Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٣٣
مقدمة المؤلف
قوله {وَله: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله))، تقدم الكلام على كتاب
الله وهو القرآن في الأحاديث المتقدمة، وتقدم الكلام أيضًا على قوله: ((أما
بعد» في الخطبة مبسوطًا، وأول من تكلم بها.
قوله: ((وخير الهدي هدي محمد وَيٍ))، قال النووي (١): ضبطناه بالوجهين
بضم الهاء وفتح الدال وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا، كذا جاءت الرواية
بالوجهين، وقال القاضي عياض: رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح،
وبالفتح ذكره الهروي، وفسره على رواية الفتح بالطريق والسيرة، أي: أحسن
الطرق طريق محمد وَّليه وسيرته، يقال: فلان حسن الهدي أي الطريقة
والمذهب، ومنه: ((اهتدوا بهدي عمار))، وأما رواية علي الضم فمعناه:
الدلالة والإرشاد، والهدي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد، قال الله
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، ﴿إِنَّ هَذَا اُلْقُرْءَانَ يَهْدِى
لِلَِّى هِىَ أَقْوَمُ﴾ (٣)، وهدي للمتقين، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾(٤)، ي:
بينا لهم الطريق، منه قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾(٥)، ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
﴾﴾(٦) والهدي: بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد هو الذي تفرد الله
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٤).
(٢) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٩.
(٤) سورة فصلت، الآية: ١٧ .
(٥) سورة الملك، الآية: ٣.
(٦) سورة البلد، الآية: ١٠.
٥٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعالى به في الكتاب والسنة، جمعها: دلائل، والدلالة بكسر الدال وفتحها.
قوله وَله: ((وشر الأمور محدثاتها)) أي: الأمور المنكرة التي ليست تعرف
في الكتاب والسنة.
قوله: ((وكل بدعة ضلالة)) هذا الحديث من جوامع الكلم، لا يخرج عنه
شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ◌َّية: ((من أحدث
في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) وكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم
يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في
ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال [٧٠/ ب] الظاهرة والباطنة ؛ وأما ما
وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدعة اللغوية
لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر زَويّة لما جمع الناس في قيام رمضان على
إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون: كذلك نعمت البدعة هذه(١).
قوله: نعمت البدعة هذه، هو ثناء عليها، من النعمة، ومن نعم الشيء
بكسر العين وفتحها أي: حسن والنعمة هو ما يتنعم به، قال الخليل: وأصل
النعمة: الخفض والدعة، نعم الرجل وأنعم صار في نعمة (٢)، وروى البيهقي
بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي قال: المحدثات من الأمور ضربان،
أحدهما: من الخير الذي لا خلاف فيه، فهذه بدعة محدثة غير مذمومة، وقد
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٣) والحديث: أخرجه: مالك في الموطأ (٣٠١)، والبخاري
(٢٠١٠).
(٢) مشارق الأنوار (١٨/٢)، ومطالع الأنوار (٤ / ١٨١).
٥٣٥
مقدمة المؤلف
قال عمر رَقَوَّهُ في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني: أنها محدثة لم
تكن، هذا آخر كلام الشافعي (١).
وقال النووي(٢): البدعة بكسر الباء في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في
عهد رسول الله وص له، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة؛ وقال الشيخ الإمام
المجتمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع الكلام وبراعته أبو محمد عبد
العزيز بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد، البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر
رسول الله وَلّ، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة
ومباحة، قال: والطريق في معرفة ذلك: أن تعرض البدعة على قواعد
الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم
فهي محرمة أو المندوب فهي مندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح
فمباحة، وللبدع الواجبة أمثلة، منها: الاشتغال لعلم النحو الذي يفهم به كلام
الله تعالى وكلام رسوله وَّله، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا
يتأتي حفظها إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ؛ الثاني: حفظ
غريب الكتاب والسنة من اللغة؛ الثالث: تدوين دواوين أصول الفقه ؛ الرابع:
الكلام في الجرح والتعدي وتمييز الصحيح من السقيم، وقد دلت قواعد
الشريعة على أن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين، ولا يتأتي
ذلك إلا بما ذكرناه؛ وللبدعة المحرمة أمثلة، منها: مذاهب القدرية والجبرية
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣/٣).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٢/٣-٢٣).
٥٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة ؛ وللبدعة
المندوبة أمثلة، منها: أحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في
العصر الأول، ومنها: التراويح والكلام في دقائق التصوف والجدل، ومنها:
جمع المحافل للاستدلال في المسائل إن قصد بذلك وجه الله؛ وللبدع
المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف، وأما تلحين القرآن
بحيث يغير ألفاظه عن الوضع العربي فالأصح أنه من البدع المحرمة؛
وللبدع المباحة أمثلة، منها: المصافحة في عقيب الصبح والعصر، ومنها:
التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس
الطيالسة وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك. [٧١/ أ] فيجعله
بعض العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في
عهد رسول الله ◌َّه فما بعده، وكذلك الاستعاذة والبسملة، هذا آخر كلامه.
قوله وَّية: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه))، أي: أحق، قال الأصحاب:
فكان النبي وَّ إذا احتاج إلى طعام أو غيره وجب على صاحبه بذله له وَّه
ولكن هذا وإن كان جائزًا لم يقع (١).
قوله: ((من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإليَّ وعليّ))، الضياع
والضيعة: بفتح الضاد العيال المحتاجون الضائعون، والمراد: من ترك أطفالًا
صلى الله
وعيالا وذا حاجة يضيعون بعده، أي: لا شيء لهم(٢)، قيل: إنه كان ◌َ
وسلم
(١) شرح النووي على مسلم (١٥٥/٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦١/١١).
٥٣٧
مقدمة المؤلف
يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه، وقيل: كان
هذا القضاء واجبًا عليه وَاللّ، وقيل: تبرع منه، والخلاف فيه وجهان لأصحابنا
وغيرهم، والصحيح: أنه كان واجبا عليه، واختلف أصحابنا في قضاء دين من
مات وعليه دين، قيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب، وهذا
الذي قاله النبي ◌َّل بعد ما فتح الله عليه الفتوح واتسعت أموال بيت المال،
وقد كان النبي ◌ُّ في ابتداء الإسلام لا يصلي على من ترك دينا لا وفاء له لئلا
تساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة
عليهم، فلما فتح الله عليه عاد يصلي عليهم ويقضي دين من لم يخلف وفاء،
واختلف أصحابنا: هل هو من الخصائص أو لا؟ فقال بعضهم: كان من
خصائصه 83* ولا يلزم الإمام أن يقضيه من بيت المال، وقال بعضهم: ليس
من خصائصه بل يلزم كل إمام أن يقضي من بيت المال دين من مات وعليه
دين إذا لم يخلف وفاء وكان في بيت المال سعة ولم يكن هناك أهم منه، والله
أعلم، قاله النووي(١)، ومعنى هذا الحديث: أن النبي ◌َّ قال: ((أنا قائم
بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالین، فإن كان عليه دين
قضیته من عندي إن لم یخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه
شيئًا، وإن خلف عيالًا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلى نفقتهم ومؤونتهم))
والله أعلم، قاله النووي في شرح مسلم(٢).
(١) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٥٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦٠/١١ - ٦١).
٥٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٧٩ - وَعَن مُعَاوِيَة ◌ََّّهُ قَالَ قَامَ فِيْنَا رَسُول الله ◌َّهِ فَقَالَ أَلا إِن من كَانَ
قبلكُمْ من أهل الكتاب افْتَرَقُوا على ثِنْتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَإِن هَذِه الأمة ستفرق
على ثَلَاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَة فِي الْجَنَّةِ وَهِي الْجَمَاعَة
رَوَاهُ أَحْمِد وَأَبُو دَاوُدْ وَزَادٍ فِي رِوَايَةٍ وَإِنَّهُ ليخرج في أمتِي أَقوام تتجارى بهم
الْأَهْوَاء كَمَا يتجارى الْكَلْب بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقى مِنْهُ عرق وَلَا مفصل إِلَّا دخله(١)
قَوْله الْكَلْب بِفَتْحِ الْكَاف وَاللَّام قَالَ الْخطابِيّ هُوَ دَاء يعرض للْإِنْسَان من
عضة الْكَلْبِ الْكَلْبِ قَالَ وعلامة ذَلِك فِي الْكَلْب أَن تحمر عَيناهُ وَلَا يزَال
يُدْخل ذَنبه بَين رجلَيْهِ فَإِذا رأى إنْسَانا ساوره.
قوله: عن معاوية، كنيته: أبو عبد الرحمن، معاوية بن أبي سفيان، صحابي
بن الصحابي بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي
الأموي، أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، يجتمع أبوه وأمه في عبد
شمس، أسلم هو وأبوه أبو سفيان وأخوه يزيد بن أبي سفيان وأمه هند في فتح
مكة، وقيل: إنه أسلم في عمرة القضاء وكتم إسلامه، شهد مع رسول الله وَاجله
(١) أخرجه أحمد ١٠٢/٤ (١٦٩٣٧)، والدارمى (٢٥٦٠)، وأبو داود (٤٥٩٧)، والفسوى
في المعرفة والتاريخ (٣٣٠/٢-٣٣١) و(٣٨٨/٣)، وابن أبي عاصم في السنة (١) و(٢)
و (٦٥) و (٦٩)، والطبراني في الكبير ٣٧٦/١٩-٣٧٧ رقم ٨٨٤ و٨٨٥) والشاميين
(١٠٠٥ و١٠٠٦)، والحاكم ١٢٨/١. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني:
حسن صحيح صحيح الترغيب (٥١)، والصحيحة (٢٠٤). وقوله وزاد ... إلخ هى عند
أحمد وأبي داود وإنما زاد أحمد بعدها قوله وَاللهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جَاءَ بِهِ
نَبِيُّكُمْ وٍَّ، لَغَيْرُكُمْ مِنَ النَّاسِ أَحْرَى أَنْ لاَ يَقُومَ بِهِ.
٥٣٩
مقدمة المؤلف
حنينًا، وأعطاه من غنائم هوزان مائة بعير وأربعين أوقية، كان هو وأبوه من
المؤلفة [٧١/ ب] قلوبهم ثم حسن إسلامهما، ولما بعث أبو بكر الصديق
الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد، فلما مات يزيد استخلفه على
عمله بالشام وهو بدمشق فأقره عمر زَقَّ مكانه، ولما ولاه عمر بن الخطاب
الشام مكان أخيه يزيد بقي أميرًا خلافة عمر ثم أقره عثمان، وولي الخلافة
بعد ذلك عشرين سنة تقريبا، ولي دمشق أربع سنين في خلافة عمر، واثنتا
عشرة سنة من خلافة عثمان مع ما أضاف إليه من باقي الشام، وأربع سنين
تقريبًا أيام خلافة علي وستة أشهر خلافة الحسن، وسلم إليه الحسن الخلافة
سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة أربعين، والأول أصح، واتفقوا على أنه توفي
بدمشق، والمشهور أنه توفي يوم الخميس لثمان بقين من رجب، وقيل:
لنصف رجب سنة ستين من الهجرة، وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن
اثنتين وثمانين سنة، وقيل: غير ذلك، وروي عنه أنه قال: ما زلت أطمع
بالخلافة منذ قال لي رسول الله وَ له: ((إن وليت فأحسن))، ومناقبه كثيرة
مشهورة، روي له عن رسول الله آل﴾ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا، اتفق
البخاري ومسلم منها على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري أربعة، ومسلم
بخمسة، والله أعلم (١).
قوله ◌َله: ((إلا أن من كان قبلكم افترقوا على ثنتين وسبعين ملة)) الحديث،
اختلف في أهل الكتاب من هم؟ هم اليهود والنصارى دون غيرهم كمن
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٠١/٢-١٠٤ الترجمة ٥٨٨).
٥٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يؤمن بزبور داود وصحف إبراهيم وشيث، فلا يسمون أهل الكتاب ؛ لأن
الزبور فيه مواعظ فقط، فلذلك لا يسمون بخلاف التوراة والإنجيل، وقد قال
الله تعالى: ﴿أَن تَقُولُوْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآئِقَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾(١) اليهود
والنصارى، وعلى هذا القول: اختلف العلماء في طائفتين من هم، وهم:
السامرة ضرب من اليهود، والصابئة ضرب من النصارى، هل يقاتلون مقاتلة
اليهود والنصارى أم لا، فالذي أفتى به أبو سعيد الاصطخري لما استفتاه
القاهر من خلفاء بني العباس في الصابئين أنهم يقتلون، وعلل ذلك بأنهم
يعتقدون أن الفلك حي ناطق وان الكواكب السبعة آلهة مدبرة، والمذهب
المشهور أنهم إن وافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم كانوا منهم وإن
خالفوهم لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عبدة الأوثان (٢)، والله أعلم،
قاله في الديباجة.
قوله: ((افترقوا على ثنتين وسبعين ملة))، والملة: ما شرع الله لعباده على
لسان النبي ◌َّ﴾ ليتوصلوا به إلى النجاة، ثم توسع فيها بعد ذلك فاستعملت
في الملل الباطلة (٣).
قوله: ((وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين)) [٧٢/ أ] قال بعض
العلماء: الفرقة التي زادت في هذه الأمة هي التي تبغض العلماء وتعادي الفقهاء،
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٦.
(٢) انظر المجموع شرح المهذب (٢٣٢/١٦-٢٣٥).
(٣) شرح المشكاة (٢/ ٦٤٠)، وكشف المناهج (١ / ١٤٥).
٥٤١
مقدمة المؤلف
ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الأمم(١)، بل كانوا منقادين لعلمائهم محبين
لهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه، بقوله: ﴿اَتَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا
مِّن دُونِ اللَّهِ﴾(٢)، والأمة: يجوز أن يراد بهم أمة الدعوة فتندرج سائر أرباب
الملل الذين ليسوا على قبلتنا أو أمة الإجابة، فالمراد: نحل أهل القبلة، وقال
بعض العلماء: الأمة عبارة عن أهل ذلك الزمان على أي ملة كانوا، وقد تطلق
الأمة على الزمن مجازًا (٣)، والله أعلم، وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله وَخير: ((ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل)) فذكر
الحديث، إلى أن قال: ((وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق
أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة) قيل: من هي يا رسول
الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) قال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه
الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله وَ ل قال: ((تفرقت اليهود على
إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي
على ثلاث وسبعين فرقة)).
قوله {وَله: (ثنتان وسبعون في النار))، أي: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو
موجب دخول النار فإن كان كفرًا وماتوا عليه دخلوها ولا يخرجون، وإلا
(١) انظر تفسير القرطبى (١٤١/٧).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٣١.
(٣) المفاتيح (٧٢/١)، وكشف المناهج (١٤٥/١)، وشرح المصابيح (١٧٧/١) لابن
الملك.
٥٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنهم وإن شاء أدخلهم النار ثم أخرجهم(١)
وقوله: ((أمتي))، إشارة إلى أن الفرق المبتدعة كلهم مسلمون (٢). انتهى.
قوله: ((وواحدة في الجنة))، وهي: الأمة والجماعة التي أمر بلزومها السواد
الأعظم، وقال: كل ما كان عليه السواد الأعظم من أهل الإسلام فهو الحق
الواجب الذي لا يجوز لأحد من المسلمين خلافه، وقال آخرون: الجماعة
التي أمر النبي وت له بلزومها جماعة أئمة المسلمين، وذلك لأن الله تعالى
جعلهم حجة على خلقه، وإليهم يفزع العامة في دينهم ودنياهم، وهم
المعنيون بقوله وَجقور: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة))، وسئل عبد الله بن
المبارك عن الجماعة الذي ينبغي أن يقتدى بهم، فقال: أبو بكر وعمر، وکر
واحدا بعد واحد من العلماء، وقال آخرون: الجماعة التي أمر النبي ◌َّ
بلزومها هم الصحابة لأنهم كالنجوم بهم يهتدى من اقتدى، وهم الذين ضمن
الله لنبيه وجد أن لا يجمعهم على ضلالة، وقال آخرون: الجماعة هم أهل
الإسلام، وفي حديث أبي بكرة حجته في ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أمر
بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم فقال: إن الجماعة المأمورين بإتباعها هي
السواد الأعظم مع الإمام الجامع لهم، وإذا لم يكن لهم إمام وتفرق الناس
أحزابًا فالواجب اعتزال تلك الفرق كلها كما أمر به النبي وَ لا أبا ذر(٣)،
(١) المفاتيح (٢٧٨/١).
(٢) المفاتيح (٢٧٨/١).
(٣) انظر شرح الصحيح (٣٣/١٠ - ٣٥) لابن بطال.
٥٤٣
مقدمة المؤلف
انتهى، قاله في الديباجة.
وروى الدار قطني عن أسامة بن شريك قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول:
(يد الله على الجماعة، [٧٢/ ب] فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما
يختطف الذئب الشاة من الغنم))(١) وثبت في الصحيح: ((ما أمرتكم به فخذوه
وما نهيتكم عنه فانتهوا))(٢) وثبت في الصحيح أيضًا: ((ذروني ما تركتكم عليه،
فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا
أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا))(٣)
الحديث، فتبين بهذه الأحاديث أن لزوم الجماعة واجب.
قوله ويلي: ((وأنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء))، أي:
تتواقعون في الأهواء الفاسدة ويتداعون فيها، أي: تدخل فيهم تلك الأهواء،
جمع: الهوى، والمراد هنا: البدعة (٤).
قوله: ((كما يتجارى الكلب بصاحبه))، أي: كما يدخل الكلب في جميع
أعضاء الرجل، فكذا البدعة تدخل وتؤثر في جميع أعضاء المبتدع بحيث لا
يقدر أن يزيلها عنه(٥)، قال الحافظ رحمه الله: الكلب داء يعرض للإنسان من
(١) أخرجه الطبراني (١ / ١٨٦ رقم ٤٨٩)، واللالكائى في أصول السنة (١٤٤). قال الهيثمى
في المجمع ٢١٨/٥: رواه الطبراني وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور وهو ضعيف.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١). وصححه الألباني في الإرواء (١٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٠ - ١٣٣٧) عن أبي هريرة
(٤) النهاية (٣٦٤/١)، والمفاتيح (٢٨٠/١)، وكشف المناهج (١/ ١٤٦).
(٥) المفاتيح (١ /٢٨١).
٥٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عضة الكلب، الكلب فذكره وفي آخره: ((فإذا رأى إنسانًا ساوره)) أي: واثبه،
قال الشاعر(١):
فَبِتُّ كَأَنِّي سَاوَرَتْنِي ضَئِلَةٌ مِنَ الرُّقْشِ فِي أَنْيَابِهَا السُّمُّ نَاقِعُ
الضئيلة: الحية، شبه تجارى الكلب بصاحبه بجري الفرس (٢).
وقال بعض العلماء: هو داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكلب
فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدا إلا كلب، فإذا عقر هذا الكلب إنسانًا
فأعرض له من ذلك أعراض رديئة، منها: أن يمتنع من شرب الماء حتى
يهلك عطشًا، ولا يزال يستسقى حتى إذا سُقى الماء لم يشربه، فإذا
استحكمت هذه العلة به فقعد للبول خرج منه على هيئة صور الكلاب
الصغار، وقيل: إن هذا المعضوض ينتظر به سبعة أيام، فإن بال على هذه
الهيئة يبرأ منه وإلا هلك، واجتمعت العرب على أن دواة قطرة من دم ملك
تخلط بها فيشفاه، فالكلب داء عظيم إذا تجارى بالإنسان وتمادى هلك، كما
تقدم ذكره، شبه ويقال تمكن الأهواء من قلوب أهل البدع بتمكن الكلب من
الكلب بحيث لا يقبل الانفصال (٣).
(١) البيت للنابغة انظر غريب الحديث لابن سلام (٣١٧/٣)، والحيوان (٣٨١/٤)، وغريب
الحديث (٢ / ٤٩٢) لابن قتيبة، ومشارق الأنوار (٢٣٠/٢).
(٢) النهاية (١ /٣٦٤)، والعدة شرح العمدة (١٧٠٣/٣).
(٣) النهاية (١٩٥/٤)، وشرح المشكاة (٦٤١/٢ - ٦٤٢)، وحياة الحيوان (٣٧٨/٢ -
٣٧٩)، وشرح المصابيح (١٧٨/١) لابن الملك.
٥٤٥
مقدمة المؤلف
فائدة في عجائب المخلوقات: إن بقرية من أعمال حلب بئر يقال لها بئر
الكلب إذا شرب منها من عضه الكلب برئ، وهي مشهورة، قال بعض أهل
القرية: إذا لم يجاوز المكلوب أربعين يومًا وشرب منها برئ، أما إذا جاوز
الأربعين فإنه يموت ولو شرب منها، وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين
فشربوا فسلم اثنان، وكانا لم يبلغا الأربعين ومات الثالث وكان قد تجاوز
الأربعين، وهذا البئر منها يشرب أهل تلك الضيعة (١)، انتهى.
٨٠- وَعَنْ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله وَلِّ قَالَ سِتَّة لعنتهم ولعنهم الله
وكل نَبِي مجاب الزَّائِد فِي كتاب الله عز وجل والمكذب بقدر الله والمتسلط
على أمتِي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذلّ الله والمستحل حُرْمَة الله
والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله والتارك السّنة. رَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَابْن
حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ وَلَا أعرف لَهُ عِلّة(٢).
(١) حياة الحيوان (٣٧٩/٢).
(٢) أخرجه الترمذى (٢١٥٤)، والأزرقى في أخبار مكة (١٢٥/٢)، والفاكهى في أخبار مكة
(١٤٨٤ و١٤٨٥ و١٤٨٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٤) و(٣٣٧)، والطحاوى في
مشكل الآثار (٣٤٦٠ و٣٤٦١) وابن حبان في صحيحه (٥٧٤٩)، والطبراني في الكبير
(١٢٦/٣ - ١٢٧ رقم ٢٨٨٣)، وفي الأوسط (١٨٦/٢ رقم ١٦٦٧)، وفي الدعاء
(٢٠٩٠)، وابن بطة في الإبانة (١٥٣١)، والحاكم (٣٦/١ و٥٢٥/٢ ٩٠/٤).
قال أبو زرعة في العلل (١٧٦٧): حديث ابن أبي الموالي خطأ، والصحيح: حديث
عبيدالله بن عبد الرحمن بن موهب، عن علي بن الحسين، عن النبي ◌َّل مرسلًا. وضعفه
الألباني في الضعيفة (٣٦٨٩) وضعيف الترغيب (٣٥) والظلال (٤٤).
٥٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.
قوله ◌َلّ: ((ستة لعنتهم لعنهم الله، وكل نبي مجاب))، وفي بعض النسخ:
(وكل نبي يجاب)) أي: مستجاب الدعوة، ومعناه: ستة أشخاص دعوت
عليهم بسوء لعنهم الله، ودعائي مقبول لأن كل نبي مجاب الدعوة، أحد
الستة: [٧٣/ أ] الزائد في كتاب الله، أي: في القرآن أو في حكم الله، قيل: هو
الذي يتأول القرآن على غير تأويله وسائر كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل
كذلك(١).
الثاني: التكذيب بقدر الله تعالى، عده العلماء كبيرة من الكبائر، والمكذب
بقدر الله هو الذي يقول بخلق أفعال العباد، والقدر بفتح الدال وإسكانها: قدر
الله الذي يجب الإيمان به کله خيره وشره حلوه ومره نفعه وضره لما روى
ابن ماجه عن عدي بن حاتم أن النبي وقّ قال له: ((أسلم تسلم)) قال: فقلت:
وما الإسلام؟ قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار
كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها)) (٢)، ولما كان الإيمان بالقدر من أعظم
أركان الإيمان عقبه به، ومذهب أهل الحق إثبات القدر كما جاء به القرآن
والسنة الصحيحة المشهورة، ومعناه: أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم
(١) المفاتيح (٢١٣/١ - ٢١٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٨٧)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٥)، والطبراني في الكبير ١٧/
(١٧/ ٨١ رقم ١٨٢)، والبيهقي في القضاء والقدر (١٩٧ و١٩٨). وضعفه الألباني جدا
في ضعيف الجامع (٦٣٩٩) وضعيف ابن ماجه (٨٧).
٥٤٧
مقدمة المؤلف
وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقاتها معلومة عنده سبحانه وتعالى،
وخالفت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها، ولم يتقدم
علمه بها وأنها مستأنفة العلم، أي: إنما علمها سبحانه وتعالى بعد وقوعها،
وكذبوا على الله تعالى، وتعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا(١).
قال الخطابي (٢): القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره،
ولذلك سماهم النبي ◌ٍَّ﴾ مجوسًا لمشابهة مذهبهم مذهب المجوس القابلين
بالأهين اثنين، فالقدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار، اختص
به العليم الخبير، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة،
وقد طوي الله علم القدر عن العالم فلا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب،
قال النووي (٣): المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو: ما قدره الله تعالى
وقضاه وسبق به علمه وإرادته، انتهى، قاله في الديباجة.
تتمة: روى البيهقي في كتاب الشهادات(٤) عن الربيع قال: سئل الشافعي
عن القدر، فأنشأ يقول:
وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأَلَمْ يَكُنْ
مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ
فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنْ
خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٤).
(٢) معالم السنن (٣١٧/٤).
(٣) شرح النووي على مسلم (٢٠٥/١٦).
(٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٤٨/١٠-٣٤٩ رقم ٢٠٨٩٦).
٥٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ
الثالث: المتسلط على أمتي بالجبروت، أي: المستولي الغالب بالكبرياء
والعظمة لإعزاز من أذله الله كالكفار وإذلال من اعزه الله تعالى كالمؤمنين(١).
الرابع: قوله وَّ: ((والمستحل حرمة الله تعالى))، وهو: المستحل في حرم
مكة ما لا يجوز فعله (٢).
الخامس: المستحل من عترتي ما حرم الله، قال في النهاية (٣): عترة الرجل
أخص رجاله، وعترة النبي وَخلالهبنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربون،
وهم أولاده وعلي وأولاده، وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم، ومنه
حديث أبي بكر الصديق: نحن عترته وَله وبيضته التي تفقأت عنهم، لأنهم
كلهم من قريش، ومنه حديثه الآخر [٧٣/ ب] قال للنبي وَخلال حين شاور
أصحابه في أساري بدر: عشيرتك وقومك، أراد بعشيرته العباس ومن كان
فيهم من بني هاشم، وبقومه قريشًا.
وقال ابن الأعرابي: العترة الذرية، وقال القتيبي: العشيرة(٤)، والمشهور
المعروف أن عترته أهل بيته الذين حرمت عليهم الزكاة (6)، والله أعلم.
(١) المفاتيح (٢١٤/١)، وشرح المصابيح (١/ ١٢٧) لابن الملك.
(٢) المفاتيح (١ /٢١٥).
(٣) النهاية (٣/ ١٧٧).
(٤) انظر تهذيب اللغة (١٥٧/٢).
(٥) النهاية (٣/ ١٧٧).
٥٤٩
مقدمة المؤلف
السادس: التارك السنة، تارك السنة من الستة الذين لعنهم الله، وكل نبي
مجاب، فتارك السنة هو الذي يعرض عنها بالكلية أو بترك بعضها استخفافاً،
وقلة مبالاة بها(١)، ومعنى السنة: ما وضعه النبي وَّ من أحكام الدين، وذلك
قد يكون فرضا كزكاة الفطر، وغير فرض كصلاة العيد، والله أعلم.
تتمة: قال الأوزاعي: رأيت رب العزة في المنام، فقال: يا عبد الرحمن أنت
الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قلت: بفضلك يا رب، ثم قلت:
رب أمتني على الإسلام، فقال جل جلاله: وعلى السنة، فقلت: وعلى السنة(٢).
قال الشيخ محيي الدين النووي(٣): كنية الأوزاعي أبو عمرو الشامي
الدمشقي، وكان اسمه عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن، فهو: عبد
الرحمن بن عمرو بن محمد، وكان أصله من سبي السند، فالأوزاعي
منسوب إلى الأوزاع بطن من حمير، وقيل: من همدان بسكون الميم، وقيل:
الأوزاع قرية عند باب الفراديس، وقيل: هو نسبة إلى أوزاع القبائل أي فرقها،
وبقايا من قبائل شتى، كان إمام أهل الشام في عصره بلا مدافعة ولا مخالفة،
وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك، وكان
يسكن دمشق خارج باب الفراديس ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى
(١) انظر: المفاتيح (٢١٥/١-٢١٦)، وشرح المصابيح (٥٧٣/٢)، وشرح المصابيح
(١٢٨/١) لابن الملك.
(٢) حلية الأولياء (٦/ ١٤٢).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٩٨/١ - ٣٠٠ الترجمة ٣٥٥).
٥٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أن مات، وهو من تابعي التابعين، وأجمعت العلماء على إمامته وجلالته
وكمال فضله وعلو مرتبته، قيل: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة،
وقيل: أفتى في ثمانين ألف مسألة، وما كان أحد أعلم بالسنة من الأوازعي،
لقد جمع بين العبادة والورع والقول بالحق، وذكر أبو إسحاق الشيرازي في
الطبقات: الأوزاعي سئل عن الفقه، يعني: استفتى ثلاث عشرة سنة، وأقوال
السلف في أقواله ومناقبه كثيرة، ولد نَظَّاقَتَهُ سنة ثمان وثمانين، ومات في سنة
سبع وستين ومائة في خلافة أبي جعفر، ومات في حمام بيروت، دخل الحمام
فذهب لقضاء حاجة، وأغلق عليه الباب، ولما فتح الباب فوجده ميتا متوسد
يمينه مستقبل القبلة، وقال أبو الفتح: قال الأوزاعي: ليس ساعة من ساعات
الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوما بيوم وساعة بساعة،
فالساعة التي لا يذكر الله فيها إذا مرت ندم عليها حسرات، فكيف إذا مرت
ساعة مع ساعة ويوم مع يوم، وكان نَّهُ لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر،
وقال: من أطال قيام الليل هون الله عليه يوم القيامة، انتهى.
٨١- وَعَن أبي بَرِزَة رَّهُ عَنِ النَّبِيِ نَّهِ قَالَ إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُم شهوات
الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الْهوى رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ
فِي معاجيمه الثّلَاثَة وَبَعض أسانيدهم رُوَاته ثِقَات(١).
(١) أخرجه أحمد ٤٢٠/٤ (١٩٧٧٣) و٤٢٣/٤ (١٩٧٨٧)، والفسوى في مشيخته (٢٣)،
والبزار (٣٨٤٤) و(٤٥٠٣)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٨٨)، والطبراني في الصغير
(٣٠٩/١ رقم ٥١١)، والبيهقي في المدخل (٨٣٠).
=
٥٥١
مقدمة المؤلف
٨٢ - وَعَن عَمْرو بن عَوْفِ رَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّه يَقُول إِنِّي أَخَاف
على أمتِي من ثَلَاث من زلَّةٌ عَالم وَمن هوى مُتبع وَمن حكم جَائِرِ رَوَاهُ الْبَزَّار
وَالطَّرَانِيّ من طَرِيق كثير بن عبد الله وَهُوَ واه وَقد حسنها التِّرْمِذِيّ فِي مَوَاضِعِ
وصححها فِي مَوضِع فَأَنْكر عَلَيْهِ وَاحْتج بِهَا ابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه(١).
قوله: وعن عمرو بن عوف (هو أبو عبد الله عمرو بن عوف بن زيد بن
مليحة، بضم الميم، وقيل: ملحة، بضمها أيضا، ابن عمرو بن بكر بن أفرك
بن عثمان بن عمرو ابن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزنى، كان قديم
الإسلام، يقال: هاجر مع رسول الله مثل﴾، ويقال: أول مشاهده الخندق، وكان
أحد البكائين فى غزوة تبوك الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿تَوَّلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (٢). توفى فى آخر خلافة معاوية. له عن النبى وَلَه أحاديث.
ومزينة التى ينسبون إليها هى أم أولاد عثمان بن عمرو (٣).
قوله ويلة: ((إني أخاف على أمتي من ثلاث، من زلة عالم ومن هوى متبع
قال الهيثمي في المجمع ١٨٨/١: رواه أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال
الصحيح؛ لأن أبا الحكم البناني الراوي عن أبي برزة بينه الطبراني فقال: عن أبي الحكم،
هو علي بن الحكم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢) و(٢١٤٣).
(١) أخرجه المعافى بن عمران في الزهد (٢١٦)، والبزار (٣٣٨٤)، والطبراني في الكبير
(١٧/١٧ رقم ١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٠)، والقضاعى في مسند الشهاب
(١١٢٧). قال الهيثمى في المجمع ١/ ١٨٧: رواه البزار، وفيه كثير بن عبد الله بن عوف،
وهو متروك، وقد حسن له الترمذي. وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب (٣٦).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٣ الترجمة ٤٥٦).
٥٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومن حكم جائر)) [قال ابن عباس: ويل للعالم من الاتباع يزل زلة فيرجع
عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق وقال بعضهم مثل زلة العالم مثل
انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها فقد استبان لك أيها الأخ كما تضاعف
حسنة العالم إذا اقتدى به كذلك تضاعف سيئته إذا اقتدي به فكم من رجل
كان يحسن صلاته مدة سنين فرأى عالما يسيء صلاته ويتهاون بالطمأنينة
فيها والخشوع فترك ما كان عليه واقتدى بالعالم في ذلك واتخذه عادة ظنا منه
أن هذه الصفة تجزئ وإن مثل هذا العالم لا يفعل إلا ما يجوز والنفوس قد
طبعت على الميل إلى الراحة وإيثار الرخص وإتباع الأيسر من الواجبات
والنفور عن العزائم والتشديدات فلو قيل له لم تسيء صلاتك لقال وما
نسبتي إلى العالم فلان وقد رأيته يصلي كذلك فإن كنت منكرا فأنكر عليه فما
أنا بأعلم منه ونحو هذا الكلام وقس على هذا جميع ما يصدر من المتلبسين
بالعلم فتجد ذلك أعظم الأسباب في جرأة الجاهلين على الذنوب وارتكابهم
المعاصي وقلة مبالاتهم بالمخالفات وأشد ما في ذلك على العالم أن العاصي
ربما كان يأتي المعصية مع استشعار الخوف والندم وغير ذلك من الأسباب
التي تصغر تلك المعصية وإن كانت كبيرة فإذا رأى العالم يفعلها صغرت في
عينه وهانت في قلبه وأتاها بإقدام وجرأة فإن كانت صغيرة صارت بذلك
كبيرة وإن كانت كبيرة كانت فاحشة غليظة موبقة وبعدت عليه التوبة منها لأنه
يأتيها بنوع تأويل باطل يرجع إلى تقليد العالم فيها والاقتداء به وأنه إنما أتاها
لعلمه أن فيها رخصة لا يعلمها الجاهل وإثم جميع ذلك على العالم الذي
اقتدي به في الضلال وأقامه مقام إبليس في الإضلال ومثل هذا العالم يجب