Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٧٣
مقدمة المؤلف
وأما ابن المبارك، اسمه: عبد الله بن المبارك أدرك جماعة من التابعين وأكثر
روايته عن الأئمة وأعلام التابعين، قال أبو الفرج بن الجوزي ولد عبد الله بن
المبارك سنة ثلاث عشرة ومائة وهو من تابع التابعين، وتوفى [بهيت] لما قفل
من البحر سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاثين وستين سنة(١)، وسيأتي
الكلام على مناقبه مبسوطًا في مواضع من هذا التعليق إن شاء الله تعالى.
٣٣- عَن أبي هِنْدِ الدَّارِيّ أَنْه سمع النَّبِي ◌ُِّ يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء
وَسُمْعَة رايا الله بِهِ يَوْمِ الْقِيَامَة وَسمع))(٢) رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ
وَالطََّرَانِيّ وَلَفظه أَنْه ((سمع رَسُول الله ◌َّهُ يَقُول من رايا بالله لغير الله فقد
برىء من الله))(٣).
قوله: عن أبي هند الداري، أبو هند الداري، اسمه: برير بن عبد الله وهو
أخو تميم لأمه وتميم الداري كنى بابنته رقية لم يولد له غيرها، وإنما العقب
لأخيه لأمه أبي هند (٤) والله أعلم.
(١) صفة الصفوة (٣٢٣/٢-٣٣١).
(٢) أخرجه أحمد (٧/٣٧)، والدارمي رقم (٢٧٩٠)، والطبراني في المعجم الكبير
(٣١٩/٢٢) رقم (٨٠٣)، والبيهقي في الشعب رقم (٦٤٠٤)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٩٦/٨): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب رقم (٢٤).
(٣) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للطبراني في الكبير، وضعفه الألباني في الجامع
الصغير رقم (١٢٣٦٩).
(٤) الاستيعاب (١٧٧٣/٤)، وأسد الغابة (٣١٧/٦)، والاصابة (٣٦٤/٧).
٣٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَيقول: ((من قام مقام رياء وسمعة راءى الله به يوم القيامة وسمع)) تقدم
الكلام على الرياء والسمعة واشتقاقهما في أول الباب وسيأتي الكلام على
ذلك في الحدیث بعده مبسوطًا.
٣٤- وَعَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعت رَسُول الله وَيه
يَقُول: من سمع النَّاسِ بِعَمَلِهِ سمع الله بِهِ سامع خلقه وصغره وحقره رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيحٍ وَالْبَيْهَقِيّ(١).
قوله: عن عبد الله بن عمرو يعني ابن العاصي تقدم الكلام على مناقبه
قريبًا [٤٦/ ب].
قوله ولية: ((من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره))
الحديث، وفي رواية: ((أسامع خلقه)) بالألف يقال: سمعت بالرجل تسميعا
وتسمعة إذا شهرته وسامع بالرفع اسم فاعل من سمع وأسامع جمع أسمع
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٤١)، وأحمد ١٦٢/٢ (٦٥٠٩) و١٩٥/٢ (٦٨٣٩)
و٢١٢/٢ (٦٩٨٦) و٢٢٣/٢ (٧٠٨٥) والزهد (٢٣٨)، والطبراني في الكبير (٧٠/١٣
رقم ١٤١٨٧) و(٥٢٩/١٣ رقم ١٤٤١٤) و(٥٥٤/١٣-٥٥٥ رقم ١٤٤٤٧)
و(٥٥٥/١٣ رقم ١٤٤٤٨) و(٥٥٦/١٣ رقم ١٤٤٤٩) والأوسط (١٧٢/٥ رقم
٤٩٨٤)، والبيهقي في الشعب (١٤٨/٩-١٤٦ رقم ٦٤٠٢).
قال الهيثمي في المجمع ٢٢٢/١٠: رواه الطبراني في الكبير واللفظ له، والأوسط بنحوه
وقال: ((سمع الله به سامع خلقه يوم القيامة)). رواه أحمد باختصار قول ابن عمر، وقال فيه:
فذرفت عينا عبد الله بن عمر. وسمى الطبراني الرجل، وهو خيثمة بن عبد الرحمن، فبهذا
الاعتبار رجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح. وصححه الألباني
في الصحيحة (٢٥٦٦) وصحيح الترغيب (٢٥).
٣٧٥
مقدمة المؤلف
وأسمع جمع قلة لسمع وسمع فلان بعمله إذا أظهره ليسمع فمن رواه سامع
خلقه بالرفع جعله من صفة الله تعالى أي سمع الله سامع خلقه به الناس، ومن
رواه سامع أراد أن الله تعالى يسمع به أسماع خلقه يوم القيامة، وقيل: أراد من
سمع الناس بعمله سمعه الله وأراه ثوابه من غير أن يعصيه وقيل: من أراد بعمله
الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك ثوابه، وقيل: أراد أن يفعل فعلا صالحا في
السر ثم يظهره ليسمعه الناس ويحمد عليه فإن الله يسمع به ويظهر للناس
غرضه وإن عمله لم يكن خالصا وقيل يريد من نسب إلى نفسه عملا صالحا
لم يفعله وادعى خيرا لم يصنعه فإن الله يفضحه ويظهر كذبه ومنه الحديث
((إنما فعله سمعة ورياء)) أي: ليسمعه الناس ويروه (١) والله تعالى أعلم.
٣٥- وَعَنِ جُنْدُب بن عبد الله ◌َو ◌َّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيِ وَِّ من سمع سمع الله
بِهِ وَمن يراء يراء الله بِهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ(٢).
سمع بتَشْديد الْمِيم وَمَعْنَاهُ من أظهر عمله للنَّاسِ رِيَاء أظهر الله نِيَّتَه
الْفَاسِدَة فِي عمله يَوْمِ الْقِيَامَة وفضحه على رُؤُوس الأشهاد.
قوله: عن جندب بن عبد الله، هو: جندب بن عبد الله بن [سفيان البجلي
العلقي وعلقة بفتح العين واللام: بطن من بجيلة، وهو علقة بن عبقر بن أنمار
بن إراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث. له صحبة ليست
بالقديمة، يكنى أبا عبد الله، سكن الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة، قدمها مع
(١) النهاية (٤٠١/٢- ٤٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٤٩٩) و(٧١٥٢)، ومسلم (٤٨ - ٢٩٨٧).
٣٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مصعب بن الزبير.
روى عنه من أهل البصرة: الحسن، ومحمد، وأنس ابنا سيرين، وأبو
السوار العدوي، وبكر بن عبد الله، ويونس بن جبير الباهلي، وصفوان بن
محرز، وأبو عمران الجوني، وروى عنه من أهل الكوفة عبد الملك بن عمير،
والأسود بن قیس، وسلمة بن کھیل.
وله رواية عن أبي بن كعب، وحذيفة، روى عنه الحسن، أن النبي وَّه قال:
((من صلى صلاة الصبح كان في ذمة الله عز وجل فانظر لا يطلبنك الله بشيء
من ذمته)). قال ابن منده، وأبو نعيم: ويقال له: جندب الخير، والذي ذكره ابن
الكلبي أن جندب الخير هو جندب بن عبد الله بن الأخرم الأزدي الغامدي(١)].
قوله وَقر: ((من سمَّع سمع الله به)) الحديث. فسر الحافظ هذا الحديث
فقال: سمع هو بتشديد الميم ومعناه: من أظهر عمله للناس رياء أظهر الله
نیته الفاسدة في عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد، انتهى.
فائدة: الأشهاد الملائكة الحفظة وقيل عموم الملائكة وقال الضحاك: هم
الأنبياء والمرسلون، ودليله قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾﴾(٢) وقيل: الأنبياء والملائكة
والعلماء الذين بلغوا الرسالات، وقال قتادة: هم الخلائق أجمع (٣) قال الله
(١) أسد الغابة (١ / ٥٦٦ ترجمة ٨٠٤).
(٢) سورة النساء، الآية: ٤١.
(٣) تفسير القرطبى (١٨/٩).
٣٧٧
مقدمة المؤلف
تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ﴾ (١) فقيل: الحفظة يشهدون للأنبياء بالتبليغ
وعلى الكفار بالتكذيب واحدهم شاهد كطائر وأطيار وصاحب وأصحاب (٢)
ويجوز أن يكون شهيدا كشريف وأشراف ويتيم وأيتام(٣) انتهى قاله في
الديباجة، وفسره النووي أيضًا أبسط من ذلك، فقال نقلا عن العلماء(٤):
معناه من رايًا بعمله وسمَّعه للناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيرا سمع
الله به يوم القيامة الناس وفضحه على رؤوس الأشهاد وقيل معناه: من سمع
بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل: أسمعه المكروه وقيل: أراه الله
تعالى ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه وقيل: معناه من
أراد بعمله الناس أسمعه الله و کان ذلك حظه منه انتھی.
٣٦- وَعَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ ◌َّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله
وسلم
صَلى الله
يَقُول من قَامَ مقَام رِيَاء رايا الله بِهِ وَمن قَامَ مقَام سمعة سمع الله بِهِ رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَاد حسن(٥).
(١) سورة غافر، الآية: ٥١.
(٢) التفسير البسيط (١٨/٤).
(٣) تفسير ابن عطية (٤/ ٥٦٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (١١٦/١٨).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٦/١٨ رقم ١٠١)، والضراب في ذم الرياء (٢٧). قال
الهيثمى في المجمع ٢٢٣/١٠: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (٢٧).
٣٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[سيدنا عوف بن مالك الأشجعي الصحابي]:
قوله: وعن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي، كنيته: أبو عبد الرحمن
ويقال: أبو محمد ويقال: أبو حماد ويقال: أبو عمرو عوف بن مالك بن أبي
عوف الأشجعي الغطفاني أول مشاهده مع النبي ◌َليو [٤٧/ أ] خيبر وشهد
معه فتح مكة وكانت معه راية أشجع، نزل الشام وسكن دمشق وكانت داره
عند سوق الغزل، روي له عن رسول الله ◌َ لا سبعة وستون حديثا، روى
البخاري منها واحدا ومسلم خمسة، روى عنه أبو أيوب الأنصاري والمقدام
بن معدي كرب وأبو هريرة، وروى عنه من التابعين جماعات واتفقوا على
أنه توفي بدمشق سنة ثلاث وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان (١). انتهى.
[عبد الملك بن مروان]:
تنبيه: في ذکر خلافة عبد الملك بن مروان ونسبه، أما نسبه: فکان یکنی
بأبي الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم أبي العاصي بن أمية بن عبد
شمس بن عبد مناف، وكل بني أمية يلقون رسول الله وصي في عبد مناف، وأمه:
عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، روی
أن حبرا من أحبار الروم من أهل الشام أحسبه راهبا قدم المدينة فبينما هو
يمشي في بعض أزقتها راى عبد الملك بن مروان وهو غلام يسعى وعلى
يديه بازي فاستوقفه الحبر ثم سأله عن نفسه فأخبره عبد الملك فقال له
الحبر: إني مبشرك ببشارة فما جزاءي عليها فقال عبد الملك: إذا عرفت
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٤٠/٢ ترجمة ٤٧٢).
٣٧٩
مقدمة المؤلف
البشارة عرفت قدر جزاءي بها فقال له الحبر إنك نملك الأرض فقال عبد
الملك: الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، فقال له الحبر: ما لي عندك إن
کان ما قلته حقا،فقال عبد الملك: أرأيت إن ضمنت لك أیکون من ذلك ما
لم يقدر، قال: لا، قال: أفرأيت إن لم أضمن أيمنع من ذلك ما قدر أو يتأخر
عن حينه، فقال له الحبر: لا فقال عبد الملك: فما أرى للضمان وجها وإن
يكن ما تقول حقا وتأتينا نحسن إليك إن شاء الله تعالى، وبويع له بالخلافة في
شهر رمضان سنة ست وستين، وقيل: سنة خمس وستين وله إحدى وأربعون
سنة وأشهر وكانت خلافته في أصح الروايات سنة إحدى وعشرين سنة
وستة أشهر وخلص له الأمر ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر وكان لما مات
أخوه عبد العزيز ولي مصر عبد الله بن مروان أخوه أيضا وهو صاحب
المسجد بمصر المعروف بمسجد عبد الله و کان عبد الله حدثا فإنه كان آخر
ولد مروان انتهى قاله في تاريخ كنز الدرر(١).
٣٧- وَعَنِ معَاذ بن جبل عَن رَسُول الله ◌ِّهِ قَالَ مَا من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا
مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع الله بِهِ على رُؤُوس الْخَلَائِقِ يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ
الطِّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢).
(١) كنز الدرر (١٣٥/٤-١٣٧) و(٢٤٢/٤).
(٢) أخرجه البزار (٢٦٥٧)، والطبراني في الكبير (١١٩/٢٠ رقم ٢٣٧) والشاميين (١٠٣١).
قال الهيثمى في المجمع ٢٢٣/١٠: رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في
صحیح الترغيب (٢٨).
٣٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٨- وَعَنِ ابْن عَبَّاسِ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ من رايا بِشَيْء فِي الدُّنْيَا من عمله
وَكِله الله إِلَيْهِ يَوْمِ الْقِيَامَة وَقَالَ انْظُرْ هَل يُغنِي عَنْك شَيْئًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا(١).
قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((من رايًا بشيء في
الدنيا من عمله وكله الله إليه يوم القيامة)) تقدم الكلام على الرياء.
وقوله: ((وكله الله إليه يوم القيامة)) وكله بمعنى جعله معتمدًا على [الشيء](٢).
٣٩- وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَلِ يَقُول من تزين
بِعَمَل الْآخِرَة وَهُوَ لَا يريدها وَلَا يطْلبهَا لعن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَوَاهُ
الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط(٣).
٤٠- وَرُوِيَ عَنِ الْجَارُود قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَِّ مِن طلب الدُّنْيَا بِعَمَل
الْآخِرَة طمس وَجهه ومحق ذكره وَأثبت اسْمِه فِي النَّارِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
الْكَبِير (٤).
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٩/ ١٦٣ رقم ٦٤٢١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩).
(٢) كشف المناهج (٣٥٦/٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٩٦/٥ رقم ٤٧٧٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن
الزهري إلا ابن أبي ذئب، تفرد به إسماعيل بن يحيى. وقال الهيثمى في المجمع
١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذاب. قال
الألباني: موضوع الضعيفة (٤٥٧٤)، وضعيف الترغيب (١١).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٨/٢ رقم ٢١٢٨)، وأبو نعيم في المعرفة (١٦٤٨). وقال
الهيثمى في المجمع ٢٢٠/١٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وضعفه الألباني في
الضعيفة (٥١٤٧) وضعيف الترغيب (١٢).
٣٨١
مقدمة المؤلف
قوله: عن الجارود، هو: الجارود بن [المعلى بن العلاء، وقيل: الجارود
بن عمرو بن العلاء، وقيل: الجارود بن المعلى بن عمرو بن حنش بن يعلى،
قاله ابن إسحاق.
وقال الكلبي: الجارود، واسمه بشر بن حنش بن المعلى، وهو الحارث
بن يزيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف
بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس العبدي، وأمه
دريمكة بنت رويم من بني شيبان، وإنما لقب الجارود، لأنه أغار في الجاهلية
على بكر بن وائل، فأصابهم وجردهم.
وفد على رسول الله وَخلال سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم، وكان
نصرانيا، ففرح النبي وَّ بإسلامه، فأكرمه وقربه، وتروى عنه من الصحابة
عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن التابعين: أبو مسلم الجذمي، ومطرف بن
عبد الله بن الشخير، وزيد بن علي أبو القموص، وابن سيرين(١)].
فائدة تتعلق باسم الجارودية: أما الجارودية ففرقة من الزيدية من الشيعة
وهم من أبي الجارود نسبوا إليه زعموا أن النبي وَّ نص على إمامة علي
بالوصف والتسمية وأن أن الناس كفروا بتركهم الاقتداء به بعد النبي وَالال ثم
بعده الحسن ثم الحسين ثم إن الإمامة شورى في ولديهما فمن خرج منهم
داعيا إلى سبيل ربه وكان عالما فاضلا انتهى قاله في الأنساب(٢).
(١) أسد الغابة (١ /٤٩٨ ترجمة ٦٥٧).
(٢) الأنساب (١٦٨/٣) للسمعانى.
٣٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
* قوله {وَلاه في حديث الجاورد: ((ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة
وریاء))[٤٧/ ب].
(١) [خشية الله تعالى كتبت حسنة كما جاء في الحديث: ((إنما تركها من
جرائي))(٢) فصار تركه لها لخوف الله تعالى ومجاهدته نفسه الأمارة بالسوء في
ذلك، وعصيانه هواه حسنة، فأما الهم الذي لا يكتب فهي الخواطر التي لا
توطن النفس عليها ولا يصحبها عقد ولا نية وعزم، وذكر بعض المتكلمين
خلافا فيما إذا تركها لغير خوف الله تعالى بل لخوف الناس، هل يكتب حسنة؟
قال: لا، لأنه إنما حمله علی ترکها الحياء، وهذا ضعيف لا وجه له، هذا آخر
كلام القاضي (٣)، وهو ظاهر حسن ولا مزيد عليه، وقد تظاهرت نصوص
الشرع بالمؤاخذة بعزم القلب المستقر، والله أعلم(٤)، ومذهب الجمهور أن
العزم على المعصية إذا استقر في القلب كان ذنبًا يكتب عليه بخلاف
الخاطر(٥)، انتهى، قاله في شرح الإلمام.
قوله وَّل: ((إنما تركها من جرائي)) قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتشديد
(١) هذه الصفحة ليست لها علاقة بما قبلها.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٥ - ١٢٩) عن أبي هريرة.
(٣) قاله القاضى عياض كما في إكمال المعلم (٤٢٥/١-٤٢٦).
(٤) قاله النووى كما في شرح النووي على مسلم (٢/ ١٥١).
(٥) قاله القاضى عياض في إكمال المعلم ٥/ ٤٠٤، وعنه النووى في شرح النووي على مسلم
(١٠٧/١١-١٠٨)، وابن حجر في فتح البارى (٦١٣/٨).
٣٨٣
مقدمة المؤلف
الراء أي من أجلي وقال غيره: أي من أجلي وبسببي، وجراء: تمد وتقصر
يقال: علت ذلك من جراك ومن جرائك أي من أجلك، وهذا يدل على أن
المراد من قدر على ما هم من المعصية فيتركها لله عز وجل، وهذا لا ريب في
أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه للمعصية بهذا القصد عمل صالح فأما إن
هم بمعصية ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل: إنه
يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله
تعالى محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن بذلك ترك
المعصية لأجله عوقب على هذا الترك، وأما إن سعى في تحصيلها بما أمكنه
ثم حال بينه وبينها العذر فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقول النبي
وَاجلة: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل))(١)
ومن سعى في حصول المعصية جهده ثم عجز عنها فقد عمل وكذلك قوله
وَالّ: ((بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار))(٢) وقوله وَخلال في الحديث: ((ما لم
(١) أخرجه البخاري (٢٥٢٨) و(٥٢٦٩) و(٦٦٦٤)، ومسلم (٢٠١ و٢٠٢ - ١٢٧)، وأبو
داود (٢٢٠٩)، وابن ماجه (٢٠٤٠) و (٢٠٤٤)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي في
المجتبى ٦/ ٤٣(٣٤٥٩) و ٤٤/٦(٣٤٦٠) و ٤٥/٦ (٣٤٦١) وفي الكبرى ( ٥٥٩٧) و
(٥٥٩٨)، وابن خزيمة (٨٩٨) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري (٣١) و(٦٨٧٥) و(٧٠٨٣)، ومسلم (١٤ و١٥- ٢٨٨٨)، وأبو داود
(٤٢٦٨) و(٤٢٦٩)، والنسائى في المجتبى ٥٦٢/٦(٤١٥٦) و٥٦٤/٦(٤١٥٨)
و(٤١٥٩) و٥٦٥/٦ (٤١٦٠) و(٤١٦١) عن أبي بكرة.
٣٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تتكلم به أو تعمل)) يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به لسانه أنه
يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه،
ويدل على ذلك قوله ◌َالله في حديث أبي كبشة الأنماري الذي تقدم قريبًا: (لو
أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان)) (١) يعني الذي يعصي الله تعالى في ماله
فهما في الوزر سواء(٢).
[المعصية بأحد الحرمين]:
تنبيه: تضمنت نصوص هذه الروايات كتابة الحسنات والسيئات والهم
بالحسنة والهم بالسيئة وتقدم الكلام على ثلاث، وبقي الهم بالسيئة إذا عملها
كتبها الله سيئة واحدة كما في حديث ابن عباس، ففيه إشارة إلى أنها غير مضاعفة
كما صرح به في الحديث المذكور، ولكن السيئة تعظم أحيانًا بشرف الزمان
ومكان كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ إلى
قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ (٣) قال قتادة في هذه الآية: اعلموا أن
الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وقد روي في
حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان، وكان جماعة من الصحابة
(١) أخرجه الترمذى (٢٣٢٥)، وابن ماجه (٤٢٢٨). وقال الترمذى: هذا حديث حسن
صحيح. وصححه الألباني کما سبق.
(٢) جامع العلوم والحكم (١٠٤٥/٣-١٠٤٧).
(٣) سورة التوبة، الآية: ٣٦.
٣٨٥
مقدمة المؤلف
[٤٨ / أ] يتقون سكنى الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد
الله بن عمرو بن العاصي، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأن أخطئ
سبعين خطيئة يعني، بغير مكة أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة (١)، وعن
مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات(٢)، وقال ابن
جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة والحسنة على نحو ذلك(٣) وقد
تضاعف السيئات لشرفا فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصى
السلطان على بساطه أعظم أجرا ممن عصاه على بعد (٤).
قوله وَّ في حديث ابن عباس: زاد في رواية: ((أو محاها)) يعني أن عمل
السيئة إما تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب
كالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات(٥).
وقوله بعد ذلك: ((ولا يهلك على الله هالك)) أي: لا يعاقب مع هذه
المسامحة إلا مفرط غاية التفريط يعني بعد هذا الفضل العظيم والرحمة
الواسعة فيه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات: ((لا يهلك على الله
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٨٧١)، والأزرقى في أخبار مكة (٢/ ١٣٤) والفاكهى في أخبار مكة
(١٤٣١).
(٢) أخرجه الثعلبى في التفسير (٧/ ١٧).
(٣) أخبار مكة (٢/ ١٣٧).
(٤) جامع العلوم والحكم (٣/ ١٠٤٠- ١٠٤٢).
(٥) جامع العلوم والحكم (١٠٥٢/٣).
٣٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلا من هلك وألقي بيديه إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب في
الحسنات وأعرض عنها)) ولهذا قال ابن مسعود نَّاللّه: ويل لمن غلب
وحدانه عشراته(١)، وروي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما
مرفوعا هكذا: هلك من غلب واحده عشرًا(٢) انتهى كلام ابن رجب(٣).
سؤال: ما معنى قوله: ويل لمن غلب آحاده أعشاره، قيل: الآحاد السيئات
لأن كل سيئة تكتب بواحدة والأعشار أصول الحسنات وتضاعيف الحسنات
فإن الحسنة بعشر أمثالها قاله ابن العماد في كشف الأسرار (٤).
تنبيه: قال بعض العلماء لأن تفضل حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلى
من الدنيا جميعًا (٥).
سؤال آخر: ما الحكمة في إضعاف الحسنات؟ قال النيسابوري: لئلا یفلس
العبد إذا اجتمع الخصماء في طاعته فيدفع إليهم واحدة وتبقى له تسعة ثم
(١) تفسير الطبرى (٢١٤/١٠).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٤/٢) عن ابن مسعود موقوفًا. وذكره الرازى في تفسيره
(٢٢٦/١١) عن ابن عباس مرفوعا من رواية الكلبى عن أبي صالح بلفظ: لما نزلت هذه
الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوأ فكيف
الجزاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى
المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له
تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره)).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٥٣-١٠٥٤).
(٤) كشف الأسرار (لوحة ٤٤).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في التفسير (٥٨٥)، والطبرى في التفسير (٢٩/٧) عن قتادة.
٣٨٧
مقدمة المؤلف
توفي العباد من أصول حسناته ولا يوفي من التضعيفات لأنها فضل من الله
تعالى قد ذكر البيهقي في كتاب البعث والنشور فقال: إن التضعيفات فضل
من الله تعالى لا يتعلق بها العباد بل يدخرها للعبد إذا أدخله الجنة أثابه بها(١)
قاله أيضا في كشف الأسرار(٢)، وفي حديث مرسل أخرجه ابن أبي الدنيا أن
النبي وَّ قال الرجل: ((يا فلان إنك تبني وتهدم يعني تعمل الحسنات
والسيئات)) فقال يا رسول الله: سوف أبني ولا أهدم(٣)، علامة قبول الطاعة
أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية ما أحسن الحسنة
بعد الحسنة وأقبح السيئة بعد الحسنة ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا
قبلها النكسة أصعب من المرض الأول (٤).
قوله وَّة: ((يقول الله تعالى وإذا تحدث عبدى لله))(٥) [٤٨/ب].
قوله وَلّ: ((ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء إلا سمع الله به على
رؤوس الخلائق يوم القيامة)) تقدم معناه في الأحاديث قبله.
تنبيه: وورد في حديث آخر أن النبي وّ قال: ((ومن قام برجل مسلم مقام
سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة)) (٦) أي من أظهر
(١) روح البيان (٣٨٠/١).
(٢) كشف الأسرار (لوحة ٤٤).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (١٨١) عن عبد الله بن شقيق مرسلًا.
(٤) لطائف المعارف (ص ٦٤).
(٥) هاتان اللوحتان مكررتان بما سبق.
(٦) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢٩/٤ (١٨٠١١)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٤٥)، وأبو
داود (٤٨٨١)، والفسوى في المعرفة (٣٥٦/٢)، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني
=
٣٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رجلا بصلاح وليس بصالح أو شهره بين الناس بالصلاح والزهد ليعتقدوه
ويحصل له جاه عندهم ليأخذ منهم شيئًا كما ترى في زماننا يعتقدون الجهال
ويغترون بهم فيأمر الله تعالى ملائكته أن يظهروا أنه كذاب(١)، انتهى.
٤١- وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّه يخرج فِي آخر الزَّمَان
رجال يختلون الدُّنْيَا بِالدّينِ يلبسُونَ للنَّاس جُلُود الضَّأْن من اللين ألسنتهم
أحلى من الْعَسَل وَقُلُوبِهمْ قُلُوب الذئابِ يَقُول الله عز وجل أبي يغترون أم
عَليّ يجترئون فَبِي حَلَفت لَأَبْعَثَن على أُولَئِكَ مِنْهُم فتْنَة تدع الْحَلِيم حيران
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة يحيى بن عبيد سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة
فَذْكره وَرَوَاهُ مُخْتَصرا من حَدِيث ابْن عمر وَقَالَ حَدِيث حسن (٢).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله وقال: ((يخرج آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين)) الحديث معنى
يختلون الدنيا بالدين يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يريك دينا وورعا حتى إذا
(٢٨٠٧)، وأبو يعلى (٦٨٥٨)، والطحاوى في مشكل الآثار (٤٤٨٥)، والطبراني في
الأوسط (٤ /٤٥ رقم ٣٥٧٢) والكبير (٣٠٩/٢٠ رقم ٧٣٥) والشاميين (٢٠٦)
و(٣٥٨٩)، والحاكم ١٢٧/٤-١٢٨، والبيهقي في الشعب (٨٤/٩-٨٥ رقم ٦٢٩١
و٦٢٩٢). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٩٣٤).
(١) شرح المشكاة (٣٢١٨/١٠-٣٢١٩) للطيبى.
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٠) ومن طريقه الترمذى (٢٥١٥) وأبو القاسم الحلبى في
حديثه (١٥) وابن عبد البر في الجامع (١١٤٠) والبغوى في شرح السنة (٤١٩٩)، وهناد
في الزهد (٤٣٧/٢)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٧). وضعفه الألباني جدا في ضعيف
الترغيب (١٣).
٣٨٩
مقدمة المؤلف
ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث قبح الله الفاعل لذلك، يقال
ختله يختله إذا خدعه وراوغه والختل الخداع (١) وهو أن يعمل الرجل عملا
وفي نيته بعمله أن يخدع الناس وختل الذئب الصيد إذا تخفى له، ومنه حديث
الحسن في طلاب العلم وصنفٌ تعلموه للاستطالة والختل أي للخداع، قاله
في النهاية(٢).
قوله: ((يلبسون للناس جلود الضأن من اللين)) يضرب المثل بلين جلود
الضأن كما في الحديث [كناية عن إظهار التمسكن والتلين مع الناس].
قوله: ((ألسنتهم أحلى من العسل قلوبهم قلوب الذئب)) وفي رواية قلوبهم
أمر من الصبر ((يلبسون للناس جلود الضأن من اللين يشترون الدنيا بالدين))
وفي سنن أبي داود وابن ماجه عن أبي الدرداء أن النبي ◌َّ قال: ((أوحى الله
تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل
ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس صوف الكباش قلوبهم كقلوب
الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي
يستهزئون لأبيحن لهم فتنة تدع الحليم حيران)» (٣) وهو في الحلية من حديث
(١) كشف المناهج (٣٥٢/٤).
(٢) النهاية (٩/٢).
(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٦٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم
(١١٣٩)، وابن عساكر في ذم من لا يعمل بعلمه (٩)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (٢/
٣٧). قال العراقى في تخريج الإحياء (٧٥): أخرجه ابن عبد البر بإسناد ضعيف.
٣٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فرقد السبخي عن أنس قال أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء ما بال عبادي
يدخلون بيوتي يعني المساجد بقلوب غير طاهرة وأيد غير نقية أبي يغترون أو
إياي يخادعون وجلالي وعلوي في ارتفاعي لأبتلينهم ببلية تدع الحليم منهم
حيران لا ينجو منهم إلا من دعا كدعاء الغريق(١)، وفي الحلية أيضا أن
الأوزاعي حدث عن هارون بن رباب الأسدي وكان من الزهاد أنه قال:
حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم حسن يقولون سبحانك
وبحمدك على حكمك بعد علمك ويقول الأربعة الأخر: سبحانك وبحمدك
على عفوك بعد قدرتك(٢) انتهى.
قوله: ((أبي يغترون))، ومعنى ((أبي يغترون)) أي بإمهالي يغترون، وقوله في
الحديث: ((فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران)) فبي
للقسم، وتدع الحليم تترك، وأراد بالحليم العالم قاله في شرح المصابيح(٢).
لطيفة: وروى أبو طالب المكي في قوت القلوب أن رجلا كان يخدم
موسى ◌َلما فجعل يقول حدثني موسى وَّ، حدثني موسى نجي الله،
حدثني موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله. [٤٩/ أ]
ففقده موسی لتل وجعل يسأل عنه فلا يحس له أثرا حتى جاءه رجل
ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال يا موسى أتعرف ذاك
(١) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤٨/٣)، والكلاباذى في بحر الفوائد (١٠٧٣).
(٢) الحلية (٥٥/٣).
(٣) المفاتيح (٣١٧/٥)، وشرح المشكاة (٤٤٦/٥) للطيبى.
٣٩١
مقدمة المؤلف
الرجل الذي كان يخدمك قال: نعم، قال: هو هذا الخنزير فقال موسى
صَلى الله .
عافيه
وسلم
((يارب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله لم أصابه ذلك، فأوحى الله تعالى
إليه لو دعوتني بالذي دعى به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن أخبرك لم
صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين، فالذي يطلب الدنيا بإظهار الزهد
فيها فإن ذلك خداع قبيح جدًّا))(١).
لطيفة أخرى: كان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يعيب على من
لبس عباءة وفي قلبه شهوة من شهوات الدنيا تساوي أكثر من قيمة العبادة
يشير أي أن إظهار الزهد في الدنيا باللباس الدني إنما يصلح لمن فرغ قلبه من
التعلق بها بحيث لا يتعلق قلبه بأكثر من قيمة ما لبسه في الظاهر حتى يستوي
ظاهره وباطنه في الفراغ من الدنيا وما أحسن قول بعض العارفين وقد سئل
عن الصوفي فقال: الصوفي من لبس الصوف على الصبا وسلك كريق
المصطفى وذاق الهوى بعد الجفا وكانت الدنيا منه خلف القفا، ذكره ابن
رجب الحنبلي (٢)، وقال كعب الأحبار: يظهر في آخر الزمان علماء يزهدون
الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون الناس ولا يخافون وينهون عن غشيان
الولاة ويأتون ويؤثرون الدنيا على الآخرة، وفي آخر الحديث: ((يقربون
الأغنياء دون الفقراء أولئك الجبارون أعداء الرحمن)) (٣).
(١) قوت القلوب (٢٤٩/١).
(٢) مجموع رسائل ابن رجب (ص ٨٠).
(٣) قوت القلوب (٢٤٣/١).
٣٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٢ - وَرُوِيَ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّه من تحببٍ إِلَى النَّاسِ بِمَا يحبون وبارز
الله بِمَا يَكْرُهُونَ لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطُ(١).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه في باب الرياء.
قوله : (من تحبب إلى الناس بما یحبون وبارز الله بما يكرهون لقى الله
وهو عليه غضبان)) الحديث، غضب الله تعالى هو [ما يظهر من انتقامه ممن
عصاه وما يراه من أليم عذابه وما يشاهده من الأهوال التي لم تكن ولا يكون
مثلها].
٤٣ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضا قَالَ قَالَ رَسُول الله رَّه تعوذوا بالله من جب الحزن
قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا جب الْحزن قَالَ وَادٍ فِي جَهَنَّم تتعوذ مِنْهُ جَهَنَّم كل يَوْم
مائَة مرّة وَمِائَة قيل يَا رَسُول الله وَمن يدْخِلهُ قَالَ الْقُرَّاء المراؤون بأعمالهم
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيثٍ غَرِيبٍ وَابْن مَاجَه (٢) وَلَفظه تعوذوا بالله من جب
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٦/٣ - ١٦٧ رقم ٢٨١٧). وقال الطبراني: لا يروى هذا
الحديث إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن سليمان. وقال الهيثمى في المجمع
٢٢٤/١٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك.
وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٢٦٤٥) وضعيف الترغيب (١٥).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٧٠) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٦٨/٩ رقم
٦٤٣٥)، والترمذى (٢٥٤١)، وابن ماجه (٢٥٦)، والطبراني في الدعاء (١٣٩٠ و١٣٩١)
والأوسط (٢٦١/٣ رقم ٣٠٩٠)، وابن عدى في الكامل (٤٤٣/٧). قال البخاري: أبو معاذ
لا يعرف له سماع من ابن سيرين، وهو مجهول. وقال الترمذى: هذا حديث غريب.
وقال ابن عدی: وهذا حديث قد رُوي عن بُگیر بن شهاب الدامغاني، عن ابن سیرین، عن
أبي هريرة، فلا يسوى الروايتين شيئا، وعمار بن سيف له غير ما ذكرت، والضعف بين في