Indexed OCR Text
Pages 121-140
البيوع ١٢١ هذا فما نقص من مائة رطل فعلي وما زاد فلي فقال له ان هذا لا يصلح فقال أنا أشتري منك هذا الحب بكذا وكذا رطلا من البان لدخل في المزابنة لأنه قد صار الى معناها اذا كان البان الذي اشترى به حب البان قد قام مقاما لم يكن يجوز له من الضمان الذي ضمنه في عصر البان. قال إسماعيل: ولو أن صاحب البان اشترى معلوما بمعلوم من البان متفاضلا لجاز عند مالك لأنه اشترى شيئا عرفه بشيء قد عرفه فخرج من باب القمار قال ابو الفرج: وكذلك السمسم بدهنه اذا كانا معلومين فإن كان معلوما بمجهول لم يجز. وقد اختلف قول مالك في غزل الكتان بثوب الكتان وغزل الصوف بثوب الصوف. وتحصيل مذهبه ان ذلك يجوز نقدا اذا كان معلوما بمعلوم وقال ابو الفرج اذا أريد بابتياع شيء من المجهول الانتفاع به لوقته وكان ذلك مما جرت به العادة جاز بيعه كلبن الحليب بالمخيض اذا أريد بالحليب وقته وكالقصيل بالشعير اذا أريد قطع القصيل لوقته وكالتمر بالبلح اذا جد البلح لوقته. قال وكذلك لا بأس ببيع كل ما خرج عن أن يكون مضمونا من المجهول كدهن البان المطيب بحبه، وكالشعير بالقصيل الذي لا يكون منه شعير. واختلف قول مالك في النوى بالتمر فيما ذكر ابن القاسم فمرة كرهه وجعله مزابنة. وقال في موضع آخر لا بأس بذلك، قال ابن القاسم: لأنه ليس بطعام قال ابو الفرج ظن ابن القاسم أنه ليس من باب المزابنة فاعتل أنه ليس بطعام، والمنع منه أشبه بقوله. قال ابو عمر: لم يختلف قول مالك أنه لا يجوز شراء السمسم أو الزيتون على أن على البائع عصره. قال مالك لأنه إنما اشترى منه ما يخرج من زيته ودهنه، وأجاز بيع القمح على أن على البائع طحنه فتح البر ١٢٢ قال ابن القاسم قال لي مالك: فيه غرر وأرجو أن يكون خفيفا، وقال إسماعيل كأن مالكا كان عنده ما يخرج من القمح معلوما لا يتفاوت الا قريبا فأخرجه من باب المزابنة وجعله من باب بيع واجارة كمن ابتاع من رجل ثوبا على أن يخيطه له. قال ابو عمر: قد أوردنا من أصول مذهب مالك في المزابنة ما يوقف به على المراد والبغية والله أعلم. وأما الشافعي فقال: جماع المزابنة أن ينظر كل ما عقد بيعه وفي الفضل في بعضه ببعض يدا بيد ربا فلا يجوز منه شيء يعرف بشيء منه جزافا ولا جزافا بجزاف من صنفه. وأما أن يقول أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا فما زاد فلي وما نقص فعلي تمامها فهذا من القمار والمخاطرة وليس من المزابنة. قال ابو عمر: ما قدمنا عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر وجابر في تفسير المزابنة يشهد لما قاله الشافعي وهو الذي تدل عليه الآثار المرفوعة في ذلك ويشهد لقول مالك والله أعلم. أصل معنى المزابنة في اللغة المخاطرة لأنه لفظ مأخوذ من الزبن وهو المقامرة والدفع والمغالبة وفي معنى القمار والزيادة والنقصان أيضا حتى لقد قال بعض أهل اللغة: أن القمر مشتق من القمار لزيادته ونقصانه فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء متداخل حتى يشبه أن يكون أصل اشتقاقهما واحدا والله أعلم. تقول العرب حرب زيون أي ذات دفع وقمار ومغالبة وقال ابو الغول الطهوي: فوارس لا يملونا المنـايــا إذا دارت رحى الحرب الزبون البيوع ١٢٣ وقال معمر بن لقيط الأيادي: عبل الذراع أبياذا مزابنة في الحرب يختتل الرئال والسقبا وقال معاوية : ومستعجب مما رأى من أناتنا ولو زبنته الحرب لم يترمرم وروى مالك عن داود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين فأخبر سعيد بن المسيب أن ذلك ميسر والميسر القمار فدخل في معنى المزابنة. قال ابو عمر: من أحسن ما روي في تفسير المزابنة وأرفعه ما ذكرناه ما رواه حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عمر. قال ابو عمر: فهذا جليل من الصحابة قد فسر المزابنة على نحو ما فسرها مالك في موطئه سواء. فأما المحاقلة فللعلماء فيها ثلاثة أقوال منهم من قال: معناها ما جاء في هذا الحديث من كراء الأرض بالحنطة قالوا وفي معنى كراء الارض بالحنطة في تأويل هذا الحديث كراؤها بجميع أنواع الطعام على اختلاف. قالوا فلا يجوز كراء الارض بشيء من الطعام سواء كان مما يخرج منها ويزرع فيها أو من سائر صنوف الطعام المأكول كله والمشروب نحو العسل والزيت والسمن وكل ما يؤكل ويشرب، لان ذلك عندهم في معنى بيع الطعام بالطعام نساء وكذلك لا يجوز كراء الارض عندهم بشيء مما يخرج منها وان لم يكن طعاما مأكولا ولا مشروبا سوى الخشب والقصب والحطب لأنه عندهم في معنى المزابنة وأصله عندهم النهي عن كراء الارض بالحنطة فتح البر ١٢٤ هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه. وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة ابن عبد الرحمن المخزومي المدني أنه لا بأس بكراء الأرض بطعام لا يخرج منها. وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز كقول سائر أصحاب مالك ومن قال بالجملة التي قدمنا عن مالك وأصحابه ابن القاسم وابن وهب وأشهب ومطرف وابن الماجشون وابن عبدالحكم، وأصبغ كلهم يقولون: لا تكرى الأرض بشيء مما يخرج منها أكل أو لو يؤكل ولا بشيء مما يؤكل ويشرب خرج منها أو لم يخرج منها. وذكر ابن حبيب ان ابن كنانة كان يقول لا تكرى الأرض بشيء اذا أعيد فيها نبت ولا بأس أن تكری بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها. قال وكان ابن نافع يقول: لا بأس أن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أو لم يخرج منها ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها محاقلة، وأجمع مالك وأصحابه كلهم أن الارض لا يجوز كراؤها ببعض ما يخرج منها مما يزرع فيها ثلثا كان أو ربعا أو جزافا كان لأنه غرر ومحاقلة وقد نهى عن ذلك كله رسول الله وَ له. وقال جماعة من أهل العلم: معنى المحاقلة دفع الارض على الثلث والربع وعلى جزء مما يخرج منها قالوا وهي المخابرة أيضا فلا يجوز لأحد أن يعطي أرضه على جزء مما يخرج منها لنهي رسول الله وَ طلو عن ذلك لأنه مجهول ولا يجوز الكراء بشيء معلوم قالوا وكراء الارض بالذهب والورق وبالعروض كلها الطعام وغيره مما ينبت في الارض ومما لا ينبت فيها جائز. كما يجوز كراء المنازل وإجارة العبيد. هذا كله قول الشافعي ومن تابعه وهو قول أبي حنيفة وداود، واليه ذهب ابن عبد الحكم. وقال آخرون: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بعد أن يشتد ويستحصد ٠ البيوع ١٢٥ بالحنطة. ذكر الشافعي عن ابن عيينة عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة في الحرث كهيئة المزابنة في النخل سواء، وهو بيع الزرع بالقمح. قال ابن جريج: قلت لعطاء فسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني ؟ قال: نعم. قال ابو عمر: وكذلك فسر المحاقلة سعيد بن المسيب في حديثه المرسل في الموطأ الا أن سعيد بن المسيب جمع في تأويل الحديث الوجهين جميعا فقال: والمحاقلة اشتراء الزرع بالحنطة واستكراء الارض بالحنطة، والى هذا التفسير في المحاقلة أنه بيع الزرع في سنبله بالحنطة دون ما عداه ذهب الليث بن سعد والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد وهو قول ابن عمر وطاوس وبه قال أحمد بن حنبل وكل هؤلاء لا يرون بأسا أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع، لان المحاقلة عندهم في معنى المزابنة وإنها في بيع التمر بالتمر والحنطة بالزرع. قالوا: ولما اختلف في المحاقلة كان أولى ما قيل في معناها ما تأولناه من بيع الزرع بالحنطة. واحتجوا على صحة ما تأولوه وذهبوا اليه من إجازة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها بقصة خيبر وأن رسول الله وَّله عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم، وقد قال أحمد بن حنبل حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء المزارع مضطرب الالفاظ ولا يصح، والقول بقصة خيبر أولى واحتج بعض من لم يجز كراء الارض ببعض ما يخرج منها أن قصة خيبر منسوخة بنهي رسول الله وَخلا عن المخابرة، لان لفظ المخابرة مأخوذ من خيبر. وذلك أن رسول الله وَّله لما عامل أهل خيبر على ما ذكرنا قيل خابر رسول الله وَلا أهل خيبر أي عاملهم في أرض خيبر. وقال الشافعي في قول ابن عمر كنا نخابر فتح البر ,١٢٦ ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج ان رسول الله وَل نهى عنها، أي كنا نكري الأرض ببعض ما يخرج منها قال وفي ذلك نسخ لسنة خيبر. قال وابن عمر روى قصة خيبر وعمل بها حتى بلغه أن رسول الله ◌َل نهى بعد ذلك عنها. قال ابوعمر: أما المحاقلة فمأخوذة عند أهل اللغة من الحقل وهي الأرض البيضاء المزروعة تقول له العرب البراح والحقل يقال حاقل فلان فلانا اذا زارعه، كما خاضره اذا باعه شيئا أخضر. وقد نهى رسول الله وَّجله عن المخاضرة(١) ونهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها(٢). وكذلك يقال حاقل فلان فلانا اذا بايعه زرعا بحنطة. وحاقله أيضا إذا أكرى منه الأرض ببعض ما يخرج منها كما يقال زارعه اذا عامله في زرع. وهذا يكون من اثنين في أمرين مختلفين مثل بيع الزرع بالحنطة واكتراء الارض بالحنطة لأنك لا تستطيع أن تشتق من الاسمين جميعا اسما واحدا للمفاعلة. وان اشتققت من احدهما للمفاعلة لم تستدل على الآخر، فلم يكن بد من الاثنين، هذا قول ابن قتيبة وغيره، وأما المخابرة فقال قوم اشتقاقها من خيبر على ما قدمنا ذكره، وقال آخرون: هي مشتقة من الخبر والخبر حرث الارض وحملها، وزعم من تأول في المخابرة هذا التأويل أن لفظ المخابرة كان قبل خيبر ولا دليل على ما ادعي من ذلك والله أعلم. - (١) أخرجه من حديث أنس بن مالك: خ (٢٢٠٧/٥٠٨/٤)، ك (٢/ ٥٧) وصححه، ووافقه الذهبي. هق (٢٩٨/٥-٢٩٩)، قط (٧٥/٣-٧٦). (٢) حم (٤٦/٢-٦٢-٦٣-٧٩) أخرجه من حديث ابن عمر: خ (١٤٨٦/٤٤٨/٣)، م (١١٦٥/٣ -١٥٣٤/١١٦٦[٤٩-٥١])، (٦٦٣/٣-٣٣٦٧/٦٦٤)، ت (١٢٢٦/٥٢٩/٣)، جه (٢٢١٤/٧٤٦/٢)، ن(٤٥٣٥/٣٠٣/٧)، الدارمي (٢٥١/٢-٢٥٢). البيوع ١٢٧ حدثنا محمد بن محمد بن نظير وخلف بن أحمد وعبد الرحمن بن يحيى قالوا حدثنا أحمد بن مطرف قال حدثنا سعيد بن عثمان قال حدثنا نصر بن مروان قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر ان رسول الله وَل نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة وهي بيع السنين قال والمخابرة ان يدفع الرجل أرضه بالثلث والربع(١). قال ابو عمر: المخابرة عند جمهور أهل العلم على ما في هذا الحديث من كراء الارض بجزء مما تخرجه وهي المزارعة عند جميعهم، فكل حديث يأتي فيه النهي عن المزارعة أو ذكر المخابرة فالمراد به دفع الارض على الثلث والربع والله اعلم. فقف على ذلك وأعرفه. وسيأتي القول مستوعبا في كراء الارض بما للعلماء في ذلك من أقاويل وما رووا في ذلك من الآثار ممهدة في باب ربيعة من كتابنا هذا إن شاء الله. والبيع في المزابنة اذا وقع كتمر بيع برطب وزبيب بيع بعنب، وكذلك المحاقلة كزرع بيع بحنطة صبرة أو كيلا معلوما أو تمر بيع في رؤوس النخل جزافا بكيل من التمر معلوما فهذا كله اذا وقع فسخ ان ادرك قبل القبض أو بعده، فان قبض وفات رجع صاحب التمر بمكيلة تمره وجنسه على صاحب الرطب ورجع صاحب الرطب على صاحب التمر بقيمة رطبه يوم قبضه بالغا ما بلغ. وكذلك يرجع صاحب النخل وصاحب الزرع بقيمة تمره وقيمة زرعه على صاحب المكيلة يوم قبضه ذلك بالغا ما بلغ، ويرجع صاحب المكيلة بمكيلته في مثل صفة ما قبض منه . (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. فتح البر ١٢٨ قال ابو عمر: كل ما ذكرنا في هذا الباب من العلماء على اختلاف مذاهبهم من كره المزارعة منهم ومن أجازها، كلهم متفقون على جواز المساقاة في النخل والعنب الا أبا حنيفة وزفر فإنهما كرهاها وزعما أن ذلك منسوخ بالنهي عن المخابرة، وخالف أبا حنيفة أصحابه وغيرهم إلا زفر، وسيأتي ذكر المساقاة في باب ابن شهاب عن سعيد بن المسيب إن شاء الله . البيوع ١٢٩ باب منه [١٦] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله آلڑ نهى عن المزابنة والمحاقلة. والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر، والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واستكراء الارض بالحنطة (١). قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث مرسل في الموطأ عند جميع الرواة، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عنه، ورواه أحمد بن ابي طيبة، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي وعَ له. وجاء فيه من تفسير المزابنة والمحاقلة ما فيه مقنع لمن فهم، ولا خلاف علمته في هذا التأويل، وهو أحسن تفسير في المزابنة والمحاقلة وأعمه. وقد مضى في كتابنا هذا من تفسير المزابنة ههنا، وقد تقدم في باب ربيعة منا القول في كراء الارض مستوعبا- والحمد لله. وقد روى النهي عن المزابنة والمحاقلة عن النبي وَلا - جماعة من الصحابة، منهم جابر، وابن عمر، وابو هريرة، ورافع بن خديج، وكل هؤلاء سمع منه سعيد بن المسيب - والله أعلم وقد يكون العالم اذا اجتمع له جماعة عن النبي وَلّ أو غيره في حديث واحد، يرسله الى المعزي اليه الحديث، ويستثقل ان يسنده أحيانا عن الجماعة الكثيرة، الا ترى الى ما ذكرنا في صدر هذا الديوان عن إبراهيم النخعي، أنه قيل له مرة تقول: قال عبد الله بن مسعود، ومرة تسمي من حدثك عنه (١) أخرجه من حديث رافع بن خديج: م (١٥٣٩/١١٢٨/٣ [٥٩])، ن (٥٠/٧-٣٨٩٩/٥١)، و(٣٤٠٠/٦٩١/٣)، جه (٢٤٤٩/٨١٩/٢). فتح البر ١٣٠ فقال: اذا أسندت لك الحديث عنه، فقد حدثني من سميت لك عنه، وان لم أسم لك أحدا، فاعلم أنه حدثنيه جماعة، هذا أو معناه، كلام إبراهيم. حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن اصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابو الأحوص، عن طارق عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج، قال: نهى رسول الله وَ له عن المحاقلة والمزابنة(١)، وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أرضا فهو يزرع ما منح ورجل استكرى أرضا بذهب أو فضة. أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: أنبأنا الميمون بن حمزة: حدثنا الطحاوي، حدثنا المزني، حدثنا الشافعي، أنبأنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج أنه قال لعطاء: ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة في الزرع، كهيئة المزابنة في النخل سواء: بيع الزرع بالقمح. قال ابن جريج: فقلت لعطاء: فسر لكم جابر في المحاقلة، كما أخبرتني؟ قال: نعم، وقد مضى ما للعلماء من المذاهب في المحاقلة والمزابنة في باب داود بن الحصين، والحمد لله. والقضاء فيما وقع من المزابنة والمحاقلة: أنه ان أدرك ذلك فسخ، وان قبض وفات، رجع صاحب المكيلة على صاحب النخل والزرع بمثل صفة ما قبض منه في كيله، ورجع صاحب النخل والزرع بقيمة ثمره أو قيمة زرعه، على صاحب المكيلة يوم قبضه بالغا ما بلغت. (١) تقدم تخريجه، في الباب نفسه. البيوع ١٣١ باب منه [١٧] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَ ل﴿ نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع التمر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا(١). قال ابو عمر: هكذا روى يحيى، وجمهور رواة الموطأ هذا الحديث عن مالك، الا ابن بكير، فإنه قال فيه: عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَله: نهى عن المزابنة والمحاقلة، فزاد ذكر المحاقلة في هذا الحديث، بهذا الاسناد ثم ذكر تفسير المزابنة وحدها، كما ذكر يحيى وغيره، الا أنه قال: والمزابنة: بيع الرطب بالثمر كيلا، والمعنى واحد، لأن الثمر هو ما دام رطبا في رؤوس الاشجار، فاذا ييس وجذ فهو تمر، وروى هذا الحديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله وَلّ أنه نهى عن المزابنة، ولم يذكر المحاقلة، وقال: المزابنة أن يبيع الرجل ثمرته بكيل، إن زاد فلي، وإن نقص فعلي، وهذا تفسير معنى المزابنة كله، وقد مضى تمهيده في باب داود، وروى عبد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَخل نهى عن بيع الثمر بالتمر وعن بيع العنب بالزبيب كيلا وعن بيع الزرع بالحنطة كيلا (٢). هكذا ذكره ابو داود عن ابي بكر بن أبي شيبة، عن ابن ابي زائدة، (١) تقدم تخريجه في باب: "ما جاء في المزابنة والمحاقلة". (٢) خ (٤ / ٤٧٤ /٢١٧١- ٢١٧٢)، م (٣ / ١١٧١/ ١٥٤٢ [٧٤٠٠٧٢])، د (٣٣٦١/٦٥٨/٣)، ت(١٣٠٠/٥٩٤/٣)، ن (٣٠٧/٧/ ٤٥٤٨). فتح البر ١٣٢ عن عبيد الله بن عمر، ورواه يحيى القطان عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَّله نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء التمر بالثمر كيلا، واشتراء الحنطة بالزرع كيلا (١). حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر ابن حماد، حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى فذكره. ولا خلاف بين العلماء ان المزابنة ما ذكر في هذه الاحاديث تفسيره عن ابن عمر، من قوله أو مرفوعا، وأقل ذلك أن يكون من قوله وهو راوي الحديث، فيسلم له، فكيف ولا مخالف في ذلك. وكذلك كل ما كان في معنى ما جرى ذكره في هذه الاحاديث من الجزاف بالكيل في الجنس الواحد المطعوم، أو الرطب باليابس من جنسه. وكل ما لا يجوزفيه التفاضل لم يجز بيع بعضه ببعض جزافا بكيل، ولا جزافا بجزاف؛ لعدم المماثلة المأمور بها في ذلك ولمواقعة القمار وهو الزين على ما تقدم شرحه في باب داود بن الحصين الا ترى أن كل ما ورد الشرع ان لا يباع الا مثلا بمثل اذا بيع منه مجهول بمجهول أو معلوما بمجهول أو رطب بيابس، فقد دخل في ذلك التفاضل وجهل المماثلة وما جهلت حقيقة المماثلة فيه لم يؤمن فيه التفاضل، فدخل في ذلك الربا؛ لأن الحديث ورد في مثل ذلك، ان من زاد أو ازداد فقد أربى، وفي ذلك قمار وخطر أيضا، وهذا كله تقتضيه معنى المزابنة فان وقع البيع في شيء من المزابنة فسخ إن أدرك قبل القبض وبعده، فإن قبض وفات، رجع صاحب الثمرة بمكيلة ثمره على صاحب الرطب، ورجع صاحب الرطب بقيمة رطبه على صاحب الثمر يوم قبضه، بالغا ما بلغ، وما كان منه قبل قبضه فمصيبته من صاحبه. (١) تقدم تخريجه، في الباب نفسه. البيوع ١٣٣ وأما قوله: الثمر بالتمر فإن الرواية فيه الكلمة الأولى بالثاء المنقوطة بثلاث مع تحريك الميم، وهو ما في رؤوس النخل رطبا فاذا جذ ويبس قيل له تمرا بالتاء المنقوطة باثنتين مع تسكين الميم. ويدخل في هذا المعنى بيع الرطب باليابس من جنسه، وبيع الجزاف بالمكيل، وبيع ما جهل بمعلوم أو مجهول، فقف على هذه الأصول، وسيأتي تمهيد معنى بيع الرطب بالتمر وما للعلماء في ذلك من المذاهب، في باب عبد الله بن يزيد، عند قوله وَجَله: أينقص الرطب اذا ييس؟ إن شاء الله. حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم ابن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا ابو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن فضل، عن ابيه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يد بید کیل بکیل، وزن بوزن، فمن زاد شيئا أو استزاد فقد أربى، الا ما اختلفت أنواعه(١). قال ابو عمر: هذا أصل هذا الباب وهو يقتضي المماثلة في الجنس الواحد، ويحرم الازدياد فيه، وأما النسيئة في بيع الطعام بالطعام جملة، فذلك غير جائز عند جمهور العلماء؛ لقوله عليه السلام: البر بالبر ربا، الا ها، وها (٢)، فالجنس الواحد من المأكولات يدخله الربا (١) م (١٢١١/٣/ ١٥٨٨ [٨٣])، ن (٣١٦/٧/ ٤٥٧٣). (٢) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب: حم (٢٤/١ -٣٥-٤٥)، خ (٤ / ٢١٣٤/٤٣٧)، م (١٢٠٩/٣ / ١٥٨٦[٧٩])، د(٣٣٤٨/٦٤٣/٣)، ت (٥٤٥/٣/ ١٢٤٣). جه (٢٢٥٩/٧٥٩/٢)، ن (٣١٥/٧-٤٥٧٢/٣١٦)، الدارمي (٢٥٨/٢)، هق (٢٨٣/٥-٢٨٤). فتح البر ١٣٤ من وجهين: الزيادة، والنسيئة، والجنسان يدخلهما الربا من وجه واحد، وهو النسيئة، وقد أوضحنا هذا الاصل في مواضع من كتابنا هذا والحمد لله. حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث قالا: حدثنا قاسم، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا ابو ثابت، قال: حدثنا عبدالله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن یزید، عن ابن شهاب، قال حدثني ابن المسيب، وابو سلمة، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وَاجله: لا تبايعوا التمر بالتمر(١)، قال ابن شهاب: وحدثني سالم عن ابن عمر، عن رسول الله ◌َّلها مثله. وروى ابن وهب أيضا في موطئه قال: أخبرني ابن جريج عن ابي الزبير، عن جابر: نهى رسول الله وَّول عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها، بالكيل المسمى من التمر(٢). وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي، وَل أنه نهى عن بيع التمر بالرطب نسيئة ويدا بيد(٣)، وهذه الاحاديث كلها تفسير للمزابنة، وفي معناها وهي أصل وسنة مجتمع عليها والحمد لله. (١) م (٣/ ١٥٣٨/١١٦٨[٥٨])، جه (٢٢١٥/٧٤٦/٢)، ن (٤٥٣٣/٣٠٢/٧)، قط (٣٢/٣). (٢) م (١٥٣٠/١١٦٢/٣[٤٢])، ن (٧/ ٣١١/ ٤٥٦١)، ك (٣٨/٢) وصححه ووافقه الذهبي. هق(٢٩١/٥-٢٩٢-٣٠٨). قال ابن حجر في "التلخيص" (٩/٣) بعد ذكره لحديث جابر: مسلم من حديث جابر، ووهم الحاكم فاستدرکه. (٣) حم (١٧٥/١)، د (٦٥٤/٣-٣٣٥٩/٦٥٧-٣٣٦٠)، ت (١٢٢٥/٥٢٨/٣) وقال: حسن صحيح. جه(٢/ ٢٢٦٤/٧٦١)، ن (٧/ ٣١٠- ٣١١/ ٤٥٥٩ - ٤٥٦٠)، ك (٣٩/٢) وصححه، ووافقه الذهبي. البيوع ١٣٥ ما جاء من النهي عن بيع الحيوان باللحم [١٨] مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ێ نھی عن بيع الحيوان باللحم(١). قال ابو عمر: لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت من الوجوه عن النبي وَله، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله، الا ما حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد، حدثنا ابي حدثنا أحمد بن حماد ابن سفيان الكوفي، حدثنا يزيد بن عمرو العبدي، حدثنا يزيد بن مروان، أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: نهى رسول الله وَخلاله عن بيع اللحم بالحيوان(٢). (١) هذا حديث مرسل أخرجه: قط (٧١/٣)، هق (٢٩٦/٥) وقال: هذا هو الصحيح، ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد عن النبي ◌َّهِ وغلط فيه. ك (٢/ ٣٥)، البغوي في "شرح السنة" (٢٠٦٦/٧٦/٨)، قال الحافظ في "التلخيص" (١٠/٣) بعد إيراده لهذا الحديث: مالك، وعنه الشافعي من حديث سعيد بن المسيب مرسلا، وهو عند أبي داود في المراسيل، ووصله الدارقطني في الغرائب، عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه، وصوب الرواية المرسلة التي في الموطأ، وتبعه ابن عبد البر، وابن الجوزي، وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف، وأخرجه من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضا، وأبو أمية ضعيف. وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في صحة سماعه منه أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة. (٢) أخرجه: أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٣٤) من طريق يزيد بن عمرو بن البزاز عن يزيد بن مروان عن مالك بن أنس عن الزهري عن سهل بن سعد. قط (٣/ ٧٠)، وذكره الزيلعي في نصب الراية (٣٩/٤) وقال: تفرد به يزيد بن مروان عن مالك. والصواب فيه عن ابن المسيب مرسلا، انتهى. قال ابن الجوزي في التحقيق قال ابن معين: يزيد بن مروان كذاب. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج به، بحال، انتهى. وذكره الهيثمي (١٠٨/٤) عن ابن عمر وقال: رواه البزار وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف. فتح البر ,١٣٦ = وهذا حديث اسناده موضوع لا يصح عن مالك، ولا أصل له في حديثه . ورواه معمر عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أن النبي وَلا نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية(١). هذا لفظ حديث معمر، قال زيد ابن أسلم: نظرة ويدا بيد. هكذا قال معمر عن زيد بن أسلم. وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث وفي معناه، فكان مالك يقول: المراد من هذا الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد، وهو عنده من باب المزابنة والغرر، لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر. وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا، فكذلك بيع الحيوان باللحم اذا كانا من جنس واحد، والجنس الواحد عنده: الإبل والبقر والغنم وسائر الوحش وذوات الأربع المأكولات، هذا کله عنده جنس واحد، لا يجوز بيع لحمه بلحمه الا مثلا بمثل، وقد أجازه على التحري، ولا يجوز حيوانه بلحمه عنده أصلا من أجل المزابنة . ومن هذا الباب عنده الشيرق بالسمسم، والزيت بالزيتون، لا يجوز شيء منه على حال؛ والطير كله عنده جنس واحد، والحيتان كلها جنس واحد. وما ذكرت لك من أصله في بيع الحيوان باللحم هو المذهب المعروف عنه، وعليه أصحابه، الا أشهب، فإنه لا يقول بهذا الحديث، ولا بأس عنده ببيع اللحم بالحيوان من جنسه وغير جنسه، حكى ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره عنه. (١) عبد الرزاق (٨ / ٢٧ / ١٤١٦٢) مرسلا. فأخرجه من حديث سمرة بن جندب موصولا من طريق قتادة عن الحسن عنه مرفوعًا به. ك. (٢ / ٣٥) وصححه ووافقه الذهبي. هق (٥ / ٢٩٦) وقال: هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب عده موصولاً، ، من لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب القاسم بن أبي بزة وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه. البيوع ١٣٧ قال ابن القاسم: من سلم في دجاج فأخذ فيها عند حلول الأجل طيرا من طير الماء، لم يجز، لأن طير الماء إنما يراد للأكل لا لغيره. وقال أشهب ذلك جائز. وقال الفضل بن سلمة: كان ابن القاسم لا يجيز حي ما يقتنى بحي ما لا يقتنى لا مثلا بمثل، ولا متفاضلا، للحديث الذي جاء فيه النهي عن اللحم بالحيوان؛ وإجاز حي ما يقتنى بحي ما يقتنى متفاضلا، وأجاز حي ما لا يقتنى بحي ما لا يقتنى على التحري. قال الفضل: لأنه إن كان لحما، فلا بأس ببيع بعضه ببعض على التحري، وان کان حيوانا، فهو يجوز متفاضلا، فكيف تحریا! قال ابو عمر: قد قال غيره من المالكيين لا يجوز التحري في المذبوح اذا لم يسلخ ويجرد، ويوقف على ما يمكن تحريه منه؛ وهو الصحيح من القول في ذلك إن شاء الله. قال الفضل: وكان أشهب يجيز حي ما لا يقتنى بحي ما لا يقتنى، وبحي ما يقتنى متفاضلا. فكذلك أجاز أن يأخذ في الدجاج والإوز طيرا من طير الماء. قال ابوعمر: اذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه، أنه جائز بيع الحيوان حينئذ باللحم. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا بأس باللحم بالحيوان من جنسه ومن غير جنسه على كل حال بغير اعتبار وهو قول أشهب، وقال محمد بن الحسن: لا يجوز الا على الاعتبار. قال ابو عمر: الاعتبار عنده نحو التحري عند ابن القاسم، فافهم. وقال الليث بن سعد، والشافعي وأصحابه: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على كل حال من جنسه ولا من غير جنسه، - على عموم الحدیث. فتح البر ١٣٨ قال أبو عمر: قال الشافعي بهذا الحديث وان كان مرسلا، وأصله أن لا يقبل المراسيل الا مراسيل سعيد بن المسيب، فإنه زعم أنه افتقدها فوجدها صحاحا. قال ابو يحيى زكريا بن يحيى الساجي: سمعت عيسى بن شاذان يقول: ارسال سعيد بن المسيب عن رسول الله وَله يوازي اسناد غيره. وقال المزني: القياس أن يجوز، الا أن يثبت فيه الحديث فلا يجوز، اتباعا للأثر وتركا للقياس. قال ابو عمر: فقهاء المدينة على كراهية بيع الحيوان باللحم، وهو العمل عندهم. وممن روى ذلك عنهم سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، كلهم كانوا يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا. وذكر مالك، عن أبي الزناد، قال: كل من أدركت ينهى عن بيع الحيوان باللحم، قال ابو الزناد وكان يكتب ذلك في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان، وهشام بن إسماعيل. قال ابو الزناد: وسمعت سعيد بن المسيب يقول: نهى عن بيع الحيوان باللحم، قال: فقلت لسعيد بن المسيب: أرأيت رجلا اشترى شارفا بعشر شياه؟ فقال سعيد: ان كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك. وذكر مالك أيضا عن داود بن الحصين، أنه سمع سعيد بن المسيب، يقول: كان من ميسر أهل الجاهلية، بيع الحيوان باللحم، بالشاة والشاتين. وهذا يدل على مذهب مالك في هذا الباب أنه من طريق القمار، والمزابنة والله أعلم؛ لأنه ذكر الميسر وهو القمار. قال إسماعيل بن إسحاق: وإنما دخل ذلك في معنى المزابنة، لأن الرجل البيوع ١٣٩ لو قال للرجل: أنا أضمن لك من جزورك هذه، أو من شاتك هذه، كذا وكذا رطلا، فما زاد فلي، وما نقص فعلي، كان ذلك هو المزابنة؛ فلما لم يجز ذلك لهم، لم يجز أن يشتروا الجزور ولا الشاة بلحم، لانهم يصيرون الى ذلك المعنى؛ قال: ولهذا قال سعيد بن المسيب: إن كان اشترى الشارف لينحرها، فلا خير في ذلك ؛ قال إسماعيل: لأنه اذا اشتراها لینحرها، فكأنه اشتراها بلحم، ولو کان لا يريد نحرها لم يكن بذلك بأس، لأن الظاهر أنه اشترى حيوانا بحيوان، فوكل الى نيته وأمانته . قال أبو عمر: وقد أوضحنا مذهب مالك وغيره في المزابنة، في باب داود بن الحصين. ومن ذهب الى كراهية بيع الحيوان بأنواع اللحوم، فالحجة له ظاهر الحديث، لأن حقيقة الكلام أن يكون على عمومه، ويحمل على ظاهره، الا أن يزيحه عن ذلك دليل يجب التسليم لمثله. وروي عن ابن عباس، في هذا روايتان: إحداهما إجازة بيع اللحم بالشاة، والثانية كراهية ذلك، وهو الأشهر عنه. وروي عن ابن عباس أيضا أن جزورا نحرت على عهد ابي بكر الصديق، فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل أعطوني جزءا بشاة، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولا أعلم مخالفا من الصحابة لأبي بكر في ذلك(١). (١) هق (٥ / ٢٩٧)، عبد الرزاق (٧٢ / ١٤١٦٥). فتح البر ١٤٠ ١٤٠- = وروى الثوري، أيضا عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كره أن يباع حي بميت- يعني الشاة المذبوحة بالقائمة؛ قال سفيان: ولا نرى به بأسا، ذكره عبد الرزاق عن الثوري. قال ابو عمر: جملة مذهب مالك في هذا الباب، أن الأزواج الثمانية وهي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، وكذلك الجواميس، والظباء، وحمر الوحش، وكل ذي أربع مما يجوز أكله، كل ذلك صنف واحد، لا يجوز حيوان منه بلحم بعضه على حال، ولا لحم بعضه ببعض الا مثلا بمثل، ولحوم الطير كلها صنف واحد: الإوز، والبط، والدجاج، والنعام، والحدأ، والرخم، والنسور، والعقبان، والغراب، والحمام، واليمام، وكل ذي ريش من طير الماء وطير البر، لا يجوز حي ذلك كله بمذبوح شيء منه على حال، ولا يجوز لحم شيء منه بشيء من الجنس المذكور، الا مثلا بمثل، ويجوز على التحري. قال ابن عبد الحكم: لا يجوز التحري الا فيما قل مما يدرك ويلحقه التحري. وأما ما كثر، فلا يجوز فيه التحري، لانه لا يحاط بعلمه؛ ويجوز لحم الطير بحي الأنعام، وذوات الأربع يدا بيد، والى أجل، اذا كان المذبوح معجلا قد حسر عن لحمه وعرف، وكانت القنية تصلح في الحي منهما؛ وأما ما يستحي ويقتنى من الجنسين جميعا، فلا بأس بواحد منه باثنين يدا بيد؛ فاذا اختلف الجنسان جازا لأجل. هذا كله هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، الا أشهب على ما ذكرت لك. وعلى مذهب الشافعي لا يجوز حي بميت من جميع اللحوم والحيوان، وعلى مذهب أبي حنيفة ذلك كله جائز، وله حجج كثيرة من طريق الاعتبار، تركت ذكرها.