Indexed OCR Text
Pages 21-40
مقدمة ابن عبد البر في التمهيد المقدمة ٢٣ بسْمِاللَّهِ الرَّّ الرَّحِِّ صلى الله على سيدنا محمد وعلى أهله عونك اللهم. قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ رضي الله عنه: الحمد لله الأول والآخر، الظاهر الباطن، القادر القاهر، شكرًا على تفضله وهدايته، وفزعًا إلي توفيقه وكفايته، ووسيلة إلى حفظه ورعايته، ورغبة في المزيد من كريم آلائه، وجميل بلائه، وحمدًا على نعمه التي عظم خطرها عن الجزاء، وجل عددها عن الإحصاء. وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء، وعلى آله أجمعين، وسلم تسليما . أما بعد، فإني رأيت كل من قصد إلى تخريج ما في موطأ مالك بن أنس، رحمه الله، من حديث رسول الله، (آلۉ، قصد بزعمه إلى المسند، وأضرب عن المنقطع والمرسل، وتأملت ذلك في كل ما انتهى إلى مما جمع في سائر البلدان، وألف على اختلاف الأزمان، فلم أرَ جامعيه وقفوا عند ما شرطوه، ولا سلم لهم في ذلك ما أملوه، بل أدخلوا من المنقطع شيئًا في باب المتصل، وأتوا بالمرسل مع المسند، وكل من يتفقه منهم لمالك وينتحله، إذا سألت من شئت منهم عن مراسيل الموطأ، قالوا: صحاح لا يسوغ لأحد الطعن فيها، لثقة ناقيلها، وأمانة مرسليها، وصدقوا فيما قولوه من ذلك، لكنها جملة ينقضها تفسيرهم بإضرابهم عن المرسل والمقطوع. وأصل مذهب مالك، رحمه الله، والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين: أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء. وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار- فيما علمت - على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره ٢٤ فتح البر من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافا. وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما لا يعلمه، وقبول خبر الواحد العدل فيما يخبر به مثله، وقد ذكر الحجة عليهم في ردهم أخبار الآحاد جماعة من أئمة الجماعة وعلماء المسلمين. وقد أفردت لذلك کتابا موعبا کافیا، والحمد لله . ولأئمة فقهاء الأمصار في إنفاذ الحكم بخبر الواحد العدل مذاهب متقاربة، بعد إجماعهم على ماذكرت لك من قبوله وإيجاب العمل به دون القطع على مغيبه، فجملة مذهب مالك في ذلك إيجاب العمل بمسنده ومرسله، مالم يعترضه العمل الظاهر ببلده، ولا يبالي في ذلك من خالفه في سائر الأمصار، ألا ترى إلى إيجابه العمل بحديث التفليس، وحديث المصراة، وحديث أبي القعيس في لبن الفحل؟ وقد خالفه في ذلك بالمدينة وغيرها جماعة من العلماء، وكذلك المرسل عنده سواء، ألا تراه يرسل حدیث الشفعة ويعمل به، ويرسل حديث اليمين مع الشاهد ویوجب القول به، ويرسل حديث ناقة البراء بن عازب في جنايات المواشي ويرى العمل به، ولا يرى العمل بحديث خيار المتبايعين، ولا بنجاسة ولوغ الكلب، ولم يدر ما حقيقة ذلك كله، لما اعترضهما عنده من العمل. ولتلخيص القول في ذلك موضع غير هذا. وقالت طائفة من أصحابنا: مراسيل الثقات أولى من المسندات، واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك، ومن أرسل من الأئمة حديثا مع علمه ودينه وثقته، فقد قطع لك على صحته، وكفاك النظر. المقدمة ٢٥ وقالت منهم طائفة أخرى: لسنا نقول: أن المرسل أولى من المسند، ولكنها سواء في وجوب الحجة والاستعمال، واعتلوا بأن السلف، رضوان الله عليهم، أرسلوا، ووصلوا، وأسندوا، فلم یعب واحد منهم على صاحبه شيئا من ذلك، بل كل من أسند لم يخل من الإرسال، ولو لم یکن ذلك کله عندهم دینا وحقا، ما اعتمدوا عليه؛ لأنا وجدنا التابعين إذا سئلوا عن شيء من العلم، وكان عندهم في ذلك شيء عن نبيهم، وَّر، أو عن أصحابه، رضي الله عنهم، قالوا: قال رسول الله كذا، وقال عمر كذا، ولو كان ذلك لا يوجب عملا ولا يعد علما عندهم، لما قنع به العالم من نفسه، ولا يرضى به منه السائل. وممن كان يذهب إلى هذا القول من أصحابنا: أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهري وهو قول أبي جعفر محمد بن جرير الطبري. وزعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، كأنه يعني أن الشافعي أول من أبى قبول المرسل. وقالت طائفة أخرى من أصحابنا: لسنا نقول: أن المسند الذي اتفقت جماعة أهل الفقه والأثر في سائر الأمصار، وهم الجماعة، على قبوله والاحتجاج به واستعماله، کالمرسل الذي اختلف في الحكم به وقبوله في كل أحواله، بل نقول: أن للمسند مزية فضل، لموضع الاتفاق، وسكون النفس إلى كثرة القائلين به، وإن كان المرسل يجب أيضا العمل به، وشبه ذلك من مذهبه بالشهود يكون بعضهم أفضل حالا من بعض وأقعد، وأتم معرفة وأكثر عددا، وإن كان البعض عدلين جائزي الشهادة، وكلا الوجهين يوجب العمل ولا يقطع العذر. 2 ! ٢٦ فتح البر وممن كان يقول هذا: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خواز بنداد البصري المالكي . وأما أبو حنيفة وأصحابه، فإنهم يقبلون المرسل ولا یردونه إلا بما يردون به المسند من التأويل والاعتلال على أصولهم في ذلك. وقال سائر أهل الفقه، وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار، فيما علمت: الانقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به، وسواء عارضه خبر متصل أم لا، وقالوا: إذا اتصل خبر، وعارضه خبر منقطع، لم يعرج على المنقطع مع المتصل، وكان المصير إلى المتصل دونه . وحجتهم في رد المراسيل: ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المخبر، وأنه لا بد من علم ذلك، فإذا حكى التابعي عمن لم يلقه، لم يكن بد من معرفة الواسطة، إذ قد صح أن التابعين، أو کثیرا منهم، رووا عن الضعيف وغير الضعيف، فهذه النكتة عندهم في رد المرسل؛ لأن مرسله يمكن أن يكون سمعه ممن يجوز قبول نقله، وممن لا يجوز، ولابد من معرفة عدالة الناقل، فبطل لذلك الخبر المرسل للجهل بالواسطة . قالوا: ولو جاز قبول المراسيل، لجاز قبول خبر مالك والشافعي والأوزاعي ومثلهم، إذا ذكروا خبرًا عن النبي وَّل، ولو جاز ذلك فيهم، لجاز فيمن بعدهم إلى عصرنا، وبطل المعنى الذي عليه مدار الخبر. ومن حجتهم أيضا في ذلك: أن الشهادة على الشهادة، قد أجمع المسلمون أنه لا يجوز فيها إلا الاتصال والمشاهدة، فكذلك الخبر، يحتاج من الاتصال والمشاهدة إلى مثل ما تحتاج إليه الشهادة، إذ هو باب في إيجاب الحكم واحد. هذا كله قول الشافعي وأصحابه وأهل الحديث، ولهم في ذلك من الكلام ما يطول ذكره . المقدمة ٢٧ وأما أصحابنا، فكلهم مذهبهم في الأصل استعمال المرسل مع المسند، كما يوجب الجميع استعمال المسند، ولا يردون بالمسند المرسل، كما لا يردون الخبرين المتصلين، ما وجدوا إلى استعمالهما سبيلا، وما ردوا به المرسل من حجة، بتأويل أو عمل مستفيض أو غير ذلك من أصولهم، فهم يردون به المسند سواء، لا فرق بینھما عندهم. قال أبو عمر: هذا أصل المذهب، ثم إني تأملت كتب المناظرين، والمختلفين من المتفقهين، وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أرَ أحدًا منهم يقنع من خصمه، إذا احتج عليه بمرسل، ولا يقبل منه في ذلك خبرا مقطوعا، وكلهم، عند تحصيل المناظرة، يطالب خصمه بالاتصال في الأخبار. والله المستعان . وإنما ذلك؛ لأن التنازع إنما يكون بين من يقبل المرسل وبين من لا يقبله، وإن احتج به من يقبله على من لا يقبله، قال له: هات حجة غيره، فإن الكلام بيني وبينك في أصل هذا ونحن لا نقبله، وإن احتج من لا يقبله على من يقبله، كان من حجته: كيف تحتج علي بما ليس حجة عندك، ونحو هذا . ولم نشاهد نحن مناظرة بين مالكي يقبله، وبين حنفي يذهب في ذلك مذهبه، ویلزم على أصل مذهبهما في ذلك قبول كل واحد منهما من صاحبه المرسل إذا أرسله ثقة عدل رضا، ما لم يعترضه من الأصول ما يدفعه. وبالله التوفيق . واختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل هل يوجب العلم والعمل جميعا، أم يوجب العمل دون العلم؟ والذي عليه أكثر أهل العلم ٢٨ فتح البر منهم: أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به على الله، وقطع العذر بمجیئه قطعا ولا خلاف فيه . وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر: أنه يوجب العلم الظاهر والعمل جميعا، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، وذكر ابن خواز بنداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك. قال أبو عمر: الذي نقول به: أنه يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشاهدین والأربعة سواء، وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي يوالي عليها، ويجعلها شرعا ودينا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا وبالله توفيقنا . ولما أجمع أصحابنا على ماذكرنا في المسند والمرسل، واتفق سائر العلماء على ما وصفنا، رأيت أن أجمع في كتابي هذا كل ما تضمنه موطأ مالك بن أنس، رحمه الله، في رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي عنه، من حديث رسول الله ﴾آلێ، مسنده، ومقطوعه، ومرسله، وكل ما يمكن إضافته إليه، صلوات الله وسلامه عليه . ورتبت ذلك مراتب قدمت فيها المتصل، ثم ما جرى مجراه مما اختلف في اتصاله، ثم المنقطع والمرسل. وجعلته على حروف المعجم في أسماء شيوخ مالك، رحمهم الله، ليكون أقرب للمتناول . ووصلت كل مقطوع جاء متصلا من غير رواية مالك، وكل مرسل جاء ٢٩ المقدمة مسندا من غير طريقه رحمة الله عليه، فيما بلغني علمه، وصح بروايتي جمعه، ليرى الناظر في كتابنا هذا موقع آثار الموطأ من الاشتهار والصحة. واعتمدت في ذلك على نقل الأئمة، وما رواه ثقات هذه الأمة. وذكرت من معاني الآثار وأحكامها المقصودة بظاهر الخطاب ما عوّل على مثله الفقهاء أولوا الألباب. وجلبت من أقاويل العلماء في تأويلها، وناسخها ومنسوخها، وأحكامها ومعانيها، ما يشتفي به القارئ الطالب ويبصره وينبه العالم ویذكره. وأتيت من الشواهد على المعاني والإسناد، بما حضرني من الأثر ذكره، وصحبني حفظه، مما تعظم به فائدة الكتاب. وأشرت إلى شرح ما استعجم من الألفاظ، مقتصرا على أقاويل أهل اللغة. وذكرت في صدر الكتاب من الأخبار الدالة على البحث عن صحة النقل، وموضع المتصل والمرسل، ومن أخبار مالك، رحمه الله، وموضعه من الإمامة في علم الديانة، ومكانه من الانتقاد والتوقي في الرواية، ومنزلة موطئه عند جميع العلماء المؤالفين منهم والمخالفين، نبذا يستدل بها اللبيب على المراد، وتغني المقتصر عليها عن الازدياد. وأومأت إلى ذكر أحوال الرواة وأنسابهم وأسنانهم ومنازلهم. وذکرت من حفظت تاریخ وفاته منهم، معتمدا في ذلك کله على الاختصار، ضاربا عن التطويل والإكثار. والله أسأله العون على مايرضاه، ويزلف فيما قصدناه، فلم نصل إلى شيء مما ذكرناه إلا بعونه وفضله، لا شريك له، فله الحمد كثيرا دائما على ما ألهمنا من العناية بخير الكتب بعد كتابه، وعلى ما وهب لنا من التمسك بسنة فتح البر ٣٠ رسوله محمد، وَّ، وما توفيقي إلا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل. وإنما اعتمدت على رواية يحيى بن يحيى المذكورة خاصة، لموضعه عند أهل بلدنا، من الثقة والدين والفضل والعلم والفهم، ولكثرة استعمالهم لروايته وراثة عن شيوخهم وعلمائهم، إلا أن يسقط من روايته حديث من أمهات أحاديث الأحكام أو نحوها، فأذكره من غیر روايته، إن شاء الله . فكل قوم ينبغي لهم امتثال طريق سلفهم فيما سبق إليهم من الخير، وسلوك مناهجهم فيما احتملوا عليه من البر، وإن كان غيره مباحًا مرغوبًا فيه . والروايات في مرفوعات الموطأ متقاربة في النقص والزيادة، وأما اختلاف روايته في الإسناد والإرسال والقطع والاتصال، فأرجو أن ترى ما يكفي ويشفي في كتابنا هذا، مما لا يخرجنا عن شرطنا إن شاء الله لارتباطه به والله المستعان . فأما روايتنا للموطأ من طريق يحيى بن يحيى الأندلسي، رحمه الله : فحدثنا بها أبو عثمان سعيد بن نصر لفظا منه قراءة عليَّ من کتابه، رحمه الله، وأنا أنظر في كتاب، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، قالا: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك. وحدثنا به أيضا أبو الفضل أحمد بن قاسم قراءة مني عليه، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم، ووهب بن مسرة، قالا: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يحيى عن مالك. وحدثنا به أيضا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد قراءة مني عليه، قال: حدثنا وهب بن مسرة، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يحيى عن مالك. المقدمة ٣١ - وحدثني به أيضا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد المذكور، رحمه الله، قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن مطرف، وأحمد بن سعيد، قالا: حدثنا عبيدالله بن يحيى بن يحيى، قال: حدثني أبي عن مالك. وبین رواية عبيد الله، ورواية ابن وضاح حروف قد قيدتها في كتابي. و الله أسأله حسن العون علی ما یرضیه ویقرب منه، فإنما نحن به لا شريك له، وحسبنا الله ونعم الوكيل . ٣٢ فتح البر باب معرفة المرسل، والمسند، والمنقطع، والمتصل، والموقوف، ومعنى التدليس قال أبو عمر: هذه أسماء اصطلاحية، وألقاب اتفق الجميع عليها، وأنا ذاكر في هذا الباب معانيها، إن شاء الله . اعلم - وفقك الله- أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي : عدالة المحدثين في أحوالهم. ولقاء بعضهم بعضا مجالسة ومشاهدة . وأن يكونوا برءآء من التدليس. والإسناد المعنعن: فلان عن فلان عن فلان عن فلان . وقد حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن بكر، حدثنا محمد ابن الحسين بن أحمد الأزدي الحافظ الموصلي، قال: حدثنا ابن زاكيا، قال: حدثنا أبو معمر عن وكيع، قال: قال شعبة: ((فلان عن فلان ليس بحدیث)). قال وکیع: وقال سفيان: هو حدیث. قال أبو عمر: ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلی قول سفيان . المقدمة ٣٣ _ وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ماذكرت لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم، والحمد لله، إلا أن يكون الرجل معروفا بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضا خلافا . ومن الدليل على أن ((عن)) محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال حتى يتبين الإنقطاع فيها: ما حكاه أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: أنه سئل عن حديث المغيرة بن شعبة: ((أن النبي - عليه السلام- مسح أعلى الخف وأسفله))(١). فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك: أنه قال عن ثور: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: وأما الوليد فزاد فيه: ((عن المغيرة))، وجعله: ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء: لأن ابن المبارك قال فیه: عن ثور، حدثت عن رجاء. قال أبو عمر: ألا ترى أن أحمد بن حنبل - رحمه الله- عاب على الوليد بن مسلم قوله: ((عن)) في منقطع، ليدخله في الاتصال؟ فهذا بيان أن (( عن)) ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير ذلك. ومثل هذا عن العلماء کثیر. (١) د (١٦١/٦٤/١-١٦٥). ت (٩٧/١٦٢/١) وقال: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور ابن يزيد غير الوليد بن مسلم. وقال أيضا: «سألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ قالا: ليس بصحيح)). جه (١ / ١٨٢/ ٥٥٠). وذكره الحافظ ابن حجر في البلوغ وعزاه للأربعة إلا النسائي وقال: في إسناده ضعف. ٣٤ فتح البر وسنذكر هذا الحديث بطرقه، عند ذكر حديث المغيرة بن شعبة، في باب: ((ابن شهاب عن عباد بن زياد)) إن شاء الله . وأما التدليس: فهو أن يحدث الرجل قد لقيه ، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم یسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن ترضى حاله، أولا ترضى، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مرضية لذكره، وقد یکون لأنه استصغره. هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. وسنبين معنى التدليس بالإخبار عن العلماء في الباب بعد هذا إن شاء الله . واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا، فقالت فرقة: هذا تدليس؛ لأنهما لو شاءالسميا من حدثهما، كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسکوت المحدث عن ذکر من حدثه مع علمه به تدلیس. قال أبو عمر: فإن كان هذا تدليسا، فما أعلم أحدا من العلماء سلم منه، في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج، ويحيي بن سعيد القطان، فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا، لا سيما شعبة، فهو القائل: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني، حدثنا بندار، حدثنا غندر، قال: سمعت شعبة يقول: ((التدليس في الحديث أشد من الزنا؛ ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أدلس)). المقدمة ٣٥ وقال أبو نعيم: سمعت شعبة يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس. وقال أبو الوليد الطيالسي: سمعت شعبة يقول: لأن أَخرَّ من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول: زعم فلان ولم أسمع ذلك الحدیث منه. وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرنا يجري عليه لقب التدليس، وإنما هو إرسال، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي وَالر، وعن أبي بكر وعمر، وهو لم يسمع منهما، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسا، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب . والإرسال قد تبعث علیه أمور لا تضیره. مثل أن يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عن المُعْزَى إليه الخبر، وصح عنده، ووقر في نفسه، فأرسله عن ذلك المُعْزَى إليه، علما بصحة ما أرسله. وقد يكون المرسل للحديث نسي من حدثه به وعرف المعزى إليه الحديث، فذكره عنه فهذا أيضا لا يضر، إذا كان أصل مذهبه أن لا يأخذ إلا عن ثقة، كمالك وشعبة . أو تكون مذاكرة، فربما ثقل معها الإسناد، وخف الإرسال، إما لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث واشتهاره عندهم، أو لغير ذلك من الأسباب الكائنة في معنی ما ذكرناه . والأصل في هذا الباب: اعتبار حال المحدث، فإن كان لا يأخذ إلا عن ثقة، وهو في نفسه ثقة، وجب قبول حديثه مرسله ومسنده، وإن کان یأخذ عن الضعفاء، ویسامح نفسه في ذلك، وجب التوقف عما أرسله حتى یسمي من الذي أخبره. = ٣٦ فتح البر وكذلك من عرف بالتدليس المجتمع عليه، وكان من المتسامحين في الأخذ عن كل أحد، لم يحتج بشيء مما رواه، حتى يقول: أخبرنا، أو سمعت. هذا إذا كان عدلاً ثقة في نفسه، وإن كان ممن لا يروي إلا عن ثقة، استغنی عن توقيفه ولم يسأل عن تدليسه. وعلى ما ذكرته لك أكثر أئمة الحديث، قال يعقوب بن شيبة: سألت یحیی بن معین عن التدلیس، فکرهه وعابه. قلت له: فيكون المدلس حجة فيما روى حتى يقول: حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: لا یکون حجة فيما دلس فيه . قال يعقوب: وسألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل : حدثنا؟ فقال: إذا كان الغالب علیه التدلیس فلا، حتى يقول: حدثنا. قال علي: والناس يحتاجون في صحيح حديث سفيان إلى يحيى القطان. يعني علي: أن سفيان كان يدلس، وأن القطان كان يوقفه على ما سمع وما لم يسمع. وسترى في الباب الذي بعد هذا ما يدلك على ذلك، ویکشف لك المذهب والمراد فیه إن شاء الله . فأما المرسل: فإن هذا الاسم أوقعوه بإجماع على حديث التابعي الكبير، عن النبي وَل، مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار، أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أو عبد الله بن عامر بن ربيعة، ومن كان مثلهم: قال رسول الله وَله . المقدمة ٣٧ = وكذلك من دون هؤلاء، مثل سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، ومن كان مثلهم. وكذلك عقلمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم. فهذا هو المرسل عند أهل العلم. ومثله أيضا، مما يجرى مجراه عند بعض أهل العلم، مرسل من دون هؤلاء، مثل حديث ابن شهاب، وقتادة، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد، عن النبي گګ يسمونه مرسلا، کمرسل كبار التابعين. وقال آخرون: حديث هؤلاء عن النبي ◌َّيّ يسمى منقطعا؛ لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين، وأكثر روايتهم عن التابعين، فما ذكروه عن النبي گآئلا يسمى منقطعا. قال أبو عمر: المنقطع عندي كل ما لا يتصل، سواء كان يعزى إلى النبي وَاله، أو إلى غيره. وأما المسند: فهو ما رفع إلى النبي ◌َّ خاصة. فالمتصل من المسند مثل: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وَل. ومالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ◌َّه . ومالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي وَل. ومالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَله. فتح البر = ٣٨ 1 ومالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أو أبي سلمة بن عبدالرحمن، أو الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَاللّ. ومعمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي وَّل. وأيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي وَله . وما کان مثل هذا كله. والمنقطع من المسند مثل: مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة، عن النبي وَل. وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، عن النبي وَل. وعن ابن شهاب، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّه. وعن ابن شهاب، عن أبي هريرة، عن النبي وَل. وعن زيد بن أسلم، عن عمر بن الخطاب، عن النبي وَال. فهذا وما کان مثله مسند؛ لأنه أسند إلى النبي گێ، ورفع إليه، وهو مع ذلك منقطع؛ لأن يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن القاسم، لم يسمعا من عائشة، وكذلك ابن شهاب لم يسمع من ابن عباس، ولا من أبي هريرة، ولا سمع زيد بن أسلم من عمر، وقد اختلف في سماعه من ابن عمر، والصحیح عندي أنه سمع منه. وسترى ذلك في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله. وأكثر من هذا في الانقطاع: مالك أنه بلغه، عن جابر بن عبد الله، عن النبي وَلاّ وعن عائشة. وعن أنس، عن النبي ◌ُّۇ، وما كان مثله. المقدمة ٣٩ وأما المتصل جملة، فمثل: مالك عن نافع . وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر، مرفوعا أو موقوفا. وكذلك أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، مرفوعا أو موقوفا. وشعبة، عن قتادة، عن أنس، مرفوعا أو موقوفا . وشعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، مرفوعا أو موقوفا . ومثل منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، مرفوعا أو موقوفا . ومثل الأوزاعي، وهشام الدستوائي، عن یحیی بن أبي کثیر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعا أو موقوفا . والزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وأبي هريرة، مرفوعا أو موقوفا، وما کان مثل هذا . وإنما سمي متصلا؛ لأن بعضهم صحت مجالسته ولقاؤه لمن بعده في الإسناد، وصح سماعه منه. والموقوف: ما وقف على الصاحب ولم يبلغ به النبي وَلّ مثل مالك عن نافع، عن ابن عمر عن عمر قوله. وعن الزهري عن سالم عن أبيه قوله. وابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قوله، وما کان مثل هذا. فتح البر ٤٠ والانقطاع يدخل المرفوع وغير المرفوع . وقد ذهب قوم إلى أن المرفوع كل ما أضيف إلى النبي وَلّ، متصلا كان أو مقطوعا، وأن المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعا إلى النبي وَخلاله . ففرقوا بين المرفوع والمسند، بأن المسند هو الذي لا يدخله انقطاع ومما يعرف به: اتصال الرواة ولقاء بعضهم بعضا، فلذا صار الحديث مقطوعا وإن كان مسندا؛ لأن ظاهره يتصل إلى النبي ◌َّ وهو منقطع. وقال آخرون: المرفوع والمسند سواء، وهما شيء واحد، والانقطاع يدخل عليهما جميعا والاتصال. واختلفوا في معنى ((أن)) هل هي بمعنى ((عن)) محمولة على الاتصال بالشرائط التي ذكرنا حتى يتبين انقطاعها، أو هي محمولة على الانقطاع حتى يعرف صحة اتصالها؟ وذلك مثل: مالك، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب قال کذا. ومثل: مالك، عن هشام بن عروة، أن أباه قال كذا. ومثل: حماد بن زيد، عن أيوب، أن الحسن قال كذا. فجمهور أهل العلم على أن ((عن)) ((وأن)) سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدا بأي لفظ ورد محمولا على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع. وقال البرديجي: ((أن)) محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه.