Indexed OCR Text

Pages 301-320

٢٩٣
مقدمة المؤلف
بقوله وَاخِلّ: ((أفلا أكون عبدا شكورًا))(١)، وقوله وَ ظله: ((لا أحصى ثناء عليك
أنت كما أثنيت على نفسك))(٢).
الحال الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الدنيا والآخرة جميعا، فذهب بعض
العلماء إلى أن عمله مردود وإلى هذا ذهب الحارث المحاسبي في كتاب
الرعاية فقال: الإخلاص أن تريد بطاعته ولا تريد سواه(٣)، الحال الثالث: أن
يفعل ذلك لمحض الدنيا حتى ينال بذلك ولاية أو منزلة ونحو ذلك فهذا
محض النفاق ولأن المنافق يبطن خلاف ما يظهر (٤).
فائدة أخرى: وقال ابن الحاج في أول كتابه المدخل(٥): وبعد فإني كنت
كثيرًا ما أسمع سيدي القدوة أبا محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى يقول:
وددت أنه لو كان في الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في
أعمالهم ويقعد للتدريس في علم النية ليس إلا أو كلاما هذا معناه. فإنه ما أتى
على كثير من الناس إلا من تضييع النيات.
قوله ګێ: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، من خير أو شر، فهو من باب حذف
(١) أخرجه البخاري (١١٣٠) و(٤٨٣٦) و(٦٤٧١) ومسلم (٧٩ و٨٠ - ٢٨١٩) عن
المغيرة.
(٢) شرح النووى على الأربعين (ص ٧) والحديث أخرجه مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦) عن عائشة.
(٣) شرح النووى على الأربعين (ص ٧-٨).
(٤) شرح النووي على الأربعين (ص ٨).
(٥) المدخل (١ / ٦).

٢٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المضاف نحو: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١) أي: أهل القرية، قال العلماء: فائدة ذكره
بعد إنما الأعمال بالنيات بيان أن تعيين المنوي شرط، فلو كان على إنسان
صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا
أو عصرًا أو غير ذلك من الصلوات، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة
النية بلا تعيين لأوهم ذلك، وفي قوله وَله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)» دليل
على أنه لا تجوز النية نيابة في العبادات ولا التوكيل في النية، وقد استثنى من
ذلك تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فيجوز التوكيل في النية والتفرقة والذبح مع
القدرة، وفي الحج يجوز ذلك مع عدم القدرة ودفع الدين إن كان ذلك عن
جهة واحدة لم يحتج إلى نية، وإن كان عن جهتين كمن عليه ألفان بأحدهما
رهن فأدى ألفا، وقال: جعلته عن ألف الرهن صُدّق، فإن لم ينو شيئا حالة
الدفع نوى بعد ذلك وجعله عما شاء وليس لنا نية تتأخر عن العمل وتصح
إلا في هذه المسألة، وتقدم الكلام على معنى ذلك، والله أعلم.
قوله وقالله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله))
الحديث، وأصل الهجرة: المجافاة والترك (٢)، والمراد هنا: ترك الوطن
ومفارقة الأهل (٣) وهي في الشريعة مفارقة بلد الشرك والانتقال منه إلى دار
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٢.
(٢) شرح النووى على الأربعين (ص ١٢).
(٣) الكواكب الدرارى (١٨/١).

٢٩٥
مقدمة المؤلف
الإسلام خوف الفتنة وطلبا لإقامة الدين(١)، وسمي الذين تركوا توطن مكة
وتحولوا إلى المدينة من. [٣٣/ أ]
الصحابة بالمهاجرين لذلك(٢)، وفي الحقيقة مفارقة ما يكره الله عز وجل
إلى ما يحبه وقد ثبت في الحديث: المجاهد من جاهد نفسه، والمهاجر: من
هجر ما نهى الله عنه(٣) كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون إلى
المدينة وقد هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة جماعة (٤).
تنبيه: فتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة وكان في رمضان(6) وكانت
الهجرة في الإسلام مرتين إلى الحبشة كما سيأتي بيانه، وأن المسلمين
أصحاب الهجرتين إلا ما خصه الدليل (٦) وأنها فتح بعضها صلحًا وبعضها
عنوة، وفيه خلاف واختار الشافعي قول الصلح والجمهور على قول العنوة،
وقد أراد الشافعي أنه عليه الصلاة والسلام فعل فيها ما يفعله من صالح
فملكهم أنفسهم وأموالهم وأراضيهم (٧)، قال في المفهم(٨): وذلك متفق عليه
(١) شرح النووى على الأربعين (ص ١٥)، والتعيين (ص ٢٨).
(٢) الكواكب الدرارى (١٨/١).
(٣) التعيين (ص ٢٨) والحديث رواه أحمد ٦/ ٢١ وابن حبان (الإحسان ١١ / ٢٠٤)
والطبراني في المعجم الكبير ١٨ / ٣٠٩ من حديث فضالة بن عبيد بنحوه.
(٤) التعیین (ص ٢٨).
(٥) العدة في شرح العمدة (٢ / ٩٧٧).
(٦) التعيين (ص ٢٨).
(٧) المفهم (١١/ ١٣١).
(٨) المفهم (١١ / ١٣١).

٢٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأنه لم يجر عليها حكم الغنيمة ولا الفيء فكان ذلك أمرا خاصا بمكة
لشرفها وحرمتها بخلاف غيرها، وينبني على ذلك بيع دورها وإجارتها،
انتهى قاله في شرح الإلمام.
تنبيه آخر: قال العلماء: النجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، والحبشة
والحبش من السودان كما أن فرعون اسم لمن ملك مصر وتبع لمن ملك
اليمن وقيصر لمن ملك الروم وكسرى لمن ملك الفرس، وتقدم شيء من
ذلك في قصة هرقل في الخطبة، واسم هذا النجاشي الملك الصالح أصحمة
بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين وميم وهاء وهذا هو الذي
وقع في صحيح مسلم(١)، وهو الصواب المعروف فيه، وهكذا هو في كتب
الحديث والمغازي وغيرها، وقيل: صحمة بفتح الصاد وإسكان الحاء
المهملة، ورواه ابن شيبة في مسنده(٢)، وحكى ابن المنذر وابن دحية:
والحبشة يقولون أصخمة بالخاء المعجمة وذكرها مقاتل في التفسير وذكر أن
اسمه مكحول بن صعصعة (٣)، وقيل: مصحمة حكاه البيهقي في دلائل
النبوة (٤)، وقيل: غير ذلك، قال ابن قتيبة وابن عيينة: ومعناه بالعربية عطية
وهو سيد التابعين، وقيل: أسلم قبل الفتح ومات قبله أيضًا ولم يهاجر وقد
(١) رقم (٩٥٢).
(٢) مشارق الأنوار (١/ ٦٣)، وشرح النووي على مسلم (٢٢/٧)، ورياض الأفهمام (١٨٩/٣).
(٣) التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (ص ٨٠٥)، ونواهد الأبكار (١١١/٣-١١٢).
(٤) دلائل النبوة (٢ / ٣١٠).

٢٩٧
مقدمة المؤلف
عده ابن منده في جملة الصحابة والأولى خلافه لأن الصحيح أن الصحابي
من رآه النبي وَلّ أو رأى النبي وَّ من المسلمين، وصلى عليه النبي وَلَّه ولم
يره وأسلم على يديه عمرو بن العاصي وغيره ثم هاجر من الحبشة فصحب
النبي ◌َّ فصار لغزا، يقال: صحابي أسلم على يدي تابعي، وله مناقب
كثيرة، ولهم أيضا [نجاشي] آخر جاء ذكره فيمن كتب إليه النبي وَجّ مثل
كسرى وقيصر وغيرهما انتهى قاله في شرح الإلمام.
فائدة: في ذكر إسلام النجاشي أرسل [٣٣/ ب] رسول الله صل عمرو بن
أمية الضمري إلى النجاشي فأخذ كتاب رسول الله وَل ووضعه على عينيه
ونزل عن سريره فجلس على الأرض ثم أسلم حين حضره جعفر بن أبي
طالب وأصحابه وحسن إسلامه فكان هو السبب في إسلامه(١)، قال الحافظ
أبو نعيم(٢) عن أبي بردة عن أبيه قال: أمرنا رسول الله وَ لو أن ننطلق مع جعفر
بن أبي طالب إلى النجاشي فبلغ ذلك قريشا [فبعثوا] عمرو بن العاصي أو
عمارة بن الوليد فجمعوا للنجاشي هدية، فقدمنا وقدما على النجاشي فأتيا
بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاصي أن أناسا من أرضنا رغبوا
عن ديننا وهم في أرضك، فقال النجاشي: في أرضنا؟ قالوا: نعم، فبعث إلينا
فقال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي
وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاصي عن يمينه وعمارة عن يساره
(١) الطبقات الكبرى ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ عن عمرو بن أمية الضمري.
(٢) في حلية الأولياء (١ / ١١٤).

٢٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والقسيسين والرهبان جلوس، فلما انتهينا قالوا لنا اسجدوا للملك فقال
جعفر: ما نسجد إلا لله عز وجل، قال لهم النجاشي: وما ذاك، قال جعفر: إن
الله عز وجل بعث فينا رسولًا وهو الرسول الذي بشر به عيسى ◌َلَامًا، قال:
﴿مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُوَ أَحْمَدٌّ﴾(١) فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم
الصلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، قال: فأعجب
النجاشي قوله، فلما رأى عمرو بن العاص: قال: أصلح الله حالك إنهم
يخالفونك في عيسى بن مريم، فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى بن
مريم، قال جعفر يقول قول الله عز وجل: هو روح الله وكلمته أخرجه من
البتول العذراء التي لم يقربها بشر، قال فتناول النجاشي عودا من الأرض
فرفعه وقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء فيما تقولون عن ابن
مريم على ما نزل مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده وأنا أشهد أنه رسول الله وأنه
الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في
أرضي ما بقيتم وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا عليهما هديتهما.
وفي رواية أم سلمة(٢): لما دخل جعفر على النجاشي جمع أساقفته
فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه
قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الأمم، فقال جعفر بن أبي
طالب: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي
(١) سورة الصف، الآية: ٦.
(٢) أخرجها أحمد في مسنده (٢٦٣/٣) من حديث جعفر بن أبي طالب زَّ لَهُ.

٢٩٩
مقدمة المؤلف
الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف وكنا
على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته. [٣٤/ أ]
فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من
الحجارة والأوثان ... فذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال النجاشي: إن هذا
والذي جاء به عيسى بن مريم ،عَل لحق انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ثم
قال لجعفر وأصحابه اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون ردوا عليهما هدايهما [فلا
حاجة فيها فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما هداياهما(١)] وأقمنا
عنده في خير دار مع خير جار ونزل قوله تعالى: ﴿تَرَّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) انتهى قاله في مختصر مجمع الأحباب(٣).
تنبيه: ومن مناقب النجاشي ومحبته لرسول الله وَ ل أنه أصدق عنه في أم
حبيبة أربعة آلاف على ما رواه أبو داود متصلً (٤) عن أم حبيبة وعن الزهري
مرسلًا(٥) وقيل: أصدقها أربعمائة دينار، وقيل: أربعمائة درهم كما ذكره
المنذري، واستدل أصحابنا بالحديث على أنه يستحب كون الصداق
خمسمائة درهم والمراد فيمن يليق به ذلك الفقير، وأما ما فعله النجاشي
(١) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨٣.
(٣) مجمع الأحباب (مخ ٢٠٣٢ تشستربيتى / لوحة ١٥٠- ١٥١).
(٤) في سننه رقم (٢١٠٧).
(٥) سنن أبي داود رقم (٢١٠٨).

٣٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فكان من ماله تبرعا أكرم به النبي وَاله لا أنه عليه الصلاة والسلام أداه ولا عقد
به، وقد نهى عمر عن التغالي في صدقات النساء وقال: لو كانت مكرمة أو
تقوى لكان الأولى بها النبي وَل وأنه ما أصدق امرأة من نسائه ولا أخذ
لامرأة من بناته أكثر من خمسمائة، قال الإمام في النهاية (١): وهذا نهي
استحباب لا يكره أي كراهة تحريم والنزول إلى هذا المبلغ المذكور إنما
تخاطب به المرأة المالكة لنفسها والسيد في تزويج أمته فأما الأب إذا زوج
ابنته الصغيرة فليس له أن ينزل عن مهر مثلها انتهى قاله في شرح الإلمام.
فائدة: يذكر فيها وفاة النجاشي، توفي رقُّاته في رجب سنة تسع من الهجرة
وصلى عليه رسول الله وَ ل صلاة الغائب، وعن أبي هريرة رَّهُ أن رسول الله
وَ له قال: إن النجاشي قد مات فخرج رسول الله وسلم وأصحابه إلى البقيع
فصفوا خلفه وتقدم رسول الله ودية فكبر أربع تكبيرات رواه الجماعة(٢) وابن
ماجه عن حذيفة بن أسيد أن النبي وَّ خرج بهم فقال: ((صلوا على أخ لكم
مات بغير أرضكم))، قالوا: من هو؟ قال: ((النجاشي)) (٣)؛ حذيفة بن أسيد أبو
سريحة الغفاري بالسين المهملة له صحبة شهد الحديبية مع رسول الله وَ له
(١) نهاية المطلب (٩/١٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٤٥) و(١٣١٨) و(١٣٢٨) و(١٣٣٣) و(٣٨٨١)، ومسلم (٦٢
و٦٣ - ٩٥١)، وابن ماجه (١٥٣٤)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والترمذى (١٠٢٢)، والنسائى
في المجتبى ١١٤/٤ (١٩٨٧) و(١٩٨٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٣٧). وصححه الألباني في صحيح الأحكام (٩٠)، الإرواء (٣/
١٧٦).

٣٠١
مقدمة المؤلف
وهي أول مشاهده ولم يبايع تحت الشجرة يومئذ وقيل: بايع ونزل الكوفة (١)،
وفي رواية: نعى النبي ◌َّ النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى
المصلى فصلى بهم وكبر أربع تكبيرات(٢)، هذه الأحاديث صحيحة وفيها
فوائد: منها الصلاة على الميت وأجمعوا على أنها فرض كفاية قاله ابن
العطار (٣) وخفى عليه فإن الصحيح عند المالكية أنها سنة على الكفاية،
ووجوبها وجوب السنن، وقالت [٣٤/ ب] الشافعية إنها تسقط بواحد على
الصحيح، وقيل: باثنين، وقيل بثلاثة، وقيل بأربعة (٤)، ومنها: الصلاة على
الميت الغائب عن البلد وهو مذهب الشافعي وموافقيه وهو قول أكثر أهل
العلم، وذهب بعضهم إلى أن الصلاة على الميت الغائب لا تجوز وهو قول
أصحاب الرأي، وزعموا أن النبي وَلّو كان مخصوصًا بذلك(٥) فإن الأرض
دحيت له حتى رأى النجاشي كما دحيت له حتى رأى المسجد الأقصى،
وأجابوا أيضًا: بأن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يصلي عليه
وهذا ضعيف لأن الاقتداء به وَّةٍ واجب على الكافة (٦)، ثم قال الخطابي(٧):
(١) جامع الأصول (١٢/ ٢٩١) وأسد الغابة (١/ ٧٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٣٣)، ومسلم (٦٢ - ٩٥١).
(٣) العدة شرح العمدة (٢/ ٧٦٣).
(٤) المنهاج (ص ٦٠) وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢١)، والنجم الوهاج (٥٣/٣).
(٥) شرح السنة (٣٤١/٥)، وشرح النووي على مسلم (٢١/٧).
(٦) معالم السنن (٣١١/١)، والمجموع (٢٥٣/٥)، والإعلام (٣٨٩/٤-٣٩٢).
(٧) شرح السنة (٣٤٢/٥).

٣٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ولا دليل فيه لأن النجاشي كان مسلمًا بين قوم كفار فقضى النبي وَّ حقه في
الصلاة عليه، فأما الميت المسلم في البلد الآخر فليس كهو لأنه قضى حقه
غيره من المسلمين في بلده؛ ومنها: المعجزة الظاهرة لرسول الله وَخلال لإعلامه
بموت النجاشي وهو بالحبشة في اليوم الذي مات فيه (١)، ومنها: الخروج إلى
المصلى لصلاة الغائب، وقد تمسك به المالكية والحنفية في منع الصلاة على
الميت في المسجد، ولا يتم لهم ذلك إلا بنقل يخصه وإنما خرج بهم إلى
المصلى لأنه أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة (٢)، ومنها: أن
تكبيراتها أربع - وبه قال الشافعي والجمهور وخالفه الشيعة فقالوا: يكبر
خمسًا ووردت فيه أحاديث(٣)، وجاء أن عليا كان يكبر على أهل بيته سبعا
تعظيما لشأنهم فهو خاص بهم، وفي شرح الموطأ من حديث سليمان بن أبي
خثيمة قال: كان النبي ◌َّيّ يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا وسبعا
وثمانية حتى مات النجاشي فخرج إلى المصلي فصف الناس وراءه و کبر
أربعا ثم ثبت على أربع حتى توفاه الله(٤)، كذا استند القرطبي في الشرح
المذكور(٥)؛ ومنها: استحباب الإعلام بالميت لا على الصورة نعى الجاهلية
(١) شرح النووى على مسلم (٢١/٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢١/٧-٢٢).
(٣) العدة (٢/ ٧٦٤).
(٤) الاستذكار (٣٠/٣)
(٥) المفهم (٨٨/٨).

٣٠٣
مقدمة المؤلف
بل مجرد إعلام الصلاة عليه(١).
فائدة: قال في شرح الإلمام(٢): وأفاد بعض علمائنا أنه ينبغي أنه يصلي كل
ليلة على من مات في غير بلده وغسل فإنه يكتب له ثواب الصلاة في أقطار
الأرض واستشكل من حيث أنه لم يرد، ولو كان مطلوبا لفعله الصحابة؛
قلنا: إذا شرع أصل عبادة لم يضر اختلاف الأوصاف كما استنبط بلال رَ الم
من مشروعية النوافل شكر الوضوء، وأقره عليه.
قوله: ((فمن كانت هجرته)) الحديث، الهجرة بكسر الهاء واسم الهجرة
يقع على أمور، الهجرة الأولى: هجرة الصحابة من مكة إلى الحبشة حين
أذى المشركون رسول الله وَير ففروا بدينهم إلى النجاشي [وكانت هذه
بعد البعثة بخمس سنين قاله البيهقى](٣)، وعدد المهاجرين فيها اثنا عشر
رجلًا وأربع نسوة (٤) وكانت هذه الهجرة بعد البعثة بثلاث عشرة سنة
وكان يجب على كل من أسلم بمكة أن يهاجر إلى النبي وَلّ إلى المدينة،
وأطلق جماعة أن الهجرة كانت واجبة من مكة إلى المدينة وهذا ليس
على إطلاقه فإنه [٣٥/ أ] لا خصوصية للمدينة وإنما الواجب الهجرة إلى
(١) شرح النووى على مسلم (٢١/٧).
(٢) شرح الإلمام لابن العماد.
(٣) شرح الأربعين (ص ١٢) للنووى وما بين المعكوفين إضافة من المصدر المذكور وانظر
دلائل النبوة (٢/ ٢٩٧).
(٤) الاشارة (ص ١١٦)، والمختصر الكبير (ص ٣٦).

٣٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رسول الله ﴾ ﴾ حيث كان(١).
الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة؛ الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى
رسول الله وَّ ليتعلموا الشرائع ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم(٢)؛ الهجرة
الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي النبي وقّ ثم يرجع إلى مكة؛
الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه وهي أعم (٣)؛ الهجرة السادسة:
الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فإنهم لما هاجروا أولًا إلى الحبشة رجعوا
لما بلغهم عن المشركين سجودهم مع رسول الله وسلم عند قراءة سورة النجم
فلقوا من المشركين أشد مما عهدوا فهاجروا ثانيًا كما هو معروف في السير
فلا يقال كلاهما هجرة إلى الحبشة فاكتفى بذكر الهجرة إليها مرة (٤) انتهى.
وكان عدد المهاجرين إلى الحبشة في الثانية ثلاثة وثمانين وثماني عشرة
امرأة؛ الهجرة السابعة: هجرة من كان مقيمًا ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار
الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام ولا يحل له الإقامة بدار
الكفر كما صرح به بعض الشافعية(٥) انتهى، قال الماوردي(٦): فإن صار له
(١) شرح الأربعين (ص ١٢ -١٣) للنووى وهنا تقدمت العبارة في المخطوط فعبارة وكانت
هذه الهجرة بعد البعثة ... تتمة لقوله الهجرة الثانية من مكة إلى المدينة.
(٢) شرح الأربعين (ص ١٥) للنووى.
(٣) شرح الأربعين (ص ١٥) للنووى.
(٤) طرح التثريب (٢/ ٢٢).
(٥) شرح الأربعين (ص ١٥) للنووى.
(٦) في الحاوي الكبير (٢٦٩/١٤).

٣٠٥
مقدمة المؤلف
فيها أهل وعشيرة وأمكنه إظهار دينه لم يجز له أن يهاجر لأن المكان الذي
هو فيه قد صار دار إسلام؛ الهجرة الثامنة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان
عند ظهور الفتن كما رواه أبو داود والإمام أحمد منه قوله وَ له: ((ستكون
هجرة بعد هجرة وألزمهم مهاجر إبراهيم ... )) الحديث (١)، فهذه ثمانية أقسام
للهجرة ذكرت في شرح الأحكام للعراقى (٢).
وقال ابن العربي (٢): قسم العلماء رضي الله عنهم: الذهاب في الأرض
قسمين هربا وطلبا فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وهي باقية إلى يوم القيامة
والتي انقطعت بالفتح هي القصد على النبي ◌َّ- حيث كان.
الثاني: الخروج من أرض البدعة، قال أبو القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا
يحل لأحد أن يقول بأرض يسب فيها السلف.
الثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام فإن طلب الحلال فرض
على كل مسلم.
الرابع: الفرار من الأذية في البدن وذلك على فضل من الله تعالى أخص فيه
فإذا خشى على نفسه فقد أذن الله تعالى في الخروج عنه والفرار بنفسه لله
ليصب من ذلك المحذور وأول من فعله إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين
(١) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٨٢)، وأحمد في مسنده (٤٥٥/١١).
(٢) طرح التثريب (٢٢/٢).
(٣) أحكام القرآن (٦١١/١-٦١٣) وقد لخصها النووي في شرح الأربعين (ص ١٣ -١٥).

٣٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خاف من قومه فقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّ﴾(١) وقال تعالى مخبرا عن موسی
عليه الصلاة والسلام: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾(٢)، الخامس: خوف
المرض في البلاد الوخمة إلى الأرض النزهة وقد أذن ◌َّيّ للعرب حين استوخموا
المدينة أن يخرجوا إلى المسرح (اسم مكان)، السادس: الخروج خوفا من الأذية
في المال فإن حرمة مال المسلم [٣٥/ ب] كحرمة دمه. وأما قسم الطلب فينقسم
قسمين طلب دين وطلب دنيا وطلب الدين ينقسم إلى تسعة أنواع:
الأول: سير العبرة قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ (٣)
ويقال: إن ذا القرنين إنما طاف ليرى عجائبها.
الثاني: سفر الحج.
الثالث: سفر الجهاد.
الرابع: سفر المعاش. الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت
وهو جائز لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن
رَبَّكُمْ﴾(٤)، السادس: في طلب العلم، السابع: قصد البقاع قال ◌َخّة: ((لا تشد
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد))(٥)، الثامن: الثغور للرباط بها، التاسع: زيارة
(١) سورة العنكبوت، الآية: ٢٦.
(٢) سورة القصص، الآية: ٢١.
(٣) سورة الروم، الآية: ٩.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.
(٥) أخرجه البخاري رقم (١١٨٨)، ومسلم رقم (١٣٩٧).

٣٠٧
مقدمة المؤلف
الإخوان في الله تعالى، قال رسول الله وَاليه: ((زار رجل أخًا له في قرية فأرصد
الله على مدرجته ملكًا فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية ... ))
الحدیث(١)، انتھی.
معنى الحديث: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى
الله ورسوله ثوابا وأجرا أو نحو ذلك من التقديرات فمن هاجر إلى الله تعالى
كان أجره على الله وكانت هجرته مقبولة(٢).
قوله گال: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما
هاجر إليه)) الحديث، ولفظ دنيا مقصورة غير منونة لأنها فعلى من الدنو
وموصوفها محذوف أي: الحياة الدنيا(٣)، فأخبر النبي ◌َّ- أن هذه الهجرة
تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا الله
ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه حیث کان يعجز عنه في دار
الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا وكفاه وشرفا وفخرا أنه حصل
له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى
دار الإسلام لطلب الدنيا يصيبها أي يحصلها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام
فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك، فالأول تاجر والثاني خاطب وليس واحد
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٧).
(٢) المفهم (١٢ /٥٢)، وشرح النووى عى الأربعين (ص ١٥ - ١٦) وإحكام الأحكام
(١/ ٦٢) وطرح التثريب (٢٤/٢).
(٣) الكواكب الدرارى (١٨/١).

٣٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
منهما مهاجر(١)، والسبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى
المدينة لأنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة
الهجرة وإنما هاجر ليتزوج امراة تسمي أم قيس فسمي مهاجر أم قيس (٢).
تنبيه: لم يسم أحد فيمن صنف في الصحابة، هذا الرجل الذي ذكروا أنه
كان يسمى مهاجر أم قيس فيما رأيت، وأما أم قيس المذكورة: فقد ذكر أبو
الخطاب بن دحية أن اسمها قيلة وهي معدودة في الصحابيات(٣)، انتهى [قال
بعض مشايخنا: والحكمة في عدم تسمية الصحابي المذكور الستر على
الصحابي لئلا يسيىء أحد الظن بالصحابي (٤)].
وقوله: في الحديث: ((ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها))
يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور كان يحبها لمالها وجمالها، فجمعهما في
التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل
دنيا من جهة ما فعرض بهما ويحتمل غير ذلك (٥).
فائدة: فإن قيل: النكاح من [٣٦/أ] [المطلوبات الشرعية] والهجرة إليه
هجرة إلى الله ورسوله فلم كانت من الدنيا.
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٢ - ٧٣).
(٢) شرح الأربعين للنووى (ص ١٦).
(٣) طرح التثريب (٢٥/٢-٢٦).
(٤) قاله ابن الملقن في الاعلام (٢٠٤/١) و(٦٠٤/٢)، وما بين المعكوفين زيادة في
المخطوطة المغربية فقط.
(٥) الاعلام (١ / ٢٠٥) والتوضيح (١٩٣/٢)، وعمدة القارى (٢٨/١).

٣٠٩
مقدمة المؤلف
قيل: في بيانه أنه لم يخرج في الظاهر له وإنما خرج في الظاهر لطلب
الهجرة فلما أبطن خلاف ما أظهر استحق العتاب واللوم ويقاس من خرج في
الصورة الظاهرة لطلب الحج وقصد التجارة وكذلك يقاس سائر الأعمال
كطلب العلم لطلب منصب ونحوه(١) والله أعلم.
فالهجرة على حد واحد في الفعل وإنما كانت هذه لله وهذه لغير الله بما
احتوت عليه الجوارح الباطنة وهي النية وقد قال الإمام المازري (٢): ألا ترى
أن الساجد لله والساجد للصنم في الصورة واحد، وإنما كانت هذه عبادة
وهذه كفر بالنية (٣) وفيه أن العمل للدنيا ليس من القربات في شىء وأن الديني
لا يقبل ما لم يقترن به قصد الثواب إلى الله تعالى حتى قال العلماء: من أدى
نفقة زوجته أو قريبه أو وفى دينه من غير قصد لامتثال الشرع لم يثبت على
ذلك فسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى فصلاحها وفسادها بحسب النية
الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما، وقد سئل النبي وَّ عن اختلاف
نيات الناس وما يقصد بها من الرياء والشجاعة والعصبية وغير ذلك في سبيل
الله فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) فخرج بها
كلما سألوا عنه من المقاصد الدنيوية(٤) والله أعلم.
(١) شرح الأربعين للنووى (ص ١٦).
(٢) كذا في المخطوط عزو القول للمازرى والذى في المدخل لابن الحاج عزوه لمالك بن
أنس.
(٣) المدخل (٧/١-٨).
(٤) جامع العلوم والحكم (١ / ٧٥).

٣١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم الكلام
على البخاري وأبو داود والنسائي وسيأتي الكلام على مسلم بن الحجاج،
وأما الترمذي فهو منسوب إلى ترمذ، قال أبو سعد السمعاني (١): هي بلدة
قديمة على أطراف نهر بلخ الذي يقال له جيحون ويقال في النسبة إليه ترمذي
بكسر التاء والميم ويضمها وتفتح التاء مع كسر الميم ثلاثة أوجه حكاها
السمعاني(٢) والله أعلم.
قوله: في الكلام على رواة الحديث فإنه مما انفرد به يحيى بن سعيد
الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التميمي قال الحفاظ: لم يصح حديث:
((إنما الأعمال بالنيات)) عن النبي ◌َّ إلا من رواية عمر بن الخطاب، ولا عن
عمر إلا من رواية علقمة بن أبي وقاص، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد
بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري،
وعن يحيى انتشر فرواه عنه الخلق الكثير والجم الغفير (٣)، ومن أعيانها مالك
والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة
وابن عيينة وغيرهم(٤). والله أعلم.
(١) عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، أبو سعد (المتوفى: ٥٦٢هـ).
(٢) الأنساب (٤١/٣).
(٣) في الحاشية: الجم الجماعة الكبيرة والغفير من الغفر وهو الستر وسمى الجماعة الكبيرة
بذلك لسترهم وجه الأرض والله أعلم.
(٤) طرح التثريب (٣/٢).

٣١١
مقدمة المؤلف
تتمة: علقمة بن [أبى](١) وقاص هو الليثي(٢)، ومحمد بن إبراهيم هو أبو
عبدالله التيمي (٣) ويحيى بن سعيد هو أبو سعيد الأنصاري وهم تابعيون
يروي بعضهم عن بعض(٤)، ويحيى بن سعيد الأنصاري أجمعوا على جلالته
وإمامته، قال الإمام أحمد بن حنبل ما رأيت مثله في كل أحواله، وقال: إليه
المنتهى في التثبت [٣٦/ ب] بالبصرة، وقال ابن معين: أقام يحيى عشرين
سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة،
وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: لا ترى عينيك مثل يحيى، وقال ابن حبان
في الثقات: کان یحیی من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفهما وفضلا وهو
الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن النظر في البحث عن الثقات
وترك الضعفاء، روى له أصحاب الكتب الستة نقل أنه كان يصلي العصر
فيستند إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يديه الإمام أحمد بن حنبل وعلي
بن المديني وابن معين وغيرهم هيبة له وإعظاما يسألونه عن الحديث وهم
قيام على أرجلهم إلى المغرب لا يجلسون، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة (٥)
(١) كذا في الأصل وإنما هو علقمة بن وقاص الليثى.
(٢) انظر: جامع الأصول (١٢ / ٦٠٨)، وتهذيب الكمال (٢٠ / ترجمة ٤٠٢١).
(٣) انظر لترجمته تهذيب الأسماء واللغات (١ /٧٦).
(٤) طرح التثريب (٥/٢).
(٥) حدث خلط للشارح بين يحيى بن سعيد الأنصارى ويحيى بن سعيد القطان فترجم
للأنصارى بترجمة القطان انظر لترجمة يحيى بن سعيد الأنصارى جامع الأصول
(١٠٠٦/١٢)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٥٣/٢-١٥٤)، وانظر لترجمة يحيى بن
سعيد القطان جامع الأصول (١٠٠٦/١٢) وتهذيب الأسماء واللغات (١٥٤/٢-١٥٥).

٣١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والله أعلم. [قوله: وقد روى من طرق كثيرة، غير طريق الأنصاري، ولا يصح
منها شيء كذا قاله الحافظ علي بن المديني (١)].
تنبيه: قوله: علي بن المديني، والمديني: نسبة إلى مدينة رسول الله وَله
نسب إليها لأن أصله كان منها، وكان من أعلم أهل زمانه بعلل الأحاديث،
مات ابن المديني في القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين عن أربع وسبعين
سنة(٢)، انتهى. قاله في الديباجة.
١٦ - عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله وَّ: ((يَغْزُو جَيْشُ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا
بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ)) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ
يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ
بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّتِهِمْ)) (٣) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
قوله: وعن عائشة رضي الله عنها؛ عائشة هي: أم المؤمنين بنت أبي بكر
الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن غنم بن كعب بن سعد بن
تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يلتقي والدها مع النبي ◌َّ صلّ في
مرة بن كعب، قال أبو عمر بن عبد الله: لم يختلفوا في اسم أبيها وجدها، وأن
لقب أبي بكر عتيق، وأمها: أم رومان بضم الراء المهملة، وحكي ابن عبد
البر أنه يقال: بفتحها أيضًا، واسم أم رومان: زينب بنت عامر، وقيل: بنت
(١) زيادة في المخطوطة المغربية فقط.
(٢) انظر جامع الأصول (١٢ /٧١٢ -٧١٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٥٠-٣٥١).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٢١١٨)، ومسلم رقم (٢٨٨٣) واللفظ للبخاري.