Indexed OCR Text
Pages 701-720
٦٩٣
كتاب العلم
الْأَوْسَط وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن خِدَاش وَثْقَهُ ابْنِ حبَان وَحده فِيمَا أعلم (١).
١٢٧ - وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّنْ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعلم قبل أَن
يقبض وَقَبضه أَن يرفع وَجمع بين إصبعيه الْوُسْطَى وَالَّتِي تِي الْإِبْهَامِ هَكَذَا ثُمَّ
قَالَ الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الْخَيْرِ وَلَا خير فِي سَائِرِ النَّاسِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه
من طَرِيقِ عَليّ بن يِزِيد عَن الْقَاسِمِ عَنْهُ(٢).
قَوْله: وَلَا خير فِي سَائِرِ النَّاسِ أَي فِي بَقِيَّ النَّاس بعد الْعَالم والمتعلم وَهُوَ
قريب الْمَعْنى من قَوْله الدُّنْيَا ملعونة مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وَمَا وَالَاهُ
وعالما ومتعلما. وَتقدم.
(١) أخرجه الطبراني (٧/ ١٧١ رقم ٧١٨٧)، وابن عبد البر في جامع العلم (١٨٢). وقال
الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن العوام إلا عبد الله بن خراش، ولا یروی عن ابن عباس
إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمى في المجمع ١٢٤/١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد
الله بن خراش، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدي، ووثقه ابن حبان.
وضعفه الألباني في الضعيفة (٥١٥٧) وضعيف الترغيب (٥٨).
(٢) أخرجه أحمد ٢٦٦/٥ (٢٢٢٩٠)، والدارمى (٢٤٦)، وابن ماجه (٢٢٨)، والطبراني في
الكبير (٢١٥/٨ رقم ٧٨٦٧) و(٢٢٠/٨ رقم ٧٨٧٥) و(٨/ ٢٣٢ رقم ٧٩٠٦)، وابن
عدى (٢٨١/٦)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٩٠- ٩١). وقال الهيثمى في
المجمع ١٩٩/١ - ٢٠٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وعند ابن ماجه طرف منه،
وإسناد الطبراني أصح ؛ لأن في إسناد أحمد علي بن يزيد وهو ضعيف جدا، وهو عند
الطبراني من طرق في بعضها الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس صدوق، یکتب حديثه، ولیس
ممن يتعمد الكذب. والله أعلم. وقال البوصيرى في الزجاجة ٣١/١: هذا إسناد فيه علي
بن زيد بن جدعان والجمهور على تضعيفه. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٩)،
الإرواء (٢/ ١٤٣)، المشكاة (٢٧٧ و٢٧٨).
٦٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي أمامة، اسمه: صدي بن عجلان، وتقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَلّ: ((عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يرفع)) الحديث،
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله
وَلخلقه: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض
العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير
علم فضلوا وأضلوا))(١).
قال ابن بطال(٢): معنى الحديث أن الله سبحانه وتعالى لا يهب العلم
لخلقه ثم ينتزعه بعد أن تفضل به عليهم، والله يتعالى أن يسترجع ما وهب
لعباده من علمه الذي يؤدي إلى معرفته والإيمان به وبرسله، وإنما يكون
قبض العلم بتضييع التعلم فلا يوجد فيمن تبقى من يخلف من مضى، وقد
أنذر عليه الصلاة والسلام بقبض الخير كله ولا ينطق عن الهوى، انتهى.
قوله وَيقر: ((العالم والمتعلم شريكان في الخير، ولا خير في سائر الناس))
الحديث، أي: في بقية الناس بعد العالم والمتعلم، قاله المنذري.
قال القرطبي: هذا الحديث ليس على ظاهره فإن المستمع والمحب ليسا
مما لا خير فيه، وقد ذكر أبو عمر من حديث أبي بكرة عن النبي وَلّ قال:
((غد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًّا، ولا تكن من الخامسة فتهلك))(٣)
(١) أخرجه البخاري (١٠٠) و(٧٣٠٧)، ومسلم (١٣ و١٤ - ٢٦٧٣).
(٢) شرح الصحيح (١ / ١٧٧).
(٣) أخرجه البزار (٣٦٢٦)، والطحاوى في مشكل الآثار (٦١١٦)، والدينورى في المجالسة
(١٨٩٣)، والطبراني في الأوسط (٢٣١/٥ رقم ٥١٧١) والصغير (٦٣/٢ رقم ٧٨٦)
=
٦٩٥
كتاب العلم
قال عطاء: قال لي مسعر بن كدام: يا عطاء، وردتنا في هذا الحديث زيادة لم
تكن في أيدينا، وإنما كان في أيدينا: ((اغد عالمًا أو متعلمًا)) يا عطاء: ويل لمن
لم يكن فيه واحدة من هذه(١).
قال أبو عمر: الخامسة التي فيها الهلاك معاداة العلماء وبغضهم، ومن لم
یحبهم فقد أبغضهم أو قارب ذلك، وفيه الهلاك.
وقال معاوية بن قرة: قال أبو الدرداء: اطلبوا العلم فإن عجزتم فأحبوا
اهله فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم(٢)، وكان يقول: اغد عالمًا أو متعلمًا أو
محبًّا (٣)، كما تقدم في حديث أبي بكرة، وكان رَّالَّهُ يقول: تفكر ساعة خير
من عبادة ليلة (٤)، ومن شعره زَو ◌َّهُ:
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّ مَا أَرَادَ
وجزء من اسمه عطاء (١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧ / ٣٣٦)، وابن عبد البر في جامع بيان
العلم (١٥١).
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله صل﴾ من وجه من الوجوه إلا من
هذا الوجه، عن أبي بكرة وعطاء بن مسلم ليس به بأس ولم يتابع عليه. قال الهيثمى في
المجمع ١٢٢/١: رواه الطبراني في الثلاثة والبزار، ورجاله موثقون. وضعفه الألباني في
الضعيفة (٢٨٣٦).
(١) انظر مشكل الآثار (٤٠٦/١٥/ ح٦١١٦)، والحلية (٧ / ٣٣٦)، وجامع بيان العلم
(١٤٧/١-١٤٨/ح ١٥١).
(٢) الطبقات (٣٥٧/٢-٣٥٨).
(٣) الآداب الشرعية (٣٥/٢).
(٤) الطبقات (٣٩٢/٧)، وسير السلف (١ /٥٥٥).
٦٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يَقُولُ الْمَرْءُ: فَائِدَتِي وَمَالِي وَتَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا(١)
وكان أبو الدرداء رَّه في آخر عمره يقول(٢): أدركت الناس ورقا لا شوك
فيه فأصبحوا شوكا بلا ورق، قاله في الديباجة.
١٢٨ - وَعَن أنس بن مالك قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن مثل الْعلمَاء فِي
الأَرْض كَمثل النُّجُوم يهتدى بهَا فِي ظلمات البر وَالْبَحْرِ فَإِذا انطمست
النُّجُوم أوشك أَن تضل الهداة رَوَاهُ أَحْمد عَن أبي حَفْص صَاحب أنس عَنْهُ
وَلم أعرفهُ وَفِيه رشدين أَيْضًا(٣).
قوله: عن أنس، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وهي: ((إن العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر
والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة))، قوله في هذا الحديث:
((أوشك)) معناها أسارع، مثل النبي وَّ حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي
يهتدى بها في الظلمات فما دام العلم باقيًا فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء
حملته، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال كما في
(١) الاستيعاب (١٦٤٨/٤)، وسير السلف (١ /٥٥٧).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (١٣) والإشراف (٢٥٢).
(٣) أخرجه أحمد ١٥٧/٣ (١٢٦٠٠)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٢٨-٢٩)،
والرامهرمزي في الأمثال (ص ٨٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ٧٠). وقال الهيثمى
في المجمع (١٢١/١). رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، واختلف في الاحتجاج به،
وأبو حفص صاحب أنس مجهول. والله أعلم. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٨٧٤)
وضعيف الترغيب (٦٠).
٦٩٧
كتاب العلم
الحديث: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن
بقبض العلماء)»(١) وتقدم هذا الحديث.
١٢٩ - وَعَن سهل بن معاذ بن أنس عَن أَبِيه رَضِي الله عَنْهُم أَن النَّبِي
صَلى الله
وَسلم
ـسيـ
قَالَ من علم علما فَلهُ أجر من عمل بِهِ لا ينقص من أجر الْعَامِلِ شَيْء رَوَاهُ ابْن
مَاجَه وَسَهل يَأْتِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ(٢).
قوله {َثله: عن [٩٨/ ب] سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه؛ وسهل سيأتي
الکلام علیه، کما ذکره الحافظ رحمه الله.
قوله وَّيّة: ((من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل
شيئًا)) تقدم معناه في قوله: ((من سن سنة حسنة)).
١٣٠ - وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ ذكر لَرَسُول الله ◌ََّ رجلَانِ أَحدهمَا عَابِد
وَالْآخِر عَالمِ فَقَالَ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاةِ وَالسَّلَام فضل الْعَالم على العابد كفضلي
على أدناكم ثمَّ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن الله وَمَلَائِكَته وَأهل السَّمَوَات وَالأَرْض
حَتَّى النملة فِي جحرها وَحَتَّى الْحُوت ليصلون على معلم النَّاسِ الْخَيْرِ رَوَاهُ
التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث عَائِشَة مُخْتَصرا
قَالَ معلم الْخَيْرِ يسْتَغْفر لَهُ كلِ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْبَحْر (٣).
(١) جامع العلوم والحكم (١٠١٨/٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٤٠)، الطبراني في الكبير ١٩٨/٢٠ (٤٤٦)، وأبو نعيم في المستخرج
(٤٠). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨٠).
(٣) أخرجه الترمذى (٢٦٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٣٣/٨ رقم ٧٩١١)، وتمام في الفوائد
(٤٣) و(١٢٤٣ و١٢٤٤)، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب سمعت أبا
=
٦٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي أمامة؛ اسمه: صُدَىّ، بضم الصاد وفتح الدال وتشديد الياء،
بن عجلان الباهلي نزيل حمص بعد أن سكن مصر، وكان من علماء
الصحابة وأعيانهم، وكان عمره في حجة الوداع ثلاثين سنة، مات سنة إحدى
وثمانين، وقيل: ست وثمانين بقرية دنود على عشرة أميال من حمص، وكان
مكثر أو أكثر رواياته عند الشاميين، عاش إحدى وتسعين سنة، وهو آخر من
مات من الصحابة بالشام، وقيل: عبد الله بن بسر آخرهم. والله أعلم(١).
قوله وَاللّ: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، إن الله وملائكته
واهل السموات والأرض ليصلون على معلمي الناس الخير)) أي: العلم،
فالجليل جل جلاله وملائكته يعظم طالب العلم، فكيف العالم، ونور العلم
يزيد على نور العبادة كما مثله في الحديث الآخر، فالقمر بالنسبة إلى باقي
الكواكب.
قوله: ((إن الله وملائكته واهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها
وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير)) الصلاة في اللغة: الدعاء،
=
عمار الحسين بن حريث الخزاعي، يقول: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: عالم عامل
معلم يدعى كبيرا في ملكوت السموات. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٨١)،
وصححه في المشكاة (٢١٣).
وأما حديث عائشة: أخرجه البزار ١٨/ ١٨٤ (١٦٩). وقال الهيثمى في المجمع ١٢٤/١:
رواه البزار، وفيه محمد بن عبد الملك، وهو كذاب أيضا. وصححه الألباني في صحيح
الترغيب (٨٢).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٧٦/٢ الترجمة ٧١٨).
٦٩٩
كتاب العلم
وهي من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى: الاستغفار، ومن الآدمي:
تضرع ودعاء، وتقدم الكلام على شيء من ذلك مبسوطًا؛ وجحر النملة:
بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة هو الخرق في الأرض، وجحر النملة:
مسکنها، والله أعلم.
قوله: في رواية البزار: ((معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في
البحر)) والمراد بالخير هنا: العلم، وتقدم الكلام على الحكمة في استغفار
الحيتان للعالم وأهل السموات والأرض قريبًا مبسوطًا.
١٣١ - وَعَن ثَعْلَبَة بن الحكم الصَّحَابِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ يَقُول الله عز
وَجل للْعُلَمَاءِ يَوْم الْقِيَامَة إِذا قعد على كرسيه لفصل عباده إِنِّي لم أجعَل
علمي وحلمي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَن أَغفر لكم على مَا كَانَ فِيَكُمْ وَلَا أَبَالِي
رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاتِهِ ثِقَات(١).
قَالَ الْحَافِظِ رَحمَه الله وَانْظُرُ إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علمي وحلمي
وأمعن النّظر فِيهِ يَتَّضِح لَك بإضافته إِلَيْهِ عز وجل أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهِ علم أکثر
أهل الزَّمَان الْمُجَرّد عَنِ الْعَمَل بِهِ وَالْإِخْلَاص.
قوله: عن ثعلبة بن الحكم الصحابي، هو: ثعلبة بن الحكم بن (عرفطة بن
الحارث بن لقيط بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٨٤ رقم ١٣٨١)، وأبو الحسن السكرى في مشيخته (٢٩).
وقال الهيثمى في المجمع ١٢٦/١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال
الألباني: موضوع بهذا التمام الضعيفة (٨٦٧) وضعيف الترغيب (٦١).
٧٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني، ثم الليثي، قال: كنت غلامًا على عهد
رسول الله ێ﴾ روی عنه: سماك بن حرب، ویزید بن أبي زياد، شهد خيبر،
نزل البصرة، ثم انتقل إلى الكوفة(١).
قوله: ((يقول الله عز وجل للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي
فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم)).
قال الحافظ رحمه الله: وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى: ((علمي وحلمي))
وأمعن النظر فيه يتضح لك بإضافته إليه عز وجل أنه ليس المراد به علم أكثر
أهل الزمان المجرد عن العمل به والإخلاص، قال الحافظ شرف الدين
الدمياطي: وهذ الحديث وأشباهه وجميع أحاديث هذا الباب إنما هي في حق
العالم العامل المبتغي بعلمه وجه الله عز وجل؛ وأما العامل غير العامل فهو
من أشد الناس عذابا يوم القيامة، وكذا العالم الذي لم يبتغ بعلمه وجه الله
تعالى لا يشم رائحة الجنة وهو أحد الثلاثة الذين تسعر بهم النار قبل الخلائق
کلھم (٢).
فصل: في ذكر نبذة تتعلق بفضل العلم والعلماء من كلام القوم، فالعالم
يغفر له ما لا يغفر للجاهل كما روى الطبراني بإسناد جيد مرفوعا إلى النبي
وَالله: ((إن الله إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، قال للعلماء: إني
كنت أعبد بفتواكم، وقد علمت أنكم تخلطون كما يخلط الناس، وإني لم
(١) أسد الغابة (١ / الترجمة ٥٩٢)، وتهذيب الكمال (٤ / الترجمة ٨٤٠).
(٢) المتجر الرابح (ص ١٤).
٧٠١
كتاب العلم
أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم))(١)، قال
صاحب الأنوار رحمه الله: خص الله العلماء بفضيلة بخلاف غيرهم أن الله
عز وجل يعبد بفتواهم ويعرف جلاله بهم غير أنهم مطالبون بشكر النعمة
فيدفعون لوجود كل فتنة ومحنة وحادثة وبدعة، وهذا مقام عظیم، إذ به يعبد
الله. [٩٩/ أ] وبه ينتهي عن معاصيه وتترك، فكل من ترك معصية أو بدعة
ففي صحيفته، وكل من أطاع الله وعبده فكذلك في صحيفته أيضًا(٢).
قال في المدخل(٣): وقد ورد أن الله تعالى يأمر يوم القيامة بأهل البلاء إلى
الجنة والعلماء وقوف في المحشر فيقولون: يا ربنا بفضل علمنا دخلوا الجنة،
أي: إنهم علموهم ما يلزمهم من الأحكام في بلائهم وما لهم على ذلك من
الأجور وكيفية الصبر وما للصابرين فامتثلوا ذلك منهم، فكان سببا لما
جرى، ثم يأمر الله تعالى بالمجاهدين والصابرين إلى غير ذلك من الطوائف
الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والعلماء وقوف يقولون: يا ربنا بفضل
(١) أخرجه الرويانى (٥٤٢)، والطبراني في الأوسط (٣٠٢/٤-٣٠٣ رقم ٤٢٦٤) والصغير
(١/ ٣٥٤ رقم ٥٩١)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٤٤٤٤)، وابن عدى في الكامل
(١٧٧/٥-١٧٨)، والبيهقي في المدخل (٥٦٧)، وابن المقرب في أربعينه (ص ٧٢)،
وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٣٢ و٢٣٣). قال ابن عدى: وهذا الحديث بهذا
الإسناد باطل، وإن كان الراوي عنه صدقة بن عبد الله ضعيف، وابن شابور ثقة وقد روى
عنه. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٦-١٢٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه موسى بن
عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٨٦٨).
(٢) المدخل (١ / ٦٨).
(٣) المدخل (١ / ٦٢ - ٦٣).
٧٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
علمنا بفضل علمنا، فيقول الله عز وجل: ((أنتم عندي كأنبيائي، اذهبوا
فاخترقوا الصفوف فاشفعوا تشفعوا»، وإذا كان كذلك فينبغي الاعتناء بأمر
العالم وتقدمة رتبته بالذكر على غيره من الرتب الباقية، انتهى.
وقال يحيى بن معاذ: رأى رجل منصور بن عمار في المنام فقال: ما صنع
الله بك؟ فقال: قال لى يا منصور جئتنى بتخليط كثير ولكن قد عفوت عنك،
كنت تحببني إلى الناس أو إلى خلقي ثم أمر لي بكرسي فوضع، فقال:
مجدني بين ملائكتي كما مجدتني في الأرض بين خلقي (١).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليوم واحد من العالم الذي يتعلم الناس
منه الخير أفضل عند الله وأعظم أجرا من عبادة الناس مائة سنة.
وقال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: ((من تعلم وعلم وعمل فذلك
يدعى عظيما في ملكوت السموات))(٢).
وقال الحسن: لولا العلماء لصار الناس كالبهائم، وإنما أراد بذلك أن
الناس يخرجون بالتعليم عن حد البهيمية إلى حد الإنسانية(٣).
وعن علي ◌َّ الَهُ قال: قال رسول الله وَّه: ((الأنبياء قادة والفقهاء سادة
ومجالستهم زيادة))(٤)، وجاء في الحديث: ((من صلى الفريضة ثم قعد يعلم
(١) حلية الأولياء (٣٢٥/٩ - ٣٢٦)، والرسالة (٧٤/١-٧٥)، وصفة الصفوة (١ /٤٦٤).
(٢) أخرجه أبو خيثمة في العلم (٧)، وأحمد في الزهد (٣٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩٣/٦).
(٣) إحياء علوم الدين (١/ ١١).
(٤) أخرجه الدار قطنى في السنن (٣٠٨٦)، والقضاعى في مسند الشهاب (٣٠٧)، والبيهقي في المدخل
(٤٤١) والشعب (١٥٢/١٣-١٥٣ رقم ١٠٠٩٦). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٤٢).
٧٠٣
كتاب العلم
الناس الخير نودي في السموات عظيمًا))(١) وبهذا تواطأت الأخبار ونقلت
الأمة خلفا عن خلف، أعني: تعظيم العالم ورفع منزلته على غيره إذ أنه ليس
بعد درجة الأنبياء إلا درجتهم ثم بعد درجتهم درجة الشهداء، وقد جاء في
الحديث الذي خرجه الحافظ أبو نعيم في كتاب رياضة المتعلمين بإسناده عن
رسول الله ◌َّ قال: ((يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء))(٢) زاد غير
أبي نعيم: ((فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء)) (٣) وقد روي هذا عن
الحسن البصري من قوله وهو أشبه، وهذا بيّنٌّ؛ لأن دم الشهداء إنما هو في
ساعة من نهار أو ساعات ثم انفصل الأمر فيه إلى إحدى الحسنين، ومداد
(١) ذكره ابن الحاج في المدخل (١/ ١٢١).
(٢) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٥٣) عن أبي الدرداء.
(٣) أخرجه ابن عمشليق في جزئه (١٤) من حديث عمران بن حصين. وأخرجه ابن الجوزى
في العلل المتناهية (٨٣) من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان
(١٧٩/٢ و٢٧٦/٢) وابن الجوزى (٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو. والسهمى في
تاريخ جرجان (ص ٩٢) و(ص٢٢٢)، وابن الجوزى (٨٥) من حديث النعمان بن
بشیر.قال ابن الجوزی عن حديث ابن عمر: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ێ﴾.
قال الخطيب: رجاله كلهم ثقات غير محمد بن الحسن ونراه مما صنعت يداه. وقال عن
حديث ابن عمرو: وهذا لا يصح، قال أحمد بن حنبل: محمد بن يزيد الواسطي لا يروي
عن عبد الرحمن بن زياد شيئا وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات.
وقال عن حديث النعمان: هذا لا يصح أما هارون بن عنترة، قال ابن حبان: لا يجوز
الاحتجاج به يروي المناكير التي يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها ويعقوب القمي
ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٨٣٢).
٧٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
العلماء هو وظيفة العمر ليلا ونهارًا(١)، ومما أنشده الأديب أبو الحسن علي
بن أحمد الفنجكردي لنفسه(٢).
مِدَادُ الْفَقِيهِ عَلَى ثَوْبِهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْغَالِيةْ
فَإِنَّ لَهُ هِمَّةً عَالِيَهْ
وَمَنْ طَلَبَ الْفِقْهَ ثُمَّ الْحَدِيثَ
وَلَوْ تَشْتَرِي النَّاسُ هَذِي الْعُلُومَ بِأَزْوَاحِهِمْ لَمْ تَكُنْ غَالِيَهْ
وقال علي ◌ََّهُ: العالم أعظم أجرًا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله،
وإذا مات العالم انثلمت ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء إلى يوم القيامة(٣).
وقال الفضيل بن عياض: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على
دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله تعالى لخضعت لهم
رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعًا وعز الإسلام وأهله ولكنهم
ذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما [٩٩/ ب] نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم
(١) المدخل (٦٨/١).
(٢) النكت على مقدمة ابن الصلاح (٥٩١/٣)، وفتح المغيث (٩٧/٣). وأما الفنجكردى
فهو: الأديب أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الفنجكردي من أهل نيسابور، وفنجكرد
من قراها. قال السمعانى: هو الأستاذ البارع، صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك
السلامة الباقيين معه على هرمه وطعنه في السن على كمال الطراوة. قرأ أصول اللغة على
أبي يوسف يعقوب بن أحمد الأديب، وغيره، وأحكمها وتخرج فيها. وكان سليم النفس،
أمين الجنب، عفيفا، خفيفا، طريف المحاورة، قاضيا للحقوق، محمود الأحوال، مرضي
السيرة، حسن الاعتقاد، مكبا على الاستفادة والإفادة، مشتغلا بنفسه، أصابته علة أزمنته
ومنعته الخروج. انظر: التحبير (٥٦٢/١) والمنتخب من شيوخ السمعانى (١٢٢٥).
(٣) أخرجه الخطيب في الجامع (٣٤٧)، وعياض في الإلماع (ص ٤٨).
٧٠٥
كتاب العلم
وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس فذلوا وهانوا على
(١)
الناس(١).
وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم قصوركم
قيصرية وبيوتكم كسرية وأبوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية
وأوانيكم فرعونية وموائدكم جاهلية ومذاهبكم سلطانية، فأين المحمدية(٢)؟ قاله
في حياة الحيوان. وقال يحيى بن معين: من عاجل الرياسة فاته كثير من العلم،
وقيل: إن السيادة تحصل بالعلم وكلما زاد العلم زادت السيادة.
قوله: تسودوا بفتح الواو المشدد مشتقا من السويد الذي من السياد، قاله
الكرماني(٣). وعن عبد الله بن مسعود زَّه قال: عليكم بالعلم فوالذي نفسي
بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء لما يرون من
كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم(٤).
وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس
والعلماء حكام على الملوك(٥).
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٩٢).
(٢) إحياء علوم الدين (١ / ٦١)، وحياة الحيوان (١ / ٥٠٤).
(٣) الكواكب الدرارى (٢/ ٤١).
(٤) ذكره بتمامه الغزالى في الإحياء (١/ ٨). وأخرج قوله وإن أحدا إلى آخره، وكيع في الزهد
(٥١٨)، وابن أبي شيبة (٢٦١٢٣ و٢٦١٢٤)، وأحمد في الزهد (٨٩٩).
(٥) أخرجه أبو هلال العسكرى في الحث على طلب العلم (ص ٥٢-٥٣)، وأبو الحسين
الطيورى في الطيوريات (٥٠٤).
٧٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وسُئل عبد الله بن المبارك: من الناسُ؟ قال العلماء قيل: فمن الملوك؟
قال: الزهاد، قيل: فمن السفهاء؟ قال: الذي يأكل الدنيا بدينه(١).
قال يحيى بن معاذ رَقَّه: العلماء الصادقون أشفق على العباد من الآباء
والأولاد، لأن الآباء يحفظونهم من عاهات الدنيا والعلماء يحفظونهم من
عاهات الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم (٢): الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثانية: ولادة
القلب والروح، قال: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب
لهم، وقد قرأ: {وهو أب لهم}، ومعنى هذه القراءة في قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ,
أُمَّهَتُهُمُ﴾ (٣) إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع على ثبوت أبوته، قال: فالشيخ
والمعلم والمؤدب أبو الروح والوالد أبو الجسم(٤). وعن الشيخ نور الدين
الهاشمي: من علم العلم كان خير أب ذاك أبو الروح لا أبو الجسد (٥)، قيل
للإسكندر: لم تكرم معلمك فوق إكرام أبيك؟ فقال: إن معلمي سبب حياتي
الباقية وأبي سبب حياتي الفانية(٦)، وسئل بعض العلماء: العلم أفضل أم
المال؟ قال: العلم، قيل: فما بال الناس ترى أهل العلم على أبواب أصحاب
(١) أخرجه الدينورى في المجالسة (٣٠٠)، وابن بشران في الأمالى (٥٩٢)، وأبو نعيم في الحلية
(١٦٧/٨-١٦٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨٨/٨)، والطيورى في الطيوريات (٥٨٧).
(٢) قاله ابن تيمية كما في الروح (ص ٨٣)، ومدارج السالكين (٣/ ٧٠).
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٦.
(٤) مدارج السالكين (٣/ ٧٠).
(٥) أدب الدنيا والدين (ص ٧٧).
(٦) التبر المسبوك (١ / ١٠٦).
٧٠٧
كتاب العلم
الأموال أكثر مما ترى أصحاب الأموال على أبواب العلماء، قال: لأن
العلماء عرفوا منفعة الأموال والحاجة إليها، وجهل أصحاب الأموال منفعة
العلم وفضله(١)، ذكره صاحب كتاب النوازل للحنفية، والله أعلم.
١٣٢ - وَرُوِيَ عَن أبي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ يَبْعَث الله الْعبادِ يَوْم
الْقِيَامَة ثمَّ يُمَيّزِ الْعلمَاء فَيَقُول ◌َا معشر الْعلمَاء إِنِّي لم أَضَع علمي فِيكُم
لأعذبكم اذْهَبُوا فقد غفرت لكم. رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ (٢).
١٣٣ - وَرُوِيَ عَن أبي أَمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول اللهَ- يجاء بالعالمِ وَالْعَابِدِ فَيَّقَال
للعابد ادخل الْجِنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاسِ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيرهُ(٣).
(١) قاله بزرجمهر كما في أدب الدنيا والدين (ص ٣٧).
(٢) أخرجه الرويانى (٥٤٢)، والطبراني في الصغير (٣٥٤/١ رقم ٥٩١)، وابن عدى في
الكامل (١٧٧/٥)، والبيهقي في المدخل (٥٦٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم
(٢٣٢ و٢٣٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢١٥٨)، وابن عساكر في المعجم
(١٠٧٠)، وابن الجوزى في الموضوعات (٢٦٣/١). وقال الطبراني: لا يروى عن أبي
موسى إلا بهذا الإسناد تفرد به عمرو بن أبي سلمة. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا
الإسناد باطل. قال أحمد بن حنبل: لا تحل عندي الرواية عن موسى بن عبيدة. قال ابن
حبان: ولا يحل الاحتجاج بخبر طلحة بن زيد.
وقال العراقى في تخريج الإحياء (١٤): رواه الطبراني من حديث أبي موسى بسند
ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع ١٢٦/١-١٢٧: رواه الطبراني في الكبير، وفيه موسى
بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدا. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٨٦٨) وحكم عليه
بالوضع فيضعيف الترغيب (٦٢).
(٣) أخرجه الأصبهانى فيالترغيب والترهيب (٢١٥٧). وقال الألباني: موضوعضعيف الترغيب
(٦٣).
٧٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٣٤ - وَرُوِيَ عَن جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَئِه
يَبْعَث الْعَالمِ وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجِنَّة وَيُقَال للْعَالم اثْبَتْ حَتَّى تشفع
بِمَا أَحْسَنت أدبهم رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيرِه(١).
١٣٥ - وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َِّ فضل الْعَالم على
العابد سَبْعُونَ دَرَجَة مَا بَيْن كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْفرس سبعين عاما وَذَلِكَ لَان
الشَّيْطَان يبدع الْبِدْعَة للنَّاس فيبصرها الْعَالم فينهى عَنْهَا وَالْعَابِد مقبل على عبَادَة
ربه لَا يَتَوَجَّه لَهَا وَلا يعرفهَا رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيّ (٢) وَعجز الحَدِيث يشبه المدرج.
حضر الْفرس يَعْنِي عدوه.
قوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم.
قوله وَيقة: ((فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كل درجتين،
حضر الفرس سبعون عامًا)) الحديث، حضر الفرس: هو بضم الحاء المهملة
وسكون الضاد المعجمة بعدها راء مهملة، وأحضر فحضر فهو محضر إذا
عدا، ومنه الحديث: أنه أقطع الزبير حُضرَ فرسه بأرض المدينة(٣)، وقد فسره
الحافظ رحمه الله بغير ضبط لحروفه، فقال: هو عدوه أي: جريه.
(١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٣٢٧/٣) و(١٨٩/٨)، والبيهقي في الشعب (٢٣٤/٣ رقم
١٥٨٨)، والخطيب في المتفق والمفترق (٦٩١/١). وقال البيهقي: تفرد به مقاتل بن
سليمان. وقال الألباني في الضعيفة (٦٨٠٥) وضعيف الترغيب (٦٤): موضوع.
(٢) أخرجه الأصبهانى في الترغيب والترهيب (٢١٤٣). وضعفه الألباني جدا في ضعيف
الترغيب (٦٥) وقال في الضعيفة (٦٥٧٨): منكر جدًّا.
(٣) النهاية (٣٩٨/١).
٧٠٩
كتاب العلم
١٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَلَّ فَقِيه وَاحِد أَشد على
الشَّيْطَان من ألف عَابِد رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة روح بن
جِنَاح تفرد بِهِ عَن مُجَاهِد عَنْهُ(١).
قوله: عن ابن عباس، تقدم.
قوله ◌َليّ: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)) الحديث، يقول:
وجود فقيه واحد بين الناس أشد على الشيطان من ألف عابد لأن الفقيه يأمر
الناس بالدين والسنة ويصلحهم بالإرشاد والنصيحة، والشيطان يأمرهم
بالمنكر والفحشاء والمعاصي والبغضاء (٢). [١٠٠/ أ]
قال الغزالي في أوائل الإحياء: قد سأل فرقد السبخي الحسن البصري عن
شيء فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك يا
فريقد، وهل رأيت فقيهًا بعينك، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة
البصير بدينه والمداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين
العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم، ولم يقل [يعني الحسن البصري]:
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣٠٨/٣)، والفاكهى في أخبار مكة (٢٨٣)، وابن ماجه
(٢٢٢)، والترمذى (٢٦٨١)، والفريابى في الفوائد (٢١)، وابن المنذر في الأوسط (٢٤)،
والآجرى في أخلاق العلماء (ص٢٤ و٢٥)، والطبراني في الكبير (١١ / ٧٨ رقم ١١٠٩٩)
والشاميين (١١٠٩). وقال الترمذى: هذا حديث غريب ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من
حديث الوليد بن مسلم. وقال الألباني: موضوع، المشكاة (٢١٧)، وضعيف الترغيب
(٦٦) وقال: ضعيف جدًّا.
(٢) انظر المفاتيح (٣١٨/١) وشرح المشكاة (٦٧٨/٢) للطيبي.
٧١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحافظ لفروع الفتاوى، فهذا هو الفقيه الذي أشد على الشيطان من ألف
عابد، وأما غيره من فقهاء زماننا فلا(١).
تتمة: فرقد السبخي، كنيته: أبو يعقوب، فرقد بن يعقوب السبخي، بفتح
السين والباء الموحدة، وفي آخره معجمة نسبته إلى السبخة وهي مكان
بالبصرة، كان يأوى إليها فنسب إليها، وأصله من عباد أهل أرمينية، وانتقل
إلى البصرة، وروى عن الحسن البصري، وروى عن أنس بن مالك، وروى
عنه: العراقیون، قال أحمد: رجل صالح، لم یکن صاحب حديث.
وقال ابن عدي: كان يعد من صالحي أهل البصرة، وليس له كثير حديث،
كان يقول: إن ملوك بني إسرائيل كانوا يقتلون قراءهم على الدين، وإن
ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا (٢)، وقال: قرأت في التوراة، من أصبح
حزينًا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه، ومن جالس غنيًا فتضعضع له ذهب
ثلثا دينه، ومن أصابته مصيبة فشكاها إلى الناس كأنما يشكو ربه عز وجل(٣)؛
وقال: قرأت في التوراة، أمهات الخطايا ثلاث: الكبر والحسد والحرص،
فاستل من هؤلاء الثلاث ست فصارت تسعًا: الشبع والنوم والراحة وحب
المال وحب الجماع وحب الرياسة (٤)، وتوفي رحمه الله، قيل: سنة إحدى
(١) إحياء علوم الدين (١/ ٣٢-٣٣).
(٢) حلية الأولياء (٤٦/٣).
(٣) حلية الأولياء (٤٥/٣-٤٦).
(٤) حلية الأولياء (٤٥/٣).
٧١١
كتاب العلم
وثلاثين ومائة، ولم يكن بالحافظ للحديث، انتهى، قاله ابن الأثير في
الأنساب(١)، والله أعلم.
١٣٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِي ◌َّ قَالَ مَا عبد الله بِشَيْء أفضل من
فقه في دين ولفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد وَلَكُل شَيْء عماد
وعماد هَذَا الدّينِ الْفِقْهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة لِأَن أَجْلِسِ سَاعَة فأفقه أحب إِلَيّ من
أَن أحبِي لَيْلَة الْقدر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنْه قَالَ أحب إِلَيّ من أَن
أحيي لَيْلَةٍ إِلَى الصَّباحِ وَقَالَ الْمَحْفُوظِ هَذَا اللَّفْظ من قَول الزُّهْرِيّ (٢).
(١) اللباب (٩٩/٢).
(٢) أخرجه الحكيم الترمذى في نوادر الأصول (١١٣) و(١٤٠٧)، والآجرى في أخلاق
العلماء (ص٢٣)، والطبراني في الأوسط (١٩٤/٦ رقم ٦١٦٦)، وابن عدى (٥٠/٢)،
والدارقطنى (٣٠٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (١٩٢/٢ -١٩٣)، والقضاعى في مسند
الشهاب (٢٠٦)، والبيهقي في الشعب (٢٣١/٣-٢٣٢ رقم ١٥٨٤) و(٢٣٣/٣-٢٣٤
رقم ١٥٨٧)، والخطيب في الجامع (١٣٢٨) وتاريخ بغداد (٧٠٣/٣)، وابن الجوزى فى:
العلل (١٩٤ و١٩٥). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا يزيد
بن عياض. قال الدارقطنى في العلل (١٦٧٦): حدث به عمر بن سعيد المنبجي، عن
هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، عن روح بن جناح، عن الزهري، عن ابن المسيب،
عن أبي هريرة، عن النبي وُّ ووهم فيه. وإنما رواه الوليد بن مسلم، عن روح بن جناح،
عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبى وعليهم.
وعند روح بن جناح، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة البيت المعمور،
وسئل الشيخ أبو الحسن، عن روح بن جناح متروك؟ قال: لا. وقال أبو نعيم: رواه هياج
بن بسطام، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان نحوه تفرد به يزيد بن عياض عن
صفوان. قال ابن الجوزى: هذا لا يصح عن رسول الله وَ لل وفيه خلف بن يحيى. قال أبو
٧١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه، ولفقيه واحد أشد على
الشيطان من ألف عابد)) الحديث، تقدم الكلام على ذلك، وبسنده عن أبي
هريرة أيضًا أن النبي وَّ قال: ((لكل شيء دعامة، ودعامة الإسلام الفقه في
الدين، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد))(١) وفي تاريخ أصبهان في
ترجمة محمد بن أبان عن أنس رَّهُ أن النبي وَّ قال: ((التفقه في الدين حق
على كل مسلم)) (٢).
١٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَنْه مر بسوق الْمَدِينَة فَوقف عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا
أهل السُّوق مَا أعجزكم قَالُوا وَمَا ذَاك يَا أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: ذَاك مِيرَاث رَسُول الله
=
حاتم: الرازي لا يشتغل بحديثه وأما محمد بن إبراهيم متروك. وقال ابن الجوزى في
الموضع الثانى: قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن أبي أبي الربيع قال هيثم كان أبو الربيع
يكذب وقال يحيى ليس بثقة وقال الدارقطني: متروك وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة
الموضوعات. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢١ : رواه الطبراني في الأوسط، وفیه یزید بن
عياض، وهو كذاب. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٦٥١) و(٤٤٦١) و(٥١٥٩)
وضعيف الترغيب (٦٧).
(١) أخرجه أحمد بن منيع كما في المطالب (٣٠٨٨)، وابن عدى في الكامل (٢/ ٥٠)، ومن
طريقه البيهقي في الشعب (٢٣٣/٣-٢٣٤ رقم ١٥٨٧) وابن الجوزى في العلل (١٩٥)،
وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٩٢ - ١٩٣)، والخطيب في الجامع (١٣٢٨). قال ابن عدي: لا
أعلم رواه عن أبي أبي الربيع قال هيثم كان أبو الربيع يكذب وقال يحيى ليس بثقة وقال
الدار قطني: متروك وقال ابن حبان: يروي عن الأئمة الموضوعات.
(٢) أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (١٤٤/٢).