [٢١١/ أ] إلى رسول الله وَالخير قال: ((إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم)). فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال ◌َية، قال: ((جئتم تسألونني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلما فرغ من بنائها، أتاه ملك فعرج به حتى استقله، فرفعه ثم قال له: انظر ماذا ترى تحتك، قال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به وقال: انظر ماذا تحتك قال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى محيطا بها هو البحر. وإنما أراد ربك عز وجل أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا. وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق ٥٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض)) فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا(١)، أ.هـ. قوله: ((يأجوج ومأجوج)) الحديث يأجوج ومأجوج فيهما لغتان الهمز والبدل قرئ في السبع بالوجهين الجمهور بترك الهمز فمن همزها جعلهما من أجيج النار وهو ضوءها وحرارتها وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين (٢)، قال مقاتل هم ولد يافث بن نوح وقال الضحاك من الترك وقال أيضا وهب بن منبه هم جيل من الترك وقيل هم من ولد آدم من غير حواء(٣) وعن عبدالصمد بن معقل قال: سمعت ابن منبه يقول: إن سام بن نوح [أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وأن يافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج، وهو بنو عم الترك](٤)، وقال كعب: احتلم أدم ◌َلَّمُ، فاختلط ماؤه (١) أخرجه ابن عبد الحكم فتوح مصر ٥٨ - ٦٠، ويحيى بن سلام في تفسيره (٢٠٦٩/١)، وأبو الشيخ في العظمة (٩٦٧)، والبيهقى في دلائل النبوة (٢٩٥/٦- ٢٩٦) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبي، عن شيخين من قومه عن عقبة بن عامر. وذكره الدميرى في حياة الحيوان الكبرى (٢٤٩/٢). (٢) معانى القرآن (٣١٠/٣)، وتهذيب اللغة (١٥٩/١١ - ١٦٠)، وشرح النووي على مسلم (٩٨/٣)، والمفهم (٦٢/٢٣)، ولسان العرب (٢٠٧/٢)، والتوضيح (٣٤٨/١٩)، وفتح البارى (١٠٦/١٢)، وعمدة القارى (١٥/ ٢٣٢)، وحياة الحيوان (٢/ ٥٥٣). (٣) شرح النووي على مسلم (٩٨/٣). (٤) تاريخ الطبرى (٢٠١/١). ٥٥ كتاب الحدود وغيرها بالتراب فأسف فخلق الله منها ياجوج ومأجوج وفيه نظر لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يحتلمون(١) وقال في شرح مشارق الأنوار: يأجوج ومأجوج من أولاد يافث وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم (٢)، قيل: كانوا يأكلون الناس ويخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه ويمرون بالدجلة فيشربونها حتى تصير يابسة فيمر بها الذين من بعدهم فيقولون لقد كان بهذا المكان ماء مرة وهم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر، وروي يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويظهرون على الأرض ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم أي دودا فيدخل في آذنهم فيموتون(٣) انتهى. واختلف في يأجوج ومأجوج هل أرسل إليهم أم لا وهل هم من ذرية آدم أم لا الصحيح أنه لم يرسل إليهم وأنهم من ذرية آدم بدليل الحديث الذي ورد أن الله تعالى يوم القيامة يا آدم أخرج بعث النار فيقول يارب ومن بعث النار فيقول من ذريتك يأجوج ومأجوج من كل ألف من الآدميين واحد ومن يأجوج ومأجوج تسعمائة [٢١١/ ب] وتسعين، فهذا بعث النار، ولو لم يكونوا من ذريته لما أمر بإخراجهم إذ لا ولاية له على غير ذريته والله أعلم، روى الطبراني من حديث حذيفة رَّهُ أن النبي وَِّ قال: ((يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذلك يأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى فارس من ولده (١) شرح النووي على مسلم (٩٨/٣)، وحياة الحيوان (٢/ ٥٥٤). (٢) الكشاف (٢/ ٧٤٦). (٣) الكشاف (٧٤٦/٢-٧٤٨). ٥٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب [صنف منهم كالأرز] طولهم مائة وعشرون ذراعا وصنف منهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخارسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ويمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس)) وقال علي رَّالَّهُ: صنف منهم في طول الشبر وصنف منهم مفرط الطول، لهم مخالب الطير، وأنياب كأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعورهم تقيهم الحر والبرد، ولهم آذان عظام إحداهما وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد الذي بناه ذو القرنين، حتى إذا كادوا ينقبونه يعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا إن شاء الله، فينقبونه ويخرجون وتتحصن الناس منهم بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم. والنغف هو الدود الذي يكون في أنوف الإبل، وفي رواية: إن يأجوج ومأجوج فيهم من طوله الشبر والشبران وفيهم من هو أطول من ذلك ومنهم من له ذنب وقرن وأنياب بارزة ومنهم من مشيته وتب ويأكلون سائر اللحوم نية بغير شيء ولا صلق ويأكلون لحوم الناس من بني آدم وجميع خشاش الأرض وكانوا بل ذلك يغيرون على الحصون والمدن حتى إذا أخربوها حتى سد عليهم ذو القرنين وسيفتحونه آخر الزمان كما أخبر الله عز وجل ويأكل بعضهم بعضا والزلازل عندهم كثير،أ.هـ قاله في تاريخ كنز الدرر(١)، وسئل شيخ الإسلام النووي رحمه الله تعالى: هل يأجوج ومأجوج من ولد حواء عليها السلام، و کم ثبت انه يعيش كل واحد (١) كنز الدرر (٨٩/٢ -٩٠). ٥٧ كتاب الحدود وغيرها منهم؟ فأجاب: هم ولد حواء عليهما السلام عند أكثر العلماء، وقيل: إنهم من ولد آدم غير حواء فيكونون إخواننا من الأب ولم يثبت في قدرهما شيء، أ.هـ، وقد نقل الحافظ أبو عمر بن عبد البر مكن الإجماع على أنهم من ولد يافث بن نوح وأن النبي وسلم سئل عن أجوج ومأجوج عل بلغتهم دعوتك يا رسول الله فقال: ((جزت ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا فهم جل أهل النار)) روى الشيخان والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله: ((يقول الله تعالى يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك)) قال: ((يقول: أخرج بعث النار)) قال: ((وما بعث النار؟)) قال: ((من ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة، فذلك حين يشب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى)) الآية، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله وَّ له فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل، فقال: ((أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم رجل)) (١) الحديث، قال العلماء: إنما خص آدم بالذکر دون غیرہ لأنه أب للجمیع (٢)،أ.هـ. فائدة: روى أبو نعيم (٣) عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى أن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما [٢١٢ / أ] ويحملان العنقود الواحد من العنب فيمكثون (١) أخرجه البخارى (٣٣٤٨) و(٤٧٤١) و(٦٥٣٠)، ومسلم (٣٧٩ و٣٨٠ - ٢٢٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٧٦). (٢) حياة الحيوان (٥٥٤/٢ -٥٥٥). (٣) حلية الأولياء (٢٤/٦-٢٥). ٥٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب على ذلك عشر سنين ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنا ولا مؤمنة إلا قبضت روحه ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج حتى يأتي أمر الله والساعة وهم على ذلك وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر أي يتسافدون والهرج كثرة النكاح يقال: بات يهرجها ليله جميعًا(١). قولها: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) أنهلك بكسر اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها وهو ضعيف أو فاسد ذكره النووي في شرح مسلم(٢). قوله ◌َّه: ((قال: نعم إذا كثر الخبث)) الحديث، والخبث بفتح الخاء والباء وبالثاء المثلثة، وفسره الجمهور بالفسوق والفجور، والفجور الميل إلى الفساد وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو جامع للشرور قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ وقيل: المراد الزنا خاصة وقيل المراد أولاد (٣) اُلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمِ ﴾﴾ الزنا(٤) وبهذا القول جزم ابن بطال في شرح البخاري في أول كتاب الفتن فقال: وفسر العلماء الخبث بأولاد الزنا(٥)، ثم قال: فإذا ظهر ظهرت المعاصي ولم [تغير] وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها فإن لم يفعلوا فقد تعرضوا للهلاك إلا [أن] الهلاك (١) حياة الحيوان (١/ ٣٥٧). (٢) شرح النووي على مسلم (٣/١٨). (٣) سورة الانفطار، الآية: ١٤. (٤) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٥). (٥) شرح ابن بطال (٤٧٤/٨) و(٦/١٠). ٥٩ كتاب الحدود وغيرها طهاة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين، وبهذا قال السلف، وروي ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بفعل أبي الدرداء في خروجه من أرض معاوية حين أعلن [بالربا] وهو من الكبائر وأجاز بيع سقاته الذهب بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله وَلا ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض [أنت بها](١)، قال النووي: وقولها: ((أنهلك وفينا الصالحون)) تقدم ذكره ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون(٢). ٤ (٣) قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةَ﴾ وقال القرطبي: في هذا الحديث تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب وأول ذلك قتل عثمان ولذلك أخبر عنه بالقرب ثم لم يزل ذلك كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمة كالقصعة بين الأكلة كما في الحديث الآخر: ((أوشك أن يتداعي عليكم الأمم كما تتداعي الأكلة على قصعتها)) (٤) قال: ذلك مخاطبا للعرب. (١) المصدر السابق (٦/١٠). (٢) شرح النووي على مسلم (١٨ /٤). (٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٥. (٤) أخرجه أبو داود (٤٢٩٧) عن ثوبان. وصححه الألبانى فى المشكاة (٥٣٦٩)، الصحيحة (٩٥٨). ٦٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وقال لهم أيضاً: ((إني لأرى مواقع الفتن في بيوتكم كمواقع القطر))(١). والظاهر والله أعلم أن المراد بالخبث المعاصى مطلقا، ومعنى الحديث: أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام وإن كان هناك صالحون، قلت: هذه سنة الله الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز ولهذا أمر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالخروج من بين قومهم قبل نزول العذاب مع لاح القدرة لنجاتهم وإن قعدوا ولكن لا تبديل لسنة الله تعالى، ولذا جاء في الصحيح أن النبي وَّ لما مر بالحِجْر (ديار ثمود) قال: ((لا تدخلوا [٢١٢/ ب] مساكن الذين ظلموا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين)) ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي (٢)، أي رفع رأسه إلى السماء حيرة وتعوذا مما جرى عليهم أو أطرق رأسه فلم يلتفت في كلتا الحالتين يمينا وشمالا لئلا يقع بصره عليها وقيل قنع رأسه أي سترها بقناع كالطيلسان والله أعلم (٣). في قوله ((أنهلك وفينا الصالحون)) الحديث دليل على أن البلاء قد يرفع عن غير الصالحين إذا كثر الصالحون فأما إذا كثر المفسدون وقل الصالحون (١) المفهم (٦١/٢٣-٦٢). والحديث أخرجه البخارى (١٨٧٨) و(٢٤٦٧) و(٣٥٩٧) و (٧٠٦٠)، ومسلم (٩-٢٨٨٥) عن أسامة بن زيد. (٢) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٣٣) و(٣٣٨٠ و٣٣٨١) و(٤٤١٩ و٤٤٢٠) و(٤٧٠٢)، ومسلم (٣٨ و٣٩-٢٩٨٠) عن ابن عمر. (٣) تحفة الأبرار (٢/ ٢٨١)، وكشف المناهج (٣٥٤/٤)، وشرح المصابيح (٣٥٩/٥) لابن ملك.