Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣١٣ مقدمة المؤلف دهمان من بني مالك بن كنانة، توفيت أم رومان سنة ست من الهجرة في ذي الحجة، وقد صح أنها كانت في الإفك حية، وكان الإفك في شعبان سنة ست، ونزل النبي وَّ في قبرها واستغفر لها، أسلمت قبل الهجرة، وتزوج رسول الله وَجّ عائشة رضي الله عنها قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث وهي ابنة ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقال عبد الغني: والأول أصح، وبنى بها في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره على الصحيح، وقيل: غير ذلك وهي ابنة تسع وولدت سنة أربع من النبوة (١)، وتوفي رسول الله وَل وهي ابنة ثماني عشرة سنة(٢)، وعن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت (٣)؛ وعن عروة بن الزبير قال: ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة(٤)؛ وعن عطاء بن أبي رباح قال: كانت عائشة رضي الله عنها أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة(٥)، واعلم أن رسول (١) المختصر الكبير (ص ٩٣). (٢) مرآة الزمان (٧ / ٤١٠). (٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٣٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ١٦٥)، وانظر العدة (١٠١/١)، وسمط النجوم العوالى (١ /٤٥٠) نقلا عن أنساب الأشراف للبلاذری (١ / ٤١٨) وفيه اشتغلت بدل استقلت. (٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ١٨٢)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٢٧٥٩)، وانظر العدة (١/ ١٠١)، وعيون الأثر (٢/ ٣٦٩). (٥) رواه الحاكم في المستدرك (١٤/٤)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (٢٧٦٢)، وانظر العدة (١/ ١٠١)، وعيون الأثر (٣٦٩/٢). ٣١٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الله ◌َّ له مات عن تسع من أزواجه وعائشة. [٣٧/ أ] أفضلهن بلا خلاف؛ وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ وجهان، حكاهما صاحب التتمة، وادعى الثعلبي الإجماع على أن خديجة أول الناس إسلاما، وهذا يقتضي ترجيح تفضيلها على عائشة رضي الله عنها(١)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((ما تزوجت شيئا من نسائي ولا زوجت شيئا من بناتي إلا بوحي جاءني جبريل عن ربي عز وجل)) (٢)؛ وكنية عائشة أم عبد الله، كناها رسول الله وَل( بأم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير(٣). واعلم أن عائشة أم المؤمنين اختصت بفضائل لم يشركها أحد من أزواج النبي ◌َّله فيها، الأولى: أنه وَّ لم يتزوج بكرًا غيرها؛ الثانية: أن جبريل،عليّلام جاء النبي وَلّ بصورتها قبل أن يتزوجها؛ الثالثة: أنها كانت أحب نساء النبي وَّه إليه؛ الرابعة: كان أبوها أحب الرجال إليه وأعزهم عليه؛ الخامسة: لم ينكح النبي وَّ امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف سواها، السادسة: كان لها يومان وليلتان في القسم دونهن لما وهبتها سودة أم المؤمنين يومها وليلتها؛ (١) العدة في شرح العمدة (١ / ١٠١). (٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (١ / ٤٩٥) في ترجمة (إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمى) وقال: يحدث عن الثقات بالبواطيل ... ثم ذكر الحديث وقال: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد. وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٧/ ٢٥١) وقال: غريب، وابن عساكر في تاریخ دمشق (١٤٩/٦٩). (٣) أخرجه أبو داود (٣٧٣٩) (٤٩٧٠)، وابن حبان (٧١١٧) وقال الألباني: صحيح الصحيحة (١٣٢). ٣١٥ مقدمة المؤلف السابعة: أنها كانت تغضب فيترضاها ولم يثبت ذلك لغيرها؛ الثامنة: لم ينزل الوحي على رسول الله وَ له في لحاف امرأة غيرها؛ التاسعة: أنها رأت جبريل ع ◌َلاء في صورة دحية الكلبي؛ العاشرة: نزل براءتها من السماء في قصة الإفك؛ الحادية عشرة: جعل براءتها قرآنا يتلى يوم القيامة؛ الثانية عشرة: لم ينزل بها أمرٌ إلا جعل الله تبارك وتعالى لها منه مخرجا وللمسلمين بركة؛ الثالثة عشرة: نزل آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله وَ ل الناس، وقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؛ الرابعة عشرة: أنها خيرت فاختارت الله تبارك وتعالى ورسوله على الفور وكن لها تبعا في ذلك؛ الخامسة عشرة: كانت أفصحهن لسانًا؛ السادسة عشرة: كانت رضي الله عنها أكثرهن علمًا؛ السابعة عشرة: اختياره وَّر أن يمرض في بيتها؛ الثامنة عشرة: اجتماع ريق رسول الله وَله وريقها في آخر أنفاسه عليه الصلاة والسلام؛ التاسعة عشرة: وفاته بين سحرها ونحرها؛ العشرون: وفاته وَّله في يومها؛ الحادية والعشرون: في بيتها بقعة هي أفضل بقاع الأرض مطلقًا، وهي مدفنه وَلّ، وادعى القاضي عياض وغيره الإجماع عليه؛ الثانية والعشرون: لم يرو عن النبي وَّ الحديث امرأة أكثر منها، روي لها [٣٧/ ب] عن رسول الله وَلّ ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا ومسلم بثمانية وستين حديثا، وروى عنها من الصحابة عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن قيس الأشعري وعبد الله بن عامر بن ربيعة وأبو هريرة ٣١٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ونيف وستون رجلا وامرأة من التابعين في الصحيح(١)، انتهى، ذكره ابن الفرات الحنفي في تاريخه. قوله ◌َّية: ((يغزوا جيش الكعبة)) الحديث، أي: يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة(٢). قوله: ((فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم)) وفي رواية: (ببيداء المدينة)) وبيداء المدينة الشرف الذي قدام ذي الحليفة إلى جهة مكة (٣)، وفي الصحاح(٤): والبيداء المفازة التي لا شيء فيها، وقال بعض العلماء: البيداء كل أرض ملساء لا شيء بها(6)، وسيمت أيضًا بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر وكل مفازة تسمي بيداء(٦)، وجمعها بيد وهي ما باد الشيء يبيد كأنها تبيد سالكها أي: تهلكه، ومنه قوله: أبيدت خضراء قريش، أي: أهلكت(٧) وهي في هذا الحديث أسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما ترد البيداء، ويراد بها هذه، ومنه الحديث: ((أن قومًا يغزون البيت فإذا نزلوا بالبيداء بعث الله جبريل ثَلِتَلا؟ فيقول: يا بيداء أبيديهم فتخسف بهم)) أي: أهلكيهم والإبادة الإهلاك أباده يبيده وباد هو يبيد، ومنه الحديث أيضًا: ((فإذا (١) انظر العدة (١٠٠/١ و١٠٢/١-١٠٣). (٢) الكواكب الدرارى (١٣/١٠). (٣) شرح النووي على مسلم (٩٢/٨) و(٥/١٨) والكواكب الدرارى (٧٥/٨). (٤) الصحاح (٤٥٠/٢). (٥) شرح النووي على مسلم (٥/١٨). (٦) شرح النووي على مسلم (٩٢/٨) والكواكب الدرارى (٧٥/٨). (٧) مطالع الأنوار (١/ ٥٥٩). ٣١٧ مقدمة المؤلف والإبادة الإهلاك أباده يبيده وباد هو يبيد، ومنه الحديث أيضًا: ((فإذا هم بديار باد أهلها)) أي: هلكوا وانقرضوا انتهى، قاله ابن الأثير في النهاية(١). قولها رضي الله عنها: قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، الحديث، الخسف بالصالح ونحوه ليس حربا له بل لفراغ أجله (٢). قوله: وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم، أي: أهل أسواقهم أو رعاياهم(٣)؛ ومن ليس منهم: أي: من ليس ممن يقصد التخريب بل هم الضعفاء (٤) والأسارى(٤). قوله وَّر: ((ثم يبعثون على نياتهم)) أي: فيما يستسرون من الصلاح والفساد لأنه ربما يكون فيهم من هو مکره على حضوره معهم غیر راض به، انتهى. وفي الرواية الأخرى: ((ثم يبعثون على ما في أنفسهم)) ومعناه: كمعنى قوله في الحديث الآخر: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث))(٥) وقال الكرماني: (٦) أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار، ثم إنه تعالى يعامل كلا منهم في الحشر بحسب قصده، إن خيرا فخير وإن شرًا فشر، انتھی. (١) النهاية (١ / ١٧١). (٢) انظر كشف المشكل (٤ /٣٧٦). (٣) الكواكب الدراري (١٣/١٠). (٤) الكواكب الدرارى (١٣/١٠ -١٤). (٥) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٦)، ومسلم رقم (٢٨٨٠). (٦) في الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٠/ ١٤). ٣١٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فائدة: إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم، وقد يشكل فيقال كيف يصيب العذاب من لم يفعل أفعالهم، والجواب: من وجهين: أحدهما: أن يكون [٣٨/ أ] فيهم من هو راض بأفعالهم أو غير منكر لها فيعذب برضاه بالمعصية وسكوته عن الإنكار فإن الصالحين من بني إسرائيل لما أنكروا على المفسدين ثم واكلوهم وشاربوهم وصافوهم عم العذاب الكل، والجواب الثاني: أن يكون إصابة العذاب لهم لا على وجه التعذيب ولكن يكون إماتة لهم عند انتهاء آجالهم كما هلكت المواشي والبهائم في الطوفان بآجالها لا بالتعذيب(١)، والله أعلم، وجد في حواشي المشارق من نسخة معتمدة. ١٨ - عَن أنس بن مالك رَوَ قَالَ رَجعْنَا مِن غَزْوَة تَبُوكُ مَعَ النَّبِيِ وَِّ فَقَالَ ((إِنَّ أَقْوَامًا خَلْفَنَا بِالْمَدِينَةِ، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلاَ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ))(٢) رواه البخاري وأبو داود ولفظه إن النبي ◌ِّ قَالَ: ((لقد تركْتُم بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا أنفقتم من نَفَقَة وَلَا قطعْتُمْ من وَاد إِلَّا وهم مَعكُمْ قَالُوا يَا رَسُول الله وَكَيف يكونُونَ مَعنا وهم بِالْمَدِينَةِ قَالَ حَبسهم الْمَرَض». قوله وآله: وعن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه، و کم روى عن النبي وَّ من الأحاديث قريبًا. (١) كشف المشكل (٥١٢/٢-٥١٣). (٢) أخرجه البخاري رقم (٢٨٣٩)، وأبو داود رقم (٢٥٠٨)، وأخرجه مسلم رقم (١٩١١) من حديث جابر. ٣١٩ مقدمة المؤلف قوله: قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي وَلّة، غزوة تبوك كانت في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج إليها رسول الله وَئلة (١)، ويأتي الكلام عليها في الصدق، وفيه حديث كعب بن مالك في تخلفه عنها، وفيه: فوائد جمة مبسوطا إن شاء الله تعالى. قوله: ((فقال: إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا)) الحديث، خلفنا بإسكان اللام، والشعب بكسر الشين المعجمة هو الطريق في الجبل(٢). وقوله: ((إلا وهم معنا حبسهم العذر)) أي الفقر والضعف أي من حيث استحقاق الثواب وحبسهم العذر جوابًا لقول من يقول لأي شيء يكونون معکم، قاله في شرح مشارق الأنوار. قوله: وفي رواية أبي داود: ((لقد تركتم بالمدينة قومًا ما سرتم مسيرًا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم)) وفي آخره قال: ((حبسهم المرض)) قال النووي(٣): ففي هذه الراوية والتي قبلها فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو أو غيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته وأنه كلما أكثر من التأسف على فوات ذلك وتمنى كونه مع الغزاة ونحوهم كثر ثوابه. (١) انظر المختصر الكبير (ص ٦٧). (٢) الكواكب الدرارى (١٧٨/٢) و(٢١/٣) و(١٦/٢٣). (٣) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٥٧). ٣٢٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وفيه أيضًا أن من نوى خيرا فله أجر ما نواه وإن عاقه عنه عائق تفضلًا من الله تعالى وجزاءً على نيته (١)، ولهذا شواهد من السنة ذكره المنذري في حواشي مختصر سنن أبي داود، فإذا كان الشرع وَّه قد نزل العاجر عن الطاعة مع الفاعل لها إذا صحت نيته لقوله وَيّ في الحديث الصحيح: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما))(٢) وله نظائر في الحديث، فتنزيل العاجر عن المعصية التارك لها قهرا مع نية تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك لها المختار أولى(٣)، والله أعلم. وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي(٤): هذا الحديث يقتضي أن صاحب العذر يعطى أجر الغازي فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا وفي فضل الله متسع وثوابه فضل لا استحقاق فيثيب على النية الصادقة ما لا يثيب على الفعل، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة، قال: والأول أصح، ذكره في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى اُلْفَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾(٥) الآية، انتهى. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم (١) إكمال المعلم (٦/ ٣٣٤). (٢) أخرجه البخاري رقم (٢٩٩٦). (٣) مدارج السالكين (٢٩٦/١). (٤) تفسير القرطبي (٣٤٢/٥). (٥) سورة النساء، الآية: ٩٥. ٣٢١ مقدمة المؤلف الجهاد(١)، وفيه دليل لسقوط الجهاد عن المعذورين ولكن لا يكون لهم ثواب المجاهدين بل يكون لهم ثواب نياتهم [٣٨/ ب] إن كانت لهم نية صالحة كما قال وَالّ: ((ولكن جهاد ونية))(٢) وفيه أن الجهاد فرض كفاية وليس بفرض عين، وفيه رد على من يقول إنه كان في زمن النبي وَّ فرض عين وبعده فرض كفاية، والصحيح أنه كان فرض كفاية من حين شرع وهذه الآية ظاهرة في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللَّهُ اَلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمَ﴾ (٣)(٤). قوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِىِ الضَّرَرِ﴾ قرئ بنصب الراء ورفعها قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصبها والباقون برفعها (٥)، وقرئي [فى الشاذ] بجرها فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع فوصف القاعدين أو بدل منهم، ومن جر فوصف للمؤمنين أو بدل منهم (٦). والله أعلم. فإذا تقرر ما ذكرناه، فسير القلوب أبلغ من سير الأبدان، كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت وكم من قاعد على فراشه في بيته (١) تفسير القرطبي (٣٤٢/٥). (٢) أخرجه البخاري رقم (١٨٣٤)، ومسلم رقم (١٣٥٣). (٣) سورة النساء، الآية: ٩٥. (٤) شرح النووي على مسلم (٤٢/١٣ -٤٣). (٥) حجة القراءات (ص ٢١٠) والتيسير في القراءات السبع (ص ٩٧). (٦) انظر: إعراب القرآن ومعانى القرآن (١٧٠/٢-١٧١) للنحاس (٢٣٤/١)، ومشكل إعراب القرآن (٢٠٦/١) لمكى بن أبي طالب. ٣٢٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب وقلبه متصل بالمحل الأعلى قال رجل لبعض العارفين بالله: قد قطعت إليك مسافة قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك، شعر(١): جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ فَالْجِسْمُ فِي غُرْبَةِ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ(٣) ١٧ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّ: ((إِنَّمَا يَبْعَث النَّاس على نياتهم))(٣). رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث جَابر إِلَّا أَنْه قَالَ ((يحْشر النَّاسِ)». قوله: وعن أبي هريرة، اختلفوا في اسمه واسم أبيه على أقوال نحو ثلاثين قولًا (٤). وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان إسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر فسميت في الإسلام عبد الرحمن وإنما كناني أبي أبا هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت هرة فجعلتها في كفي فقال أبي: أنت أبو هريرة(٥) ولم يرو عن رسول الله وَدليل أحد من الرجال أكثر مما روي عنه أبو هريرة فإنه روى عنه خمسة آلاف حديث وثلاثمائة حديث (١) ذكره الخرائطي في اعتلال القلوب (٣٢١/٢). (٢) لطائف المعارف (ص ٢٥١). (٣) أخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٢٩)، وأحمد في مسنده (٤٤/١٥)، وأبو يعلى رقم (٦٢٤٧). وصححه الألباني في الجامع الصغير رقم (٢٣٧٩)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (١٣): صحيح لغيره. وأخرجه ابن ماجه ايضا رقم (٤٢٣٠) عن جابر بن عبد الله. (٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٧٠). (٥) تاريخ دمشق (٢٩٨/٦٧)، ومرآة الزمان (٤١٨/٧). ٣٢٣ مقدمة المؤلف وأربعة وسبعين حديثًا، وإنما صحبه أربع سنين(١)، قال الواقدي: وهو من قبيلة من اليمن يقال لها دوس من الأزد، واسم أمه: أميمة بنت صفيح بن الحارث وخاله سعيد بن صفيح من أشد أهل زمانه (٢)، وقال أبو هريرة: نشأت يتيما وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا فزوجنيها الله، والحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا(٣). قوله: كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان كذا ذكرها الذهبي في تجريد الصحابة(٤) أن اسمها بسرة، وقال: ما رأيت أحدًا ذكرها، والعجب أن هذا رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية(٥) في أوائل ترجمة أبي هريرة من حديث أبي بكر بن خلاد فذكر الحديث ابن ماجه عقبه بما رواه ابن علية عن الجريري فذكر الحديث إلى أن قال: ((كنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان لعقبة رحلي وطعام بطني ... )) الحديث(٦). وقوله: ((الحمد لله الذي جعل الدين قوامًا)) قوام الشيء عماده. [٣٩/ أ] (١) مرآة الزمان (٤٢٦/٧). (٢) المعارف (ص ٢٧٧). (٣) طبقات ابن سعد ٥ / ٢٣١، ومرآة الزمان (٤١٩/٧). (٤) تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٢٥٢). (٥) حلية الأولياء (١/ ٣٧٩). (٦) أخرجه ابن ماجه رقم (٢٤٤٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٢٣٣٨٠)، وابن حبان رقم (٧١٥٠). ٣٢٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الذي يقوم به يقال: فلان قوام أهل بيته (١) والقائم الدائم المستمر الذي يعمل ولا يترك. قوله: (وجعل أبا هريرة إمامًا) والإمام القدوة في الدين (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾(٣) أي: قدوة يقتدى بنا في الخير (٤)، وكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المسلمين(6)، وقال الشيخ أبو القاسم القشيري شيخ الصوفية: الإمامة بالدعاء لا بالدعوى (٦)، يعني: بتوفيق الله تعالى وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه(٧)، وقال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة بل أن يكونوا قدوة في الدين(٨)، وقيل: سألوا أن يجعل الله تعالى كل واحد منهم إمامًا (٩)، قال الزمخشري: وعن بعضهم أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها وقد نزلت هذه الآية في العشرة المبشرين بالجنة(١٠) والله أعلم. (١) الصحاح (٢٠١٧/٥-٢٠١٨)، والنهاية (١٢٤/٤). (٢) أحكام القرآن (٤٥٦/٣). (٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٤. (٤) تفسير القرطبى (١٣ / ٨٣). (٥) أحكام القرآن (٤٥٦/٣)، وتفسير القرطبى (٨٣/١٣). (٦) لطائف الإشارات (٦٥٢/٢). (٧) أحكام القرآن (٤٥٦/٣) وتفسير القرطبى (٨٣/١٣). (٨) تفسير القرطبى (١٣/ ٨٣). (٩) تفسير النسفى (٢/ ٥٥٢). (١٠) الكشاف (٢٩٦/٣). ٣٢٥ مقدمة المؤلف وكان قدوم أبي هريرة رَقُّهُ سنة سبع والنبي وَجُله بخيبر فسار إلى خيبر حتى قدم على النبي وَلّ ثم قدم معه إلى المدينة وكان أبو هريرة رقّ بعيد ما بين المنكبين ذا ضفيرتين أفرق الثنيتين يصفر لحيته ويعفها، ويحف شاربه، وكان أحسن الناس خلقا مزاحا رَ لَّهُ(١) ومناقبه كثيرة مشهورة. قوله وَله: ((إنما يبعث الناس على نياتهم)) الحديث، وفي الرواية الأخرى: ((يحشر الناس على نياتهم)) الحديث، فمن كانت نيته في الدنيا النصحية لله ورسوله والمسلمين ويحب لهم ما يحب بُعث على هذه النية و جُوزِي عليها وإن كانت نيته بضد ذلك بعث عليها واستحق الجزاء بها، والله أعلم. ١٩ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن الله لا ينظر إِلَى أجسامكم وَلَا إِلَى صوركُمْ وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبِكُمْ))(٢) رواه مسلم. قوله: وعن أبي هريرة أيضًا، تقدم الكلام على مناقبه في الحديث قبله. قوله وَالله: ((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم [وأموالكم] ولكن ينظر إلى قلوبكم))، وفي حديث آخر: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) (٣) الحديث، معنى النظر هاهنا [الإحسان] والرحمة والعطف، لأن النظر في الشاهد دليل المحبة وترك النظر دليل البغض والكراهة وميل الناس إلى الصورة المعجبة والأموال الفائقة (١) المعارف (ص ٢٧٨). (٢) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٤). (٣) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٤). ٣٢٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والله تعالى يتقدس عن شبه المخلوقين فجعل نظره إلى ما هو السر واللب وهو القلب والعمل والنظر يقع على الأجسام والمعاني فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر فهو للمعاني انتهى، قاله في النهاية(١). وقال بعض العلماء: معنى نظر الله هنا مجازاته ومحاسبته إنما يكون ذلك على ما في القلب دون الصورة الظاهرة ونظر الله ورؤيته محيطة بكل شيء فحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خرابا من التقوى ويكون ممن ليس له شيء من ذلك قلبه مملوءا بالتقوى فيكون أكرم عند الله عز وجل بل ذلك هو الأكثر وقوعا كما في الصحيح عن حارثة بن وهب عن النبي وَالر قال: ((ألا أخبركم بأهل الجنة [٣٩/ ب] كل ضعيف متضعف لو لأقسم على الله لأبره))(٢) قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية(٣). تتمة: وقال القرطبي(٤): في قوله وَيُ﴾: ((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم)) الحديث، فيه نظر الله تعالى الذي هو رؤيته الموجودات وإطلاعه عليها لا يخص موجودا دون موجود بل يعم جميع الأشياء إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ثم قد جاء في الشرع نظر الله تعالى بمعنى رحمته للمنظور إليه وبمعنى قبول أعماله ومجازاته عليها وهذا هو النظر الذي (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٧٧). (٢) أخرجه البخاري رقم (٤٩١٨)، ومسلم رقم (٢٨٥٣). (٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٧٦). (٤) المفهم (٢١/ ٨٣- ٨٤). ٣٢٧ مقدمة المؤلف يخص بعض الأشياء وينفي عن بعضها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾(١)، فقوله ◌َّ: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم)) أي: يثيبكم عليها ولا تقربكم منه كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُم بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الصِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ ﴾﴾(٢) ويستفاد من هذا الحدیث فوائد: أحدها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعروضه وتطهيره عن مذموم صفاته واتصافه بمحمودها، فإنه كما كان القلب هو محل نظر الله فحق للعالم بقدر إطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله تعالی بسببه. الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب مقدم على أعمال بالجوارح لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن بالله تعالى مخلص فيما يعمله ثم لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه (٣) وهو الذي عبر عنه بالإحسان حيث قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) (٤) وبقوله: ((إن في (١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧. (٢) سورة سبأ، الآية: ٣٧. (٣) إبطال التأويلات لأخبار الصفات (٣٦٨/١). (٤) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٩). ٣٢٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))(١) الحديث. الثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهر وأعمال القلب غيبت عنا فلا نقطع بعيب أحد لما نرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطًا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودًا يغفر له بسببه فالأعمال إما رأت ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة وعدم احتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة بل نحتقر ونذم تلك الحالة السيئة لا تلك الذات المتسببة، فتدبر هذا فإنه نظر دقيق (٢) انتهى، قاله في الديباجة. واعلم أن القلب عضو شريف فيه نور الإيمان وأنه موضع التقوى قال وَاله: ((التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه))(٣)، والأعمال وسائل بها يتقرب العباد إلى الله تعالى وبها يظهر المطيع من العاصي فصار كل منهما محل نظره تعالى بخلاف الصور [٤٠/ أ] لأن المقصود منها ما هو في بواطنها من معرفة خالقها والعلم بذاته وصفاته وبخلاف الأموال، لأن الدنيا ما تزن عند الله حناج بعوضة فما ظنك بالأموال، انتهى. (١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ - ١٥٥٩) عن النعمان بن بشير. (٢) جميع ما سبق نقلا عن المفهم (٢١/ ٨٣-٨٤). (٣) أخرجه أحمد (٣٧٤/١٩)، وأبو يعلى رقم (٢٩٢٣). ٣٢٩ مقدمة المؤلف ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب وهو من نحو قوله وَ له: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فد الجسد كله ألا وهي القلب))(١). فائدة: قال الإمام المازري: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس (٢) فالعقل هو التثبت في الأمور وجمعه عقول سمي بذلك لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه، وقيل: هو التمييز الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوانات وهو ضد الحمق، وقال المحاسبي: هو نور في القلب يفيد الإدراك وذلك النور يقل ويكثر فإذا قوي فمع ملاحظة الهوي قيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لو يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل فقال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَمُهُم بِهَذَأَ﴾(٣) وكانت قريش تدعي أهل الإحلام والنهى، فقال تلك عقول كادها الله تعالى أي: لم يصحبها التوفيق، وقال: قوم أحلامهم أذهانهم وأن العقل لايعطي لكافر إذ لو كان له عقل لآمن إنما الكافر الذَّهن، روي الترمذي الحكيم بسنده أن رجلًا قال: يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني؟ فقال: مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىّ أَصْحَبٍ (١) انظر شرح النووي على مسلم (١٦ / ١٢١). (٢) شرح النووي على مسلم (٢٩/١١) و(١٢١/١٦). (٣) سورة الطور، الآية: ٣٢. ٣٣٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب • وأجاب الجمهور: عن هذا يحمل هذا على العقل النافع، اُلسَّعِيرِ ﴾﴾(١) (٢) واختلف العلماء في محل العقول فقال أصحابنا وجمهور المتكلمين أنه في القلب، وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر الأطباء أنه في الدماغ(٣)، والله أعلم. ٢٠- عَن أبي كَبْشَة الْأَنمَارِي رَََّّهُ أَنه سمع رَسُول الله وَّهِ يَقُول ثَلَاث أقسم عَلَيْهِنَّ وَأَحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه، قَالَ: مَا نقص مَال عبد من صَدَقَة وَلَا ظلم عبد مظْلمَة صَبر عَلَيْهَا إِلَّا زَاده الله عزا وَلَا فتح عبد بَاب مَسْأَلَة إِلَّا فتح الله عَلَيْهِ بَاب فقر أَو كلمة نَحْوِهَا، وَأُحَدِّثكُمْ حَدِيثا فاحفظوه قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأربعة نفر عبد رزقه الله مَالا وعلما فَهُوَ یَتَّقِي فِیهِ ربه ویصل فِیهِ رَحمَه وَیعلم لله فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمِنَازل وَعبد رزقه الله علما وَلم يرزقه مَالا فَهُوَ صَادِقِ النَّة يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت بِعَمَل فلان فَهُوَ بنيته فأجرهما سَوَاء وَعبد رزقه الله مَالًا وَلم يرزقه علما يخبط فِي مَاله بِغَيْرِ علم وَلَا يَتَّقِي فِيهِ ربه وَلَا یصل فِیهِ رَحمَه وَلَا يعلم الله فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بأخبث الْمنَازل وَعبد لم يرزقه الله مَالا وَلَا علما فَهُوَ يَقُول لَو أَن لي مَالا لعملت فِيهِ بِعَمَل فلان فَهُوَ بنيته فوزرهما سَوَاء)» (٤). رواه أحمد والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن صحيح. (١) سورة الملك، الآية: ١٠. (٢) النجم الوهاج (٢٦٩/١ -٢٧٠). (٣) شرح النووي على مسلم (٢٩/١١)، والكواكب الدرارى (٢٠٥/١)، والنجم الوهاج (٢٧٠/١). (٤) أخرجه أحمد (٥٦١/٢٩)، والترمذي رقم (٢٣٢٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣١٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٠٢٥). ٣٣١ مقدمة المؤلف ورواه ابن ماجه ولفظه ((قَالَ رَسُول الله وَّةِ: مثل هَذِه الأمة كَمثل أَرْبَعَة نفر رجل آتَاهُ الله مَالا وعلما فَهُوَ يعْمل بِعِلْمِهِ فِي مَاله يُنْفِقْهُ فِي حَقْه وَرجل آتَاهُ الله علما وَلم يؤته مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ بِمثل الَّذِي يعْمل، قَالَ رَسُول الله وَِّ فهما فِي الْأجر سَوَاء وَرجل آتَاهُ الله مَالا وَلم يؤته علما فَهُوَ يخبط فِي مَاله يُنْفِقهُ فِي غیر حَقه وَرجل لم يؤته الله علما وَلَّا مَالا وَهُوَ يَقُول لَو كَانَ لي مثل هَذَا عملت فِيهِ مثل الَّذِي يعْمِل، قَالَ رَسُول الله وَله فهما فِي الْوزر سَوَاء))(١). قوله: عن أبي كبشة الأنماري؛ أبو كبشة [المزحجي له صحبة (٢)]، اسمه عمرو بن سعد، وقيل: عامر بن سعد، وقيل: عمر بن سعد، وقيل: غير ذلك نزل الشام وکان قدومه إليها مع عمر روی له أبو داود والترمذي والبيهقي هذا الحديث، وأبو كبشة الذي في الكتب الستة ثلاثة الأنماري ها والسدوسي والسلولي(٣) قاله في الديباجة. قوله ◌َية: ((ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفطوه ... )) الحديث. أي: اقسم بالله عليهن، والقسم هو الحلف. قوله وَالر: ((ما نقص مال من صدقة ... )) الحديث. وعدم نقص المال من الصدقة لأجل أن الله تعالى يبارك فيه (٤)، وسمي المال مالا لميل القلوب به (١) أخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٢٨)، وأحمد (٥٥٢/٢٩). (٢) زيادة في المخطوطة المغربية. (٣) انظر: جامع الأصول (١٢ / ٦١١ و٨٢٠). (٤) شرح السنة (٦/ ١٣٣). ٣٣٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب عن الله عز وجل(١)، وقد روي عن غير واحد من أهل اليقين والمعرفة أنهم عدوا الدراهم أو وزنوها ثم تصدقوا منها فوجدوها بحالها لم تنقص، والإسناد صحيح (٢)، والنبي ◌َّ صادق لكن أفهامنا تقصر عن إدراك مثلها، فنكل علمه إلى قائله عليه الصلاة والسلام وإلى باعثه جل جلاله، قاله صاحب المغيث(٣)، وذكر العلماء أيضا في نقص المال وجهين، أحدهما: معناه أن يبارك فيه وتدفع عنه المفسدات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية [٤٠/ ب]، وهذا يدرك بالحس والعادة، والوجه الثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المترتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة(٤)، والله أعلم. قوله وَّ: (ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزَّا)) المظلمة بفتح الميم وكسر اللام اسم ما أخذه الظالم ظلما قوله: (فصبر) أي: العبد (عليها) أي: على تلك المظلمة ولو كان متضمنا لنوع عن المذلة (إلا زاده الله بها عزا) أي: عنده تعالى، كما أنه يزيد للظالم عنده ذلا بها أو يزيده الله بها عزاله في الدنيا معاقبة، كما يحصل للظالم ذل بها ولو بعد حين من المدة، بل ربما ينقلب الأمر ويجعل الظالم تحت ذل المظلوم جزاء وفاقا، قوله (ولا فتح عبد) أي: على نفسه (باب مسألة) أي: باب سؤال وطلب من الناس لا (١) قاله الثورى كما في شرح السنة (٢٥٢/١٤-٢٥٣). (٢) المجموع المغيث (٣٤٢/٣)، ورياض الأفهام (٢٨٤/٣). (٣) المجموع المغيث (٣٤٢/٣-٣٤٣). (٤) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٤١).