Indexed OCR Text

Pages 541-560

الطلاق
٥٤١=
فرق رسول الله و طلال بين اخوي بني العجلان، وقال: الله يعلم ان احدكما
كاذب، فهل منكما تائب؟ يرددها ثلاث مرات، فأبيا ففرق بينهما(١).
قال: وحدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال سمع
عمرو سعيد بن جبير، سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ◌َلا للمتلاعنين
حسابکما على الله، احدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، فقال: يا رسول الله،
مالي، قال لا مال لك- ان كنت صدقت عليها، فهو بما استحللته من
فرجها، وان كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك(١).
وأخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن شاذان، قال حدثنا معلى، قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، قال:
أخبرنا ابن أبي سلیمان یعني عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن
عمر: أرأيت المتلاعنین ایفرق بينهما؟ فقال: سبحان الله! نعم، كان أول من
سأل عن هذا فلان، فسكت عنه النبي عليه السلام، ثم جاء فقال: أرأيتك
الذي سألت عنه، فقد ابتليت به؟ فنزلت عليه الآيات في سورة النور،
فتلاها علیه ووعظه وذكره، وأخبره ان عذاب الدنيا، أهون من عذاب
الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبت، ثم دعا المرأة فقال لها مثل
ذلك، فقالت: والذي بعثك بالحق إنه لکاذب. فبدأ بالرجل فشهد اربع
شهادات بالله انه لمن الصادقين، والخامسة ان لعنة الله علیه ان كان من
الكاذبين، ثم دعا بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين،
والخامسة ان غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما(١).
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
(١) حم: (٤/٢)، خ: (٥٣١١/٥٧٠/٩)، م: (١١٣٢/٢)، د: (٢٢٥٨/٦٩٢/٢)،
ن: (٣٤٧٤/٤٨٧/٦).

=٥٤٢
فتح البر
بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا عیسی بن یونس، قال حدثنا
عبد الملك بن أبي سلیمان، قال سمعت سعید بن جبیر یقول: سئلت عن
المتلاعنين زمن مصعب بن الزبير، فلم أدر ما أقول؟ وأتيت ابن عمر
فقلت: أرأيت المتلاعنين أيفرق بينهما؟ فذكر مثله سواء الى آخره(١). فهذا
عن ابن عمر من وجوه صحاح ان رسول الله وَ ط # فرق بين المتلاعنين كما
روى مالك، وهذا يدلك على انه إنما انكر على ابن عيينة ذلك في حديث
سهل بن سعد -عندي - والله أعلم.
وقد زعم قوم ان مالكا ايضا انفرد في حديثه هذا بقوله فيه: وألحق الولد
بالمرأة، أو ألحق الولد بأمه. قالوا: وهذا لا يقوله احد غير مالك، عن نافع،
عن ابن عمر.
قال أبو عمر: حديث نافع عن ابن عمر في هذا الباب، رواه عبيد الله بن
عمر، عن نافع عن ابن عمر ان النبي وَّ لا عن بين رجل وامرأته، وفرق
بینھما.
وهكذا رواه كل من رواه عن نافع، ذكروا فيه اللعان والفرقة، ولم
يذكروا ان رسول الله و لو ألحق الولد بالمرأة، وقاله مالك عن نافع - كما
رأيت، وحسبك بمالك حفظا، واتقانا، وقد قال جماعة من أئمة أهل
الحديث: ان مالکا أثبت في نافع، و ابن شهاب من غيره.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد
ابن شاذان، قال حدثنا معلى، قال حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن
عمر، أن رسول الله وَ الله لا عن بين رجل وامرأته انتفى من ولدها، ففرق
رسول الله وَ له بينهما وألحق الولد بأمه هكذا قال بأمه(٢).
(١) انظر الذي قبله.
(٢) سبق تخريجه في حديث الباب.

الطلاق
٥٤٣ =
وفي الموطأ: وألحق الولد بالمرأة، وذلك كله سواء. وهذه اللفظة: وألحق
الولد بأمه أو بالمرأة، التي زعموا ان مالكا انفرد بها، وهي محفوظة أيضا من
وجوه: منها: ان ابن وهب ذکر في موطئه قال: أخبرني يونس، عن ابن
شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي، قال حضرت لعانهما عند رسول الله
وَل ﴿ وأنا ابن خمس عشرة سنة وساق الحديث. قال: وفيه ثم خرجت
حاملا، فكان الولد لأمه.
وذكر الفريابي عن الأوزاعي عن الزهري عن سهل بن سعد الساعدي
في هذا الخبر - خبر المتلاعنین، وقال فیه فكان الولد يدعی لأمه.
وذكر أبو داود الحديثين جميعا، ذكر حديث ابن وهب عن أحمد بن
صالح، عن ابن وهب، وذكر حدیث الفريابي، عن محمود بن خالد، عن
الفريابي، وحسبك بحديث مالك في ذلك.
ومالك مالك في اتقانه وحفظه، و توقیه، وانتقائه لما یرویه! فإن قيل ما
معنى قوله: وألحق الولد بأمه- ومعلوم انه قد لحق بأمه، وانها على كل أمه؟
قیل له المعنى: انه ألحقه بأمه دون أبيه، ونفاه عن أبيه بلعانه وصيره الى أمه
وحدها؛ ولهذا ما اختلف العلماء في ميراثه، فجعل بعضهم عصبته عصبة
أمه، وجعل بعضهم أمه عصبته، وسنذكر اختلافهم في ذلك في آخر هذا
الباب- ان شاء الله.
وأما تفريق رسول الله وَّ لفيه بين المتلاعنين، فذلك عندنا اعلام منه وَقزان
التلاعن يوجب الفرقة والتباعد، فأعلمهما بذلك، وفرق بينهما وقال: لا
سبيل لك عليها، وهذا على الإطلاق على ما قد بينا فيما سلف من كتابنا في
باب ابن شهاب عن سهل بن سعد، وقال لهما رسول الله وَطلقه الله يعلم أن
أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ وأخبر ان الخامسة موجبة - يعني أنها

فتح البر
٥٤٤
توجب لعنة الله وغضبه، فلما جهل الملعون منهما، وصح ان احدهما قد
لحقته لعنة الله وغضبه، فرق -والله أعلم- بينهما، لئلا يجتمع رجل ملعون
وامرأة غير ملعونة، ولسنا نعرف ان المرأة افردت باللعنة فنقيسها على
اليهودية الجائز نكاحها، ولا بأس ان یکون الاسفل ملعونا، کما أنه لا بأس
ان یکون کافرا، ولا سبيل الى معرفة من حقت علیه اللعنة منهما، فمن ههنا
وقعت الفرقة، ولو أيقنا ان اللعنة حقت على المرأة بكذبها، لم نفرق بينهما،
هذا جملة ما اعتل به بعض أصحابنا، وفي ذلك نظر، والتلاعن يقتضي
التباعد، وعليه جمهور السلف.
وفي قوله - - لا سبيل لك عليها كفاية ودلالة صحيحة على ان
اللعان هو الموجب للفرقة بينهما، وان الحاكم انما ينفذ الواجب في ذلك من
حكم الله تعالى ذكره، ولم يكن تفريق النبي وقديطلقر بين المتلاعنين بعد اللعان
استئناف حکم، وإنما كان تنفيذا لما أو جبه الله تعالى باللعان بينهما، فالواجب
على سائر الحكام تنفيذ الحكم بذلك والتفريق بينهما، فإن فعل فقد فعل ما
يجب، وإن ترك كان الحكم بالفرقة بينهما نافذا على حسبما ذكرنا، واحتج
أصحاب أبي حنيفة لقوله إذا التعنا فرق الحاكم بينهما، بما روي عن رسول
الله ◌َّ انه فرق بين المتلاعنين، قالوا: فدل على انه الفاعل للفرقة، قالوا:
وهي فرقة تفتقر الى حضور الحاكم، فوجب ان يفتقر الى تفريقه قياسا على
فرقة العنين، ومن حجة مالك ومن قال بقوله: ان التفاسخ في التبايع لما وقع
بتمام التحالف، فكذلك اللعان.
وأما الشافعي، فإن الفرقة تقع عنده بالتعان الزوج - وحده، لأنه لما دفع
لعانه الولد والحد، وجب ان يرفع الفراش، لأن لعان المرأة لا مدخل له في
ذلك، وانما هو لنفي الحد عنها لا غير.

الطلاق
٥٤٥ = |
وذهب عثمان البتي - ان الفرقة تقع بالطلاق بعد اللعان، لأن العجلاني
طلقها ثلاثا بعد اللعان، وقد مضى القول أيضا في حكم فرقة المتلاعنين،
وهل يحتاج الحاكم الى ان يفرق بينهما بعد اللعان أم لا، وما في ذلك للعلماء
من التنازع، ووجه الصواب فيه عندنا عند ذكر حديث ابن شهاب عن
سهل بن سعد في كتابنا هذا، ذكرنا هناك أيضا أحكاما صالحة من أحكام
اللعان، لا معنى لإعادته ههنا، ونذكر ههنا حكم الحمل والولد، وما ضارع
ذلك بعون الله، لا شريك له.
فأما قوله في حديثنا هذا انتفى من ولدها، فإنه يحتمل ان يكون انتفى
منه- وهو حمل ظاهر، ويحتمل ان یکون انتفی منه بعد ان ولده، وقد
اختلف العلماء في الملاعنة على الحمل، فقال منهم قائلون: لا سبيل الى ان
يلاعن احد عن حمل، ولا لأحد ان ينتفي من ولد لم يولد بعد، لأنه ربما
حسب ان بالمرأة حملا - وليس بها حمل. قالوا وكم حمل ظهر في رأي العين،
ثم انفش واضمحل، قالوا: فلا لعان على الحمل بوجه من الوجوه، قالوا
ولو التعن احد على الحمل، لم ينتف عنه الولد حتی ینفیه بعد ان يولد،
ويلتعن بعد ذلك وينفيه في اللعان، فحينئذ ينتفي عنه، هذا قول أبي حنيفة
وطائفة من فقهاء الكوفة.
وقال آخرون: جائز ان ينتفي الرجل من الحمل إذا كان حملا ظاهرا، هذا
قول مالك والشافعي، وجماعة من فقهاء أهل الحجاز والعراق، وحجتهم:
ان المرأة التي لاعن رسول الله ومً ا ﴾ بينها وبين زوجها كانت حاملا، فانتفى
الملاعن من ولدها، ففرق رسول الله و ◌َه بينهما، وألحق الولد بأمه، والآثار
الدالة على صحة هذا القول كثيرة، وسنذكر منها في هذا الباب ما فيه كفاية،
وشفاء وهداية، إن شاء الله.

فتح البر
=٥٤٦
=
وجملة قول مالك وأصحابه في هذه المسألة انه لا ينفي الحمل بدعوى
رؤية الزنا، ولا ينفي الحمل إلا بدعوى الاستبراء، وانه لم يطأ بعد
الاستبراء، والاستبراء -عندهم - حيضة كاملة، هذا قول مالك وأصحابه
إلا عبد الملك، فإنه قال: ثلاث حيض، ورواه أيضا عن مالك، وقال ابن
القاسم: لا يلزمه ما ولدت بعد لعانه إلا ان يكون حملا ظاهرا حين لاعن
بإقرار أو بينة فیلحق به.
وقال المغيرة المخزومي: إن أقر بالحمل وادعى رؤية لاعن، فإن وضعته
لأقل من ستة أشهر من یوم الرؤية فهو له، وان کان لستة أشهر فأکثر، فهو
اللعان، فإن ادعاه، لحق به وحده، قال المغيرة يلاعن في الرؤية من يدعي
الاستبراء.
وان وضعت لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية لحق به، ولا ينفعه ان
نفاه ولا يحد، قال ولو قال بعد الوضع لأقل من ستة اشهر كنت استبريته
ونفاه، کان للعان الأول، قال اصبغ: لا ینتفي إلا بلعان ثان.
أما الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وأصحابهم، فإنهم
يقولون: كل من قذف امرأته وطلبت الحد، ولم يأت زوجها بأربعة شهداء
لاعن، وسواء قال لها: يا زانية، أو زنيت، أو رأيتها تزني، يلاعن أبدا، وكل
من نفی الحمل عندهم وقال: ليس مني، ولم یکن علم به، لاعن، ولا معنی
عندهم للاستبراء، لأن الاستبراء قد تلد معه، فلا معنى له ما كان الفراش
قائما، إلا أبا حنيفة فإنه على أصله في ان لا لعان على حمل - على ما ذكرت
لك، ولا خلاف عن مالك وأصحابه انه إذا ادعی رؤية، وأقر انه وطئ
بعدها، حد ولحق به الولد، قال ابن القاسم: فلو أكذب نفسه في الاستبراء
وادعی الولد لحق به وحده، اذ باللعان نفیناه عنه وصار قاذفا.

الطلاق
٥٤٧ =
وقال مالك وابن القاسم وغيرهما: يبدأ بالزوج في اللعان، فيشهد أربع
شهادات بالله - يقول في الرؤية: أشهد بالله أني لمن الصادقين لرأيتها تزني،
ويقول في نفي الحمل: أشهد بالله لزنت، وذكر ابن المواز عن ابن القاسم
قال في نفي الحمل: أشهد بالله اني لمن الصادقين، ما هذا الحمل مني، قال
أصبغ: واحب الي ان يزيد لزنت، قال أصبغ يقول في الرؤية: كالمرود في
المكحلة.
قال مالك وابن القاسم: ويقول في الخامسة ان لعنة الله علیه ان کان من
الكاذبين. وتقول المرأة في الرؤية: اشهد بالله ما رآني أزني، وفي الحمل أشهد
بالله ما زنیت، وان هذا الحمل منه.
قال أبو عمر: ان كان ولدا أو حملا ونفاه، قال في لعانه: أشهد بالله لقد
زنت، وما هذا الحمل مني، أو ما هذا الولد مني، وتقول هي: أشهد بالله ما
زنیت، وان هذا الحمل منه، أو هذا الولد منه، وان كان غائبا، أو ميتا، سمته
ونسبته وقالت: وانه من زوجي فلان بن فلان، یقول کل واحد منهما هذا
القول أربع مرات بأربع شهادات بالله. ثم يقول الزوج في الخامسة، وعليه
لعنة الله ان کان من الکاذبین. وتقول هي: وعلیها غضب الله- ان کان من
الصادقين- فيما ذكر من رؤية، أو فيما ذكر من زناها، ومن نفي حملها أو
ولدها على حسبما فسرت ذلك.
فإذا تم التعان المرأة بعد التعان الرجل، وقعت الفرقة بينهما، ثم لم تحل له
أبدا، وسواء فرق الحاكم بينهما أو لم يفرق. وإن أكذب نفسه بعد ذلك، حد
ولحق به الولد، ولم يتراجعا أبدا: وإن بقي من لعانه أو لعان المرأة - ولو مرة
واحدة شهادة واحدة: الخامسة أو غيرها، فأكذب نفسه قبل تمامها، حد
وبقیت معه زوجته- إذا لم يتم لعانها، هذا کله قول مالك وأصحابه، ولو

فتح البر
٥٤٨
لاعن عندهم - من نفى حملا فانفش، لم ترد اليه، ولم تحل له أبدا، لأنه قد
يجوز ان تكون أسقطته و کتمته.
وعند الشافعي ان الرجل إذا تم التعانه، فقد زال فراشه، ولا تحل له
أبدا.
وعند أبي حنيفة ان تمام اللعان، لا يوجب فرقة حتى يفرق الحاكم بينهما،
ولكل واحد منهم حجة من حديث مالك هذا وغيره - محتملة التأويل،
وقول مالك أولی بالصواب - ان شاء الله.
وقال الشافعي - رحمه الله -: تفريق النبي عليه السلام بين المتلاعنين،
تفرق حكم ليس لطلاق الزوج فيه مدخل، وإنما هو تفريق أوجبه اللعان،
فأخبر به النبي وَّ بقوله لا سبيل لك عليها، قال: وإذا أكمل الزوج
الشهادة والالتعان، فقد زال فراش امرأته، ولا تحل له أبدا، وإن أكذب
نفسه، التعنت أو لم تلتعن، قال: وإنما قلت هذا، لأن رسول الله وَ لاه قال: لا
سبيل لك عليها، ولم يقل حتى يكذب نفسك، قال: وكان معقولا في حكم
رسول الله آل﴾: إذا لحق الولد بأمه انه نفاه عن أبيه، وان نفیه عنه إنما كان
بيمينه والتعانه، لا بيمين المرأة على تكذيبه، قال: ومعقول في اجماع المسلمين
ان الزوج إذا أكذب نفسه، لحق به الولد وجلد الحد، ولا معنى للمرأة في
نفيه، وان المعنى للزوج، وكيف يكون لها معنى في يمين الزوج، ونفي الولد
وإلحاقه، والولد بكل حال- ولدها، لا ينتفي عنها أبدا، إنما ينتفي عن
الرجل، وإليه ينتسب، قال: والدليل على ذلك، ما لا يختلف فيه أهل العلم
من ان الأم لو قالت: ليس هو منك، انها استعرته: لم يكن قولها شيئا- إذا
عرف انها ولدته على فراشه، ولم ينتف عنه الا بلعان، لأن ذلك أحق للولد
دون الأم. وكذلك لو قال هو ابني، وقالت هي: بل زنیت، وهو من زنی،

الطلاق
٥٤٩ ==
كان ابنه ولم ينظر الى قولها، ألا ترى ان حكم النفي والاثبات اليه دون أمه،
فكذلك نفيه بالتعانه اليه دون أمه، قال: والتعان المرأة انما هو لدرء الحد
عنها لا غير، ليس من اثبات الولد ولا نفيه في شيء.
قال الشافعي وإذا علم الزوج بالولد، فأمكنه الحاكم امكانا بينا فترك
اللعان، لم یکن له ان ینفیه بعد، وقال ببغداد إذا لم يشهد بحضرة ذلك في
يوم أو يومين، لم يكن له نفيه، وقال بمصر أيضا: ولو قال قائل له نفيه في
ثلاثة أيام - ان کان حاضرا، کان مذهبا.
قال أبو عمر: كل من قال ان الفرقة تقع باللعان دون تفريق الحاكم من
فقهاء الأمصار خاصة، يقولون ان الفرقة لا تقع بينهما الا بتمام التعانهما
جيمعا، الا الشافعي وأصحابه، فإنهم قالوا تقع الفرقة بتمام التعان الزوج
وحده، وكلهم يقولون ان المرأة إذا ابت ان تلتعن بعد التعان الزوج، وجب
عليها الحد وحدها -ان کانت غیر مدخول بها - الجلد، وان كانت مدخولا
بها الرجم، الا أبا حنيفة وأصحابه، فإنهم قالوا: ان أبت أن تلتعن، حبست
أبداً حتى تلتعن، والحجة عليهم قول الله عز وجل: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ
أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: (٨)] والسجن ليس بعذاب - والله أعلم،
[يوسف: (٢٥)].
٢٥
بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِلَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فجعل السجن غير العذاب، وقد سمى الله الحد عذاباً بقوله:
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
[النور: (٢)] وقوله عز وجل:
وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ .
وقد روي مثل قول أبي حنيفة في هذه المسألة عن عطاء والحارث العكلي،
وابن شبرمة، وهو خلاف ظاهر القرآن، وخلاف ما عليه أكثر علماء
المسلمين.

فتح البر
=
: ٥٥٠!
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد -قراءة مني عليه- ان محمد بن بكر
حدثهم، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثنا علي
ابن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: وقوله عز وجل: ﴿ وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية، قال: فإذا
حلفا فرق بينهما، وإن لم يحلفا أقيم الجلد أو الرجم، وهذا كقول
مالك سواء في الفرقة وإقامة الحد عند نكول المرأة، وقال الضحاك بن
مزاحم في قوله عز وجل: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ قال إن هي أبت أن
تلاعن، رجمت ۔۔ إن كانت ثيباً، وجلدت إن كانت بكراً، وهو قول
أكثر أهل العلم بتأويل القرآن، وأكثر فقهاء الأمصار.
والعجب من أبي حنيفة يقضي بالنكول في الحقوق بین الناس - ولا يرى
رد اليمين، ولم يقل بالنكول ههنا، والذي ذهب اليه أبو حنيفة - والله أعلم-
انه حين عز إقامة الحد عليها بدعوى زوجها ويمينه، دون إقرارها أو بينة
تقوم عليها- ولم يقض بالنكول، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ومثل هذا
كله شبهة درأ بها الحد عنها وحبسها حتى تلتعن، وهذا قول ضعيف في
النظر، مع مخالفته الجمهور والأصول- والله المستعان، ومذهب مالك
والشافعي: ان اللعان فسخ بغير طلاق، وقال أبو حنيفة: هي طلقة بائنة.
واتفق مالك والشافعي على انه جائز ان يلاعن إذا نفى الحمل - وكان
الحمل ظاهرا على ما تقدم عن مالك وأصحابه، وهو قول الشافعي
وأصحابه أيضا، والحجة لهم الآثار المتواترة بذلك، التي لا يعارضها ولا
يخالفها مثلها، فمن ذلك: ما حدثناه عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا سليمان بن داود
الهاشمي، قال أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد،

الطلاق
٥٥١ _
قال جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال سئل رسول الله وي ليه أرأيت رجلا
وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول
الله ◌َّله عن ذلك، فعاب رسول الله وَّل عليه المسائل، ثم لقيه عويمر فسأله
ما صنعت؟ فقال: صنعت! إنك لم تأت بخير، سألت رسول الله (ێ فعاب
المسائل، فقال عويمر: والله لآتین رسول الله ﴾آل# فسأله، فوجده قد انزل
عليه فيها، فدعا بهما فتلاعنا، فقال عويمر: لئن انطلقت بها - يا رسول الله-
لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل ان يأمرها بذلك رسول الله وَله،
فصارت سنة في المتلاعنين، ثم قال انظروها، فإن جاءت به اسحم أدعج
العينين، عظيم الاليتين، فلا أراه الا قد صدق، وان جاءت به احمر كأنه
وحرة، فلا أراه الا كاذبا، قال: فجاءت به على النعت المكروه(١).
فهذا الحديث يدل على انها كانت حاملا، وإذا كانت حاملا، فقد وقع
التلاعن على الحمل، لأن رسول الله وَ لم نفاه عن الرجل، وألحقه بأمه،
وليس في شيء من الآثار ان اللعان أعيد في ذلك مرة ثانية بعد ان ولدته،
وفي ذلك ما يدل على انه نفاه حملا، فنفاه عنه رسول الله ي ليه وألحقه بأمه.
ومما يصحح أيضا ما قلناه، ما حدثناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد
ابن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا
جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إنا ليلة
جمعة في المسجد، إذ دخل رجل من الانصار، فقال: لو ان رجلا وجد مع
امرأته رجلا فتكلم، جلدتموه، وان قتل، قتلتموه، أو سكت، سكت على
غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله مح ليه فلما كان من الغد، أتى رسول الله عَليه
فسأله فقال: لو ان رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم، جلدتموه، أو قتل،
(١) تقدم تخريجه في الباب السابق.

=٥٥٢
فتح البر
قتلتموه، أو سكت، سكت على غيظ، فقال: اللهم افتح ـ وجعل
يدعو، فنزلت آية اللعان ﴿ وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾
[النور: (٦)] فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته
الى رسول الله وَ﴾، فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن
الصادقین، ثم الخامسة لعنة الله علیه ان کان من المكذبين، قال فذهبت
لتلتعن، فقال لها النبي عليه السلام مه! فأبت وفعلت. فلما أدبر، قال لعلها
ان تجيء به أسود أجعد، فجاءت به أسود أجعد(١).
قال أبو عمر: هكذا في الحديث أجعد، والصواب -عند أهل العربية-
جعد، يقال رجل جعد، وامرأة جعدة، ولا يقال أجعد. قال الأوزاعي
- رحمه الله - أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عربا.
وأما الحديث الذي قيل هذا فيه إن جاءت به أسحم أدعج العينين،
عظيم الاليتين، فلا أراه الا قد صدق، وإن جاءت به احمر، كأنه وحرة، فلا
أراه الا كاذبا، قال فجاءت به على النعت المكروه، فالأسحم الأسود من کل
شيء، والسحمة: السواد، والدعج: شدة سواد العين، يقال رجل أدعج،
وامرأة دعجاء وعين دعجاء، وليل أدعج، أي أسود.
وأما قوله كأنه وحرة، فأراد - والله أعلم - كأنه وزغة، قال الخليل:
والوحرة: وزغة تكون في الصحاري، قال والمرأة وحرة سوداء ذميمة.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على ان المرأة كانت حبلى، وفيه ضروب من
الفقه ظاهرة، أبينها ان القاذف لزوجته يجلد - ان لم يلاعن، وعلى هذا جماعة
أهل العلم، الا ما قدمنا ذكره عن أبي حنيفة في هذا الباب، وشيء روي على
الشعبي، والحارث العكلي، قالوا الملاعن - إذا كذب نفسه- لم يضرب،
(١) تقدم تخريجه في الباب السابق.

الطلاق
=
٥٥٣
وهذا قول لا وجه له، والقرآن والسنة يردانه ويقضيان ان كل من يقذف
امرأته ولم يخرج مما قاله بشهود اربعة - ان كان أجنبيا، أو بلعان، إن كان
زوجا - جلد الحد، ولا يصح -عندي - عن الشعبي، وكذلك لا يصح -ان
شاء الله- عن غيره.
وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا مطرف،
عن عامر - يعني الشعبي، قال: إذا أكذب نفسه، جلد الحد، وردت اليه
امرأته.
وحجاج، عن ابن جريج، عن ابن شهاب - مثله.
وهشیم، عن جرير، عن الضحاك - مثله. قال حماد بن سليمان يكون
خاطبا من الخطاب - إذا جلد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه: وقد ذكرنا
اختلاف الفقهاء في هذه المسألة في باب ابن شهاب، عن سهل بن سعد -
من هذا الكتاب، وللناس فيها ثلاثة أقاويل، أحدها انه إذا أكذب نفسه
جلد، وردت الیہ امرأته - دون نكاح على عصمته.
والثاني ان یکون بعد الجلد خاطبا كما ذكرنا.
والثالث: انهما لا يجتمعان أبدا.
وأما قول من قال: إنه لا يجلد - فلا يعرج علیه، ولا يشتغل به، وهو
وهم و خطأ، وقد مضى القول في هذا والحجة في باب ابن شهاب عن سهل
ابن سعد من هذا الکتاب، فلا و جه لا عادته ههنا.
ومما يوضح أيضا التلاعن على الحمل البين، ما أخبرناه عبدالله بن محمد،
قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد العزيز بن
یحیی- أبو الأصبغ، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن اسحاق، قال

فتح البر
=٥٥٤
حدثني عباس بن سهل، عن أبيه، ان النبي وّقال لعاصم بن عدي:
أمسك المرأة عندك حتی تلد(١). ومثله أيضا حديث ابن وهب، عن يونس
ابن يزيد، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، قال فيه: ثم خرجت حاملا
فكان الولد الی أمه.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن
الهيثم أبو الأحوص، حدثنا محمد بن عائذ الدمشقي، قال حدثنا الهيثم بن
حمید، حدثنا ثور بن یزید، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن
رسول الله وَّ ان رجلا من بني زريق قذف امرأته، فأتى النبي عليه
السلام، فردد ذلك أربع مرات على النبي عليه السلام فنزلت آية الملاعنة،
فقال النبي عليه السلام قد نزل من الله امر عظيم، فأبى الرجل الا أن
يلاعنها، فرأيت المرأة تدرأ عن نفسها العذاب، فتلاعنا، فقال النبي ◌َّ إما
ان تجيء به أصيفر أحيمش، مسلول العظام، فهو للمتلاعن، وإما ان تجيء
به أسود كالجمل الأورق، فهو لغیره، فجاءت به أسود کالجمل الأورق،
فدعا به رسول الله وَ ي﴿ فجعله لعصبة أمه، وقال: لولا الأيمان التي مضت
-يعني اللعان- لكان فيه كذا وكذا(٢).
قال أبو عمر: في هذا الحديث: رأيت المرأة تدرأ عن نفسها العذاب، وهو
حجة على أبي حنيفة في قوله إنها تسجن، وقد مضى القول في ذلك، وأما
قوله فيه أصيفر، أحيمش، فالاصفر - تصغير أصفر، والأحيمش تصغير
أحمش، والأحمش الدقيق القوائم.
(١) د (٢ / ٦٨٢ /٢٢٤٦).
(٢) أخرجه: ن: في الكبرى (٦٣٦٢/٧٨/٤)، من طريق ابن عائذ عن الهيثم بن حميد به. وعزاه
أيضا السيوطي في الدر المنثور (١٣٨/٦) لابن مردويه.

الطلاق
: ٥٥٥
وفي حديث ابن عباس من رواية عباد بن منصور عن عكرمة، عن ابن
عباس.
وفي رواية هشام: عن عكرمة، عن ابن عباس.
ومن رواية جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ومن رواية ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن ابن
عباس، وسليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، ومخرمة بن بكير، عن أبيه
جميعا عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن ابن عباس، ما يدل على ان
الملاعنة، كانت على الحمل، وحديث عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن
عباس، حديث طويل في اللعان، ذكر فيه كلام سعد بن عبادة(١)، وقصة
تلاعن هلال بن أمية وزوجته - إذ رماها بشريك بن سحماء - حديثا طويلا،
حدثناه عبدالورث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا
يزيد بن هارون، أخبرنا عباد بن منصور(١).
وذكره أبو داود، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا
عباد بن منصور- ولم يسقه بتمامه.
وفيه عند جميعهم: ففرق رسول الله ﴿ بينهما - يعني بعد تمام التعانهما،
وقضی الا يدعی ولدها لأب، ولا ترمی هي ولا یرمی ولدها، ومن رماها
أو رمى ولدها، فعليه الحد، وقضى ان لا بيت عليها ولا قوت، من أجل
(١) حم (٢٣٨/١-٢٣٩)، هق (٣٩٤/٧)، عبد الرزاق في المصنف (١٢٤٤٤/١١٤/٧)،
د(٢ / ٢٢٥٦/٦٨٨) بطوله، وليس فيه كلام سعد بن معاذ، وذكره الهيثمي في المجمع (١٥/٥)
وقال: «حديث ابن عباس في الصحیح باختصار،وقد رواه أبو يعلى والسياق له وأحمد باختصار
عنه، ومداره على عباد بن منصور وهو ضعيف)). قلت: أصله في صحيح البخاري مختصرا
(٤٧٤٧/٥٧٤/٨). من طریق هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس به.

فتح البر
=٥٥٦
أنهما متفرقان من غير طلاق، ولا هي متوفى عنها، وقال: إن جاءت به
أصيهب، أثيبج، أحمش الساقين، فهو لهلال: وإن جاءت به أورق، جعدا،
جماليا، خدلج الساقين، سابغ الاليتين، فهو للذي رميت به، فجاءت به
أورق، جعدا، جماليا، خدلج الساقين، سابغ الاليتين، فقال رسول الله وَلهم
لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن! قال عكرمة فكان بعد ذلك أمیرا على
مصر، ويدعى للأب.
قال أبو عمر: في هذا الحديث: وقضی ان من رماها، أو رمى ولدها،
فعليه الحد، وهو حجة لمالك ومن قال بقوله ان من قذف الملاعنة، أو
ولدها، حد إن لم يأت بأربعة شهداء، وعليه أكثر الناس، وهذا الحديث
حجة في ذلك.
وفيه أيضا ان لا بيت عليها ولا قوت- يعني لا سكنى لها ولا نفقة،
وهذا موضع اختلف فيه العلماء، فأما مالك، فإنه لم يذهب الى هذا ورأى ان
السكنى لكل مطلقة، وجبت لها النفقة أو لم تجب، مختلعة كانت أو ملاعنة،
أو مبتوتة، ولا نفقة - عنده- الا لمن يملك رجعتها خاصة، أو حامل بعد
تحملها، فسقوطها من أجل الحمل، وللمبتوتات والمختلعات كلهن عنده
السكنى دون النفقة، وهذا كله أيضا قول الشافعي، لا خلاف بينهما في شيء
من ذلك كله وذهب أبو حنيفة وجماعة من السلف الى إيجاب النفقة لكل
معتدة مبتوتة وغير مبتوتة مع السكنی.
وذهب أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وجماعة من أهل الحديث- وهو قول
داود أيضا - إلى أن لا سكنى ولا نفقة لمن لا رجعة عليها، فلا
سكنى-عندهم- للملاعنة، والمختلعة، ولا لغيرها، ولا نفقة.

الطلاق
٥٥٧ =١١
وهذا الحديث حجة لمن ذهب الى هذا، وروي عن جماعة من السلف
ايضا، وسنذكر اختلاف العلماء في إيجاب السكنى والنفقة للمبتوتة ومن
جری مجراها في باب عبد الله بن یزید مولی الأسود بن سفيان من كتابنا هذا،
ونذكر وجوه أقاويلهم ومعانيها - هناك- إن شاء الله.
وأما قوله في هذا الحديث أصيهب، فهو تصغير أصهب، والصهبة حمرة
في الشعر، والأثيبج تصغير أثبج، والأثبج: العالي الظهر، يقال رجل أثبج،
ناتيء الثبج، وثبج كل شيء وسطه وأعلاه، ورجل مثبج مضطرب الخلق في
طول، والأحمش الساقين دقيقهما، والأورق الرمادي اللون، ويقال الأورق
للرماد ايضا، ومنه قيل حمامة ورقاء، وأصل الورق سواد في غيره، والجمالي:
العظيم الخلق، يقال ناقة جمالية - إذا كانت في خلق الجمل، والخدلج:
الضخم الساقين، يقال: امرأة خدلجة إذا كانت ضخمة الساق.
وهذه الآثار كلها تدل على ان المرأة الملاعنة كانت في حين التلاعن حبلى،
فلما نفاه في لعانه، نفاه عنه رسول الله آل وألحقه بأمه.
وفي حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ان رسول الله وَي الحق الولد
بأمه، وهو اولی وأصح من حدیث عمرو بن شعيب، عن ابیه، عن جده، ان
رسول الله آلټ جعله لعصبة امه.
واختلف العلماء في ميراث ولد الملاعنة، فقال قائلون أمه عصبته، وممن
قال ذلك: عبد الله بن مسعود، وجماعة، قال ابن مسعود أمه عصبته، فإن لم
تكن، فعصبتها. وقال آخرون عصبته عصبة أمه، قال ذلك جماعة واليه
ذهب أحمد بن حنبل، قال: ابن الملاعنة ترثه أمه وعصبتها.
والقائلون بهذين القولين، يقولون بتوريث ذوي الأرحام، وقال علي بن
أبي طالب، وزيد بن ثابت: لا عصبة لابن الملاعنة- وهو عندهما-

فتح البر
-٥٥٨
كموروث لم يخلف أبا ولا عصبة، فإن كان له اخوة لأم، ورثوا فرضهم،
وورثت أمه سهمها، وما بقي فلبيت المال. هذه رواية قتادة، عن جلاس،
عن علي، وزيد، والمشهور عن علي ان عصبته عصبة أمه، الا أن مذهبه أنَّ ذا
السهم احق ممن لا سهم له، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال ابن مسعود
عصبته عصبة امه وهو قول الحسن، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وعطاء،
والشعبي، والنخعي، وحماد، والحكم، وسفيان، والحسن بن صالح،
وشريك، ويحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، الا انهم اختلفوا،
فمنهم من لم يجعل عصبة أمه عصبته الا عند عدم امه، ومنهم من اعطاها
فرضها وجعل الباقي لعصبتها - ابنا كان لها، أو اخا لابنها، أو غيره من
عصبتها، والذين جعلوا امه عصبته، فإذا لم تكن، فعصبتها، احتجوا
بحديث واثلة بن الأسقع، عن النبي وَله انه قال: المرأة تحرز ثلاثة مواريث:
عتيقها، ولقيطها، وابنها الذي لا عنت عليه(١).
وبحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، ان النبي وَّ قال: ميراث
ابن الملاعنة لأمه، ولورثتها من بعدها.
وقد أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع.
وذهب مالك والشافعي واصحابهما إلى قول زيد بن ثابت في ذلك، قال
مالك إنه بلغه عن عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، انهما سئلا عن ولد
الملاعنة، وولد الزنا: من يرثهما؟ فقالا ترث أمه حقها، واخوتهم لأمه
(١) حم (٣ / ٤٩٠) و(١٠٦/٤-١٠٧)، و(٢٩٠٦/٣٢٥/٣)، ت (٢١١٥/٣٧٣/٤) وقال:
حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه. جه (٢٧٤٢/٩١٦/٢)، هق (٢٤٠/٦)، كلهم من
طريق محمد بن حرب عن عمر بن روبة التغلبي عن عبد الواحد بن عبد الله بن بسر النصري عن
واثلة به. قال البيهقي: ((هذا غير ثابت، قال البخاري: عمر بن روبة التغلبي عن عبد الواحد
النصري فیه نظر».

الطلاق
٥٥٩_
حقوقهم، ويرث ما بقي من ماله -موالي أمه- إن كانت مولاة، وان كانت
عربية، ورثت حقها، وورث اخوته لأمه حقوقهم، وورث ما بقي من ماله
المسلمون، قال مالك وذلك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي
ادركت عليه أهل العلم.
قال أبو عمر: وهو قول الشافعي سواء، ولأهل العراق والقائلين بالرد،
وتوريث ذوي الأرحام- ضروب من التنازع في توريث عصبة أم ولد
الملاعنة منه مع الأم ودونها، ليس هذا موضع ذكر ذلك، ولا خلاف بين
العلماء ان الملاعن إذا أقر بالولد جلد الحد، ولحق به وورثه، وابن الزانية
عند جماعة العلماء، كابن الملاعنة سواء، وكل فيه على أصله الذي ذكرناه
عنهم، وأجمعوا في توأمي الزانية انهما يتوارثان على انهما لأم، واختلفوا في
توأمي الملاعنة: فذهب مالك، والشافعي -وهو قول أهل المدينة- الى ان
توارثهما كتوارث الإخوة للأب والأم، ويحتجون بأن الملاعن إذا
استلحقهما، جلد الحد، ولحق به النسب، وذهب الكوفيون الى ان توأمي
الملاعنة، كتوأمي الزانية، لايتوارثان الا على أنهما لأم، وان مات ابن
الملاعنة، فاستلحقه الملاعن - بعد موته، فإن مالكا وأبا حنيفة وأصحابهما
يقولون إنَّ خلف ولدا، لحق به نسبه وورث، وان لم يخلف ولدا، لم يرثه
ويجلد احد على كل حال.
وقال الشافعي: يجلد الحد ويلحق به الولد ونسبه، ویرث خلف ولدا أو
لم يخلف، وان مات الملاعن - بعد ان التعن وقبل ان تلتعن المرأة، فإن
التعنت بعده لم ترث، وان نكلت عن الالتعان، حدت وورثت في قول
مالك، وقال الشافعي لا يتوارثان ابدا إذا التعن الرجل وتم التعانه، لأن
الفراش قد زال بالتعانه، وانما التعان المرأة لدفع الحد عنها.

فتح البر
٠ ٥٦٠
=
قال أبو حنيفة لا ينقطع التوارث بينهما ابدا حتى يفرق الحاكم بينهما،
فأيهما مات قبل ذلك ورثه الآخر، واليه ذهب أحمد ابن حنبل، ولكل واحد
منهم في هذه المسائل اعتلالات يطول ذكرها، ولو تعرضنا لها، خرجنا عن
شرطنا في کتابنا - وبالله توفيقنا.