Indexed OCR Text

Pages 201-220

الغنائم
٢٠١
الذي أنا واقف فيه، فما يخرج من المعادن، قال المزني: الاولى به
على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة تزكى لحوله بعد
اخراجه، قال: وقال الشافعي: ليس في شيء أخرجته المعادن زكاة غير
الذهب والورق. وقال عنه الربيع في البويطي: ومن أصاب من معدن
ذهبا أو ورقا فقد قيل: هو كالفائدة. يستقبل بها الحول. وقيل اذا بلغ
ما تجب فيه الزكاة زكاه مكانه. وقال الليث بن سعد: ما يخرج من
المعادن من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة تستأنف به حولا . ولا
تجرى فيه الزكاة إلا مع مرور الحول. وهو قول الشافعي، فيما حصله
المزني من مذهبه. وقول داود وأصحابه، قال داود: وماخرج من المعادن
فليس بركاز، إنما الركاز دفن الجاهلية، وفيه الخمس لغير الواجد، وما
يخرج من المعادن فهو فائدة اذا حال عليها الحول عند مالك صحيح
الملك وجبت فيها الزكاة في الفضة والذهب على مقداريهما. وحجة
مالك في إيجابه الزكاة في المعادن حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن:
أن النبي عَّ اقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية(١)، فتلك
المعادن لا يؤخذ منها الى اليوم إلا الزكاة، وهذا حديث منقطع
الإسناد. لا يحتج بمثله أهل الحديث. ولكنه عمل يعمل به عندهم في
المدينة ، واحتج الشافعي بحديث عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي
سعيد الخدري: أن النبي ◌َّهُ أعطى قوما من المؤلفة قلوبهم ذهبة في
تربتها. بعثها علي من اليمن، قال: والمؤلفة إنما حقهم في الزكوات
(١) د (٣٠٦١/٤٤٣/٣). هق (٤/ ١٥٢).
وهذا حديث منقطع الاسناد كما قال المصنف. قال البيهقي: ((هو كما قال الشافعي رواية
مالك، وقد روي عن عبد العزيز الدراوردي، عن ربيعة موصولا. اخرجه: الحاكم موصولا :
(٤٠٤/١) من طريق نعيم بن حماد عن عبدالعزيز بن محمد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن
عن الحارث بن بلال بن الحارث عن ابيه. وقال: قداحتج البخاري بنعيم بن حماد ومسلم
بالداروردي. وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه: ووافقه الذهبي.

فتح البر
٢٠٢
فتبين بهذا ان المعادن سنتها سنة الزكاة. حدثنا سعيد بن نصر قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة. قال حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق، عن
عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي
طالب بعث بذهبة في تربتها إلى رسول الله عليه فقسمها بين أربعة نفر
الاقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة
العامري. ثم احد بني كلاب، وزيد الطائي احد بني نبهان(١). وحدثنا
سعید قال حدثنا قاسم، قال: وحدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع عن
ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي من اليمن الى
رسول الله عَيّ بذهبة في ادم مقروظ ولم تحصل من تربتها فقسمها
رسول الله عَّه بين أربعة نفر: بين زيد الخير، والأقرع بن حابس،
وعيينة بن حصن، وابن علاثة أو عامر بن الطفيل. وذكر الحديث .
وقال الطحاوي : قد أعطى رسول الله عَّ هؤلاء من غنائم خيبر،
وهم المؤلفة. قال: وعلى أن عليا لم يكن على الصدقة، لأن رسول
الله عَّه لم يكن يستعمل على الصدقة احدا من بني هاشم، وحدثنا
سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن
إسماعيل قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال سمعناه من داود
ابن شابور ويعقوب بن عطاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
عبد الله ابن عمرو، قال: قال رسول الله عَّم في كنز وجده رجل ان
كنت وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل ميتاء فعرفه، وان كنت
(١) حم (٤/٣-٣١-٦٨ -٧٢ -٧٣). خ (٣٣٤٤/٤٦٣/٦) و(٤٢١/٨ /٤٦٦٧)
و(٧٤٣٢/٥١١/١٣)، م (٧٤١/٢/ ١٠٦٣ [١٤٣] و[١٤٤]). د (١٢١/٥ / ٤٧٦٤).
ن (٥/ ٩٢/ ٢٥٧٧).

الغنائم
٢٠٣
وجدته في قرية جاهلية أو في قرية غير مسكونة أو في غير سبيل ميتاء
ففيه وفي الرکاز الخمس(١). حدثنا عبد الوارث ابن سفيان، قال حدثنا
قاسم قال حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدثنا مطرف، قال
حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة
عن أبي هريرة أن رسول الله عَّه قال: ((في الركاز الخمس))(٢).
(١) حم (٢/ ١٨٠ -١٨٦-٢٢٤)، د (١٧١٠/٣٣٥/٢). ت (١٢٨٩/٥٨٤/٣) مختصرا،
وقال: حديث حسن. هق (١٥٥/٤). ك: (٦٥/٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه (انظر حديث الباب).

فتح البر
٢٠٤
ما جاء في أخذ الجزية من المجوس
[١١] مالك، عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس
فقال ما ادري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد
لسمعت من رسول الله وَليم يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب(١))).
هذا حديث منقطع لان محمد بن علي لم يلق عمر ولا
عبد الرحمن بن عوف رواه أبو علي الحنفي عن مالك فقال فيه عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن جده وهو مع هذا أيضا منقطع لأن على
ابن حسين لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف. أخبرنا أحمد بن
عبد الله بن محمد بن علي ان أباه حدثه قال حدثنا محمد بن قاسم
(١) هق: (١٨٩/٩-١٩٠)، ابن أبي شيبة: (٣٢٦٥١/٤٣٠/٦)،
عبد الرزاق: (٦٨/٦-١٠٠٢٥/٦٩)، والبغوي في شرح السنة: (٢٧٥١/١٦٩/١١)، قال
الحافظ في " التلخيص الحبير": (١٧١/٣-١٧٢): ((وكذا رواه يحيي القطان عن جعفر
أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال، وهو منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا
عبد الرحمن، وقد رواه أبو علي الحنفي عن مالك عن جعفر عن أبيه عن جده. قال
الخطيب في الرواة عن مالك: تفرد بقوله عن جده أبو علي، قلت: وسبقه إلى ذلك
الدارقطني في غرائب مالك وهو مع ذلك منقطع لأن علي بن الحسين لم يلق عمر ولا
عبد الرحمن، إلا أن يكون الضمير في جده يعود على محمد فجده حسين سمع منهما، لكن
في سماع محمد بن حسين نظر كبير)). وضعفه الألباني في الإرواء (١٢٤٨/٨٨/٥)، وقال:
وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١/٣٥١/١٥)، من طريق أخرى عن محمد بن
علي بن الحسين أبي جعفر به، وقال: ((هذا منقطع، محمد لم يدرك عمر»، وقال: وله
شاهدا، ولكنه ضعيف، وهو من حديث السائب بن يزيد قال: ((شهدت رسول الله وَله
فيما عهد إلى العلاء حين وجهه إلى اليمن، قال: ولا يحل لأحد جهل الفرض والسنن،
ويحل له ما سوى ذلك، وكتب العلاء: أن سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب)) قال الهيثمي في
المجمع: (١٦/٦): رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه والحديث قال ابن كثير في ((تفسيره))
(٣/ ٨٠): ((لم يثبت بهذا اللفظ)).

الجزية
٢٠٥
قال حدثنا ابن الجارود قال حدثنا أبو بكر بن أبي الحجيم قال حدثنا
عمرو بن علي قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال حدثنا
مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال عمر
ما ادري ما أصنع بالمجوس فقال له عبد الرحمن بن عوف سمعت
رسول الله عَّه يقول: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) (١) وأخبرنا محمد
حدثنا علي بن عمر الحافظ حدثنا محمد بن مخلد حدثنا العباس بن
محمد الدوري حدثنا أبو علي الحنفي حدثنا مالك بن أنس حدثني
جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ان عمر بن الخطاب قال: ما أدري
ما أصنع بالمجوس أهل الذمة. فقال عبد الرحمن بن عوف سمعت
رسول الله عَّه يقول: ((سنتهم سنة أهل الكتاب)) (١) قال مالك في
الجزية قال أبو الحسن علي بن عمر لم يقل في هذا الاسناد عن جده
ممن حدث به عن مالك غير أبي علي الحنفي وكان ثقة. وهو في
الموطأ جعفر عن أبيه أن عمر.
قال أبو عمر:
وهو مع هذا كله منقطع، ولكن معناه متصل من وجوه حسان.
وفيه أن العالم الحبر قد يخفى عليه ما يوجد عند من هو دونه في
العلم. وهذا موجود كثيرا في علم الخبر الذي لا يدرك إلا بالتوقيف
والسمع. فاذا كان عمر رضي الله عنه لا يبلغه من ذلك ما سمع غيره
منه مع موضعه وجلالته، فغيره ممن ليس مثله أحرى لا ينكر على
نفسه ذلك ولا ينكر عليه. وفيه ان العالم اذا جهل شيئا أو أشكل عليه
لزمه السؤال والاعتراف بالتقصير والبحث حتى يقف على حقيقة من
أمره فيما أشكل عليه.
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

فتح البر
٢٠٦
وفيه إيجاب العمل بخبر الواحد العدل، وانه حجة يلزم العمل بها
والانقياد اليها. ألا ترى أن عمر رضي الله عنه قد أشكل عليه أمر
المجوس، فلما حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي عليه السلام لم
یحتج الى غير ذلك وقضی به.
وأما قوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب، فهو من الكلام الذي خرج
مخرج العموم والمراد منه الخصوص، لانه إنما أراد سنوا بهم سنة أهل
الكتاب في الجزية. وعليها خرج الجواب واليها أشير بذلك. ألا ترى
أن علماء المسلمين مجتمعون على أن لا يسن بالمجوس سنة أهل
الكتاب في نكاح نسائهم ولا في ذبائحهم، إلا شيء روي عن سعيد
ابن المسيب انه لم ير بذبح المجوسي لشاة المسلم اذا أمره المسلم بذبحها
بأسا. وقد روي عنه انه لا يجوز ذلك على ما عليه الجماعة والخبر
الاول عنه هو خبر شاذ وقد اجتمع الفقهاء على خلافه. وليست
الجزية من الذبائح في شيء لان أخذ الجزية منهم صغار وذلة لكفرهم،
وقد ساووا أهل الكتاب في الكفر بل هم أشد كفرا فوجب أن يجروا
مجراهم في الذل والصغار وأخذ الجزية منهم لان الجزية لم توخذ من
الكتابيين رفقا بهم، وإنما أخذت منهم تقوية للمسلمين وذلا للكافرين،
فلذلك لم يفترق حال الكتابي وغيره عند مالك وأصحابه الذين ذهبوا
هذا المذهب في أخذ الجزية من جميعهم للعلة التي ذكرنا. وليس
نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم من هذا الباب لان ذلك مكرمة
بالكتابيين لموضع كتابهم وأتباعهم الرسل فلم يجز أن يلحق بهم من لا
كتاب له في هذه المكرمة. هذه جملة اعتل بها أصحاب مالك ولا
خلاف بين علماء المسلمين أن الجزية تؤخذ من المجوس لأن رسول الله
عَّ أخذ الجزية من مجوس أهل البحرين ومن مجوس هجر (١) وفعله
(١) سيأتي تخريج ما يتعلق بهذه المسألة في هذا الباب مسندا إن شاء الله.

الجزية
٢٠٧
بعد رسول الله عَّ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. روى الزهري عن
سعيد بن المسيب أن رسول الله عليه أخذ الجزية من مجوس هجر وان
عمر بن الخطاب أخذها من مجوس السواد وأن عثمان بن عفان أخذها
من البربر(١). هكذا رواه ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب
عن سعيد بن المسيب وأما مالك ومعمر فإنهما جعلاه عن ابن شهاب
ولم يذكرا سعيدا. ورواه ابن مهدي عن مالك عن الزهري عن السائب
ابن يزيد. وقد ذكرناه في باب مراسل ابن شهاب. واختلف الفقهاء
في مشركي العرب ومن لا كتاب له هل توخذ منهم الجزية أم لا؟
فقال مالك تقبل الجزية من جميع الكفار عربا كانوا أو عجما، لقول
الله عز وجل: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يٍَ﴾
[التوبة: (٢٩)]. قال وتقبل من المجوس بالسنة. وعلى هذا مذهب الثوري
وأبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور وأحمد وداود. وقال أبو ثور الجزية لا
تؤخذ إلا من أهل الكتاب ومن المجوس لا غير؟ وكذلك قال أحمد
بن حنبل. وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه ان مشركي العرب لا يقبل
منهم إلا الإسلام أو السيف. وتقبل الجزية من الكتابيين من العرب
ومن سائر كفار العجم. وقال الاوزاعي ومالك وسعيد بن عبد العزيز
ان الفرازنة ومن لا دين له من أجناس الترك والهند وعبدة النيران
والاوثان وكل جاحد ومكذب بربوبية الله يقاتلون حتى يسلموا أو
يعطوا الجزية. وان بذلوا الجزية قبلت منهم وكانوا كالمجوس في تحريم
مناكحهم وذبائحهم وسائر أمورهم؟ وقال أبو عبيد كل عجمي تقبل
منه الجزية ان بذلها ولا تقبل من العرب إلا من كتابي. وحجة
الشافعي ومن يذهب مذهبه ظاهر قول الله عز وجل: ﴿ قَئِلُوا الَّذِينَ لَا
(١) هق: (٩/ ١٩٠) مرسل وسيأتي موصولا.

فتح البر
٢٠٨
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ
دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ
﴾ [التوبة: (٢٩)]. لأن قوله من الذين أوتوا الكتاب يقتضي أن
صَغِرُونَ
يقتصر عليهم بأخذ الجزية دون غيرهم، لأنهم خصوا بالذكر فتوجه
الحكم إليهم دون من سواهم، لقول الله عز وجل: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: (٥)]. ولم يقل حتى يعطوا الجزية كما قال في
أهل الكتاب ومن أوجب الجزية على غيرهم قال هم في معناهم
واستدل بأخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب.
قال أبو عمر:
في قول رسول اللّه عَّ في المجوس: ((سنوا بهم سنة أهل
الكتاب))(١) يعني في الجزية دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب. وعلى
ذلك جمهور الفقهاء. وقد روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب
فبدلوه. وأظنه ذهب في ذلك الى شيء روي عن علي بن أبي طالب
من وجه فيه ضعف يدور على أبي سعد البقال. ذكر عبدالرزاق وغيره
عن سفيان بن عيينة وهذا لفظ حديث عبدالرزاق قال أخبرنا ابن عيينة
عن شيخ منهم يقال له أبو سعد عن رجل شهد ذلك أحسبه نصر بن
عاصم ان المستورد بن غفلة كان في مجلس وفروة بن نوفل الاشجعي
فقال رجل ليس على المجوس جزية فقال المستورد أنت تقول هذا وقد
أخذ رسول الله عَّ من مجوس هجر الجزية والله لما أخفيت أخبث مما
أظهرت فذهب به حتى دخلا على علي رضي الله عنه وهو في قصره
جالس في قبة فقال يا أمير المؤمنين زعم هذا أنه ليس على المجوس
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب.

الجزية
٢٠٩
جزية وقد علمت ان رسول الله عَّه أخذها من مجوس هجر فقال
علي أجلسا فو الله ما على الأرض اليوم أحد أعلم بذلك مني كان
المجوس أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فوقع
على أخته فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته إنك قد
صنعت بها كذا وكذا وقد رآك نفر لا يسترون عليك فدعا أهل الطمع
فأعطاهم ثم قال لهم قد علمتم ان آدم أنكح بنيه بناته، فجاء أولئك
الذين رأوه فقالوا ويلا للأبعد ان في ظهرك حدا فقتلهم، وهم الذين
كانوا عنده ثم جاءت امرأة فقالت بلى قد رأيتك فقال لها ويحا لبغي
بني فلان فقالت أجل والله لقد كنت بغيا ثم تبت فقتلها، ثم أسرى
على ما في قلوبهم وعلى كتابهم فلم يصبح عندهم شيء منه. فإلى
هذا ذهب من قال ان المجوس كانوا أهل كتاب. وأكثر أهل العلم
يأبون ذلك ولا يصححون هذا الاثر، والحجة لهم قول الله تبارك
وتعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ﴾
[الأنعام: (١٥٦)]. يعني اليهود والنصارى وقوله: ﴿يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لِمَ
تُحَاجُّونَ فِى إِنْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَكَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِّ أَفَلاَ
[آل عمران: (٦٥)]. وقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَقّى
تَعْقِلُونَ
تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ [المائدة: (٦٨)]. دل على أن أهل الكتاب
هم أهل التوراة والانجيل اليهود والنصارى لا غير والله أعلم. وأما
قول رسول الله عَّه: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) فقد احتج من قال
انهم كانوا أهل الكتاب بأنه يحتمل أن يكون رسول الله عَّه أراد سنوا
بهم سنة أهل الكتاب)) فقد احتج من قال انهم كانوا أهل كتاب بأنه
يحتمل أن يكون رسول الله علّه أراد سنوا بهم سنة أهل الكتاب الذين
يعلم كتابهم علم ظهور واستفاضة، وأما المجوس فعلم كتابهم على
خصوص. والآية محتملة للتأويل عندهم أيضا وأي الامرين كان فلا

فتح البر
٢١٠
خلاف بين العلماء أن المجوس تؤخذ منهم الجزية وان رسول الله عَ طاته.
أخذها منهم فأغنى عن الاكثار في هذا. وقد روى عبد الرزاق عن ابن
جريج قال قلت لعطاء: المجوس أهل الكتاب؟ قال لا وأما الآثار
المتصلة الثابتة في معنى حديث مالك في أخذ رسول الله عملية الجزية
من المجوس فاحسنها اسنادا ما حدثناه سعيد بن نصر قال: حدثنا
قاسم ابن أصبغ قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق قال: حدثنا اسحاق
ابن ابراهيم قال: أخبرني أبي عن موسى بن عقبة قال: قال ابن شهاب
حدثني عروة بن الزبير ان المسور بن مخرمة أخبره ان عمرو بن عوف
وهو حليف لبني عامر بن لؤي وكان قد شهد بدرا مع رسول الله
عَّه، أخبره أن رسول الله عَّه بعث أبا عبيدة بن الجراح يأتي بجزيتها
يعني البحرين، وكان رسول الله عَّ هو صالح أهل البحرين فأمر
عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بالمال من البحرين فسمعت
الأنصار بقدومه فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله عليه فلما صلى
انصرف فعرضوا له فتبسم حين رآهم وقال: «أظنكم سمعتم بقدوم أبي
عبيدة وانه جاء بشيء قالوا أجل فقال فابشروا واملوا فوالله ما الفقر
أخشى عليكم ولكن أخشى ان تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على
من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما الهتهم))(١).
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا ابراهيم بن المنذر قال حدثنا محمد بن
فليح عن موسى بن عقبة قال حدثني ابن شهاب قال حدثني عروة عن
المسور بن مخرمة أخبره ان عمرو بن عوف وهو حليف لبني عامر بن
(١) حم: (١٣٧/٤)، خ: (٣١٦/٦ -٣١٥٨/٣١٧)، م: (٤/ ٢٢٧٣ - ٢٢٧٤ /٢٩٦١).
ت: (٥٥٢/٤-٥٥٣/ ٢٤٦٢)، ن: في الكبرى (٢٣٣/٥-٨٧٦٦/٢٣٤)،
هق: (١٩٠/٩-١٩١).

الجزية
٢١١
لؤي وكان قد شهد بدرا مع رسول الله عَّ أخبره أن رسول الله عَطّه.
صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي وذكر الحديث
نحوه وفي آخره فتنافسوا فيها كما تنافسوا فتهلككم كما أهلكتهم(١).
فان قیل ان البحرین لعلهم لم يكونوا مجوسا قیل له، روی قیس ابن
مسلم عن الحسن بن محمد أن النبي ◌َّ كتب الى مجوس البحرين
يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم منهم قبل ومن أبى وجبت عليه
الجزية، ولا توكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة (٢). وقد كتب عمر
بن عبد العزيز الى عدي بن أرطاة أما بعد فسل الحسن يعني البصري
ما منع من قبلنا من الائمة ان يحولوا بين المجوس وبين ما يجمعون
صَ الـ
علـ
من النساء اللاتي لا يجمعهن أحد غيرهم فسأله فأخبروه أن النبي
قبل من مجوس البحرين الجزية وأقرهم على مجوسيتهم، وأمر رسول
الله عَّ يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي، وفعله بعده أبو
بكر وعمر وعثمان ذكره الطحاوي. قال حدثنا بكار بن قتيبة قال
حدثنا عبد الله بن حمران قال حدثنا عوف قال كتب عمر بن عبد
العزيز وذكر مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله
عَّ أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عمر بن الخطاب أخذها
من مجوس فارس، وان عثمان أخذها من البربر(٣). وذكر عبد
الرزاق أخبرنا معمر قال سمعت الزهري سئل أتؤخذ الجزية ممن ليس
(١) سبق تخريجه في الحديث قبله.
(٢) هق: (١٩٢/٩)، وقال: « هذا مرسل وإجماع أکثر المسلمین علیه یؤكده ولا يصح ما روي
عن حذيفة في نكاح مجوسية.، ابن أبي شيبة: (٣٢٦٤٥/٤٢٩/٦)، عبد الرزاق:
(٦٩/٦- ١٠٠٢٨/٧٠)، قال الحافظ في التلخيص: (١٧٢/٣) بعد أن ساق الحديث: ((
وفي رواية عبد الرزاق: غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم، وهو مرسل، وفي إسناده
قيس بن الربيع وهو ضعيف.)). قال الألباني في الإرواء: (٩٠/٥-٩١): ورجال إسناده
ثقات.
(٣) هق: (٩/ ١٩٠) وقال البيهقي: وابن شهاب إنما أخذ حديثه هذا عن ابن المسيب وابن
المسيب حسن المرسل.))، ابن أبي شيبة (٣٢٦٤٧/٤٢٩/٦).
=

فتح البر
٢١٢
من أهل الكتاب؟ قال نعم. أخذها رسول الله عَّه من أهل البحرين،
وعمر من أهل السواد، وعثمان من بربر(١). قال وأخبرنا معمر عن
الزهري أن النبي عليه السلام صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا من
كان منهم من العرب، وقبل الجزية من أهل البحرين وكانوا
مجوسا(٢).
قال أبو عمر:
هذا يدل على أن مذهب ابن شهاب أن العرب لا توخذ منهم الجزية
إلا أن يدينوا بدين أهل الكتاب. وما أعلم أحدا روى هذا الخبر المرسل
عن ابن شهاب إلا معمرا أعنى قوله صالح رسول الله عَّه عبدة
الاوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب فاستثنى العرب وان
كانوا عبدة أوثان، من بين سائر عبدة الأوثان، وبه يقول ابن وهب.
وذكر ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال أنزلت في كفار العرب
وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلَّهُ ﴾ [الأنفال:
(٣٩)]. وأنزلت في أهل الكتاب ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَّوْمِ
أَلْآَخِ﴾ [التوبة: (٢٩)]. قال ابن شهاب فكان أول من أعطى الجزية من
أهل الكتاب أهل نجران فيما علمنا وكانوا نصارى قال ابن شهاب ثم
قبل رسول الله وَله من أهل البحرين الجزية وكانوا مجوسا ثم
= ت: (١٥٨٨/١٢٥/٤) من طريق مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: فذكره، قال
الترمذي: وسألت محمدا عن هذا؟ فقال هو مالك عن الزهري عن النبي وَالو. وذكره
الزيلعي في نصب الراية (٤٤٨/٣) وقال: قال الدارقطني في غرائب مالك لم يصل
إسناده غير الحسين بن أبي كبشة البصري عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك؛ ورواه الناس
عن مالك عن الزهري عن النبي ◌َّ ل مرسلا، ليس فيه السائب، وهو المحفوظ، انتهى، قال
الألباني في الإرواء (٥/ ٩٠) تعليقا على كلام الترمذي رحمه الله : ((يعني أن الصواب
مرسل ليس فيه السائب)».
(١) عبد الرزاق: (١٠٠٢٦/٦٩/٦).
(٢) عبد الرزاق: (١٩٢٥٩/٣٢٦/١٠).

الجزية
٢١٣
أدى أهل أيلة وأهل أذرح وأهل اذرعات الى رسول الله عَظٍّ وأقروا له
في غزوة تبوك، فقال ابن شهاب ثم بعث خالد بن الوليد الى أهل
دومة الجندل وكانوا من عباد الكوفة فأسر رأسهم أكيدر فقاضاه على
الجزية. قال ابن شهاب فمن أسلم من أولئك كلهم قبل منه الإسلام
وأحرز له إسلامه نفسه وماله إلا الأرض لأنها كانت من فيء
المسلمين. قال ابن وهب وأخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني
ابن المسيب أن رسول الله عَّه أخذ الجزية من مجوس هجر، وان عمر
بن الخطاب أخذها من مجوس السواد، وان عثمان أخذها من بربر(١)
وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن محمد بن قيس عن الشعبي قال كان
أهل السواد ليس لهم عهد، فلما أخذ منهم الخراج كان لهم عهد.
قال أبو عمر:
أهل العهد وأهل الذمة سواء وهم أهل العنوة يقرون بعد الغلبة
عليهم فيما جعله الله للمسلمين وأفاءه عليهم منهم ومن أرضهم. فإذا
أقروهم كانوا أهل عهد وذمة تضرب على رؤوسهم الجزية ما كانوا
كفارا، ويضرب على أرضهم الخراج فيئا للمسلمين، لأنها مما أفاء الله
عليهم؟ ولا يسقط الخراج عن الأرض بإسلام عاملها. فهذا حكم أهل
الذمة وهم أهل العنوة الذين غلبوا على بلادهم وأقروا فيها.
وأما أهل الصلح فإنما عليهم ما صولحوا عليه يؤدونه عن أنفسهم
وأموالهم وأرضهم وسائر ما يملكونه، وليس عليهم غير ما صولحوا
عليه إلا أن ينقضوا . فان نقضوا فلا عهد لهم ولا ذمة ويعودون
حربا إلا أن يصالحوا بعد. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن
عبد المؤمن قال حدثنا أبو جعفر محمد بن یحیی بن عمر قال: حدثنا
(١) تقدم تخريجه فيما سلف من هذا الباب.

فتح البر
٢١٤
علي بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع
بجالة يقول كنت كاتبا لجزي بن معاوية عم الاحنف فاتانا كتاب عمر
قبل موته بسنة ان اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال ولم يكن عمر أخذ
الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي عليه
السلام أخذها من مجوس هجر (١). ورواه أبو معاوية عن الحجاج بن
أرطاة عن عمرو بن دينار عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبا لجزي بن
معاوية على منادر فقدم علينا كتاب عمر ان انظر وخذ من مجوس من
قبلك الجزية فان عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله عليه.
أخذ من مجوس هجر الجزية (٢).
وحدثنا أبو القاسم حدثنا أحمد بن صالح المقرئ قال حدثنا عبد الله
ابن سليمان بن الاشعث السجستاني قال حدثنا محمد بن يحيى
النيسابوري قال حدثنا الخضر بن محمد بن شجاع قال حدثنا هشيم بن
بشير عن عمرو عن بجالة بن عبدة أن عبدالرحمن بن عوف قال ان
رسول الله عَّ أخذ من مجوس هجر الجزیة. قال، وقال ابن عباس
فرأيت منهم رجلا أتى النبي ◌َّ فدخل عليه ومكث عنده ما مكث ثم
خرج فقلت ما قضى الله ورسوله؟ قال شر. قلت مه؟ قال الإسلام أو
القتل. قال ابن عباس فأخذ الناس بقول عبد الرحمن بن عوف وتركوا
قولي(٣).
قال أبو عمر:
(١) حم: (١/ ١٩٠-١٩١)، خ: (٣١٥٦/٣١٦/٦) مختصرا،
د: (٤٣١/٣-٣٠٤٣/٤٣٢) مطولا، ت: (١٢٤/٤-١٥٨٦/١٢٥) مختصرا ،
ن: في الكبرى (٢٣٤/٥-٨٧٦٨/٢٣٥) مختصرا.
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٣) د: (٣٠٤٤/٤٣٣/٣) وانظر الذي قبله.

الجزية
٢١٥,
كان ابن عباس يذهب الى أن أموال أهل الذمة لا شيء فيها ذكر
عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه ان ابراهيم بن
سعد سأل ابن عباس وكان عاملا بعدن فقال لابن عباس ما في أموال
أهل الذمة؟ قال العفو؟ قال انهم يأمروننا بكذا وكذا. قال فلا تعمل
لهم ، قلت له فما في العنبر؟ قال ان كان فيه شيء فالخمس.
قال أبو عمر:
قد روي عنه ان العنبر ليس فيه شيء إنما هو شيء دسره البحر،
وعلى هذا جمهور العلماء. وكان ابن عباس لا يرى في أموال أهل
الذمة شيئا تجروا في بلادهم أو في غير بلادهم أو لم يتجروا. ولا
يرى عليهم غير جزية رؤوسهم. وقد أخذ عمر بن الخطاب من أهل
الذمة مما كانوا يتجرون به ويختلفون به الى مكة والمدينة وغيرهما من
البلدان. ومضى على ذلك الخلفاء. وكان عمر بن عبد العزيز يأمر به
عماله. وعليه جماعة الفقهاء. إلا أنهم اختلفوا في المقدار المأخوذ
منهم. وكذلك اختلفت الرواية في ذلك عن عمر بن الخطاب رحمه
الله فروى مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب
كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر (١). يريد بذلك
أن يكثر الحمل الى المدينة. ويأخذ من القطنية العشر. وروى مالك
أيضا عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملا مع
عبد الله بن عتبة بن مسعود على سوق المدينة في زمان عمر بن
الخطاب فكان يأخذ من النبط العشر. ورواه معمر عن الزهري عن
السائب بن يزيد ان عمر كان يأخذ من أهل الذمة نصف العشر
وكذلك روى أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ان عمر كان يأخذ
(١) هق: (٢١٠/٩)، وعبد الرزاق (١٠١٢٦/٩٩/٦)، إلا أنه قال مكان نصف العشر: العشر.

٢١٦
فتح البر
من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي اذا
دخل من الشام العشر (١). وبهذا يقول الثوري وأبو حنيفة وأصحابه
والحسن بن حي. ويعتبرون النصاب في ذلك والحول، فيأخذون من
الذمي نصف العشر اذا كان معه مائتا درهم ولا يؤخذ منه شيء الى
الحول. ومن المسلم زكاة ماله الواجبة، ربع العشر. هذه رواية
الاشجعي عن الثوري، كقول أبي حنيفة. وروى عنه ابو اسامة ان
الذمي يؤخذ منه من كل مائة درهم خمسة دراهم، فإن نقصت من
المائة فلا شيء عليهم. يعتبر النصاب في هذه الرواية كنصاب المسلم.
قال مالك يؤخذ من الذمي كلما تجر من بلده الى غير بلده، كما لو
تجر من الشام الى العراق أو الى مصر من قليل ما يتجر به في ذلك
وكثيره كلما تجر. ولا يراعى في ذلك نصاب ولا حول. وأما المقدار
المأخوذ فالعشر، إلا في الطعام إلى مكة والمدينة فإن فيه نصف العشر
على ما فعل عمر. ولا يؤخذ منهم إلا مرة واحدة في كل سفرة عند
البيع لما جلبوه فإن لم يبيعوا شيئا ودخلوا بمال ناض لم يؤخذ منهم
حتى يشتروا. فان اشتروا أخذ منهم، فإن باع ما اشترى لم يؤخذ منه
شيء ولو أقام سنين وعبيدهم كذلك إن تجروا يؤخذ منهم مثل ما
يؤخذ من ساداتهم. وقال الشافعي لا يؤخذ من الذمي في السنة إلا
مرة واحدة كالجزية. ويؤخذ منهم ما أخذ عمر بن الخطاب من المسلم
ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر اتباعا له.
وهو قول احمد فإن قال قائل كيف ادعيت الاجماع على انه لا يجوز
للمسلمين نكاح المجوسيات وقد تزوج بعض الصحابة مجوسية قيل
له، هذا لا يصح ولا يؤخذ من وجه ثابت. وإنما الصحيح والله أعلم
(١) هق: (٢١٠/٩).

الجزية
٢١٧
عن حذيفة انه تزوج يهودية وعن طلحة بن عبيد الله انه تزوج يهودية
وقد كره ذلك عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما خشية أن يظن
الناس ذلك. وروينا عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كتب
الى حذيفة بن اليمان وهو بالكوفة وكان نكح المرأة من أهل الكتاب
فكتب عمر أن فارقها فإنك بأرض المجوس واني أخشى أن يقول
الجاهل قد تزوج صاحب رسول الله عَّه كافرة ويجهل الرخصة التي
كانت من الله عز وجل في نساء أهل الكتاب فيتزوجوا نساء المجوس،
ففارقها حذيفة. واجماع فقهاء الامصار على أن نكاح المجوسيات
والوثنيات وما عدا اليهوديات والنصرانيات من الكافرات لا يحل يغني
عن الاكثار في هذا. ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن قيس بن
مسلم عن الحسين بن محمد بن علي، قال: كتب رسول الله عَّ الى
مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قبل منه، ومن أبى
كتب عليه الجزية. ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة (١).
واختلف العلماء في مقدار الجزية فقال عطاء بن أبي رباح لا توقيت
في ذلك وإنما هو على ما صولحوا عليه. وكذلك قال يحيى ابن آدم
وأبو عبيد والطبري، إلا أن الطبري قال: أقله دينار، وأكثره لا حد له
إلا الاجحاف والاحتمال. قالوا الجزية على قدر الاحتمال بغير توقيت
يجتهد في ذلك الإمام ولا يكلفهم ما لا يطيقون إنما يكلفهم من ذلك
ما يستطيعون ويخف عليهم هذا معنى قولهم. وأظن من ذهب الى
هذا القول يحتج بحديث عمرو بن عوف الذي قدمنا ذكره في هذا
الباب أن رسول الله علي صالح أهل البحرين على الجزية، وبما ذكره
(١) تقدم تخريجه فيما سلف من هذا الباب.

فتح البر
٢١٨
محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أنس أن النبي عَُّ بعث
خالد بن الوليد الى أكيدر دومة فأخذه وأتى به فحقن له دمه وصالحه
على الجزية(١)، وبحديث السدي عن ابن عباس في مصالحة رسول الله
◌َّ أهل نجران، ولما رواه معمر عن ابن شهاب أن النبي عليه السلام
صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا ماكان من العرب. ولا نعلم احدا
روى هذا الخبر بهذا اللفظ عن ابن شهاب إلا معمرا. وقال الشافعي
المقدار في الجزية دينار على الغني والفقير من الاحرار البالغين لا
ينقص منه شيء. وحجته في ذلك أن رسول الله عَ ليه بعث معاذا الى
اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا في الجزية (٢). وهو المبين عن
الله عز وجل مراده وَّه وبهذا قال أبو ثور قال الشافعي وإن صولحوا
على أكثر من دينار جاز وإن زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم
(١) د: (٤٢٧/٣-٣٠٣٧/٤٢٨)، هق: (١٨٧/٩) قال الحافظ في التلخيص: (١٢٣/٤)،
تنبيه: إن ثبت أن أكيدر كان كنديا ففيه دليل على أن الجزية لا تختص بالعجم من أهل
الکتاب، لأن أکیدر عربي کما سبق.
(٢) حم: (٢٣٠/٥)، د: (٢٣٤/٢-١٥٧٦/٢٣٥)، و(٣٠٣٨/٤٢٨/٣) مطولا،
ت: (٦٢٣/٢٠/٣)، مطولا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا
الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق، أن النبي وَّر بعث معاذا إلى
الیمن فأمره أن يأخذ. وهذا أصح،
ن: (٢٤٥١/٢٧/٥-٢٤٥٢) مطولا، جه: (٥٧٦/١-١٨٠٣/٥٧٧)، دون قوله: («وأن
يأخذ من كل حالم دينارا .... ))، ك: (٣٩٨/١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، حب: ( الإحسان (٢٤٤/١١-٤٨٨٦/٢٤٥)، هق:
(١٨٧/٩)، وقط: (١٠٢/٢)، قال الحافظ في التلخيص: (١٢٢/٤): بعد أن ساق
تخريجه: ((وقال أبو داود: هو حديث منكر قال: وبلغني عن أحمد أنه كان ينكره، وذكر
البيهقي الإختلاف فيه، فبعضهم رواه عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وقال
بعضهم عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق: أن النبي ◌َّقر لما بعث معاذا، وأعله ابن حزم
بالإنقطاع، وأن مسروقا لم يلق معاذا، وفيه نظر، وقال الترمذي: حديث حسن، وذكر أن
بعضهم رواه مرسلا وأنه أصح.
=

الجزية
٢١٩
وإن صولحوا على ضيافة ثلاثة أيام جاز اذا كانت الضيافة معلومة في
الخبز والشعير والتبن والادام، وذكر على الوسط من ذلك وما على
الموسر وذكر موضع النزول والكن من البرد والحر. ولا يقبل من غني
ولا فقير أقل من دينار لانا لم نعلم أن النبي عَّة صالح أحدا على
أقل من دينار. وقال في موضع آخر أخذ عمر الجزية من أهل الشام
إنما كان على وجه الصلح فلذلك اختلفت ضرائبه ولا بأس بما صولح
علیه أهل الذمة حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن بکر حدثنا
أبو داود حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا أبو معاوية عن
الأعمش عن أبي وائل عن معاذ أن رسول الله عَ ◌ّه لما وجهه الى
اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني محتلما دينارا أو عدله من
المعافر ثياب تكون باليمن(١). هكذا قال أبو معاوية في هذا الحديث
عن الأعمش عن أبي وائل عن معاذ وإنما هو عن أبي وائل عن
مسروق عن معاذ.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن
زهير حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش
عن أبي وائل عن مسروق قال بعث رسول الله عَّة معاذا الى اليمن
= تنبيه: ذكر الحافظ رحمه الله في التلخيص كما نقلنا عنه أن أباداود قال: « هو حدیث منکر،
قال: وبلغني عن أحمد أنه كان ينكره وهذا الكلام لم نجده عقب هذا الحديث في النسخة
المطبوعة التي بين أيدينا من السنن، وإنما هو في الحديث الذي بعد هذا مباشرة، قال الزيلعي
في نصب الراية: (٤٤٦/٣)، ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده من ثلاث طرق دائرة على
الأعمش به، وأما المرسل فرواه عبد الرزاق أيضا أخبرنا معمر عن الأعمش عن شقيق بن
سلمة عن مسروق قال: ((بعث رسول الله وَّل معاذ بن جبل إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من
كل حالم وحالمة من أهل الذمة دينارا أو قيمته معافري قال: وكان معمر يقول: هذا غلط،
قوله: حالمة ليس على النساء شيء، انتهى. قال الألباني في الإرواء: (٧٩٥/٢٦٨/٣): بعد
أن ساق طرقه وساق له شاهدا من حديث عبد الله بن مسعود؛ وبالجملة فالحديث بطريقه
وهذا الشاهد صحیح بلا ريب.
(١) تقدم تخريجه في الذي قبله من هذا الباب.

فتح البر
٢٢٠
فأمره أن يأخذ من كل حالم في كل عام دينارا أوعدله معافر. ومن
البقر من كل ثلاثين بقرة تبيعا، ومن كل أربعين مسنة وهكذا(١) رواه
شعبة وجماعة عن الأعمش كما رواه أبو عوانة بإسناده هذا وهو
حديث صحيح. وكذلك رواه عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن
مسروق عن معاذ. وقال مالك أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون
درهما على أهل الورق للغني والفقير سواء لايزاد ولا ينقص على
مافرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره. وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن
ابن حي وأحمد بن حنبل اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون.
وقال الثوري جاء عن عمر بن الخطاب في ذلك ضرائب مختلفة،
فللوالي أن يأخذ بأيها شاء اذا كانوا ذمة. وأما أهل الصلح فما
صولحوا عليه لا غير.
قال أبو عمر:
روى مالك عن نافع عن أسلم أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية
على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما مع
ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام. وروى اسرائيل عن أبي
اسحاق عن حارثة بن مضرب أن عمر بعث عثمان بن حنيف فوضع
الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر.
وذكر عبد الرزاق عن الثوري قال ذكرت عن عمر ضرائب مختلفة
على أهل الذمة الذين أخذوا عنوة قال الثوري وذلك الى الوالي يزيد
عليهم بقدر يسرهم ويضع عنهم بقدر حاجتهم. وليس لذلك وقت
ولكن ينظر في ذلك الوالي على قدر ما يطيقون. فأما ما لم يؤخذ
عنوة حتى صولحوا صلحا فلا يزاد عليهم شيء على ما صولحوا عليه.
(١) تقدم تخريجه في الذي قبله من هذا الباب.