Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٣٣ كتاب العلم ١٠٣- وَعَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلالله وسام فضل الْعلم خير من فضل الْعِبَادَة وَخير دينكُمْ الْوَرِعِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَزَّارِ بِإِسْنَاد حسن(١). قوله: عن حذيفة بن اليماني، تقدم. قوله : «فضل العلم خیر من فضل العبادة، وخیر دینکم الورع))، یرید عليه الصلاة والسلام أن العالم وإن کان فيه تقصير في عبادته أفضل من جاهل مجتهد في العبادة لأن العالم يعرف ما يأتي به وما يجتنب، والعابد الجاهل (١) أخرجه البزار (٢٩٦٩)، والطبراني في الأوسط (١٩٦/٤-١٩٧ رقم ٣٩٦٠)، وابن عدى في الكامل (٥٤٠/٦)، والحاكم (٩٢/١)، وأبو نعيم في الحلية (٢١١/٢-٢١٢)، والبيهقي في المدخل (٤٥٥). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ◌َّ إلا من هذا الوجه، وإنما يعرف هذا الكلام من كلام مطرف، ولا نعلم رواه، عن الأعمش إلا عبد الله بن عبد القدوس، ولم نسمعه إلا من عباد بن يعقوب. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبد الله بن عبد القدوس. قال ابن عدى: وهذا لا أعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش، وعبد الله بن عبد القدوس له غير ما ذكرت من الحديث، وعامة ما يرويه في فضائل أهل البيت. قال أبو نعيم: لم يروه متصلا عن الأعمش، إلا عبد الله بن عبد القدوس ورواه جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن مطرف، عن النبي ◌ّ من دون حذيفة ورواه قتادة وحميد بن هلال، عن مطرف من قوله. قال البيهقي: هذا الحديث يروى مرفوعا بأسانيد ضعيفة وهو صحيح من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير. وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والبزار، وفيه عبد الله بن عبد القدوس، وثقه البخاري وابن حبان، وضعفه ابن معين وجماعة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٨) و (١٧٤٠). ٦٣٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب منهوك فربما أتى بالشيء وهو يظن أنه صواب وهو خطأ، وتقدم الكلام على الورع في الحدیث قبله. ١٠٤ - وَعَن عبد الله بن عَمْرُو رَضِي الله عَنْهُمَا عَن رَسُول الله وَّه قَالَ قَلِيل الْعلم خير من كثير الْعِبَادَة وَكفى بِالْمَرْءِ فقها إِذا عبد الله وَكفى بِالْمَرْءِ جهلا إِذا أعجب بِرَأْيِهِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (١) وَفِي إِسْنَاده إِسْحَاق بن أسيد وَفِيه تَوْثِيق لين وَرَفِع هَذَا الحَدِيث غَرِيب قَالَ الْبَيْهَقِيّ ورويناه صَحِيحا من قَول مطرف بن عبد الله بن الشخير ثمَّ ذكره والله أعلم. قوله: عن عبد الله بن عمرو، يعني: ابن العاص، تقدم. قوله ◌َّله: ((قليل العلم خير من كثير العبادة)) الحديث، اعلم: أن العلم أنواع، وكل ذلك بحمد الله تعالى حسنٌ، وليس كالفقه، وينبغي أن يكون تعلم الفقه أهم إليه من غيره، لأن من تعلم الفقه تيسر عليه سائر العلوم، والفقه هو قوام الدين، ففرض على كل إنسان أن يتعلم قدر ما يحتاج إليه لأمر دينه مما لابد له منه من أحكام الوضوء والصلاة وسائر شرائع الإسلام (١) أخرجه الدولابى في الكنى (١٤٨٨)، والطبراني في الأوسط (٣٠١/٨-٣٠٢ رقم ٨٦٩٨) والكبير (٦١٩/٣١-٦٢٠ رقم ١٤٥٤١) ومسند الشاميين (٢٠٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (١٧٣/٥ - ١٧٤)، والبيهقي في المدخل (٤٥٣) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٠)، والخطيب في الموضح (٤٢٠/١-٤٢١)، وفي الفقيه والمتفقه (٩٠). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن رجاء بن حيوة إلا إسحاق أبو عبد الرحمن، تفرد به: الليث. وقال الهيثمى ١/ ١٢٠: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إسحاق بن أسيد، قال أبو حاتم: لا يشتغل به. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٦). ٦٣٥ كتاب العلم ولأمور معاشه وما وراء ذلك ليس بفرض خاص، فإن تعلم الزيادة فهو أفضل وإن ترك فلا إثم عليه، انتهى، قاله أبو الليث السمر قندي(١). قوله: ((وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله))، تقدم الكلام على الفقه في الأحاديث قبله. قوله: وفي إسناده إسحاق بن أسيد، هو: إسحاق بن أسيد (الخراساني: نزيل مصر قال أبو حاتم لا يشتغل به ومشاه غيره). قوله: قال البيهقي: ورويناه من قول مطرف بن عبد الله بن الشخير، بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين، الحرشي بفتح الحاء المهملة والراء وشين معجمة، العامري أبو عبد الله البصري، أخو يزيد وهانئ، وكان من سادات التابعین، و کان ثقة، له فضل وورع وأدب، و کان بینه وبین رجل كلام فكذب عليه، وقال: اللهم إن كان كاذبا فأمته فخر مكانه ميتا فرفع ذلك إلى زياد، فقال: قتلت الرجل؟ فقال: لا، ولكن دعوة وافقت أجلًا، وكان ◌َظْوَلَّهُ يلبس المطارف والبرانس ويركب الخيل ويغشى السلطان، وهو مع ذلك قرة عين، مات سنة خمس وتسعين، وله كرامات، وربما (أضاء) سوطه وغيره، ورأى الأموات يقظة على قبورهم، وكلم بعضهم، ومناقبه كثيرة مذكور في الحلية وطبقات ابن سعد(٢)، انتهى. (١) بستان العارفين (ص ٣١٢). (٢) طبقات ابن سعد (١٤١/٧ - ١٤٦)، وحلية الأولياء (١٩٨/٢ - ٢١١). ٦٣٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فصل ١٠٥ - عَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّةٍ: من نفس عَن مُؤمن كربة من كرب الدُّنْيَا نفس الله عَنهُ كربة من كرب يَوْم الْقِيَامَة ومن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالله فِي عون العَبْدِ مَا كَانَ العَبْد فِي عون أَخِيه وَمن سلك طَرِيقًا يُلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجِنَّة وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيوت الله يتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينهم إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةِ وَذكرهمْ الله فِيمَن عِنْده وَمن أَبْطَأْ بِهِ عمله لم يُسْرع بِهِ نسبه. رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّزْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا(١). (١) أخرجه مسلم (٣٨ - ٢٦٩٩)، وأبو داود (١٤٥٥) و(٣٦٤٣) و (٤٩٤٦)، والترمذى (١٤٢٥ و٢٦٤٦ و٢٩٤٥)، والنسائي في الكبرى (٧٢٤٤ - ٧٢٥٠)، وابن ماجه (٢٢٥) و (٢٤١٧) و (٢٥٤٤)، وابن حبان (٨٤) و(٧٦٨)، والحاكم ٨٩/١. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٩). ٦٣٧ كتاب العلم فصلٌ قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَّة: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) الحديث، هذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، ومعنى تنفيس الكربة أو الغمة [٨٩ / ب] بضم الكاف وسكون الراء، وجمعها كرب بضم الكاف وفتح الراء، قال الجوهري(١): الكربة بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب على وزن الضرب فتقول منه كربة الغم إذا اشتدّ عليه. وقوله: ((نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص لهذا المعنى كقوله وَله: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء))(٢)، وقوله وَله: ((إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا))(٣) والكرب: هو الشدة العظيمة التي ترفع صاحبها في الكرب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها مأخوذ من تنفس الخناق كأنه يرجى له الخناق حتى تأخذ نفسا، والتفريج أعظم من ذلك وهو أن يزيل عنه الكربة (١) الصحاح (١/ ٢١١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١١٣). (٢) أخرجه البخاري (١٢٨٤) و(٥٦٥٥) و(٦٦٥٥) و(٧٣٧٧) و(٧٤٤٨)، ومسلم (١١ - ٩٢٣) عن أسامة بن زيد. (٣) أخرجه مسلم (١١٧ و١١٨ و١١٩ - ٢٦١٣) عن هشام بن حكيم. ٦٣٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فتفرج فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج كما في الحديث: ((أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة))(١)، ويدخل في هذا إعانة المسلم، وتفريج الكرب عنه، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو لمساعدته أو إشارته ورأيه ودلالته، والله أعلم (٢). قوله وَّ: ((وَمن ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)) الحديث، الستر المندوب إليه هنا، المراد به: الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى أولى الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها وهو بَعْدُ متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها ممن قدر على ذلك فلا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة(٣). قوله وَجّ: ((وَمن يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)» (أي: من (١) جامع العلوم والحكم (١٠٠٤/٣ - ١٠٠٥). والحديث أخرجه أبو داود (١٦٨٢)، والترمذى (٢٤٤٩)، وأبو يعلى (١١١١). قال الترمذي عقب الحديث (٢٤٤٩): هذا حديث غريب وقد روي عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا وهو أصح عندنا وأشبه. وقال أبو حاتم كما في العلل (٢٠٠٧): الصحيح موقوف الحفاظ لا يرفعونه. وقال الألباني: ضعيف، المشكاة (١٩١٣)، ضعيف أبي داود (٣٠٠). (٢) شرح النووي على مسلم (١٣٥/١٦). (٣) المصدر السابق (١٦ /١٣٥). ٦٣٩ كتاب العلم كان له دين على فقير فساهله بأن يمهله من وقت أداء دينه إلى وقت يحصل له مال، أو يترك بعض دينه، ويطلب الباقي(١). قوله وَّهُ: ((وَمن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علمًا))، ونكر ((علمًا)) ليتناول كل نوع من أنواع علوم الدين، ويندرج تحته قليلة وكثيرة (٢)، وفي الحديث: دليل على شرف العلم وفضله، وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل في سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلم، ويدخل فيه سلوك الطريق المعنوية إلى حصول العلم مثل حفظه ودراسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم(٣). قوله: ((سهل الله له به طريقا إلى الجنة))، قد يراد بذلك أن الله تعالى يسهل له العلم الذي يطلبه وسلك طريقه وييسره عليه، فإن العلم طريق موصل إلى الجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ﴾﴾ (٤) قال بعض السلف: فهل من طالب علم فيعان عليه، وقد يراد أيضا أن الله تعالى ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببا لهدايته ولدخوله الجنة، وقد ييسر الله لطالب العلم (١) المفاتيح (٣٠٥/١). (٢) الميسر (١٠٣/١). (٣) جامع العلوم والحكم (١٠١٦/٣). (٤) سورة القمر، الآية: ١٨. ٦٤٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب علوما أخرى ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى الجنة كما قيل: ((من عمل [٩٠/ أ] بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم))، وكما قيل: ((ثواب الحسنة حسنة بعدها»، وقد يدخل في ذلك أيضًا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به، فإن العلم يدل على الله تعالى من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه وصل على الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطريق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريق إلى الله إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، والله أعلم؛ قاله ابن رجب (١). ففي هذا الحديث فضل إزالة الكربة عن المدين وفضل الستر عليه وفضل إنظاره وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك فضل الاشتغال بالعلم، والمراد: العلم الشرعي بشرط أن يقصد بذلك وجه الله تعالى، وإن كان هذا شرطا في كل عبادة لكن عادة لا يقيدون هذه المسألة به لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه بعض الناس ونحوهم، والله أعلم (٢). قوله وَيّ: ((وَمَا اجْتمع قوم فِي بَيت من بيوت الله يتلون كتاب الله وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنهم إِلَّ نزلت عَلَيْهِم السكينَة)) الحديث، هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حمل (١) المصدر السابق (١٠١٦/٣ - ١٠١٧). (٢) شرح النووي على مسلم (٢١/١٧). ٦٤١ كتاب العلم على تعلم القرآن وتعليمه فلا خلاف في استحبابه، وقد كان النبي وَّ يأمر من يقرأ القرآن فيستمع لقراءته كما أمر ابن مسعود أن يقرأ وقال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري))(١)، وروي يزيد الرقاشي عن أنس رَقَ الَّلهُ قال: كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقًا حلقًا يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله عز وجل(٢)؛ وروى عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَيَّة. قال: ((ما من قوم صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا في صلاتهم يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه إلا وكل الله بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره)) (٣) وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لدراسة القرآن؛ وقد روى عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال: أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان فأخذ الناس بذلك، وعن ابن وهب قال: قلت لمالك أرأيت القوم يجتمعون فيقرأون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ذلك وعابه، وقال: ليس هكذا كان يصنع الناس، إنما كان يقرأ الرجل على الرجل يعرضه وكانوا لا يرفعون أصواتهم (١) أخرجه البخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٢٤٧ - ٨٠٠). (٢) أخرجه أبو يعلى (٤٠٨٨). قال الهيثمى في المجمع ١٣٢/١: ويزيد الرقاشي ضعيف. (٣) أخرجه ابن السنى في رياضة المتعلمين (لوحة ١٠٤) قال: حدثنى سلم بن معاذ، ثنا أبو شيبة بن أبي بكر، ثنا عمرو بن هاشم، ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عطية العوفى عن أبي سعيد. قلت: عطية ضعيف. ٦٤٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بالذكر ولا بالقراءة ولا يفعلون ذلك جماعة(١). وقوله وَيقر: ((ويتدارسونه بينهم)) يشعرك بأنه ليس المراد يجتمعون للتلاوة صوتا واحدًا متراسلين لأن الدراسة إنما تكون تلقينًا أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم، وأما الاجتماع على صوت واحد فليس بمروي عنهم، وقال أبو مصعب [٩٠/ ب] وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا أنس بن مالك يقول: الاجتماع يكره بعد صلاة الفجر لقراءة القرآن، بدعة ما كان أصحاب رسول الله وَّ ولا العلماء بعدهم على هذا، كانوا يخلوا كل بنفسه ويقرأ ويذكر ثم ينصرفون(٢)، وقد ذكر ابن بطال في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا: الأحاديث الواردة عن النبي وَّةٍ يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها، كيف تلقوها من صاحب الشريعة فإنهم أعرف بالمقال وأنقد بالحال، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: يكره وتأوله بعض أصحابه، ويلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة أو رباط ونحوهما، ويكون الحديث خرج مخرج الغالب (٣). وقوله وَّة: ((إلا حفتهم الملائكة)) يلتفون بهم ويدورون حولهم للتبرك (١) انظر جامع العلوم والحكم (١٠٢٠/٣- ١٠٢١)، والمدخل (١ / ٩١). (٢) انظر جامع العلوم والحكم (١٠٢١/٣ - ١٠٢٢)، والمدخل (١ / ٩٢). (٣) انظر المدخل (٩٠/١)، وشرح الصحيح (٢٦٨/٣) لابن بطال، وشرح النووى على مسلم (١٧ / ٢١ - ٢٢). ٦٤٣ كتاب العلم والرغبة فيما عندهم(١). قوله وَي: ((ونزلت عليهم السكينة)) قيل: المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليهم، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهذا حسن(٢). قوله وَقر: ((وغشيتهم الرحمة)) أي: سترتهم ولابستهم، والرحمة ضد القسوة. قوله وَي: ((وذكرهم الله فيمن عنده)) يعني: الملائكة المقربين من رحمته المواظبين بالطاعة، ويقرب منه قوله تعالى: ((وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خیر منه))، ومعنى ((فيمن عنده)) دنو المنزلة والقرب من رحمة الله تعالی، دل الحديث على فضيلة حلق الذكر وهي: كل جماعة اجتمعوا لله تعالى في قراءة قرآن أو سماع حديثه أو تعلم علم الشريعة. والله أعلم. قوله مَّة: ((ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) معناه: أن العمل هو الذي يبلغ العبد درجات الآخرة من الطاعة، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، فينبغي أن لا يتكل الإنسان على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، قال ابن مسعود رَّالّله: يأمر الله بالصراط (١) النهاية (١ /٤٠٨). (٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٢١). ٦٤٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فيضرب على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرًا أوائلهم كلمح البصر ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم يمر الرجل سعيا حتى يمر الرجل مشيًا حتى يمر الرجل يتلبط على بطنه فيقول: يارب لم بطأت بي فيقول: ((إنما لم أبطئ، إنما بطأ بك عملك))، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: لَعَمْرُكَ مَا الإِنْسَانُ إِلَّا بِدِينِهِ فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتّكَالًا عَلَى النَّسَب وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّقِيَّ أَبَا لَهَبٍ لَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ قاله ابن رجب أيضًا(١). ١٠٦ - وَعَن أبي الدَّرْدَاءِ رَّ ◌َهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّلِ يَقُول من سلك طَرِيقًا يُلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجِنَّةُ وَإِن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتْهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع وَإِنِ الْعَالمِ لَيَسْتَغْفِرِ لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي المَاء وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على سَائِرِ الْكَوَاكِب وَإِن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء إِن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما إِنَّمَا ورثوا العلم فَمن أخذه أخذ بحظ وافر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهُ وَابْن حِبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل وَإِنَّمَا يُرْوى عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء عَن النَّبِي ◌ِّهِ وَهَذَا أصح، قَالَ المملي رَحمَه الله: وَمن هَذِهِ الطَّرِيقِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْن مَاجَهُ وَابْن حبَانِ فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ فِي (١) جامع العلوم والحكم (١٠٢٨/٣ - ١٠٣١). ٦٤٥ كتاب العلم الشّعب وَغَيرِهَا وَقد رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس عَن یزِيد بن سَمُرَة عَنْهُ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزيد بن سَمُرَة عَن كثير بن قيس عَنهُ قَالَ البُخَارِيّ وَهَذَا أصح وَرُوِيَ غيرِ ذَلِك وَقد اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث اخْتِلَافا كثيرا ذكرت بعضه فِي مُخْتَصر السّنَن وبسطته فِي غَيره وَالله أعلم(١). قوله: وعن أبي الدرداء، أبو الدرداء، اسمه: عويمر، وقيل: عامر، وتقدم الكلام على مناقبه زَقََّ، وسيأتي الكلام عليه أيضًا مبسوطًا. قوله مَيلة: ((من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا)) أي: يطلبه، فاستعار له اللمس ((سهل الله له طريقا إلى الجنة))، تقدم الكلام عليه، ويحتمل أن يكون. [٩١/ أ] المراد: الطريق الحسية والمعنوية، وهي الطريق الموصلة إلى تكرير وحفظ ومطالعة ومراجعة ومذاكرة ومدارسة ونحو ذلك(٢). قوله: ((وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع)) الحديث، اختلف الناس في المراد بالملائكة، فقيل: المراد بهم عموم (١) أخرجه أحمد ١٩٦/٥ (٢١٧١٥ و٢١٧١٦)، والدارمى (٣٥٤)، وأبو داود (٣٦٤١) و(٣٦٤٢)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣) و(٢٣٩)، وابن حبان (٨٨)، والبيهقي في الآداب (٨٦٢) والأربعون (٣) والمدخل (٣٤٧ و٣٤٨) والشعب (٢٢٠/٣-٢٢١ رقم ١٥٧٣ و١٥٧٤)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ و١٧٥ و١٧٦ و١٧٧ و١٧٨)، والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (٤). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٧٠). (٢) جامع العلوم والحكم (١٠١٦/٣). ٦٤٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الملائكة، وقيل المراد: الكرام الكاتبون(١)؛ وقوله: ((لتضع أجنحتها لطالب العلم)) قيل معناها: أنها تتواضع لطالب العلم توقيرا لعلمه وتليين الجانب له والانقياد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَتَّبَعَكَ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾(٢) أي: تواضع لهم، وقيل: معنى وضع الجناح هو عبارة عن ترك الطيران والنزول للذكر كما في الحديث الآخر: ((إلا نزلت عليهم السكينة وحفت بهم الملائكة))، وقيل: معناه بسط الأجنحة حقيقة وهي فرشها تحت قدمي طالب العلم لتحمله عليها وتبلغه حيث يقصد من البلاد أو المواضع في طلب العلم(٣)، وقيل: المراد بذلك المعونة وتيسير السعي في طلب العلم(٤)، وقيل: تبسطها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الأيدي(٥) لأن جناح (٦) الطائر يده(٦). (١) الميسر (١٠٣/١). (٢) سورة، الآية: (٣) معالم السنن (٦١/١) و(١٨٣/٤). (٤) شرح السنة (١/ ٢٧٧)، وشرح المشكاة (٢/ ٦٧٣) للطيبي. (٥) المجموع المغيث (٣٦٣/١)، ومفتاح دار السعادة (١ / ٦٤). (٦) ذكر في هامش الأصل: (وليست هذه الخصوصية لأحد من عباد الله إلا لطالب العلم، فما ظنك بالأخيار منهم، والربانيين، جعلنا الله تعالى منهم، وفيهم الربانيون العلماء، قيل: سموا بذلك لقيامهم بالكتب والعلم، وقيل: نسبوا إلى علم الرب، وقيل: نسبوا إلى العلم بالرب، وقيل: لأنهم أصحاب العلم والديانة، فحسبك بمن توقره الملائكة وتدعوا له وتستغفر، ولولا ما علمت الملائكة أن منزلته منزلة عظيمة عند الله ما وقرته، ولو لم يكن في طلب العلم إلا دعاء الملائكة له لكان جزيلا بأن ينافس فيه، فإن أخذ ما يرغب في دعوة ٦٤٧ كتاب العلم قوله وَله: ((وأن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض))، ((من في السموات)) يعني: الملائكة ومن فيها من الأنبياء، وإنما يستغفر له أهل السموات وهم الملائكة لأنهم عرفوا بتعريفهم وعظموا قولهم وهم أنهم يقولون الملائكة عباد الله ويمنعون من قال هم بنات الله وأنهم آلهة فيكون نفع عليهم عائد إليهم فيدعون لهم مكافأة بصنيعهم. قوله: ((ومن في الأرض)) يعني: من عليها من السموات، وإنما يستغفر لهم أهل الأرض، وأما بنو آدم فبقاؤهم وصلاحهم مربوط برأيهم وفتواهم، وأما غير بنو آدم من الحيوان فما من شيء على وجه الأرض إلا وله مصلحة موجودة بوجود العلم مفقودة بفقد العلم، من ذلك بيان الحلال من الحيوانات والحرام منها وما لا يجوز قتلها وما يجوز قتلها، وكيفية قتلها يعني: من يعقل ومن لا يعقل لأن من لا يعقل ينتفع بالعالم لكونه يعلم الناس إحسان القتلة والذبحة والرفق بكل شيء، ويحتمل أن يكون استغفار هذه الأنصاف المذكورة بعضها بالحقيقة وبعضها بالمجاز وهو أن يكتب الله تعالى له بعدد كل حيوان من الأنواع المذكورة مغفرة وحكمة أي: صلاح العالم بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا له مصلحة موجودة، ويحتمل أن يكون استغفار له في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما(١). يرجوا بركتها من رجل صالح، فما الظن بدعاء قوم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فلله در العلم ومن به تردي وتعسًا للجهل ومن في أوديته تردّي). (١) انظر المفاتيح (٣١٤/١)، والمدخل (٨٩/١)، ومفتاح دار السعادة (١ / ٦٥)، ومجموع رسائل ابن رجب (٢٩/١). ٦٤٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: ((حتى الحيتان في الماء)) إنما خص الحيتان بالذكر لأنها ليست داخلة في جملة من في السموات ولا في جملة من في الأرض، إذ هي في الماء، ولهذا قيل: ((حتى الحيتان في الماء)) والماء كان موجودًا قبل السموات والأرض، كما قيل: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾(١) قبل خلق السموات والأرض بخمسين عامًا، ولهذا المعنى: إذا مات العالم بكى عليه كل الخلق حتى الطير في الهواء والسمك في الماء قال الله تعالى: ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(٢) فأهل الذكر في الآية هم العلماء فهم يسألون عن النوازل وبفتواهم يعبد الله ويطاع ويمتثل أمره ويجتنبه نهيه، وورد عنه ◌َّ لآل أنه قال: ((لمجلس علم عند الله تعالى خير من عبادة ألف سنة لا يعصى الله فيها طرفة عين))، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اٌلْعُلَمَؤُاْ﴾(٣) [٩١/ ب] الآية، إن الخشية لله أفضل من الذكر باللسان، لأن الخشية لله هي المقصود والمطلوب، ولا يراد الذكر إلا لأجلها، وهي لا تحصل إلا للعلماء لأنه عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ وإنما للحصر، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّ اُلْعَلِمُونَ﴾ (٤) فأي هذا الخير وهذا الفضل من الذكر باللسان ولا خلاف بين الأمة أن الخير المتعدي أفضل من الخير القاصر على المرء نفسه (١) سورة هود، الآية: ٧. (٢) سورة النحل، الآية: ٤٣. (٣) سورة فاطر، الآية: ٢٨. (٤) سورة العنكبوت، الآية: ٤٣. ٦٤٩ كتاب العلم فبان أن هذا أفضل الذكر(١)، والعالم أفضل من العامل لخمسة أشياء، أحدهما: أن العلم قد يكون بغير عمل ولا يكون العمل عملا بغير علم؛ والثاني: مقام العلماء مقام الأنبياء ومقام العمل مقام الأولياء؛ والثالث: العمل لازم والعلم متعدي كالسراج ؛ والرابع: ينفع العلم بغير عمل ولا ينفع العمل بغير العلم؛ وأيضًا العمل منا والعلم من الله تعالى. قوله وَلّ: ((وفضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب))، قيل: المراد بالعالم: من له اعتقاد صحيح يؤدي فرائض الله تعالى ولا يشتغل بنوافل كذا مما هو فرض على الكفاية، قال في شرح السنة (٢): فضل العلم من حيث أن نفعه يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه: إحياء الدين وهو تلو النبوة، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال وَاللّه: ((العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) أي: كبير. قوله: وقد روى الأوزاعي، تقدم الكلام على الأوزاعي قريبًا. ١٠٧ - وَعَن معَاذ بن جبل ◌َّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشية وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح والبحث عَنهُ چِهَاد وتعليمه لمن لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأهله قربَة لانه معالم الْحَلَال وَالْحرَام ومنار سبل أهل الْجِنَّة وَهُوَ الأنيس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيلِ على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالسِّلَاحِ على الأَعْدَاء والزين عِنْد الأخلاء (١) المدخل (٨٩/١). (٢) شرح السنة (٢٧٨/١). ٦٥٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْرِ قادة قَائِمَة تقتص آثَارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيِهمْ ترغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ويستغفر لَّهُم كل رطب ويابس وحيتان الْبَحْر وهوامه وسباع الْبر وأنعامه لِأَن الْعِلمِ حَيَاةِ الْقُلُوبِ من الْجَهْلِ ومصابيح الْأَبْصَار من الظّلم يبلغ العَبْدِ بِالْعِلمِ منَازِل الأخيار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة التفكر فِيهِ يعدل الصّيام ومدارسته تعدل الْقيام بِهِ توصل الأَرْحَام وَبِه يعرف الْحَلَال من الْحَرَامِ وَهُوَ إِمَام الْعَمَلِ وَالْعَمَلِ تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء رَوَاهُ ابْن عبد الْبر النمري فِي كتاب العلم من رِوَايَة مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَطاء الْقرشِي حَدثنَا عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه عَن الْحسن عَنْهُ وَقَالَ هُوَ حَدِيث حسن وَلَكِن لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٍ قوي وَقد روينَاهُ من طرق شَتَّى مَوْقُوفا كَذَا قَالَ رَحِمَه الله وَرَفعه غَرِيب جدا وَالله أعلم(١). قوله: عن معاذ بن جبل، تقدم الكلام على مناقبه. قوله (وَلي: ((تعلموا العلم، فإن تعلمه الله خشية)) تقدم الكلام على العلم وتعلمه. قوله: ((والزين عند الأخلاء))، الأخلاء: جمع خليل، وهو الصديق. قوله وَاللّه: ((ترغب الملائكة في خلتهم))، بضم الخاء أي: في مصاحبتهم. قوله وسلم: ((يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه))، الهوام: (١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٦٨ و٢٦٩) مرفوعا وموقوفًا. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٤٧). ٦٥١ كتاب العلم جمع هامة [ولا يقع هذا الاسم إلا على المخوف من أحناش الأرض (١)]. قوله: ((وسباع البر وأنعامه))، والأنعام: الإبل والبقر والغنم [واحدها نعم، وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والأنعام يذكر ويؤنث، قال الله تعالى: ﴿نَسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾(٢) وقال في موضع آخر: ﴿مِّمَّا فِىِ بُطُونِهَا﴾(٣)(٤)] قوله: ((به توصل الأرحام))، والأرحام: الأقارب، وصلتهم الإحسان إليهم بما تيسر على حسب حاله وحالهم إما بجاه أو مال أو كلمة طيبة (٥). قوله: حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، بفتح المهملة وشدة الميم المكسورة، منسوب إلى بني العم بطن من تميم، والله أعلم. قوله: وقال: هو حديث حسن، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي تلميذ الحافظ المنذري(٦): ولعله الحسن اللفظي لا الحسن المصطلح بين أهل هذا الشأن أي: المحدثين. ١٠٨ - وَعَنِ صَفْوَان بن عَسَّال الْمَرَادِي رَ ◌ّهُ قَالَ أتيت النَّبِيِنَّ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد متكىء على برد لَهُ أَحْمَر فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله إِنِّي جِئْت أطلب العلم (١) الصحاح (٢٠٦٢/٥). (٢) سورة النحل، الآية: ٦٦. (٣) سورة المؤمنون، الآية: ٢١. (٤) الصحاح (٢٠٤٣/٥). (٥) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢٠١) (٦) المتجر الرابح (ص ٨). ٦٥٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فَقَالَ مِرْحَبًا بطالب العلم إِن طَالب الْعلم تحفه الْمَلَائِكَة بأجنحتها ثمَّ يركب بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يبلغُوا السَّمَاء الدُّنْيَا من محبتهم لما يطْلب رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادِ جيد وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْنِ حِبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح 0 الْإِسْنَادِ وروى ابْن مَاجَه نَحوه بِاخْتِصَار وَيَأْتِي لَفظه إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١). قوله: عن صفوان بن عسال المرادي، وعسال: بفتح العين المهملة وسين مشددة وهو مرادي كوفي، غزا مع رسول الله وَّ خلال ثنتي عشر غزوة، ومن مناقبه أن عبد الله بن مسعود روی عنه وروی عنه جماعة من التابعین، روي له عن رسول الله وَّ عشرون حديثًا(٢). قوله وَي: ((مرحبا بطالب العلم)) وفي حديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي ◌َّ قال: ((سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله وَّية)) رواه الترمذي، وحديث أبي هارون العبدي، واسمه: عمارة بن جوين، عن أبي سعيد الخدري أيضًا قال: كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول: مرحبًا بوصية رسول الله وَّة، إن رسول الله وَله قال: ((إن الناس لكم تبع، وإن رجالًا يأتوكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا جاؤوكم فاستوصوا [٩٢/أ] بهم خيرًا))، وفي رواية: ((يأتيكم رجال من قبل (١) أخرجه أحمد ٢٣٩/٤ (١٨٠٩٣)، وابن الأعرابى (١٤٤٩)، والآجرى في أخلاق العلماء (ص ٣٧)، والطبراني في الكبير (٥٤/٨ رقم ٧٣٤٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٣٨١٨). وقال الهيثمى في المجمع ١٣١/١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٣٣٩٧) وصحيح الترغيب (٧١). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٩/١ الترجمة ٢٦٤).