Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٧٣ مقدمة المؤلف بالريش والدابة ذات وبروريش، وقال أهل التعبير: جميع الحيوان الذي ليس بناطق كالبهائم والطير إذا نطق بشيء في المنام فإن كلامه حق والرؤيا صحيحة، ورواه حذيفة عن النبي ◌َّلاة تفسير الصرخات الثلاث بثلاثة أيام لأن الدابة إذا خرجت تصرخ ثلاث صرخات والثلاث صرخات إشارة إلى قرب النفخات الثلاث في الصور ولأن من علامات دنو الساعة خروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها فناسب هذا التفسير بذلك لهذه المعاني (١). واسم القاتل لعمر زَظَّ الَّهُ فيروز، وكنيته: أبو لؤلؤة، وكان مجوسيًا لعنه الله، وهو [٣٠/ ب] عبد المغيرة بن شعبة، وهذا بخلاف فيروز اليماني التابعي المختلف في صحبته قاتل الكذاب العنسي مدعي النبوة صاحب صنعاء، ولم يبلغ الصحابة رضي الله عنهم قتل فيروز العنسي إلا بعد وفاته، ومنهم: فيروز الديلمي الصحابي أسلم وتحته أختان فقال النبي وَلّ: ((اختر إحداهما وفارق الأخرى))(٢)، وأما سبب قتله لعمر رَقُّونَه فيما روي عن ابن سعد(٣) بإسناد صحيح إلى الزهري قال: كان عمر زَقَّهُ لا يأذن لسبي قد احتلم أن يدخل (١) عنوان الزمان (١٦٥/٢-١٦٧). (٢) فرق بينهما خليفة بن خياط والواقدى وانتصر لذلك أبي أحمد الحاكم ولم يفرق بينهما النووى والمزى اتظر تهذيب الأسماء واللغات (٥٢/٢-٥٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢٣/ ترجمة ٤٧٧٦). وأما خبر زواج الأختين: أخرجه ابن ماجه (١٩٥٠ و١٩٥١) والطبراني في الكبير (٣٢٨/١٨-٣٢٩ رقم ٨٤٣ و٨٤٤ و٨٤٥). وحسنه الألباني. (٣) في الطبقات الكبرى (٣٤٥/٣) وانظر فتح البارى (٦٣/٧) وعمدة القارى (٢١٠/١٦). ٢٧٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر غلاما عنده صنعا ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول: إن عنده أعمالا ينفع الناس بها أنجح من حذاء نقاس نجار، فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة فشكى إلى عمر شدة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل فانصرف ساخطًا فلبث عمر ليالي فمر به العبد، فقال: ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إليه عابسا فقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدني العبد، وهذا القول فراسة غيبية من عمر رُو ◌َّهُ فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وينظفه فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج ليوقظ الناس: الصلاة الصلاة، وكان عمر زَقُّهُ يفعل ذلك، فلما دنا منه وثب عليه وطعنه ثلاث طعنات، إحداهما: تحت السرة قد خرقت الصفاق(١) وهي التي قتلته ؛ وفي حديث أبي رافع (٢): كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة وكان يستغله أربعة دراهم أي كل يوم، فلقي عمر فقال: إن المغيرة أثقل علي، فقال: اتق الله وأحسن إليه، وفي نية عمر أنه يلقى المغيرة فيكلمه فيخفف عنه، فقال العبد: وسع الناس عدله غيري، فأضمر على قتله، واصطنع خنجرًا له رأسان وشحذه، أي: سنَّه وسمَّه فتحين صلاة الغداة حتى قام عمر فقال: أقيموا صفوفكم (١) الصفاق: الجلد الاسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر أو ما بين الجلد والمصران أو جلد البطن كله تاج العروس (٢٩/٢٦). (٢) أخرجه أبو يعلى (٢٧٣١). ٢٧٥ مقدمة المؤلف فکبر فلما کېر طعنه في كتفه وفي خاصرته فسقط، وفي رواية(١): أن عمر دخل بأبي لؤلؤة البيت ليصلح له ضبة، فقال له: مر المغيرة أن يضع عني من خراجه، قال: إنك لتكسب كسبا كثيرًا فاصبر، انتهى (٢). والحكمة في قصة الرؤيا على أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق رضي الله عنها لعله من علمه بتكرار دخول النبي وَّ بيت أبي بكر كل يوم طرفي النهار كما ورد في الصحيح عن عائشة زوج النبي ◌َّ، وفيه: فلم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله وَل طرفي النهار بكرة وعشيا فلعلها سمعت من النبي وَّ شيئًا يدل على قتله ولم يذكره لعمر ولا لغيره وأيضا فإن أسماء كان عندها علم من تعبير الرؤيا وكان أبو بكر الصديق زَقَ الَّهُ من علماء التعبير. والحكمة في كون الديك أحمر إشارة إلى لون الدم الذي يخرج منه بالطعن فإن الحمرة من ألوان الدماء ولهذا يقال في المبالغة موت أحمر، قال شيخ الإسلام العسقلاني المشهور بابن حجر (٣) لما وقف على ذلك ما نصه: (١) أخرجه ابن شبة في أخبار المدينة (١٠٩/٣). وتمام الخبر: فاصبر واتق الله هل أنت صانع لى رحى؟ قال: نعم والله لأصنعن لك رحى تتحدث بها العرب، فقال عمر: أوعدنى الخبيث، وخرج إلينا فقال: لو قتلت أحدا بسوء الظن لتلت هذا العلج، إنه نظر إلى نظرة لم أشك أنه أرد قتلى فقل ما مكث حتى طعنه. وحسنه الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣). (٢) راجع ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رَقَ الَّهُ في: الاستيعاب (١١٤٤/٣)، وأسد الغابة (٦٤٢/٣)، والرياض النضرة في مناقب العشرة (٢٧١/٢)، وصفة الصفوة (١٠١/١). (٣) عنوان الزمان (١٦٦/٢). ٢٧٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أو لأن منقار الديك مجاور لعرفه وهو أحمر والأعجمي أحمر كما جاء رجل أحمر كأنه من الموالي، وحديث: ((بعثت إلى الأسود والأحمر)) وفسر بالعرب والعجم، انتهى، والحكمة في كون النقرات ثلاثًا إشارة إلى أنه وكَلّ كان إذا سلم سلم ثلاثًا وإذا تكلم بأمر أعاده ثلاثًا ليحفط عنه كما رواه البخاري(١) عن أنس، والمراد بالسلام الاستئذان، وقد ورد التصريح به في الحديث، ولعل الديك فعل ذلك لعمر رَقَالَّ فالأولى لينتبه والثانية ليستيقظ والثالثة ليستعد لأمر الله تعالى، واقتصر على الثلاث لأنها أقل مدة معتبرة في الشرع غالبا فلم يزد عليها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ® فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّامِّ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾﴾(٢)، وتنبني على الثلاث مسائل كثيرة لا تنحصر ليس هنا محل ذكرها، وقوله: ((ثلاثا)) إشارة إلى عدد الطعنات فإنه ورد أنه طعنه بالخنجر ثلاثا كما سنذكره في صفة قتله رَّة، وقول أسماء في التعبير: يقتلك أعجمي لأن الديك فيها ما أصله متوحش كاليمني والحبشي ويلزم المحرم الضمان بإتلافه وفرخه وبيضه وغير المتوحش وهو الأهلي فلا ضمان فيه ولأن الديك يعبر عنه بالرجل المملوك لأن نوحا بَاليَآ أرسله ليسلك له الطريق ويعرفه عنها فلما أنقذه غدر فصار مكسوفا في البيوت كالمملوك ومنع من الطيران دون غيره من الطيور ويعبر عنه بالمحارب من قبل المماليك لأن من (١) رقم (٩٤). (٢) سورة هود، الآيتان: ٦٤ -٦٥. ٢٧٧ مقدمة المؤلف شأنه محاربة جنسه من الديكة والإقبال على قتالهم ولا يفرعنه ولم يذكر في الرؤيا محل النقر، وقد ورد انها كانت في الجوف والسر في وقوع الرؤيا ليلة الجمعة لأنه قريب من آخر الأسبوع إشارة إلى آخر عمر الرائي، وقد قال النبي ◌َ ◌ّ: ((إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب))(١) فتخصيص الديك بالرؤية تفاؤلا بكنيته فإن من جملتها أبو نبهان إشارة إلى إيقاظه وانتباهه وأبو المنذر إشارة إلى إنذاره وإعلامه وأبو اليقظان إشارة إلى يقظته واعتداده للأمر الذي ينزل به، وقوله في الحديث: ((إذا سمعتم صياح الديكة فسألوا الله من فضله فإنه رأت ملكًا))(٢) ولعل هذا الديك الذي نقر عمر رَقُ لَّم أن الملك الذي رأه في تلك الحالة [حالة صياحه وحالة نقره وفى كل بقول إذ لم يثبت فى الرؤية صياحه كما لم يثبت فى الحديث رؤية الملك ينقره قاله كاتبه] ملك الموت وتخصيص ليلة الجمعة بالرؤية لأن في صباحيتها تقوم الساعة، فقد روي أبو هريرة في حديث طويل أن رسول الله وسل أن رسول الله وَّر قال: وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة(٣) أي مصغية مستمعة يتوقع قيام الساعة من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الثقلان الجن والإنس ومن مات قامت قيامته، وأما (١) أخرجه البزار البحر الزخار (١٧ /٢٨٨)، والدولابي في الكنى والأسماء رقم (٩٤٨). (٢) أخرجه البخاري رقم (٣٣٠٣)، ومسلم رقم (٢٧٢٩). (٣) أخرجه أبو داود (١٠٤٦)، والنسائى في المجتبى ٢١٢/٣ (١٤٤٦) والكبرى (١٧٦٦). وصححه الألباني في المشكاة (١٣٥٩) وصحيح أبي داود (٩٦١). ٢٧٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تفسير ابن سيرين للذي رأى الديك يقول الله الله الله ثلاثًا أنه بقي من عمره ثلاثة أيام استنادًا إلى قوله وَّ: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))(١) ولعل هذا الديك قال ذلك تعجبًا من الرائي حيث بقي من أجله ثلاثة أيام وهو غافل عما يراد به وهو منزول به. ولعل قوله: ((الله الله الله)) يذكر بها الرائى ليكون ذاكرا للشهادة عند الموت، ولأن الديك من دواب الأرض ففى التعبير أن من رأى فى منامه أن دابة تكلمه فقد اقترب أجله ففى التنزيل ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ اُلْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾(٢)، ولأن الديك يسرع فى مشيه ودابة الأرض إذا خرجت تسرع فى مشيها فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، ولأن الديك مكسوا بالريش والدابة ذات وبر وريش، وقال أهل التعبير جميع الحيوان الذى ليس بناطق كالبهائم والطير إذا نطق بشىء فى المنام فإن كلامه حق والرؤيا صحیحة. ـيـ وروى حذيفة عن النبى وَّ تفسير الصرخات الثلاثة بثلاثة أيام؛ لأن الدابة إذا خرجت تصرخ ثلاث صرخات والثلاث صرخات إشارة إلى قرب النفخات الثلاث فى الصور، ولأن من علامات دنو الساعة خروج الدابة وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها؛ فناسب هذا التعبير بذلك لهذه المعانى. (١) أخرجه ابن حبان (١٦٩) عن أبي ذر. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٢٦). (٢) سورة النمل، الآية: ٨٢. ٢٧٩ مقدمة المؤلف وأما تفصيل قتل أمير المؤمنين عمر رَّالَّهُ، فروي البخاري في صحيحه(١) عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رَّهُ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف قال: كيف فعلتما أتخافان أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها أمرًا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق، قال: قالا لا، فقال عمر زَّهُ: إن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي فما أتت عليه أربعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبدالله ابن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهن خللاً فكبروا وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حتى طعنه فصار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينًا وشمالًا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمین طرح علیه برنسا. قوله: قتلني أو أكلني الكلب، عبر بالأكل عن القتل، لأن الأكل يذهب الشيء المأكول من الوجود إلى البطون، فالقاتل يذيب المقتول من الوجود إلى القبور، ويسكنه القبور. والله أعلم. قوله: الكلب، أي: العقور، لأنه مقتول مأمور بقتله في الحل والحرم، مناسب تسميته بذلك لكفره وإباحة دمه، وقد مثل الله تعالى الكافر بالكلب فقال: (١) رقم (٣٧٠٠). ٢٨٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ﴿فَمَثَلُهُ، كَمَثَل اٌلْكَلْبِ﴾(١) فالكلب إن دعوته جاءك يلهث وإن زجرته ذهب وهو يلهث، فالكافر إن أمرته لم يأتمر وإن زجرته لم ينزجر، ففي التنزيل من قصة هود ﴿قَالُواْ سَوَآءُ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أُمْ لَمْ تَكُن مِّنَ اُلْوَعِظِينَ ﴾﴾﴾(٢). قوله: حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، وفي رواية أبى إسحاق اثنا عشر رجلًا معه، وهو ثالث عشر، زاد ابن سعد من رواية إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون: وعلى عمر إزار أصفر، قد رفعه على صدره، فلما طعن قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾(٣). قوله: طرح عليه برنسًا، وفي (ذيل الاستيعاب) لابن فتحون أن: طارح البرنس على فيروز رجل من المهاجرين يقال له: حطان التميمي اليربوعي، وقيل: عبدالله بن عوف(٤)، والأول: أصح، فإن صح الثاني حمل على الاشتراك، وجاء أن عبد الله بن عوف المذكور احتز رأس أبي لؤلؤة، وفيه إشارة إلى جواز المثلة بأهل الفساد كما يفعل بقطاع الطريق إذا قطعوا وأخذوا الأموال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(٥)، انتهى. (١) سورة الأعراف، الآية: ١٧٦. (٢) سورة الشعراء، الآية: ١٣٦. (٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨. (٤) في النسخة المغربية عبد الرحمن بن عوف والذى في الفتح عبد الله بن عوف فتح البارى (٦٣/٧). (٥) سورة المائدة، الآية: ٣٣. ٢٨١ مقدمة المؤلف فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي رأى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله، وفي البخاري: قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف فقرأ: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال يا ابن عباس: انظر من قتلني، فجال ساعة ثم جاء: فقال غلام المغيرة، قال: الصنع ؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، فالحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة. قوله: فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، اعلم أنه لم يذكر في الحديث قضية إتمام صلاة عمر، فلعله لما طعن قدم عبد الرحمن لأمور، إما لكون صلاته بطلت باعتبار ما خرج من الدم بالطعن الذى لا يعفى عنه في الصلاة، وتقديم عبد الرحمن لإتمام الصلاة فيه دليل على جواز الاستخلاف إذا أحدث الإمام، وجواز الإقتداء بإمام بعد إمام على التعاقب ويدل لذلك قصة الصديق رَّ حين أم الناس في مرض رسول الله وَّة، والثاني: أنه غلب عن إتمام فعل الصلاة فقدم غيره ليتمها، لأن القيام ركن في فرض الصلاة فإن عجز عن القيام صلى قاعدا فإن عجز فعلى جنب (فإن عجز فعلى) اليمين فإن عجز فمستلقيا فإن عجز أومأ بالأفعال وتلفظ بالأقوال، ويكون سجوده أخفض من ركوعه فإن عجز عن الإيماء أجرى الأفعال على قلبه والترتيب ٢٨٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فيما ذكرنا واجب ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتا ولهذا قالوا لا يتصور الإكراه على ترك الصلاة فإن أكره على ترك أفعال الصلاة على حسب حاله، لزمه الإعادة فإن الإكراه ممنوع(١) نادر وإذا وقع لا يدوم غالبًا، وأما بقية صلاة نفسه فلعله أتمها بالإيماء، وأجرى الأفعال على قلبه (٢)؛ فقال أبو صالح لابنه: وأخبرني أنه دخل على عمر رَّالَّهُ في الليلة التي طعن فيها فأيقظ عمر لصلاة (الصبح فقال:)، نعم ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، قال: وجرحه يثعب دما، أي: يجري، والله أعلم؛ وجميع ما في هذا الحديث من التفسير للشيخ العلامة الإمام الشريف النسابة (٣). قوله: قَدْ كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ تَكْثُرَ العُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ إلى (٤) وهو الانتفاع، أو بما يحصل منهم من(٥) عليهم من كل يوم. قوله: العلوج؛ والعلج: هو الكافر الغليظ الشديد، وقد يكون من الموالي(٦)، والله أعلم. [وكان العباس (أكثرهم رقيقا) فقال: إن شئت فعلت، أو إن شئت قتلته، (١) بياض بمقدار كلمة واحدة. (٢) انظر تحفة المحتاج (٢٦/٢ -٢٧) ونهاية المحتاج (١ /٤٦٩ - ٤٧٠) وحواشيه. (٣) بياض بمقدار ٦ كلمات. (٤) بياض بمقدار ٣ كلمات. (٥) بياض بمقدار ٤ كلمات وهو رسالته المسماة نبذة من الخبر في تعبير رؤيا أمير المؤمنين عمر الشريف النسابة الحسن بن محمد بن أيوب الحسنى. (٦) روضة الطالبين (٢٨٥/١٠) والنجم الوهاج (٣٧٧/٩). ٢٨٣ مقدمة المؤلف فقال: كذبت بعدما تكلموا بلسانك وصلوا قبلتكم وحجوا حجتكم. قوله: إن شئت فعلت؛ أي: قتلت، هذا يحتمل أمرين، أقلهما: أنه استفتى أو تطييبًا لقلبه رَّالله، فقال له عمر: كذبت هو من باب التدريب كفعل الوالد لولده لأنك قلت غير ما تعتقده من قتل المسلم بغير حق لأنك تعتقد أن المسلم لا يجوز قتله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ؛ ويحتمل قوله: (كذبت) أي: أخطأ فإن العرب تعبر عن الخطأ بالكذب(١). قوله: بعدما تكلموا بلسانكم، أي: أقروا بالشهادة، وهي تعظم الدم والمال، وقد قال وَّة: ((أمرت أن أقاتل الناس)) (٢) الحديث. قوله: وصلوا قبلتكم، وقد نهى رَّ عن قتل المصلين(٣). قوله: وحجوا حجتكم، أي: أتوا بجملة من شرائع الإسلام، وفيه: إشارة إلى أنه شرط لصحة الإسلام التزام الأحكام، وبه قال مالك خلافًا للشافعي رضي الله عنهما؛ فإن قيل: لم يذكر له الزكاة، وهي من شرائع الإسلام ؟ فالجواب: أن المتحدث عنهم السبي وهم أرقاء، والرقيق: لا زكاة عليه لأنه لا يملك مالا، ولو ملكه السيد على الأخص، بخلاف الحج، فإنه يصح من (١) انظر فتح البارى (٦٤/٧)، وعمدة القارى (١٦ /٢١١). (٢) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٣٦ - ٢٢) عن ابن عمر. وأخرجه البخاري (٢٩٤٦) ومسلم (٣٣ و٣٤ - ٢١) عن أبي هريرة. (٣) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨) عن أبي هريرة. وقال الألباني: صحيح، المشكاة (٤٤٨١/ التحقيق الثاني). ٢٨٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب المسلم الحر ومن الرقيق بإذن سيده، والله أعلم؛ فاحتُمل زَقُولَهُ إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: (لا بأس)، وقائل يقول: (أخاف عليه) فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه. قوله: فأتي بنبيذ فشربه، أي: ماء زبيب أو تمر منقوع، وهو النقاع، والله أعلم، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه فعلموا أنه ميت إلى أن قالوا: [أوصى] يا أمير المؤمنين استخلف، فقال: ما أجد أحدا لهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله وَ﴾ وهو عنهم راض فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف، وقال: يَشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك وغلا فليستعن له إليكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، إلى آخر الحديث؛ وفي البخاري أيضا من قوله رَّالَّتَه: (فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة، فاسمعوا له وأطيعوا) وفي رواية في غير الصحيح: (أن ولده عبد الله دخل عليه حين آيس منه، فقال: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد وَّ، فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله وغنمه لا راعي لها لَلُمْتَه، وقلت: تركت أمانتك ضائعة، فكيف بأمة محمد وَله، فقال: إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر، وإن أترك فقد ترك رسول الله وَاله، وقال رَغْوالته: إذا أنا قبضت فتربصوا ثلاث ليال وليصل بكم صهيب وانتظروا أخاكم طلحة، وكان بالشام، فإن قدم فتشاوروا أيها النفر فإنما أنتم ستة ثم يتبع الأقلون الأكثرون، فمن خالفكم فاضربوا عنقه، فلم يقدم طلحة فتشاور الخمسة فأسلموا أمرهم إلى عبد الرحمن بن عوف فبايع عثمان بن عفان أمير ٢٨٥ مقدمة المؤلف المؤمنين، واستفاض الإسلام في خلافة عمر بن الخطاب، وعظم حتى كان أعظم من أن يعد أو يحصى وأعز الله بالإسلام فلم يزل كذلك حتى قتل رَو ◌َّهُ)، وفي الحديث عن بلال ◌ََّهُ أن النبيِ وَّه قال: ((إن الله عز وجل باهى ملائكته بأهل عرفة وباهی بعمر خاصة)) خرجه تمام الرازى في فوائده(١)، فلما قبض رَّهُ غسل وكفن وصلى عليه ودفن بالروضة الشريفة إلى جانب أبي بكر رضي الله عنهما وعلى ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان مدة خلافته عشر سنين ونصف سنة وأياما، لكن سفينة جبر الكسر فرواها عشر سنين لما روى سفينة [الحذاء] رَّهُ أنه قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون بعد ذلك الملك)) قال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتان وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنا عشر سنة وخلافة علي ست سنين رضي الله عنهم أجمعين](٢). قوله وَيقة: ((إنما الأعمال بالنية)) وفي رواية: ((بالنيات)) أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، وهذا الحديث قد رواه عن النبي وَّر من الصحابة غير عمر بن الخطاب نحو عشرين صحابيًّا، وإن كان البزار(٣) قال: لا نعلم هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله وَّةٍ إلا بهذا الإسناد، وقال ابن منده الحافظ: في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النبي وَّ غير عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري وعبد (١) رقم (٣٣١). (٢) جميع ما بين المعكوفتين زيادة من المخطوطة المغربية فقط. (٣) مسند البزار البحر الزخار (١/ ٣٨٠). ٢٨٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وابن عباس ومعاوية وأبو هريرة وعبادة بن الصامت. [٣١/ أ] وعتبة بن عبد السلمي وهلال بن سويد وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله وأبو ذر وعتبة بن المنذر وعقبة بن مسلم(١)، انتهى، قاله في شرح الإلمام، وقد روي عن جماعة عن الصحابة ذكرهم ابن منده، ولكن لم يثبت من حديث أحد منهم، قال النووي (٢): وقد أجمع العلماء رضي الله عنهم على عظيم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وصحته، وأنه أصل من أصول الدين، وقد خطب به النبي وَخيل فقال: ((أيها الناس، إنما الأعمال بالنية)) كما رواه البخاري في أحد المواضع السبعة كما سيأتي، وخطب به عمر رَّالله على منبر رسول الله ◌َّله كما أخرجه أيضًا وقال أبو داود: إنه نصف الفقه. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: يدخل في هذا الحديث ثلث العلم، وكذا قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره أنه ثلث العلم، وسببه كما قال البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين ولهذا كانت نية المؤمن خير من عمله، ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية(٣). (١) انظر التوضيح (١٦٠/٢-١٦١)، وعمدة القارى (٢٠/١). (٢) في شرح النووي على مسلم (١٣ / ٥٣). (٣) بستان العارفين (ص ١٤)، والكواكب الدرارى (٢٢/١)، والاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٥٨/١-١٥٩). ٢٨٧ مقدمة المؤلف قال الشيخ سراج الدين ابن الملقن رحمه الله(١): قول إمامنا الشافعي يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه مراده الأبواب الكلية من الطهارة بأنواعها والصلاة بأقسامها والزكاة والصيام والاعتكاف والحج والعمرة والأيمان والنذور والأضحية والكفارة والجهاد والطلاق والخلع والظهار والعتق والكناية والتدبير ونحوها والبيع والإجارة وسائر المعاملات والرجعة والوقف والهبة وكناية الطلاق ونحوها عند من يقول كنايتها مع النية كالصريح وهو الصحيح وكذا إن كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فأوفاه ألفا صرفه إلى ما سواه منهما وشبه ذلك والله أعلم، وقال آخرون: هو ربع الإسلام وقال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من العلماء ينبعي لمن صنف كتابا أن يبدأ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على النية. وقال الكرماني (٢): وكان السلف رضي الله عنهم يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه، ونقل الخطابي هذا عن الأئمة(٣)، وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطبة له إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا والآخرة(٤) وقد (١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ١٦٠). (٢) بستان العارفين (ص ١٤)، والكواكب الدرارى (١٥/١). (٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤). (٤) جامع العلوم والحكم (١ / ٥٦) ٢٨٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فعل ذلك البخاري وغيره فابتدؤوا به قبل كل شيء، وقد ذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه(١) في أول كتابه في بدء الوحي ثم في الإيمان ثم في العتق ثم في الهجرة ثم في ترك الحبل في النذور (٢)، وأخرجه مسلم في الجهاد وهو متواتر من آخره [٣١/ ب] وآحاد من أوله. فقوله: ((إنما الأعمال بالنية)) الحديث، قال جماهير العلماء من أهل اللغة والعربية والأصول والفقه: ((إنما)) لفظة موضوعة للحصر تفيد تثبت تحصيل المذكور وتنفي ما سواه وهذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين إذ لا عمل إلا بالنية فتقدير هذا الحديث أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية (٣)، والمراد بالأعمال أعمال الطاعات وهي حركات البدن دون الأعمال المباحات(٤)، ويحتمل أنها صحة الأعمال، ويحتمل أنها كمال الأعمال(٥) ويحتمل أنها حصول الأعمال ويحتمل أنها قبول الأعمال(٦) والأول أولى التقادير كلها لأنه الأقرب إلى الحقيقة (٧)، وأبو (١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤). (٢) بستان العارفين (ص ١٣)، والاعلام بفوائد عمدة الأحكام (١٣٨/١). (٣) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤). (٤) شرح الأربعين للنووى (ص٩)، والتعيين (ص ٢٨). (٥) إحكام الأحكام (١/ ٦١)، وطرح التثريب (٢/ ٧). (٦) شرح الأربعين (ص ١٠)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٦٠ - ٦١). (٧) إحكام الأحكام (١/ ٦١). ٢٨٩ مقدمة المؤلف حنيفة يقدر أنها كمال الأعمال فصحح الوضوء والغسل بغير نية ووافق على أنه لابد في التيمم من النية(١)، والنيات جمع نية بتشديد الياء ويقال بتخفيفها وهي القصد بالقلب إلى الفعل. واعلم أن النية لغة هي القصد يقال: نواك الله بخير أي قصدك به (٢) والنية شرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله فإن قصد وتراخى عليه فهو عزم قاله الماوردي وعبارة بعضهم أنها تصميم القلب على الفعل (٣)، وقال أبو سليمان الخطابي: معنى النية قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له، وقيل: عزيمة القلب أي عزم القلب(٤)، وقال القاضي البيضاوي: النية انباعث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا ومآَلًا(٥)، وشرعت النية لتمييز العبادات عن العادات(٦) كالجلوس في المسجد فإنه قد يكون للإعتكاف تارة وللإستراحة أخرى وله نظائر كالطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والعتق وغير ذلك من العبادات لا تصح إلا بالنية فالوضوء عمل فإذا غسل الإنسان أعضاءه فقد (١) المجموع (٣١٣/١)، والتعيين (ص ٣٥). (٢) البيان (١/ ١٠١)، والتعيين (ص ٢٨). (٣) كفاية النبيه (٢٦٦/١)، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١ /١٧٨). (٤) أعلام الحديث (١ / ١١٢). (٥) تحفة الأبرار (١٩/١ - ٢٠) (٦) شرح الأربعين (ص ١١)، والفروق (٦٤/٢) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٧٦ - ١٧٨)، وشرح الإلمام (٤ /٥٣٨). ٢٩٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يكون قصده التبرد وقد يكون قصده الوضوء فالمميز النية، والاعتكاف عمل فإذا جلس الإنسان في مسجد فقد يكون مقصوده الاستراحة وقد يكون مقصوده الاعتكاف، فالمميز النية كما تقدم، والصلاة عمل فإذا نوى أن يصلي أربع ركعات فقد يكون يقصد بها الظهر وقد يقصد إيقاعها عن العصر فالمميز هو النية، وكذلك العتق قد يقصد به عن كفارة الظهار وقد يقصد به لغيرها فالمميز هو النية وإلى هذا المعنى أشار ◌َل حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال ◌َله: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))(١) وكلمة الله أي دعوته إلى الإسلام، وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يصح إلا بالنية وأنه لا يصح في صورتين الأولى أن يكون بغير نية، والثانية أن يكون لا بنية التقرب فلا يصح، والنية محلها القلب فإن اقتصر على القلب ولم يلفظ بلسانه جاز. [٣٢/ أ] ويندب التلفظ بالمنوي، وقال الزبيري: يجب أن يساعد القلب اللسان ولو نوى التبرد ويغلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف، قاله الكمال الدميري (٢). تنبيه: أما إزالة النجاسة فالمشهور عند الشافعية أنها لا تفتقر إلى نية لأنها من باب التروك والتروك لا يحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماع فيها وشذ (١) انظر شرح النووى على الأربعين (ص ١١- ١٢)، والحديث أخرجه البخاري رقم (١٢٣)، ومسلم رقم (١٩٠٤). (٢) النجم الوهاج (٣١٣/١) ٢٩١ مقدمة المؤلف بعض الأصحاب فأوجبها وهو باطل، انتهى قاله النووي (١). فرع: تدخل النية في الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح وإن أتى بصريح طلاق ونوى طلقتين أو ثلاثا ما وقع ما نوى، وإن نوى بالصريح غير مقتضاه دين فيما بينه وبين الله ولا تقبل منه في الظاهر والله أعلم. تنبيه: ومن مسائل النية أنه لو وطئ امرأة أجنبية يظنها زوجته أو أمته لا إثم عليه، وإن وطئها يعتقدها أجنبية فإذا هي مباحة له أثم، ولولا مصادفة المحل المباح لحد، وكذا لو شرب مباحا يعتقده حراما أثم وبالعكس لا يأثم ولو قال لامرأته أنت طالق يظنها أجنبية طلقت زوجته لمصادفة الطلاق محله ولو قال لأجنبية وظنها زوجته اختلف فيه، وإلا شبهه طلاق زوجته باعتبار نيته وقيل لا تطلق، لفوات المحل، ولو قال لرقيق له أنت حر يظنه أجنبيًّا عتق المصادفة العتق محله قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية (٢). فائدة: ينبغي للإنسان إذا أكل أو شرب أو نام أن يقصد بذلك التقوي على طاعة الله تعالى، أو راحة البدن للتنشيط للطاعة، وكذلك إذا أراد جماع زوجته يقصد بذلك أيضًا الحاجة وتحصيل ولد صالح يعبد الله تعالى أو إعفاف نفسه وصيانتها إلى التطلع إلى حرام أو الفكر فيه لأن العمل إذا كان خاليًا عن النية كان عادة لا عبادة أو كان واقعا على وجه اللهو واللعب، أو (١) المجموع (١ / ٣١١)، وشرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤). (٢) التعيين في شرح الأربعين (ص ٣٦ - ٣٧). ٢٩٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب على طريق الاتفاق كأفعال البهائم فلا يصله وسيلة ولا قربة قال العلماء من أهل اللغة والأصول والفقه: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية فالنية أبلغ من العمل فالمباحات تقلب بالنيات طاعات فالنية أساس العمل فإذا كان الأساس صحيحا صح البناء ولهذا المعنى تقبل النية بغير العمل، فإذا نوى حسنة فإنه يجزي عليها ولو عمل حسنة بغير نية لم يجاز بها، فمن حرم النية في هذه الأفعال فقد حرم خيرًا عظيمًا ومن وفق لها فقد أصاب فضلا جسيمًا قاله النووي في بستان العارفين(١). تنبيه: دل الحديث على أن النيات معيار للأعمال فحيث صلحت النية صلح العمل وحيث فسدت فسد العمل وحيث لا نية فالعمل كلا عمل، فالعمل إن خلا عن النية فلا ثواب فيه، وإن قارنت النية فله أحوال ثلاثة، أحدها: أن تقصد به الآخرة والناس فيه على ثلاث [٣٢/ ب] مراتب، الأولى: أن يفعل ذلك خوفا من الله تعالى، وهذه عبادة العبيد، الثانية: أن يفعل ذلك لطلب الجنة ونحو ذلك وهذه عبادة التجار(٢). قال الغزالي: والعبادة مع الرجاء أفضل منها مع الخوف لأن العبادة مع الرجاء تورث المحبة(٣)، الثالثة: أن يفعل ذلك حياء من الله تعالى وتأدية للشكر ويرى نفسه مع ذلك مقصرًا، وهذه عبادة الأحرار، وإليها الإشارة (١) بستان العارفين (ص ٢٩). (٢) شرح الأربعين النووية (ص ٧) للنووى. (٣) شرح النووى على الأربعين (ص ٧).