Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الجهاد
لضيقها، وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على
البر ممكنا، فلذلك كره ذلك مالك، قال: وأما السفن الكبار، نحو
سفن أهل البصرة، فليس بذلك بأس، قال: والأصل ان الحج فرض
على كل من استطاع إليه سبيلا، من الأحرار البالغين، نساء كانوا أو
رجالا ، إذا كان الأغلب من الطريق الأمن، ولم يخص برا من بحر،
فاذا كان طريقهم على البحر، أو تعذر عليهم طريق البر فذلك لا زم
لهم مع الإستطاعة، وفي هذا الحديث ما يدل على ركوب البحر
للحج، لانه اذا ركب البحر للجهاد، فهو للحج المفروض أولى
وأوجب، وذكر مالك رحمه الله أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس
من ركوب البحر، فلم يركبه أحد طول حياته، فلما مات استأذن
معاوية عثمان في ركوبه ، فأذن له، فلم يزل يركب حتى كان أيام
عمر بن عبد العزيز، فمنع الناس عمر بن عبد العزيز من ركوبه، ثم
ركب بعده، إلى الآن، وهذا إنما كان من عمر وعمر رضي الله عنهما
في التجارة وطلب الدنيا، والله أعلم.
وأما في أداء فريضة الحج فلا، والسنة قد أباحت ركوبه للجهاد،
في حديث إسحاق عن أنس، وحديث غيره، وهي الحجة وفيها
الأسوة، فركوبه للحج أولى قياسا ونظرا، والحمد لله.
ولا خلاف بين أهل العلم أن البحر إذا ارتج لم يجز ركوبه لأحد
بوجه من الوجوه، في حين ارتجاجه ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال:
حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن ليث عن نافع عن ابن عمر قال:
قال عمر ((لا يسألني الله عن جيش ركبوا البحر أبدا)) يعني التغرير.
وفيه التحري في الإتيان بألفاظ النبي ◌َّه، فقد ذهب إلى هذا
جماعة، ورخص آخرون في الإتيان بالمعاني، وقد أوضحنا هذا المعنى
في باب أفردناه له في كتاب جامع العلم وفضله، وما ينبغي في روايته
وحمله، وسيأتي في هذا الباب ذكر، في مواضع من هذا الكتاب إن
شاء الله.

فتح البر
٤٢
وفيه أن الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماض إلى يوم القيامة، لأنه
عَّ قد رأى الآخرين ملوكا على الأسرة، كما رأى الأولين، ولا نهاية
للآخرين إلى يوم قيام الساعة، قال الله عز وجل ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ
وَالْآَخِرِينَ!
[الواقعة: (٤٩ - ٥٠)]. وقال
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمِ مَعْلُوم
ج﴾ [الواقعة: (٣٩ -٤٠)]. وهذا على
ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ
الأبد.
وفيه فضل لمعاوية رحمه الله، إذ جعل من غزا تحت رايته من
الأولين، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، الدليل على ذلك
قول إبراهيم عليه السلام ((إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا
ترى)) فأجابه ابنه ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ [الصافات: (١٠٢)]. وهذا بَيِّنٌ
واضح، وقالت عائشة: أول ما بدىء به رسول الله وَل من الوحي
الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلاَّ جاءت مثل فلق الصبح(١).
وفي فرح رسول الله عَيه واستبشاره وضحكه بدخول الأجر على
أمته بعده سرورا بذلك، بيان ما كان عليه رسول الله عليه من المناصحة
لأمته، والمحبة فيهم، وفي ذلك دليل على أن من علامة المؤمن سروره
لأخيه بما يسر به لنفسه.
وإنما قلنا إن في هذا الحديث دليلا على ركوب البحر للجهاد وغيره
للنساء والرجال إلى سائر ما استنبطنا منه، الاستيقاظ رسول الله عَطته.
وهو يضحك فرحا بذلك، فدل على جواز ذلك كله، وإباحته
وفضله، وجعلنا المباح مما يركب فيه البحر قياسا على الغزو فيه.
ويحتمل بدليل هذا الحديث أن يكون الموت في سبيل الله والقتل
سواء، أو قريبا من السواء في الفضل، لأن أم حرام لم تقتل، وإنما
(١) خ (٣/٢٨/١). م (١/ ١٣٩ - ١٤٠ / ١٦٠).

٤٣
الجهاد
ماتت من صرعة دابتها، وقال لها رسول الله عَّة ((أنت من الأولين))
وإنما قلت أو قريبا من السواء لاختلاف الناس في ذلك، فمن أهل
العلم من جعل الميت في سبيل الله والمقتول سواء، واحتج بقول الله عز
وجل ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُّواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ
اَللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: (٥٨)]. الاثنين جميعاً، وبقوله تبارك
اسمه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَ اللَّهِ﴾ [النساء: (١٠٠)]. وبقول النبي عليه السلام في حديث عبد
الله بن عتيك ((من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله، فخر عن
دابته فمات أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره
على الله، ومن مات قعصا فقد استوجب المئاب)) (١).
ويقول فضالة بن عبيد ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، ذكر ذلك
ابن المبارك عن ابن لهيعة عن سلامان بن عامر، عن عبدالرحمن بن
جحدم الخولاني، عن فضالة بن عبيد، في حديث ذكر فيه رجلين،
أحدهما أصيب في غزاة بمنجنيق، والآخر مات هناك، فجلس فضالة
عند الميت، فقيل له تركت الشهيد ولم تجلس عنده، فقال: ما أبالي
من أي حفرتيهما بعثت، ثم تلا قوله عز وجل ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِىّ
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾ [الحج: (٥٨)]. الآية كلها.
قال أبو عمر رحمه الله: قد ثبت عن رسول الله عَّ أنه سئل أي
الجهاد أفضل ؟ فقال: ((من أهريق دمه، وعقر جواده)) ولم يخص برا
من بحر، رواه أبو ذر وغيره(٢).
(١) حم (٣٦/٤). ك (٣٨/٢) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. طب (١٧٧٨/١٩١/٢)
وذكره الهيثمي في المجمع (٢٧٦/٥ -٢٧٧)، وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه محمد بن
إسحاق مدلس. وبقية رجال أحمد ثقات.
(٢) حم (٣٠٠/٣-٣٠٢-٣٤٦ -٣٩١-٤١٢). د (١٤٤٩/١٤٦/٢). جه (٢٧٩٤/٩٣٤/٢).
حب: الإحسان (٤٦٣٩/٤٩٦/١٠).

٤٤
فتح البر
وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا
إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة قال:
حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن محمد بن
مسلم بن عائذ عن عامر بن سعد عن سعد أن رجلا جاء ورسول الله
◌َّ* يصلي، فقال حين انتهى إلى الصف اللهم آتني أفضل ما تؤتي
عبادك الصالحين، فلما قضى رسول الله عَّه صلاته قال من المتكلم
آنفا؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: إذا يعقر جوادك، وتستشهد في
سبيل الله))(١) .
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا
وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن
الحارث، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رجل: يا رسول الله، أي
الجهاد أفضل؟ قال: ((من عقر جواده وأهرق دمه)) وبهذا الإسناد، عن
صَّىاللّه
وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي
مثله(٢) .
وإذا كان من هرق دمه، وعقر جواده، أفضل الشهداء، علم أنه من
لم يكن بتلك الصفة فهو مفضول، وقد كان عمر بن الخطاب رضي
الله عنه، يضرب من يسمعه يقول من قتل في سبيل الله فهو شهيد،
ويقول لهم: قولوا من قتل في سبيل الله فهو في الجنة.
قال أبو عمر: لأن شرط الشهادة شديد، فمن ذلك ألا يغل، ولا
يجبن، وأن يقتل مقبلا، غير مدبر، وأن يباشر الشريك، وينفق
الكريمة، ونحو هذا، كما قال معاذ، والله أعلم.
(١) ك (٧٤/٢) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. حب: الإحسان
(٤٩٦/١٠-٤٩٧ / ٤٦٤٠).
(٢) انظر الذي قبله.

٤٥
الجهاد
وروينا في هذا المعنى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لا
تغل ولا تخف غلولا، ولا تؤذ جارا، ولا رفيقا ولا ذميا ولا تسب
إماما، ولا تفر من الزحف، يعني ولك الشهادة إن قتلت.
واختلفوا أيضا في شهيد البحر، أهو أفضل أم شهيد البر؟ فقال قوم
شهيد البر أفضل، واحتجوا بقوله عَّةُ ((أفضل الشهداء، من عقر
جواده وأهرق دمه))(١) وقال آخرون شهيد البحر أفضل، والغزو في
البحر أفضل، واحتجوا بحديث منقطع الإسناد، عن النبي عَّه أنه
قال: ((من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر، فإن غزوه غزاة في
البحر أفضل من غزوتين في البر، وإن شهيد البحر له أجر شهيدي
البر، وإن أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة أصحاب الوكوف))، قالوا
يارسول الله، وما أصحاب الوكوف؟ قال: ((قوم تكفأ بهم مراكبهم في
سبیل الله)).
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر
غزوات في البر، ذكره ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحرث،
عن يحيى بن سعيد، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال:
غزوة في البحر، أفضل من عشر في البر. والمائد فيه كالمتشحط في
دمه(٢) .
وعن عبد الله بن عمرو أيضا أنه قال: لأن أغزو في البحر غزوة
أحب إلي من أن أنفق قنطارا متقبلا في سبيل الله. وإسناده ليس به
بأس، ذكره ابن وهب عن عمرو بن الحرث، عن يحيى بن ميمون،
عن أبي سالم الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي. وذكر ابن
(١) انظر الذي قبله.
(٢) ك (١٤٣/٢) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

فتح البر
:٤٦
وهب أيضا عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن
كعب الأحبار أنه قال: أفضل الشهداء الغريق، له أجر شهيدين، وأنه
يكتب له من الأجر من حين يركبه حتى يرسى، كأجر رجل ضربت
في الله عنقه، فهو يتشحط في دمه.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا
أبو داود، قال: حدثنا محمد بن بكار العيشي، حدثنا مروان، أخبرنا
هلال بن ميمون الزملي، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي
عَّه قال: ((المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغرق
له أجر شهيدين))(١).
قال أبو عمر:
قد ذكرنا ما بلغنا في ذلك، وروي من حديث عبدالله بن عمرو بن
العاص، عن النبي عليه السلام، أنه قال: ((لا يركب البحر رجل إلا
غازيا أو حاجا أو معتمرا، فإن تحت البحر نارا)) وهو حديث ضعيف،
مظلم الإسناد، لا يصححه أهل العلم بالحديث، لأن رواته
مجهولون، لا يعرفون، وحدیث أم حرام هذا یرده.
وفيما رواه يعلى بن شداد عن أم حرام كفاية في رده، وقد ذكر أبو
بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ليث عن مجاهد
قال: لا يركب البحر إلا حاج، أو معتمر، أو غاز، وأكثر أهل العلم
يجيزون ركوب البحر في طلب الحلال، إذا تعذر البر، وركب البحر
في حين يغلب عليه فيه السكون وفي كل ما أباحه الله، ولم يحظره
على حديث أم حرام وغيره، إلا أنهم يكرهون ركوبه في الإستغزار
من طلب الدنيا والاستكثار من جمع المال، وبالله التوفيق.
(١) د (٢٤٩٣/١٦/٣). وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (١١٩٤/١٦/٥).

الجهاد
٤٧
ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن يونس،
عن الحسن، أن عمر بن الخطاب، قال: عجبت لراكب البحر. وقوله
في حديث إسحاق في هذا الباب، يركبون ثبج هذا البحر، يعني ظهر
هذا البحر، أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا عفان بن مسلم،
وأخبرنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد
ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عفان
- ح - وأخبرنا عبيد بن محمد، واللفظ لحديثه، قال: أخبرنا عبد الله
ابن مسرور، قال: حدثنا عيسى بن مسكين، قال: حدثنا محمد بن
سنجر، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قالا: حدثنا سلمة، عن يحيى
ابن سعيد، وقالا في حديث عفان، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن
محمد بن يحيى بن حبان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام، قالت:
بينما رسول الله عَّ قائلا في بيتي، فاستيقظ وهو يضحك، فقلت
بأبي أنت يا رسول الله، مم تضحك؟ قال: عرض على ناس من
أمتي، يركبون ظهر البحر، كالملوك على الأسرة، فقلت يا رسول الله،
أدع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعلها منهم، ثم نام، فاستيقظ
وهو يضحك، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، مم تضحك ؟ قال:
عرض علي ناس من أمتي، يركبون ظهر البحر كالملوك على الأسرة،
فقلت: أدع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين، فغزت مع
زوجها عبادة بن الصامت في البحر، فلما قفلوا وقصتها بغلة لها
فماتت(١) .
هكذا في هذا الحديث، فغزت مع زوجها عبادة بن الصامت.
(١) انظر حديث الباب.

فتح البر
٤٨
وروى هذا الحديث عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس، قال: اتكأ
رسول الله عَّ عند بنت ملحان، فساق هذا الحديث، بنحو ما ذكرنا،
إلا أنه قال في آخره: فنكحت عبادة بن الصامت، فركبت مع ابنة
قرظة، فلما قفلت، وقصت بها دابتها، فقتلتها فدفنت، ثم ذكره أبو
بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين ابن علي، عن زائدة، عن
عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس، وذكر ابن وهب، عن حفص بن
ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، هذا الحديث بمعناه،
وقال: قال عطاء بن يسار: فشهدت أنا تلك الغزوة مع المنذر بن
الزبير، فكانت معه في غزوتنا، فماتت بأرض الروم. وذكر خليفة بن
خياط عن ابن الكلبي، قال: وفي سنة ثمان وعشرين، غزا معاوية بن
أبي سفيان في البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، من بني عبد
مناف، ومعه عبادة بن الصامت، ومعه امرأته أم حرام بنت ملحان
الأنصارية، فأتى قبرص، فتوفيت أم حرام، فقبرها هناك(١).
قال أبو عمر:
لم يختلف أهل السير فيما علمت، أن غزاة معاوية هذه المذكورة
في حديث هذا الباب، إذ غزت معه أم حرام، كانت في خلافة
عثمان، لا في خلافة معاوية، قال الزبير بن أبي بكر: ركب معاوية
البحر غازيا بالمسلمين، في خلافة عثمان بن عفان، إلى قبرص، ومعه
أم حرام بنت ملحان، زوجة عبادة بن الصامت، فركبت بغلتها حين
خرجت من السفينة، فصرعت عن دابتها فماتت.
(١) انظر حديث الباب.

الجهاد
=
٤٩
ما جاء في الدعوة قبل الغزو وآدابه
[١٣] مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله وَ لفر حين خرج
الى خيبر أتاها ليلا. وكان إذا أتی قوما بليل لم يغز حتى يصبح، فلما
أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا محمد والله
محمد والخمیس فقال رسول الله ټ « الله أكبر خربت خییر إنا إذا نزلنا
بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) (١).
في هذا الحديث إباحة المشي بالليل فاذا كان ذلك كذلك جاز
الاستخدام بالمماليك والأحرار إذا اشترط ذلك عليهم وكانت ضرورة.
وفيه إتعاب الدواب بالليل عند الحاجة الى ذلك ما لم يكن سرمدا،
لأن العلم محيط أنهم لم يخلوا من مملوك يخدمهم وأجير ونحو
ذلك وفيه أن الغارة على العدو إنما ينبغي أن تكون في وجه الصباح
لما في ذلك من التبيين والنجاح في البكور. وفيه أن من بلغته الدعوة
من الكفار لم يلزم دعاؤه وجازت الغارة عليه، وطلب غفلته وغرته،
وقد اختلف العلماء في دعاء العدو قبل القتال اذا كانوا قد بلغتهم
الدعوة، فكان مالك رحمه الله يقول الدعوة أصوب بلغهم ذلك أو لم
يبلغهم، إلا أن يعجلوا المسلمين ان يدعوهم وقال عنه ابن القاسم لا
يبيتوا حتى يدعوا. وذكر الربيع عن الشافعي في كتاب البويطي مثل
ذلك لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلا أن يعجلوا عن ذلك. فان لم
يفعل فقد بلغتهم الدعوة. وحكى المزني عن الشافعي من لم تبلغهم
الدعوة لم يقاتلوا حتى تبلغهم الدعوة. يدعون إلى الإيمان. قال وان
قتل منهم أحد قبل ذلك فعلى قاتله الدية. وقال المزني عنه أيضا في
(١) حم: (٢٠٦/٣-٢٦٣)، خ: (٢/ ٦١٠/١١٤)، م: (١٣٦٥/١٤٢٧/٣).
ن: (٢٩٣/١-٥٤٦/٢٩٤) و (٤٤٣/٦ / ٣٣٨٠).

ـ٥٠
فتح البر
موضع آخر من بلغتهم الدعوة فلا بأس أن يغار عليهم بلا دعوة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إن دعوهم قبل القتال فحسن ولا
بأس أن يغيروا عليهم. وقال الحسن بن صالح بن حي يعجبني كل ما
حدث إمام بعد إمام احدث دعوة لأهل الشرك.
قال أبو عمر:
هذا قول حسن والدعاء قبل القتال على كل حال حسن لأن رسول
الله عَبٍّ كان يأمر سراياه بذلك، وكان يدعو كل من يقاتله مع
اشتهار كلمته ودينه في جزيرة العرب وعلمهم بمنابذته إياهم ومحاربته
لمن خالفه، وما أظنه أغار على خيبر وعلى بني المصطلق إلا بأثر
دعوته لهم في فور ذلك أو قريب منه مع يأسه عن إجابتهم إياه
وكذلك كان تبييته وتبييت جيوشه لمن بيتوا من المشركين على هذا
الوجه والله أعلم. وفي التبييت حديث الصعب بن جثامة وحديث
سلمة بن الأكوع قال: ((أمر علينا رسول الله عَّه أبا بكر فغزونا ناسا
فبيتناهم وقتلناهم قال وكان شعارنا في تلك الليلة أمت أمت)) قال
سلمة فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أبيات من المشركين(١).
قال أبو عمر:
هذا والله أعلم ومثله لقوم أظهروا العناد والأذى للمسلمين ويئس
من إنابتهم وخيرهم والله أعلم. أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن محمد
قال أخبرنا محمد بن عمر أخبرنا علي بن حرب الطائي قال حدثنا
سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن ابن عباس قال ما قاتل
(١) حم: (٤٦/٤)، د: (٣/ ٢٥٩٦/٧٣)، جه: (٢ / ٢٨٤٠/٩٤٧) كلهم من طريق عكرمة ابن
عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه. وقال الحافظ في التقريب: عكرمة بن عمار: صدوق
يغلط)) إلا أنه نقل في التهذيب عن عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه قال: كان حديثه عن
إیاس صالحا».

٥١
الجهاد
رسول الله ﴾ قوما حتى يدعوهم (١). وهذا يحتمل ممن لم تبلغهم
الدعوة ويحتمل من كل كافر محارب.
حدثني سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن سفيان عن
علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله عَطائفة.
إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله
ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: ((اغزوا بسم الله وفي سبيل الله
تقاتلون من كفر بالله أغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا
تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى إحدى ثلاث
خصال أو خلال فأيها أجابوك إليها فأقبل منهم وكف عنهم. أدعهم
إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم الى التحول من
دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم ان فعلوا فإن لهم ما
للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فان أبوا واختاروا دارهم
فأعلمهم انهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري
على المومنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا
مع المسلمين، فان أبوا فادعهم الى إعطاء الجزية، فان أجابوا فأقبل
منهم وكف عنهم، فإن أبو فاستعن بالله وقاتلهم(٢) .
قال أبو عمر:
هذا من أحسن حديث يروى في معناه إلا أن فيه التحول عن الدار
(١) ك: (١٥/١) وقال: حديث صحيح ووافقه الذهبي، والطحاوي: (٢٠٧/٣)، هق
(١٠٧/٩).
(٢) م: (١٧٣١/١٣٥٦/٣)، د: (٢٦١٢/٨٣/٣-٢٦١٣)، ت: (١٦١٧/١٣٩/٤)، جه:
(٢٨٥٨/٩٥٣/٢).

٥٢
فتح البر
وذلك منسوخ نسخه رسول الله عليه بقوله: ((لا هجرة بعد الفتح))(١)
وانما كان هذا منه ◌َّ قبل فتح مكة، فلما فتح الله عليه مكة قال
لهم: (( قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية الى يوم القيامة))(٢).
حدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ قال حدثنا عبيد الله بن
محمد بن إسحاق بن حبابة ببغداد قال حدثنا عبد الله بن محمد بن
عبد العزيز البغوي قال حدثنا خلف بن هشام البزار قال حدثنا
عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد (( أن رسول الله
عَّ: قال يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه فذكر أن
الناس طمعوا في ذلك فلما كان من الغد قال أين علي؟ فقال على
رسلك أنفذ حتى تنزل بساحتهم، فاذا أنزلت بساحتهم فادعهم الى
الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم منه من الحق أو من حق الله فوالله
لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٣).
قال أبو عمر:
هذا حديث ثابت في خيبر أنهم لم يقاتلهم حينئذ حتى دعاهم وهو
شيء قصر عنه أنس في حديثه، وذكره سهل بن سعد. وقد روي عن
أنس أن رسول الله عَّه أمر عليا أن لا يقاتل قوما حتى يدعوهم(٤).
رواه ابن عيينة عن عمر بن ذر عن ابن أخي أنس بن مالك عن عمه؟
وخالف أبو إسحاق الفزاري ابن عيينة في اسناد هذا الحديث وابن
عيينة احفظ إن شاء الله.
(١) أخرجه من حديث عائشة: خ: (٣٠٨٠/٢٣٣/٦)، م: (٣ /١٤٨٨ /١٨٦٤).
وأخرجه من حديث ابن عباس: خ: (١٨٣٤/٥٧/٤)، م: (١٣٥٣/٩٨٦/٢).
د: (٨/٣-٢٤٨٠/٩)، ت: (١٥٩٠/١٢٦/٤)، ن: (١٦٥/٧ /٤١٨١).
وأخرجه من حديث عبد الله بن عمر: خ: (٣٨٩٩/٢٨٦/٧).
(٢) انظر تخريجه في الحديث الذي قبله.
(٣) خ: (٣٠٠٩/١٧٨/٦)، م: (٤ / ٢٤٠٦/١٨٧٢).
(٤) ذكره الحافظ في الفتح: (٩٣/٧)، كشاهد للحديث المتقدم. وقال ((استوعب طرقه ابن
عساكر في ترجمة علي».

الجهاد
٥٣
قال أبو عمر:
فلهذه الآثار قلنا ان الدعاء أحسن وأصوب، فان أغار عليهم ولم
يدعهم ولم يشعرهم وكانوا قد بلغتهم الدعوة فمباح جائز لما رواه نافع
عن ابن عمر أن النبي ◌َّ أغار على بني المصطلق وهم غارون
وانعامهم على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذريتهم وكانت فيهم
جويرية(١). أخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر التمار
بالبصرة قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور، قال حدثنا
اسماعيل بن علية قال أخبرنا ابن عون قال كتبت الى نافع أسأله عن
دعاء المشركين عند القتال فكتب الي أن ذلك كان في أول الإسلام وقد
أغار نبي الله عَّي على بني المصطلق وهم غارون، وانعامهم تسقى
على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت
الحرث حدثني بذلك عبد الله وكان في ذلك الجيش(١). قال أبو داود
هذا حديث نبیل رواه ابن عون عن نافع لم يشركه فيه أحد؟ وروى
صالح بن ابي الاخضر عن الزهري عن عروة أن أسامة بن زيد حدثه
((أن رسول الله عَّي عهد إليه فقال أغر على إبني صباحا وحرق))(٣).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا
أحمد بن زهير قال حدثنا ابن الاصبهاني قال أخبرنا ابن المبارك
(١) حم: (٣١/٢-٣٢-٥١)، خ: (٢٥٤١/٢١٣/٥)، م: (١٣٥٦/٣ /١٧٣٠)
د: (٣ /٢٦٣٣/٩٧).
(٢) أخرجه: د: (٢٦١٦/٨٨/٣)، جه: (٢٨٤٣/٩٤٨/٢)، من طريق صالح بن أبي الأخضر
عن الزهري عن عروة عن أسامة. وصالح بن أبي الأخضر: ((ضعيف يعتبر به، كما قال
الحافظ في التقريب)).

فتح البر
٥٤
وعيسى بن يونس عن صالح بن ابي الاخضر عن الزهري عن عروة
عن أسامة عن النبي ◌َّه فذكره سواء(١).
وحدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو
داود قال حدثنا هناد بن السري عن ابن المبارك عن صالح بإسناده
مثله(١). قال أبو داود وحدثنا محمد بن عمرو الغزي قال سمعت أبا
مسهر يقول وقيل له ابني فقال نحن أعلم هي يبنى فلسطين (٢).
قال أبو عمر:
قد روى هذا الحديث عن صالح بن أبي الأخضر وكيع وعيسى ابن
يونس فقالا فيه يبنى كما قال أبو مسهر حدثنا سعيد بن نصر قال
حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن وضاح قال حدثنا أبو بكر
قال حدثنا وكيع عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن
أسامة بن زيد(( أن النبي عَّة بعثه الى قرية يقال لها يبنى فقال ائتها
صباحا ثم حرق))(٣).
وحدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال
حدثنا يعقوب بن كعب حدثنا عيسى بن يونس عن صالح ابن ابي
الاخضر عن الزهري عن عروة قال فحدثني اسامة بن زيد(( أن رسول
الله عَّ قال أغر على يبنى ذا صباح وحرق)) (٤) وروى حماد بن
سلمة عن ثابت عن أنس قال: ((كان رسول الله عَّه يغير على العدو
(١) سبق ذكره فيما قبله.
(٢) د: (٢٦١٧/٨٨/٣) ووقع في نسخة أبي داود: عبد الله بن عمرو الغزي، وهو تصحيف
لأن الذي يروي عنه أبو داود هو محمد بن عمرو الغزي، وترجمه الحافظ في التهذيب،
وقال في التقريب ((صدوق)).
(٣) سبق تخريجه في الحديث ما قبل الأخير
(٤) انظر ما قبله.

الجهاد
٥٥ =
عند صلاة الصبح ويستمع فان سمع أذانا أمسك وإلا أغار)) (١) فهذا
كله دليل على أنه ربما لم يدع وذلك فيمن بلغته الدعوة فأما من لم
تبلغه الدعوة لبعد داره فلا بد من دعائه؟ قال الله عز وجل ﴿ وَمَا كُتَّا مُعَذِّبِينَ
[الإسراء: (١٥)]. وهذا الحديث مما رواه يحيى
١٥
حََّ نَبْعَثَ رَسُولًا
القطان عن حماد بن سلمة، حدثناه أحمد بن قاسم بن عيسى المقرئ
قال حدثنا ابن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا زهير بن حرب قال
حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس
الحديث بتمامه. وهذا يرد قول من قال ان القطان لا يحدث عن حماد
ابن سلمة. وحدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا أبو
الحسن علي بن محمد بن أحمد بن نصير بن لؤلؤ البغدادي بمدينة
السلام قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا هدبة بن خالد
قال حدثنا حماد بن سلمة فذكره. وروى عصام المزني عن النبي وَال
مثل حديث حماد عن ثابت عن أنس في ذلك ؟ وأما قوله في حديث
مالك عن حميد عن أنس بمساحيهم ومكاتلهم فإنه يعني المحافر
والقفاف كانوا يخرجون لأعمالهم. وأما قولهم محمد والخميس،
فالخميس العسكر والجيش. قال حميد بن ثور الهلالي فيما ذكر بعض
أهل الخبر ولا يصح له:
حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما
ويروى هذا البيت لليلى الاخيلية وهو صحيح لها وهذه القصيدة
مذهبتها فيها قولها :
ومخرق عنه القميص تخاله عند اللقاء من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته يوم الهياج على الخميس زعيما
(١) خ: (٦١٠/١١٤/٢)، م: (٣٨٢/٢٨٨/١)، و ت: (٤ / ١٦١٨/١٤٠).

فتح البر
= ٥٦
والزعيم في هذا الموضع الرئيس ومنه قول الشاعر:
ولكن الزعامة للغلام. يعني الرئاسة والزعيم في غير هذا التكفيل
والضامن من قول الله عز وجل ﴿وَأَنَا بِهِ. زَعِيمٌ (@)
[يوسف: (٧٢)].
وقال أبو الحسن بن لنكك في مقصورته :
فزادهم منا خميس جحفل تعثر منه الخيل عثرا بالقنا
وقال بكر بن حماد في قصيدة له يرثى بها حبيب بن أويس الطائي
يخاطب أخاه سهم بن أوس.
والدهر غض بالسرور المقبل
أنسیت یوم الجسر خلة وده
أيام سار أبو سعيد واليا نحو الجزيرة في خميس جحفل
وأما قوله إذا نزل بساحة قوم فالساحة والسحسحة عرصة الدار.
أخبرني خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد
ابن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال مسلم بن ابراهيم قال
حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس عن ابي طلحة قال: ((
كنت رديف النبي عَدُّ فلو قلت: إن ركبتي تمس ركبته صدقت يعني
عام خيبر قال فسكت عنهم حتى إذا كان عند السحر وذهب ذو الضرع
إلى ضرعه وذو الزرع الى زرعه أغار عليهم)) وقال: ((إذا نزلنا بساحة
قوم فساء صباح المنذرين))(١).
قال أبو عمر:
قد كان دعاهم وذلك موجود في حديث سهل بن سعد في قصة
علي ولا يشك في بلوغ دعوته خيبر لقرب الديار من الديار. وفي هذا
الحديث إباحة الاستشهاد بالقرآن فيما يحسن ويجمل.
(١) تقدم تخريجه في حديث الباب بمعناه.

الجهاد
ما جاء في النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو
[١٤] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: نهى رسول الله عَلّه أن يسافر
بالقرآن إلی أرض العدو (١).
قال مالك: أرى ذلك مخافة أن يناله العدو، هكذا قال يحيى،
والقعنبي، وابن بكير، وأكثر الرواة؛ ورواه ابن وهب عن مالك فقال
في آخره: خشية أن يناله العدو في سياق الحديث، لم يجعله من قول
مالك؛ وكذلك قال عبيد الله بن عمر، وأيوب، عن نافع، عن ابن
عمر، أن رسول الله عليه نهى أن يسافر بالقرآن الى أرض العدو مخافة
أن يناله العدو(٢).
ورواه الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله عَّ أنه كان
ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، يخاف أن يناله العدو(٢).
وقال إسماعيل بن أمية، وليث بن أبي سليم، عن نافع، عن ابن
عمر، قال قال رسول الله عَّه: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو،
فإني أخاف أن يناله العدو(٢).
وكذلك قال شعبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي
عليه السلام وهو صحيح مرفوع.
وأجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا
والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر
الكبير المأمون عليه؛ قال مالك: لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو،
ولم يفرق بين العسكر الكبير والصغير.
(١) حم: (٦/٢-٧ -١٠-٥٥-٦٣ -٧٦ -١٢٨)، خ: (١٦٤/٦ / ٢٩٩٠)،
م: (١٨٦٩/١٤٩١/٣)، د: (٢٦١٠/٨٢/٣)، جه: (٢٨٧٩/٩٦١/٢ - ٢٨٨٠).
(٢) انظر الذي قبله.

%
٥٨
فتح البر
وقال أبو حنيفة: يكره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، إلا في
العسكر العظيم، فإنه لا بأس بذلك.
واختلفوا من هذا الباب في تعليم الكافر القرآن، فمذهب أبي
حنيفة: أنه لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والفقه، وقال مالك:
لا يعلموا القرآن ولا الكتاب، وكره رقية أهل الكتاب، وعن الشافعي
روايتان، أحدهما الكراهة، والأخرى الجواز.
قال أبو عمر: الحجة لمن كره ذلك، قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ [التوبة: (٢٨)]. وقول رسول الله وَّه: لا يمس القرآن
إلا طاهر(١).
ومعلوم أن من تنزيه القرآن وتعظيمه ابعاده عن الاقذار والنجاسات،
وفي كونه عند أهل الكفر تعريض له لذلك وإهانة له؛ وكلهم أنجاس
لا يغتسلون من جنابة، ولا يعافون ميتة؛ وقد كره مالك وغيره أن
يعطى الكافر درهما أو دينارا فيه سورة أو آية من كتاب الله، وما أعلم
(١) أخرجه من حديث ابن عمر: طب: في الكبير (١٣٢١٧/٣١٤/١٢)،
هق: (٨٨/١)، وقط: (١٢١/١)، كلهم من طريق أبو عاصم عن ابن جريج عن سليمان
ابن موسى عن سالم عن أبيه وذكره الهيثمي في المجمع (٢٨١/١) وقال: ((رواه الطبراني في
الكبير والصغير ورجاله موثقون)). وقال الحافظ في التلخيص (١٣١/١): ((وإسناده لا بأس
به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به».
ومن حديث حكيم بن حزام: طب: (٢٢٩/٣ -٣١٣٥/٢٣٠)، قط: (١٢٢/١-١٢٣)،
ك: (٣/ ٤٨٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. إلا أن
الهيثمي لما ذكره في المجمع (٢٨١/١-٢٨٢) قال: ((رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه
سويد أبو حاتم ضعفه النسائي وابن معين في رواية ووثقه في رواية. وقال أبو زرعة ليس
بالقوي حديثه حديث أهل الصدق)) وذكر الحافظ في التلخيص (١/ ١٣١) أن النووي ضعف
حديث حكيم في "الخلاصة". وفي الباب أيضا حديث عثمان بن أبي العاص فيه انقطاع؛
وحديث عمرو بن حزم وهو ضعيف، وحديث ثوبان: وفي إسناده متروك: وانظر التلخيص
(١٣١/١-١٣٢).

الجهاد
٥٩
في هذا خلافا إذا كانت آية تامة أو سورة، وإنما اختلفوا في الدينار
والدرهم إذا كان في أحدهما اسم من أسماء الله؛ فأما الدراهم التي
كانت على عهد رسول الله عَّ﴾ فلم يكن عليها قرآن، ولا اسم الله ولا
ذكر؛ لأنها كانت من ضرب الروم وغيرهم من أهل الكفر وإنما ضربت
دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان؛ وذكر أحمد بن المعدل
عن عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون، أنه سئل عن الرجل يدخل
بالمصحف أرض العدو لما له في ذلك من استذكار القرآن والتعليم، ولما
يخشى أن يطول به السفر فينسى؛ فقال عبد الملك: لا يدخل أرض
العدو بالمصاحف، لما يخشى من التعبث بالقرآن والامتهان له مع أنهم
أنجاس، ومع ما جاء في ذلك من النهي الذي لا ينبغي أن يتعدى؛ فإن
قال قائل: أفيجوز أن يكتب المسلم إلى الكافر كتابا فيه آية من كتاب
الله؟ قيل له: أما إذا دعي إلى الإسلام، أو كانت ضرورة إلى
ذلك، فلا بأس به؛ لما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس، قال: أخبرني أبو سفيان بن حرب فذكر قصة هرقل
وحديثه بطوله(١)؛ وفيه قال: فقرأ كتاب رسول الله عَّه وإذا فيه
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل
عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية
الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يوتك الله أجرك مرتين، فإن توليت
فعليك إثم الاريسيين؛ و﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوْمٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: (٦٤)].
(١) خ: (٤٢/١-٧/٤٤)، م: (١٧٧٣/١٣٩٣/٣)، ت: (٢٧١٧/٦٥/٥).

=
٦٠
فتح البر
ما جاء في النهي عن قتل النساء
والصبيان فى الجهاد
[١٥] مالك، عن نافع، أن رسول الله وَلل رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة،
فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان (١).
هكذا رواه يحيى عن مالك، عن نافع، مرسلا؛ وتابعه أكثر رواة
الموطأ، ووصله عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا جماعة؛
منهم: محمد بن المبارك الصوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق
ابن سليمان الرازي، والوليد بن مسلم، وعتيق بن يعقوب الزبيري،
وعبد الله بن يوسف التنيسي، وابن بكير، وابو مصعب الزهري،
وابراهيم بن حماد، وعثمان بن عمر .
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا الحسن بن الخضر، قال
حدثنا أبو الطاهر المدني القاسم بن عبد الله بن مهدي، قال حدثنا أبو
مصعب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله عَّه رأى
في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك ونهى عن قتل النساء
والولدان (٢).
وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا الحسن بن الخضر، قال
حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا
عبد الرحمان بن مهدي، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر،
أن رسول الله عَّ مر بامرأة مقتولة فذكر الحديث(٣).
(١) هذا حديث مرسل وسيأتي موصولا في الحديث الذي بعده.
(٢) حم: (١٢٢/٢-١٢٣)، خ: (٣٠١٥/١٨٣/٦)، م: (٣/ ١٣٦٤/ ١٧٤٤).
د: (٢٦٦٨/١٢١/٣)، ت: (١٥٦٩/١١٦/٤)، جه: (٢٨٤١/٩٤٧/٢).
(٣) انظر الذي قبله.