Indexed OCR Text

Pages 521-540

الفرائض والوصية
٥٢١
سعد: يا رسول الله، إن لي مالا، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي
كله أو أتصدق بمالي كله؟ قال: لا(١).
وذكر الحديث، هكذا في حديث عمرو القاري، أفأوصي على
الشك أيضا، وأما حديث ابن شهاب، فلم يختلف عنه أصحابه: لا
ابن عيينة، ولا غيره.
انه قال فيه: أفأتصدق بمالي كله، أو بثلثي مالي؟ ولم يقل:
أفأوصي؟ فإن صحت هذه اللفظة قوله: أفأتصدق، كان في ذلك
حجة قاطعة لما ذهب إليه جمهور أهل العلم، في هبات المريض،
وصدقاته، وعتقه، ان ذلك من ثلثه، لا من جميع ماله، وهو قول
مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة
وأصحابه، وأحمد وعامة أهل الحديث، والرأي، وحجتهم حديث
عمران بن حصين في الذي اعتق ستة أعبد له في مرضه لا مال له
غيرهم، ثم توفي، فأعتق رسول الله وَُّلّ، منهم اثنين وارق أربعة(٢).
وقالت فرقة من أهل النظر وأهل الظاهر منهم داود في هبة
المريض: انها من جميع ماله، والحجة عليهم شذوذهم عن السلف،
ومخالفة الجمهور، وما ذكرنا في هذا الباب من حديث سعد وعمران
ابن حصين.
وقد قال بعض أهل العلم: أن عامر بن سعد هوالذي قال في
حديث سعد: أفأتصدق بثلثي مالي أو بمالي؟ وأما مصعب بن سعد
فانما قال: أفاوصي؟ ولم يقل: أفأتصدق؟.
(١) حم (٤/ ٦٠) وذكره الهيثمي في المجمع (٢١٥/٤- ٢١٦) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه
عياض بن عمرو ولم يجرحه أحد ولم يوثقه.
(٢) حم (٤٢٦/٤-٤٢٨-٤٣٨-٤٣٩ - ٤٤٠-٤٤٥)، م (١٦٦٨/١٢٨٨/٣)،
د (٤ / ٢٦٦ / ٩٥٨ ٣)، ت (٣ / ١٣٦٤/٦٤٥)، ن (٤ /٣٦٦ / ١٩٥٧)،
جه (٢٣٤٥/٧٨٥/٢).

فتح البر
٥٢٢
والذي أقوله: أن ابن شهاب هو الذي قال عن عامر بن سعد في
هذا الحديث: أفأتصدق؟ لأن غير ابن شهاب رواه عن عامر فقال فيه:
أفاوصي؟ كما قال مصعب بن سعد، وهو الصحيح ان شاء الله.
روى شعبة والثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد عن
سعد بن أبي وقاص قال: جاء النبي ◌َّه، يعودني، وأنا بمكة وهو
يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله سعد بن
عفراء، قلت يا رسول الله ؟ أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت:
فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير(١)،
وذكر تمام الحديث حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان،
قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة،
عن عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال:
عادني رسول الله وَخلقه، فقلت له: أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت:
فالنصف؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير(٢).
هذه الآثار في الوصية بالثلث.
وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من
ثلثه إذا ترك ورثة من بنين، أو عصبة.
واختلفوا اذا لم يترك بنين ولا عصبة، ولا وارثا بنسب أو نكاح
فقال ابن مسعود، اذا كان كذلك، جاز له أن يوصي بماله كله، وعن
(١) خ (٥٣٥٤/٦٢١/٩) و(٢٧٤٢/٤٥٦/٥)، م (١٦٢٨/١٢٥٢/٣)،
ن (٦/ ٣٦٢٩/٥٥٢).
(٢) م (٣ / ١٦٢٨/١٢٥٢ [٧]).

الفرائض والوصية
١٥٢٣
أبي موسى الأشعري مثله، وقال بقولهما قوم: منهم مسروق، وعبيدة
السلماني وبه قال إسحاق بن راهويه، واختلف في ذلك قول أحمد.
وذهب اليه جماعة من المتأخرين ممن يقول بقول زيد بن ثابت في
هذه المسألة، ومن حجتهم أن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان
من أجل أن يدع ورثته أغنياء، وهذا لا ورثة له، فليس ممن عنى
بالحديث والله أعلم.
ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن أبا
موسى أجاز وصية امرأة بمالها كله، لم يكن لها وارث، وعن الثوري،
عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال لي ابن مسعود: انكم من
أحرى حي بالكوفة أن يموت ولا يدع عصبة ولا رحما، فما يمنعه اذا
كان ذلك أن يضع ماله في الفقراء والمساكين؟ وعن معمر، عن أيوب،
عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: إذا مات الرجل، وليس عليه عقد
لأحد، ولا عصبة یرثونه، فإنه یوصي بماله کله حيث شاء وعن ابن
عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق مثله
وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه، كان له
بنون أو ورث كلالة، أو ورثه جماعة المسلمين: لأن بيت مالهم عصبة
من لا عصبة له، وبهذا القول قال جمهور أهل العلم، وإليه ذهب
جماعة فقهاء الأمصار، إلا ما ذكرنا عن طوائف من المتأخرين من
أصحابهم.
وفي هذا الحديث تخصيص للقرآن، لأنه أطلق الوصية.
ولم يقيدها بمقدار لا يتعدى، وكان مراده عز وجل من كلامه،
ما بينه عنه رسوله ﴿ قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ
[النحل: (٤٤)]. يعني لتبين لهم مراد ربهم، فيما
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

فتح البر
٥٢٤
احتمله التأويل من كتابهم الذي نزل عليهم، وسيأتي القول في حكم
الوصية لغير الوالدين والأقربين. في باب نافع، وباب يحيى بن
سعید، ان شاء الله.
وأجمع فقهاء الأمصار أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة
جازت، وان لم يجزها الورثة لم يجز منها إلا الثلث.
وقال أهل الظاهر: ان الوصية بأكثر من الثلث لا تجوز، أجازها
الورثة أو لم يجيزوها، وهو قول عبد الرحمن بن كيسان، وإلى هذا
ذهب المزني، لقول رسول الله وَله، السعد، حين قال له أوصي بشطر
مالي؟ قال: لا. ولم يقل له: ان أجازه ورثتك جاز. وكذلك قالوا:
ان الوصية للوارث لا تجوز، أجازها الورثة أو لم يجيزوها، لقول
رسول الله وَله: ((لا وصية لوارث(١))) وسائر الفقهاء يجيزون ذلك،
إذا أجازها الورثة، ويجعلونها هبة مستأنفة من قبل الورثة في الوجهين
جميعا. منهم مالك والليث والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة
والشافعي، أصحابهم وفي قول رسول الله وَيقول: الثلث كثير. دليل
على أنه الغاية التي إليها تنتهي الوصية، وان ذلك كثير في الوصية،
وان التقصير عنه أفضل، ألا ترى إلى قول رسول الله وَ له بعقب
قوله: ((الثلث كثير)) ولان تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة
یتکففوه الناس، فاستحب له الابقاء لورثته.
وكره جماعة من أهل العلم الوصية بجميع الثلث. ذكر عبدالرزاق،
عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: إذا كان ورثته قليلا، وماله
كثيرا، فلا بأس أن يبلغ الثلث في وصيته، واستحب طائفة منهم
الوصية بالربع، روی ذلك عن ابن عباس، وغيره.
(١) سبق تخريجه في باب "لا وصية لوارث".

الفرائض والوصية
٥٢٥,
وقال إسحاق بن راهويه: السنة في الوصية الربع، لقول رسول الله
وَالل ◌ّه: الثلث كثير، إلا أن يكون رجل يعرف في ماله شبهات فيجوز له
الثلث، لا يجوز غيره.
قال أبو عمر:
لا أعلم لإسحاق حجة في قوله: السنة في الوصية الربع. وهذا
الذي نزع به ليس بحجة في تسمية ذلك سنة.
وقد روى عن أبي بكر الصديق انه كان يفضل الوصية بالخمس،
وبذلك أوصى. وقال: رضيت لنفسي ما أرضى الله لنفسه، كأنه يعني
خمس الغنائم. واستحب جماعة الوصية بالثلث، واحتجوا بحديث
ضعيف عن النبي وَل*، أنه قال: جعل الله لكم في الوصية ثلث
أموالكم، زيادة في أعمالكم(١)، وهو حديث انفرد به طلحة بن عمرو
عن عطاء عن أبي هريرة وطلحة ضعيف روى عنه هذا الخير وكيع
وابن وهب وغيره، ولا خلاف بين علماء المسلمين ان الوصية بأكثر من
الثلث لا تجوز على حسب ما قدمنا ذكره.
وقد روى معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: الثلث
وسط، لا غبن فيه ولا شطط وهذا لا ندري ما هو، لأن الغاية ليس
بوسط، إلا أن يكون أراد حكم النبي وَ ل بذلك وسط أي عدل
والوسط العدل.
وروى هشام بن عروة عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لو ان الناس
غضوا من الثلث، فإن رسول الله وَاخيه- قال: الثلث والثلث كثير،
فليتهم نقصوا الى الربع.
(١) الطحاوي (٤/ ٣٨٠)، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((إن الله عز وجل جعل لكم
ثلث أموالكم، آخر أعمالكم ، زيادة في أعمالكم)).

فتح البر
٥٢٦
وقال قتادة: الثلث كثير، والقضاة يجيزونه، والربع قصد، وأوصى
أبو بکر بالخمس.
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: الثلث
جهد وهو جائز.
وعن معمر، عن قتادة، قال: أوصى عمر رضي الله عنه بالربع،
وأوصى أبو بكر بالخمس، وهو أحب إلي.
وعن الثوري، عن الأعمش عن إبراهيم، قال: كان الخمس أحب
إليهم من الربع والربع أحب اليهم من الثلث.
قال الثوري: وأخبرني من سمع الحسن وأبا قلابة يقولان: أوصي
أبو بكر بالخمس.
أخبرنا محمد بن خليفة، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال:
حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا معاذ بن
أيوب، قال: حدثنا إسماعيل بن علية قال: حدثنا إسحاق بن سويد،
عن العلاء بن زياد، قال أوصاني أبي أن أسأل العلماء أي الوصية
أُعدل، فما تتابعوا عليه فهي وصيته، فسألت فتتابعوا على الخمس.
قال وأخبرنا ابن أبي داود، قال حدثنا أحمد بن سنان، قال: حدثنا
أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: صاحب
الربع أفضل من صاحب الثلث، وصاحب الخمس، أفضل من
صاحب الربع، يعنى في الوصية.
وأجمعوا أن الوصية ليست بواجبة إلا على من كانت عليه حقوق
بغير بينة أو كانت عنده امانة بغير شهادة. فإن كان ذلك فواجب عليه
الوصية فرضا لا يحل له ان يبيت ليلتين إلا وقد أشهد بذلك، وأما
التطوع فليس على أحد أن يوصي به، الا فرقة شذت فأوجبت ذلك،

الفرائض والوصية
٥٢٧
والآية بإيجاب الوصية للوالدين والأقربين منسوخة. وسنبين ذلك في
باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا إن شاء الله.
ولم يوص رسول الله وَ له ولو كانت الوصية واجبة كان أبدر الناس
إليها رسول الله وَّله. بل قال عليه الصلاة والسلام: أفضل الصدقة أن
تعطى وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل
حتى إذا بلغت النفس الحلقوم، قلت: هذا لفلان وهذا لفلان(١).
وذكر عبد الرزاق، عن الثوري عن الحسن بن عبيد الله، عن
إبراهيم النخعي أنه ذكر له أن الزبير وطلحة كانا يشددان على الرجل
في الوصية، فقال: ما كان عليهما أن يفعلا . توفي رسول الله عليه
وسلم، فما أوصى، وأوصى أبو بكر، فان أوصى فحسن، وان لم
یوص فلا بأس.
قال أبو عمر:
ليس قول النخعي هذا بشيء، لأن رسول الله وَجالو، لم يتخلف عنه
ما یوصي فیه: لأنه مخصوص بأن یکون كلما يتركه صدقة.
قال: وحدثنا إسماعيل قال: سمعت عبد الله بن عون يقول: إنما
الوصية بمنزلة الصدقة. فأحب إلى إذا كان الموصى له غنيا عنها أن
يدعها .
وأما قول سعد في الحديث: وأنا ذو مال، ففيه دليل على أنه لو لم
يكن ذا مال ما أذن له رسول الله وَجله، في الوصية، والله أعلم. ألا
ترى إلى قوله: لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة
يتكففون الناس؟ وقد منع علي بن أبي طالب أو ابن عمر مولى لهم
(١) حم (٢٣١/٢ -٢٥٠-٤١٥-٤٤٧)، خ (١٤١٩/٣٦٣/٣)، م (١٠٣٢/٧١٦/٢)،
د (٢٨٦٥/٢٨٧/٣)، ن (٥/ ٢٥٤١/٧٢-٢٥٤٢).

فتح البر
٥٢٨
من أن يوصي، وكان له سبع مائة درهم، وقال: انما قال الله تبارك
وتعالى ان ترك خیرا، وليس لك كبير مال.
وروى ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لا يجوز لمن
کان ورثته کثیرا، وماله قليلا، أن يوصي بثلث ماله.
قال: وسئل ابن عباس عن ثمانمائة درهم، فقال: قليل. وسئلت
عائشة عن رجل له أربع مائة درهم، وله عدة من الولد، فقالت: ما
في هذا فضل عن ولده.
وفي هذا الحديث أيضا عيادة العالم والخليفة وسائر الجلة للمريض.
وفيه دليل على أن الأعمال لا تزكو عند الله إلا بالنيات؛ لقوله:
وانك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا اجرت فيها. فدل على أنه
لا يؤجر على شيء من الأعمال إلا ما ابتغي به وجهه تبارك وتعالى.
وفيه دليل على أن الانفاق على البنين والزوجات من الاعمال
الصالحات وإن ترك المال للورثة أفضل من الصدقة به، إلا لمن كان
واسع المال، والأصول تعضد هذا التأويل، لأن الإنفاق على من تلزمه
نفقته فرض وأداء الفرائض أفضل من التطوع.
ولو استدل مستدل على وجوب نفقات الزوجات بهذا الحديث لكان
مذهبا؛ لقوله: حتى ما تجعل في في امرأتك.
وأما قول سعد: اخلف بعد أصحابي، فمعناه عندي، والله أعلم.
اخلف بمكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين الى المدينة، ويحتمل
أن يكون لما سمع رسول الله وَّجله، يقول: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها
وجه الله، وتنفق فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذلك أو
ظن ذلك، فاستفهمه هل يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه رسول الله، وَلآ،
بضرب من قوله لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله وهو قوله: إنك أن
تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة، ولعلك أن

الفرائض والوصية
٥٢٩
تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. وهذا كله ليس
بتصريح، ولكنه قد كان كما قاله وَالر، وصدق في ذلك ظنه، وعاش
سعد حتی انتفع به أقوام، واستضر به آخرون.
وروى ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن
الاشج، قال سألت عامر بن سعد بن أبي وقاص عن قول رسول الله
مَ جالو، لأبيه عام حجة الوداع: ولعلك ان تخلف، حتى ينتفع بك
أقوام، ويضر بك آخرون، فقال: أمر سعد على العراق، فقتل قوما
على ردة، فأضر بهم، واستتاب قوما سجعوا سجع مسيلمة، فتابوا
فانتفعوا.
قال أبو عمر:
مما يشبه قول رسول الله وَ جالو، السعد هذا الكلام، قوله للرجل
الشعث الرأس: ما له؟ ضرب الله عنقه فقال الرجل: في سبيل الله،
فقال رسول الله ◌َُّلّ: في سبيل الله، فقتل الرجل في تلك الغزاة(١).
ومثله قوله وَّر، في غزوة مؤتة: أميركم زيد بن حارثة، فإن قتل
فجعفر بن أبي طالب، فان قتل فعبد الله بن رواحة(٢)، فقال بعض
أصحابه: نعى إليهم أنفسهم، فقتلوا ثلاثتهم في تلك الغزاة.
(١) ك (١٨٤/٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
حب: الإحسان (٥٤١٨/٢٣٦/١٢).
(٢) حم (٢٠٤/١)، ك (٢٩٨/٣) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
طب (١٤٦١/١٠٥/٢)، وذكره الهيثمي في المجمع (١٥٩/٦) وقال: رواه أحمد والطبراني
ورجالهما رجال الصحيح.

فتح البر
٥٣٠
ومثل ذلك أيضا، قصة عامر بن سنان حين ارتجز برسول الله وعَ ظله،
في سيره إلى خيبر، فقال له رسول الله بَّل، غفر لك ربك يا
عامر (١)، فقال له عمر: يا رسول الله! لو امتعتنا به، قال: وذلك انه
ما استغفر لإنسان قط يخصه بذلك، إلا استشهد، فاستشهد عامر يوم
خيبر. وهذا كله ليس بتصريح من رسول الله وَ لا، في القول، ولا
تبيين في المراد والمعنى، ولكنه كان يخرج كله كما ترى، وقد خلف
سعد بن أبي وقاص بعد حجة الوداع نحو خمس وأربعين سنة، وتوفي
سنة خمس وخمسين، وقد ذكرنا أخباره وسيره، وطرفا من فضائله،
في كتابنا في الصحابة، فأغنى عن ذكره هاهنا.
وفيه دليل على أن المهاجر لا يجوز له المقام بالأرض التي هاجر منها
أكثر مما وقت له، وذلك ثلاثة أيام، وذلك محفوظ في حديث العلاء
ابن الحضرمي: أن رسول الله وَّ، جعل للمهاجرين ثلاثة أيام، بعد
الصدر(٢). وهذه الهجرة هي التي كان يحرم بها على المهاجر الرجوع
الى الدار التي هاجر منها، وقالت عائشة: إنما كانت الهجرة قبل فتح
مكة، والنبي، وَله، بالمدينة ليفر الرجل بدينه إلى رسول الله، وَلآل،
وروى ابن عباس أن رسول الله وَلا، قال يوم الفتح: لا هجرة، ولكن
جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا(٣)، رواه مجاهد، عن طاوس، عن
ابن عباس، وقد جاءت أحاديث ظاهرها في الهجرة على خلاف هذه،
(١) م (٣/ ١٤٣٣ / ١٨٠٧ [١٣٢])، طب (٦٢٤٣/١٨/٧).
(٢) حم (٣٣٩/٤)، خ (٣٩٣٣/٣٣٩/٧)، م (١٣٥٢/٩٨٥/٢)، د (٢٠٢٢/٥٢٣/٢)، ت
(٩٤٩/٢٨٤/٣)، ن (١٤٥٣/١٣٧/٣).
(٣) حم (٢٢٦/١-٣١٥-٣١٦)، خ (٢٧٨٣/٤/٦)، م (٢/ ٩٨٦ / ١٣٥٣)،
د (٨/٣/ ٢٤٨٠)، ت (١٢٦/٤ / ١٥٩٠)، ن (١٦٤/٧ - ١٦٥ / ٤١٨٠-٤١٨١).

الفرائض والوصية
٥٣١.
منها حديث عبد الله بن وقدان القرشي وكان مسترضعا في بني
سعد، قال: قال رسول الله وقل له: لا تنقطع الهجرة ما قوتل
الكفار (١).
وروى ابن محيريز عن عبد الله بن السعدي عن النبي وَلّ، مثله.
ومنها حديث معاوية أن النبي بَّ، قال: لا تنقطع الهجرة حتى
تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها (٢).
قال أبو جعفر الطحاوي: هذه الهجرة، هجرة المعاصي، غير
الهجرتين الأوليين، كما روى الزهري عن صالح بن بشير بن فديك
قال خرج فديك الى رسول الله وَّله، فقال: يا رسول الله، انهم
يزعمون انه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله وَله: يا فديك أقم
الصلاة، وآت الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث
شئت، تکن مهاجرا(٣).
وقال الحكم بن عتيبة: أفضل الجهاد والهجرة، كلمة عدل عند إمام
جائر.
وقد قيل: إنه لم تكن هجرة مفترضة بالجملة على أحد إلا على
أهل مكة، فإن الله عز وجل افترض عليهم الهجرة إلى نبيهم حتى
فتح عليه مكة، فقال حينئذ: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية،
(١) حم (١٩٢/١) عن ابن السعدي وهو عبد الله بن وقدان. حم (٦٢/٤) عن جنادة بن أبي
أمية. ن (١٦٥/٧/ ٤١٨٣-٤١٨٤).
(٢) حم (٩٩/٤)، د (٢٤٧٩/٧/٣)، ن (٨٧١١/٢١٧/٥) من الكبرى.
(٣) هق (١٧/٩)، حب (٢٠٢/١١/ ٤٨٦١)، طب (٨٦٢/٣٣٦/١٨) وذكره الهيثمي في
المجمع (٢٥٥/٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجاله ثقات الا أن
صالح بن بشير أرسله ولم يقل عن فدیك.

فتح البر
٥٣٢
فمضت الهجرة على أهل مكة، من كان مهاجرا، لم يجز له الرجوع
إلى مكة واستيطانها، وترك رسول الله وَل، بل افترض عليهم المقام
معه، فلما مات وَل*، افترقوا في البلدان، وقد كانوا يعدون من
الكبائر أن يرجع أعرابيا بعد هجرته.
وهذا الحديث يدل على قوله: لا هجرة بعد الفتح، أي لا هجرة
مبتداة يهجر بها المرء وطنه، هجرانا لا ينصرف إليه، من أهل مكة
قريش خاصة بعد الفتح، وأما من كان مهاجرا منهم فلا يجوز له
الرجوع إليها على حال من الأحوال، ويدع رسول الله، وَله.
وهذا بين مما ذكرنا إن شاء الله.
وقد بقى من الهجرة باب باق إلى يوم القيامة، وهو المسلم في دار
الحرب اذا أطاقت أسرته، أو كان كافرا فأسلم، لم يحل له المقام في
دار الحرب، وكان عليه الخروج عنها فرضا واجبا. قال رسول الله
وَل*، انا برئ من كل مسلم مع مشرك(١) وكيف يجوز لمسلم المقام في
دار تجري عليه فيها أحكام الكفر، وتكون كلمته فيها سفلى ويده،
وهو مسلم. هذا لا يجوز لأحد.
وفيه دليل على قطع الذرائع في المحرمات؛ لأن سعدا وإن كان
مريضا فربما حمل غيره حب الوطن على دعوى المرض. فلذلك قال
رسول الله يقول: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على
أعقابهم، ولكن البائس سعد بن خولة.
وقوله: يرثى له رسول الله وَجالو، ان مات بمكة من قول ابن شهاب.
(١) د (٣/ ٢٦٤٥/١٠٤)، ت (١٦٠٤/١٣٢/٤-١٦٠٥)، ن (٤٠٤/٨-٤٠٥ / ٤٧٩٤).

الفرائض والوصية
٥٣٣,
=
حدثنا عبد الوارث بن سفيان: حدثنا قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد
ابن أبي العوام: حدثنا يونس بن هارون: أخبرنا سفيان بن حسين،
عن الزهري، عن عامر بن سعد عن أبيه، أن رسول الله وَله، عاده
في مرضه بمكة، فقال: يا رسول الله، اني أدع مالا كثيرا، وليس
يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فنصفه؟ قال:
لا. قال: فبثلثه؟ قال: الثلث، والثلث كثير، سعد إنك إن تدع
ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، وانك توجر
في نفقتك كلها، حتى فيما تجعل في امرأتك، قال: يا رسول الله،
إني أرهب أن أموت في الأرض التي هاجرت منها، فادع الله لي، قال
اللهم أشف سعدا، اللهم أشف سعدا. قال: يا رسول الله! أأخلف
عن هجرتي؟ قال: انك عسى ان تخلف، ولعلك أن تعيش بعدي،
حتى يضر بك قوم، وينتفع بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي
هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة(١).
وفي قول سعد في هذا الحديث: أرهب أن أموت في الأرض التي
هاجرت وقول النبي، وَّ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، دليل
على أنه إنما يحزن على سعد بن خولة، لأنه مات في الأرض التي
هاجر منها، لا انه لم يهاجر، كما ظن بعض من لا يعلم ذلك: لأن
سعد بن خولة ممن شهد بدرا، عند جماعة أهل العلم، والسير،
والخبر، على أنه قد روى ذلك أيضا نصا.
وقد روى جرير بن حازم قال: حدثني عمي جرير بن يزيد، عن
عامر بن سعد، عن أبيه، قال: مرضت بمكة، فأتاني رسول الله وَله،
(١) خ (٦٧٣٣/١٥/١٢)، م (٣/ ١٦٢٨/١٢٥٠).

فتح البر
-٥٣٤
يعودني، فقلت: يا رسول الله أموت بأرضي التي هاجرت منها (١)؟
ثم ذكر معنى حديث ابن شهاب هذا، وفي آخره لكن سعد بن خولة
البائس قد مات في الأرض التي هاجر منها. حدثني محمد بن إبراهيم
قال: حدثنا أحمد بن مطرف قال: حدثنا سعيد بن عثمان الاعناقي
قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الايلي، قال: حدثنا سفيان بن
عيينة، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن
عبد الرحمن الأعرج قال: خلف النبي وَلّ، على سعد رجلا فقال:
إن مات بمكة فلا تدفنه بها .
قال سفيان: لأنه كان مهاجرا. وروى سفيان بن عيينة ، عن محمد
ابن قيس، عن أبي بردة، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سألت النبي
وَله: أتكره للرجل أن يموت في الأرض التي هاجر منها؟ قال: نعم،
وقال فضيل بن مرزوق: سألت إبراهيم عن الجوار بمكة فرخص فيه،
وقال: إنما كره لأن لا يغلو السعر، وكره لمن هاجر أن يقيم بها.
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا أحمد بن المفسر، حدثنا أحمد بن
علي، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا وكيع، عن عبد الله بن سعد،
عن أبيه، عن ابن عمر قال: كان رسول الله وَظَلّه إذا قدم مكة قال:
اللهم لا تجعل منايانا بها حتى تخرجنا منها(٢)؛ لأنه كان مهاجرا.
وأما سعد بن خولة، فرجل من بني عامر بن لؤي، وقد قيل: إنه
حليف لهم، وقد ذكرناه في كتابنا في الصحابة بما فيه الكفاية.
(١) سبق تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم (٢٥/٢-١٢٥)، هق (١٩/٩) وذكره الهيثمي في المجمع (٢٥٦/٥) وقال: رواه أحمد
والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح خلا محمد بن ربيعة وهو ثقة.

الفرائض والوصية
٥٣٥
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا عبد الله بن جعفر، بن الورد، قال
حدثنا الحسن بن علية، وإسحاق بن إبراهيم بن جابر، قالا حدثنا
يحيى بن بكير، قال حدثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب، قال:
توفي) سعد بن خولة في حجة الوداع.

فتح البر
٥٣٦
لا يرت المسلم الكافر
[٣] مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين بن علي، عن عمر بن عثمان،
عن اسامة بن يزيد، أن رسول الله وسلم قال: لا يرث المسلم الكافر(١).
قال أبو عمر:
هكذا قال مالك: عمر بن عثمان، وسائر أصحاب ابن شهاب
يقولون: عمرو بن عثمان، وقد رواه ابن بكير عن مالك على الشك،
فقال فيه: عن عمر بن عثمان أو عمرو بن عثمان، والثابت عن
مالك، عمر بن عثمان كما روى يحيى وتابعه القعنبي وأكثر الرواة.
وقال ابن القاسم: فيه عن عمرو بن عثمان، وذكر ابن معين عن
عبد الرحمن بن مهدي، انه قال له: قال لي مالك بن أنس، تراني لا
اعرف عمر من عمرو، هذه دار عمر، وهذه دار عمرو.
قال أبو عمر:
أما أهل النسب فلا يختلفون أن لعثمان بن عفان ابنا يسمى عمر،
وله أيضا ابن يسمى عمرا، وله أيضا أبان، والوليد، وسعيد، وكلهم
بنو عثمان بن عفان.
وقد روي الحديث عن عمر، وعمرو، وابان، وكان سعيد قد ولي
خراسان، وهو الذي عنى مالك بن الريب في قوله:
(١) حم (٢٠٠/٥-٢٠٨-٢٠٠٩)، خ (١٢ /٦٧٦٤/٥٨)، م (١٦١٤/١٢٣٣/٣)،
د (٣٢٦/٣-٢٩٠٩/٣٢٧)، ت (٢١٠٧/٣٦٩/٤)، جه (٢٧٢٩/٩١١/٢) وغيرهم من
طرق عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة مرفوعا ((لا يرث المسلم
الكافر، ولا الكافر المسلم)».

الفرائض والوصية
٥٣٧
ألم ترني، بعت الضلالة بالهدى
وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وكان الوليد بن عثمان أحد رجال قريش، وكان أبان بن عثمان
جليلا أيضا في قريش، ولي المدينة مرة، وروى عن أبيه، فليس
الاختلاف في ان لعثمان ابنا يسمى عمرا، وانما الاختلاف في هذا
الحديث، هل هو لعمر او عمرو، فأصحاب ابن شهاب غير مالك
يقولون في هذا الحديث عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان،
عن أسامة بن زید.
ومالك يقول فيه: عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمر
ابن عثمان، عن اسامة، وقد وافقه الشافعي، ويحيى بن سعيد القطان
على ذلك، فقال: هوعمر، وأبى ان يرجع، وقال: قد كان لعثمان
ابن یقال له عمر وهذه داره.
ومالك لا يكاد يقاس به غيره حفظا واتقانا، لكن الغلط لا يسلم
منه أحد. وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد الا عمرو
بالواو، وقال علي بن المديني عن سفيان بن عيينة، انه قيل له: ان
مالكا يقول في حديث: لا يرث المسلم الكافر: عمر بن عثمان، فقال
سفيان: لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرة، وتفقدته منه، فما قال
الا عمرو بن عثمان.
قال أبو عمر:
وممن تابع ابن عيينة على قوله: عمرو بن عثمان معمر وابن جريج،
وعقيل ويونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، والاوزاعي والجماعة
اولى أن يسلم لها، وكلهم يقولون في هذا الحديث: ولا الكافر
المسلم، ولقد احسن ابن وهب في هذا الحديث، رواه عن يونس
ومالك جميعا، وقال: قال مالك عمر، وقال يونس: عمرو.

فتح البر
٥٣٨
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا احمد بن زهير، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله، قال حدثنا
مالك عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن
اسامة بن زيد، أن رسول الله وَ ل قال: لا يرث المسلم الكافر (١)، قال
أحمد بن زهير: خالف مالك الناس في هذا، فقال: عمر بن عثمان.
قال أبو عمر: أما زيادة من زاد في هذا الحديث ولا الكافر المسلم،
فلا مدخل للقول في ذلك، لأنه إجماع من المسلمين كافة عن كافة:
أن الكافر لا يرث المسلم. وهي الحجة القاطعة الرافعة للشبهة، واما
اقتصار مالك على قوله: لا يرث المسلم الكافر، فهذا موضع اختلف
فيه السلف، فكأن مالك رحمه الله قصد إلى النكتة التي للقول فيها
مدخل، فقطع ذلك بما رواه من صحيح الاثر فيه: وذلك ان معاذ بن
جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن بشر، ومسروق بن
الاجدع، ومحمد بن الحنفية، وابا جعفر محمد بن علي، وعبد الله
ابن نفيل، وفرقة قالت بقولهم، منهم إسحاق بن راهويه على اختلاف
عنه في ذلك، كل هؤلاء ذهبوا الى ان المسلم يرث الكافر بقرابته، وان
الكافر لا يرث المسلم، وقالوا: نرثهم ولا يرثوننا، وننكح نساءهم ولا
ینکحون نساءنا .
وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك من حديث الثوري، عن
حماد، عن إبراهيم، ان عمر قال: أهل الشرك نرثهم ولا يرثوننا.
وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل قول الجمهور لا نرثهم ولا
يرثوننا. ذكر مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

الفرائض والوصية
٥٣٩
المسيب، أن عمر بن الخطاب قال: لا نرث أهل الملل ولا يرثونا وقوله
في عمة الأشعث بن قيس، يرثها أهل دينها مشهور فيه أيضا، رواه
ابن جريج، ومالك وابن عيينة، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد، عن
سليمان بن يسار، عن محمد بن الأشعث.
ورواه ابن جريج أيضا عن ميمون بن مهران عن العرس بن قيس،
عن عمر بن الخطاب في عمة الاشعث بن قيس يرثها أهل دينها .
والحجة فيما تنازع فيه المسلمون كتاب الله، فإن لم يوجد فيه بيان
ذلك، فسنة رسول الله وَله وقد ثبت عن النبي وَجَل انه قال: لا يرث
المسلم الكافر- من نقل الأئمة الحفاظ الثقات، فكل من خالف ذلك
محجوج به، والذي عليه سائر الصحابة والتابعين، وفقهاء الامصار
مثل مالك، والليث والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي،
وسائر من تكلم في الفقه من أهل الحديث، أن المسلم لا يرث الكافر،
كما أن الكافر لا يرث المسلم اتباعا لهذا الحديث، واخذا به وبالله
التوفيق الا ان الفقهاء اختلفوا في معنى هذا الحديث من ميراث
المرتد، فذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو قول الثوري في رواية أن المرتد
يرثه ورثته من المسلمين، ولا يرث المرتد أحدا.
وروى عبد الرزاق عن الثوري في المرتد قال: اذا قتل فماله لورثته،
واذا لحق بأرض الحرب، فماله للمسلمين، الا أن يكون له وارث على
دينه في أرض الحرب، فهو أحق به. وقال قتادة وجماعة: ميراثه
لأهل دينه الذي ارتد اليه، وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج
قال: الناس فريقان: فريق منهم يقول ميراث المرتد للمسلمين، لانه
ساعة يكفر توقف عنه، فلا يقدر من منه على شيء حتى ينتظر أيسلم
أم يكفر، منهم النخعي، والشعبي، والحكم بن عتيبة، وفريق يقول:
لأهل دينه .

فتح البر
٥٤٠
قال أبو عمر:
ليس هذا موضع ذكر الحكم في مال المرتد، وغرضنا القول في
ميراثه فقط، وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله في أنه يرثه ورثته
المسلمون، لأن قرابة المرتد من المسلمين قد جمعوا سببين: القرابة،
والاسلام، وسائر المسلمين انفردوا بالاسلام، والأصل في المواريث،
أن من أدلى بسببين، كان أولى بالميراث، ومن حجتهم أيضا، ان
عليا- رضي الله عنه- قتل المستورد العجلي على الردة، وورث ورثته
ماله. حديثه هذا عند أصحاب الاعمش الثقات، عن الاعمش، عن
أبي عمرو الشيباني، قال: أتى علي المستورد العجلي، وقد ارتد،
فعرض عليه الإسلام فأبى، فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته من
المسلمين، وعن ابن مسعود مثل قول علي وقد روي عن علي في غير
المستورد مثل ذلك. ورواه معمر عن الأعمش، عن أبي عمرو
الشيباني، قال: أتي علي بشيخ كان نصرانيا فأسلم، ثم ارتد عن
الاسلام، فقال له علي: لعلك انما ارتددت لأن تصيب ميراثا ثم ترجع
الى الاسلام قال: لا، قال: لعلك خطبت امرأة فأبوا ان ينكحوكها
فأردت ان تزوجها ثم تعود الى الإسلام؟ قال: لا، قال: فارجع الى
الإسلام: قال: اما حتى ألقى المسيح، فلا، فأمر به علي فضربت
عنقه، ودفع ماله الى ولده المسلمین.
وروى ابن عيينة، عن موسى بن أبي كثير، قال: سئل سعيد بن
المسيب عن المرتد فقال: نرثهم ولا يرثونا. وروى عبد الرزاق: أخبرنا
معمر عن إسحاق بن راشد، ان عمر بن عبد العزيز كتب في رجل من
المسلمین أسر فتنصراذا علم ذلك، برئت منه امرأته، واعتدت منه ثلاثة
قروء، ودفع ماله الى ورثته من المسلمين. وروى هشام بن عبد الله عن