Indexed OCR Text

Pages 401-420

العشرة وحسن الخلق
٤٠١
النهي عن التناجي فيما يخاف منه الوحشة
[٢٦] مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله آلڼ قال: اذا كان ثلاثة، فلا یتناجى
اثنان دون واحد(١).
قال أبو عمر: التناجي: التسار، وذلك مكالمة الرجل أخاه عند أذنه بما
يسره من غيره، والنهي انما ورد كما ترى إذا كانوا ثلاثة، واما إذا كانوا أربعة
فما فوقهم، فلا بأس به.
أخبرنا عبد الرحمن، حدثنا علي، حدثنا أحمد، حدثنا سحنون، حدثنا ابن
وهب، قال أخبرني اللیث بن سعد، عن عقیل، عن ابن شهاب، ان رسول
الله ◌َّه قال: اذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث، لا تدعوا
صاحبكم نجیا للشيطان.
قال ابن شهاب: وقال سعيد بن المسيب: إلا أن يستأذنه.
وقوله: نجیا للشيطان، یرید لأنه یوسوس في صدره من جھتھما ما
يحزنه- والله أعلم، وقد أتى في الحديث ان النهي عن ذلك، انما ورد لئلا
يحزن الثالث ويسوء ظنه ونحو ذلك، وهذا التفسير موجود في حديث ابن
مسعود عن النبي ◌َّ: وقد قيل: انما يكره في السفر لا في الحضر، وذلك
موجود في هذا حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي صل﴾.
وأما حديث ابن عمر هذا، فقد رواه عنه نافع، وعبد الله بن دینار، وأبو
صالح، والقاسم بن محمد وغيرهم، ورواه عن نافع جماعة، منهم: مالك،
والليث، وعبيد الله، وأيوب، ورواية عبد الله بن دينار مفسرة، لأنه قال:
(١) حم: (٤٥/٢ و١٢١ و١٢٣)، خ (٦٢٨٨/٩٦/١١)، م (٢١٨٣/١٧١٧/٤)، الحميدي
(٦٤٦/٢٨٧/٢) من حديث نافع عن ابن عمر.

=٤٠٢
فتح البر
کنت مع عبد الله بن عمر عند دار عقبة بن خالد بالسوق، فجاء رجل یرید
ان يناجيه - وليس معه غيري فدعا ابن عمر رجلا آخر فصرنا اربعة: فقال
لي وللرجل: استأخرا وانتظرا، فإني سمعت رسول الله پټ یقول: لا یتناجی
اثنان دون واحد(١)، رواه مالك عنه، وسیأتي في بابه إن شاء الله.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال
حدثنا ابن نمير، ومحمد بن بشر، قال حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر، قال: قال رسول اللهہہہے إذا کان ثلاثة، فلا یتناجی اثنان دون
الآخر(١).
وأخبرنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن
محمد، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن نافع، عن
ابن عمر، قال: کان رسول الله گھ ینھی إذا کان ثلاثة نفر ان یتناجی اثنان
دون الثالث(١)، وعند الليث في هذا اسناد آخر عن ابن الهادي، عن عبد الله
ابن دينار، عن ابن عمر، وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن
معاوية، قال حدثنا جعفر بن محمد العرياني، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال
حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، ان رسول الله وَل فيلم
قال: اذا کان ثلاثة نفر، فلا يتناجى اثنان دون الثالث(١).
وحدثنا عبد الرحمن بن مروان، قال حدثنا الحسن بن علي بن داود، قال
حدثنا عبد الله بن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، انه
كان يقول: هؤلاء لا يبالون بسفك الدماء بينهم، وقال رسول الله صل و لعظم
حرمة المؤمن إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد(١).
(١) سبق تخريجه، انظر حديث الباب.

العشرة وحسن الخلق
٤٠٣٤ -
قال نافع: فربما كان لعبد الله حاجة، ومعه رجلان، الى أحدهما، فلا
یکلمه حتی یأتي رابع، فإذا جاء، قال: شأنك وصاحبك، فإن لي إلى صاحبي
هذا حاجة.
قال أبو عمر: هذا، لئلا یظن به انه ینال منه أو يتكلم فيه، وهو معنى
حديث ابن مسعود، فان ذلك يحزنه.
قال الشاعر:
یروعه السرار بکل أمر مخافة ان یکون به السرار
وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن
محمد، قال حدثنا عبد الا على بن حماد، قال حدثنا سفيان بن عیینة، عن یحیی
ابن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: لا
يتناجى اثنان دون الثالث(١).
وحدثنا أحمد، قال حدثنا محمد، قال حدثنا جعفر بن محمد، قال حدثنا
منجاب بن الحارث، قال أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن ابن عمر: قال: قال رسول الله وَّ ي: اذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان
دون صاحبهما، فقلنا لابن عمر: وان كانوا اربعة؟ قال: فلا يضره(١).
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا عيسى بن يونس، قال حدثنا الأعمش، عن
أبي صالح، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ◌َّ﴿ فذكره، قال أبو صالح:
فقلت لابن عمر: وان كانوا أربعة؟ قال: لا يضرك.
(١) سبق تخريجه، انظر حديث الباب.

فتح البر
٤٠٤
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن الهيثم أبو الاحوص، قال قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو
يعقوب الحبيبي بطرسوس، عن داود بن قيس، والعمري، عن سعيد بن أبي
سعيد المقبري، قال: جئت ابن عمر - وهو يناجي رجلا - فجلست اليه،
فدفع في صدري، وقال مالك؟ أما سمعت ان النبي وسلم قال: اذا تناجى
اثنان، فلا يدخل معهما غیر هما حتى يستأذنهما.
قال أبو عمر: هذا معنى غير المعنى الذي قبله، وعلى هذا لا يجوز لثلاثة
نفر ان يتناجى منهما اثنان دون الثالث، ولا يجوز لأحد ان يدخل على
المتناجيين في حال تناجيهما، وأما حديث ابن مسعود، فحدثنا أحمد بن
قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن محمد بن
المستفاض، قال حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال حدثنا أبي، قال حدثنا شعبة
عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، ان رسول الله وَ ي﴾ قال: إذا كنتم
ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون آخر، فإن ذلك يحزنه(١).
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن
شقيق بن سلمة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: لا يتناجى اثنان
دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه(١).
وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا جعفر
ابن محمد، قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا جرير وأبو الأحوص.
(١) خ (٩٧/١١-٦٢٩٠/٩٨)، م (٢١٨٤/١٧١٨/٤)، د (١٧٨/٥-٤٨٥١/١٧٩)،
ت (١١٧/٥-٢٨٢٥/١١٨)، جه (٣٧٧٥/١٢٤١/٢).

العشرة وحسن الخلق
٤٠٥
=
وحدثنا سعید بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال
حدثنا أبو الأحوص عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال
رسول الله وَسٍ ** إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلط
بالناس من أجل ان يحزنه (١)، ولا تباشر المرأة في ثوب واحد من أجل ان
تصفها لزوجها حتی کأنه ينظر اليها، ومعنی الحدیثین واحد.
وحدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن
محمد الفریابي، قال حدثنا عمرو بن عثمان، قال حدثنا أبي، قال حدثنا ابن
لهيعة، قال: حدثنا ابن هبيرة، عن أبي سالم الجيشاني- واسمه سفيان بن
هانىّ الجيشاني، عن عبد الله بن عمرو، ان النبي وّ قال: لا يحل لثلاثة نفر
يكونون بأرض فلاة، ان يتناجى اثنان دون صاحبهما(٢).
(١) سبق تخريجه.
(٢) حم (٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، قال الهيثمي في المجمع (٨٤/٤-٨٥): رواه أحمد والطبراني وفيه ابن
لهيعة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.

٤٠٦
فتح البر
باب منه
[٢٧] مالك، عن عبد الله بن دینار، قال: كنت أنا وعبد الله بن عمر، عند دار خالد بن
عقبة التي بالسوق، فجاء رجل يريد ان يناجيه، وليس مع عبد الله أحد غيري
وغیر الرجل الذي یرید ان یناجیه، فدعا عبد الله بن عمر رجلا آخر، حتى اذا
كنا أربعة، قال لي وللرجل الذي دعاه: استأخرا شيئا، فإني سمعت رسول الله
آڼ یقول: لا یتناجی اثنان دون واحد(١).
هذا الحديث عن ابن عمر يفسر حديثه عن النبي ◌َّ انه قال: إذا كانوا
ثلاثة، فلا یتناجی اثنان دون الثالث، وقد مضى القول فيه في باب نافع من
کتابنا هذا، فلا معنى لا عادة ذلك ههنا.
وأما رواية من روى في هذا الحديث: استرخیا، فمعناه: اجلسا، وتحدثا،
وانتظرا قليلا، وقيل: بل معنى استرخيا واستأخرا سواء.
(١) أخرجه حم: (١٨/٢ و٤٢ و١٤١)، الحميدي (٦٤٥/٢٨٦/٢)، جه: (٣٧٧٦/١٢٤١/٢)
من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر وانظر حديث الباب الذي قبل هذا.

العشرة وحسن الخلق
٤٠٧ =
من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة
[٢٨] مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله مَ لل قال: من وقاه
الله شر اثنتین، ولچ الجنة؛ فقال رجل: يا رسول الله لا تخبرنا، فسكت رسول الله
وَّ؛ ثم عاد رسول الله وَله فقال: مثل مقالته الأولى، فقال له الرجل: لا تخبرنا
يا رسول الله، فسكت رسول الله وَلي؛ ثم قال رسول الله وَّ: مثل ذلك أيضا،
فقال الرجل: لا تخبرنا يا رسول الله؛ ثم قال رسول الله وَير: مثل ذلك أيضا، ثم
ذهب الرجل يقول مثل مقالته الأولى، فأسكته رجل إلى جنبه؛ فقال رسول الله
ګله: من وقاه الله شر اثنتین، ولج الجنة: ما بین لحییه، وما بين رجليه، ما بین
لحييه، وما بين رجليه، ما بين لحييه، وما بين رجليه(١).
هكذا قال يحيى في هذا الحديث: لا تخبرنا على لفظ النهى ثلاث مرات،
وأعاد الكلام أربع مرات، وتابعه ابن القاسم وغيره على لفظ لا تخبرنا على
النھی، إلا أن إعادة الكلام عنده ثلاث مرات.
وقال القعنبي: ألا تخبرنا على لفظ العرض والإغراء والحث، والقصة
عنده معادة ثلاث مرات أيضا؛ وكلهم قال: ما بين لحييه، وما بين رجليه
ثلاث مرات.
وأما ابن بكير فليس عنده هذا الحديث في الموطأ، ولا عنده من الأربعة
الأبواب المتصلة، الا باب ما يكره من الكلام، فيه أورد أحاديث الأبواب
الأربعة، الا هذا الحديث.
ولا أعلم عن مالك خلافا في إرسال هذا الحديث، وقد روي معناه
متصلا من طرق حسان عن جابر، وعن سهل بن سعد، وعن أبي موسى،
(١) انظر تخريج هذا الباب في العقيدة ((كتاب الإيمان والأسماء والأحكام)) باب الكبائر وعددها.

فتح البر
-- ٤٠٨
وعن أبي هريرة؛ إلا أن لفظ أبي هريرة: إن أكثر ما يدخل الناس النار
الأجوفان: البطن والفرج.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
أحمد بن زهير، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا عمر بن
علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ◌َّ- قال: من يتكفل لي
بما بين لحييه، وما بين رجليه، وأضمن له الجنة.
وحدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال:
حدثنا الوليد بن شجاع، قال: حدثني المغيرة بن سقلاب، قال: أخبرنا
معقل يعني ابن عبيد الله العبسي، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: قال
رسول الله وَطير: من ضمن لي ما بين لحييه ورجليه، ضمنت له الجنة.
وحدثنا أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ قراءة مني عليه، قال:
حدثنا محمد بن جعفر بن سليمان غندر، قال: حدثنا أحمد بن علي بن المثنى،
قال: حدثنا عاصم بن علي بن عمر بن علي مقدم، قال: حدثني أبي، عن أبي
حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، عن النبي ◌َّ و قال: من ضمن لي ما بين
لحییه ورجلیه، ضمنت له الجنة.
وحدثني أبو القاسم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن سليمان بن دران
غندر، قال: حدثنا أحمد بن علي، ومحمد بن أبي بکر بن سلیمان، قالا: حدثنا
الوليد بن شجاع، قال: حدثنا المغيرة بن سقلاب، قال: حدثنا معقل بن
عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله
آلژ: من ضمن لي ما بین لحییه ورجليه، ضمنت له الجنة.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا

العشرة وحسن الخلق
٤٠٩ -
أحمد بن زهير، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: حدثنا خالد
ابن الحارث، قال: حدثنا محمد بن عجلان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة،
أن رسول الله و له قال: من وقاه الله شر اثنتين، دخل الجنة: شر ما بين لحییه،
وشر ما بین رجلیه.
حدثنا أحمد بن قاسم، وأحمد بن محمد، قالا: حدثنا أحمد بن الفضل،
قال: حدثنا الحسن بن علي العدوي، قال حدثني خراش بن عبد الله، قال:
حدثني مولاي أنس بن مالك قال: خرج رسول الله وَ لقاء على أصحابه فقال:
من ضمن لي اثنتين، ضمنت له الجنة. قال أبو هريرة فداك أبي وأمي يا
رسول الله أنا أضمنها، ما هما؟ فقال رسول الله والله: من ضمن لي ما بين
لحییه، وما بين رجليه، ضمنت له الجنة.
قال أبو عمر:
معلوم أنه أراد بقوله: ما بين لحييه: اللسان، وما بين رجليه: الفرج. والله
أعلم. ولذلك أردف مالك حديثه في هذا الباب بحديثه عن زيد بن أسلم،
عن أبيه، أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر الصديق وهو يحبذ لسانه،
فقال له عمر: مه؟ غفر الله لك؛ فقال أبو بكر: ان هذا أوردني الموارد، وفي
اللسان في معنى هذا الباب آثار كثيرة، منها مرفوعة، ومنها من قول
السلف. وقد ذكر ابن المبارك وغيره في ذلك أبوابا.
وجدت في أصل سماع أبي بخطه رحمه الله أن محمد بن أحمد بن قاسم بن
هلال، حدثهم قال: حدثنا سعيد بن عثمان الاعناقي، قال: حدثنا نصر بن
مرزوق، قال: أخبرنا أسد بن موسى، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن
شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، أنه سأل
رسول الله وَخير فقال: يا رسول الله اي الاعمال أفضل: الصلاة بعد الصلاة

فتح البر
:٤١٠
=
المفروضة؟ قال: لا، ونعم ما هي. قال: فالصوم بعد صوم رمضان؟ قال:
لا، ونعم ما هو. قال فالصدقة بعد الصدقة المفروضة؟ قال: لا، ونعم ما
هي. قال يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: فأخرج رسول الله وَل
لسانه، ثم وضع عليه اصبعه، فاسترجع معاذ وقال: يا رسول الله: أنؤاخذ
بما نقول كله ويكتب علينا؟ قال: فضرب رسول الله وَ ﴿ منكب معاذ وقال:
تکلتك أمك يا معاذ، وهل یکب الناس على مناخرهم في النار، الا حصائد
ألسنتهم؟
ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى من النظم المحكم قول نصر بن أحمد:
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل وكل أمرئ مابين فكيه مقتل
وكم فاتح أبواب شر لنفسه إذا لم يكن قفل على فيه مقفل؟
في أبیات قد ذکرتها في کتاب العلم في بابها.
وسيأتي في باب سعيد المقبري عند قوله {ێ: من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت ما فيه كفاية في فضل الصمت إن شاء الله.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن
زهير، حدثنا مسلم، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن الأعمش، عن خيثمة،
عن عدي بن حاتم، قال: أيمن أمرئ وأشأمه، ما بين لحيبه. وقال ابن
مسعود: أعظم الخطايا اللسان الكذوب.
وفي هذا الحديث من الفقه، أن الكبائر أكثر ما تكون والله أعلم - والله
أعلم - من الفم والفرج، ووجدنا الكفر، وشرب الخمر، وأكل الربا،
وقذف المحصنات، وأكل مال الیتیم ظلما، من الفم واللسان، ووجدنا الزنا
من الفرج.

العشرة وحسن الخلق
٤١١ -
وأحسب أن المراد من الحديث، أنه من اتقى لسانه وما يأتي من القذف
والغيبة والسب، كان أحرى أن يتقي القتل؛ ومن اتقى شرب الخمر، كان
حريا باتقاء بيعها؛ ومن اتقى أكل الربا، لم يعمل به؛ لأن البغية من العمل
به، التصرف في أكله؛ فهذا وجه في تخصيص الجارحتين المذكورتين في هذا
الحديث، وضمان الجنة لمن وقي شرهما، وهذا التأويل على نحو قول عمر
رضي الله عنه في الصلاة: ومن ضیعها، کان لما سواها أضيع؛ ومن حفظها،
حفظ دینه. فكان قوله قالت: من اتقى الغيبة وقول الزور، واتقى الزنا، مع
غلبة شهوة النساء على القلوب، كان للقتل أهيب وأشد توقيا - والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ذلك منه و ﴿ خطابا لقوم بأعيانهم، اتقى عليهم من
اللسان والفرج، ما لم يتق عليهم من سائر الجوارح.
ويحتمل أيضا أن يكون قوله ذلك، معه كلام لم يسمعه الناقل؛ كأنه قال:
من عافاه الله ووقاه كذا وكذا، وشر ما بين لحبيه ورجليه، ولج الجنة. فسمع
الناقل بعض الحديث، ولم يسمع بعضا، فنقل ما سمع.
وإنما حملنا على تخريج هذه الوجوه، لإجماع الأمة أن من أحصن فرجه
عن الزنا، ومنع لسانه من كل سوء، ولم يتق ما سوى ذلك من القتل
والظلم؛ أنه لا يضمن له الجنة، وهو ان مات عندنا في مشيئة الله تعالى، ان
شاء غفر له، وان شاء عذبه إذا مات مسلما.
وقوله مقلية: اتقوا الموبقات المهلكات يعني الكبائر، أعم من هذا الحديث.
قال الله عز وجل ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: (٣١). والمدخل الكريم: الجنة .
وقد اختلف العلماء في الكبائر، فأما ما أتى منها في الاحاديث المرفوعة
عن النبي ◌َّ وهو المفزع عند التنازع فحدثنا أحمد بن قاسم بن عيسى، قال:

فتح البر
=٤١٢
حدثنا عبيد الله بن محمد بن حبابة البغدادي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد
البغوي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا أيوب بن عتبة، قال:
حدثني طيلسة بن علي، قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة وهو تحت ظل
أراك، وهو يصب على رأسه الماء؛ فسألته عن الكبائر؟ فقال: سمعت
رسول الله ولا يقول: هن تسع، قلت وما هن؟ قال: الاشراك بالله، وقذف
المحصنة، قال: قلت قبل الدم؟ قال: نعم؛ وقتل النفس المؤمنة، والفرار من
الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين،
والالحاد بالبيت الحرم: قبلتكم أحياء وأمواتا.
قال أبو عمر:
طيلسة هذا يعرف بطيلسة بن مياس، ومياس لقب؛ وهو طيلسة بن علي
الحنفي، يقال فيه طيلسة وطيسلة.
وقد روى هذا الحديث يحيى بن أبي كثير، وزياد بن مخراق، عن طيلسة،
عن ابن عمر مرفوعا، فهذا حديث ابن عمر.
وروى ابن مسعود ان النبي ◌ّلو سئل اي الكبائر أعظم؟ فقال أن تشرك
بالله وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، وأن تزاني حليلة
جارك.
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك، عن النبي
وَالله: الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين.
ولفظ حديث أنس: أكبر الكبائر.
وروى أبو بكرة عن النبي ◌َ # مثل ذلك، وزاد: وشهادة الزور. وروى
الشعبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: جاء أعرابي إلى النبي وَل

العشرة وحسن الخلق
٤١٣ =
فقال: ما الكبائر يا رسول الله؟ قال الاشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم
عقوق الوالدين، قال ثم ماذا؟ قال: ثم اليمين الغموس، قال: وما اليمين
الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال أمرئ مسلم بیمین هو فيها كاذب.
وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ أنه قال: شرب الخمر من الكبائر.
وعنه أيضا عن النبي وَليل أنه قال: من الكبائر أن يسب الرجل والديه.
يعني يستسب لهما، وهو يدخل في باب العقوق.
وحديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله قال: ما تعدون الكبائر
فيكم؟ قلنا: الشرك بالله، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، قال: هن كبائر،
وفيهن عقوبات، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، قال: شهادة الزور.
وفي حديث خریم بن فاتك قال: صلى رسول الله قال# صلاة الصبح يوما،
فلما انصرف، قام قائما فقال: عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله ثلاث
مرات؛ ثم تلا ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ
[الحج: (٣٠)].
الزُّورِ لـ
وروی ابن المبارك عن سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، قال
سمعت عبد الله بن مسعود يقول: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم
قرأ﴿فَاجْتَنِبُواْ الْرِّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَاجْتَنِبُواْقَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج٣٠].
وروى عن محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي
گپڼ یقول: شاهد الزور، لا تزول قدماه حتى تجب له النار.
قال أبو عمر:
الفرار من الزحف، مذکور في حديث ابن عمر المذکور، وفي حديث ابن
عباس، وفي حديث أبي أيوب الانصاري، وفي حديث عبد الله بن أنيس

فتح البر
٤١٤
الجهني، كلها عن النبي ◌َّ. وفي حديث أبي أيوب ومنع ابن السبيل، ولا
أحفظه في غیره. وذكر ابن وهب قال: أخبرني سلیمان بن بلال، عن کثیر بن
زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَتليفون: اتقوا
السبع الموبقات، قلنا وما هي؟ قال الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله
إلا بالحق، والزنا، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، وقذف
المحصنات. وحديث عبد الله بن أنيس عن النبي ◌ّ مثله في السبع الكبائر،
الا انه ذكر فيهن العقوق، ولم يذكر قذف المحصنات.
فهذا ما في الآثار المرفوعة من الكبائر عن النبي ◌ّ، وهو يخرج في
التفسير المرفوع؛ وهي مشهورة عند أهل العلم بالحديث، تركت ذكر
أسانيدها خشية الإطالة.
وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم، من الكبائر لمن تعمد ذلك
عالماً به، رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف. وقال الله عز وجل :
﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: (٤٤)]،
والظالمون، والفاسقون نزلت في أهل الكتاب. قال حذيفة وابن عباس:
وهي عامة فينا. قالوا ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل
هذه الأمة، حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن، منهم: ابن
عباس، وطاوس، وعطاء. وقال الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ
لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: (١٥)]. والقاسط الظالم الجائر.
فالذي حصل في الآثار المذكورة عن النبي ◌ّ من ذكر الكبائر، ستة عشر
ذنبا: الاشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، وعقوق الوالدين
المسلمين، وقذف المحصنة، وشهادة الزور، والسحر، والفرار من الزحف،

العشرة وحسن الخلق
٤١٥ ١١
والزنى، وأكل الربا، وشرب الخمر، والسرقة، واليمين المغموس، وأكل
مال اليتيم ظلما، والالحاد بالبيت الحرام، ومنع ابن السبيل، والجور في
الحكم عمدا. ومن جعل الاستسباب للأبوين من باب العقوق، كانت
سبعة عشر عصمنا الله من جميعها برحمته.
وقد روى عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن
عباس، عن النبي ◌ّيّم قال: الضرار في الوصية من الكبائر. هكذا رواه عمر
ابن المغيرة مرفوعا. ورواه الثوري وزهير بن معاوية وأبو معاوية، ومندل
ابن علي، وعبيدة بن حمید، کلهم عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن
عباس موقوفاً، قال: الضرار في الوصية من الكبائر. ثم قرأ: ﴿وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ﴾ [الطلاق: (١)] الآية.
ومن حديث بريدة الأسلمي، أن رسول الله وسلّم قال: ان أكبر الكبائر،
الاشراك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء، ومنع الفحل. وهذا
حديث ليس بالقوي، ذكره البزار عن عمرو بن مالك، عن عمر بن علي
المقدمي، عن صالح بن حيان، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه. وليس له
غیر هذا الاسناد، ولیس مما يحتج به.
وقد روی حنش بن قيس الرحبى، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله وقال: من جمع بين صلاتين من غير عذر، فقد أتى بابا من
أبواب الكبائر، ومن شهد شهادة فاجتاح بها مال مسلم، فقد تبوأ مقعده
من النار، ومن شرب شرابا حتى يذهب عقله الذي رزقه الله، فقد أتى باباً
من أبواب الكبائر. وهذا حديث وان كان في اسناده من لا يحتج بمثله
أيضا، من أجل حنش هذا؛ فان معناه صحيح من وجوه.

فتح البر
=٤١٦
وقد روی شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال: یا
رسول الله ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط
من رحمة الله. فهذه الكبائر من وقاه الله اياها وعصمه منها ضمنت له الجنة
ما أدى فرائضه، فإنهن الحسنات المذهبات للسيئات؛ ألا ترى أن من اجتنب
كبائر ما نهى عنه، كفرت سيئاته الصغائر بالوضوء، والصلاة، والصيام؛
ومن مات على هذا، زحزح عن النار وأدخل الجنة وفاز، مضمون له ذلك.
ومن أتى كبيرة من الكبائر، ثم تاب عنها بالندم عليها، والاستغفار منها،
وترك العودة اليها؛ کان کمن لم يأتها قط؛ والتائب من الذنب كمن لا ذنب
له.
على هذا الترتيب في الصغائر والكبائر وكفارة الذنوب، جاء معنی کتاب
الله وسنة رسوله عند جماعة العلماء بالكتاب والسنة، ومن أتى كبيرة ومات
على غير توبة منها، فأمره إلى الله: ان شاء غفر له، وان شاء عذبه.
فعلى ما ذكرنا ووصفنا، خرج قولنا: ان الاحاديث في اجتناب الكبائر،
أعم من حديث هذا الباب في قوله: من وقي ما بین لحییه ورجلیه، دخل
الجنة. والله الموفق للصواب، لا شريك له.
وقد جاء عن النبي ◌َّلية، أنه تكفل بالجنة لمن جاء بخصال ست ذكرها:
أخبرنا خلف بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن مطرف، حدثنا سعيد بن عثمان،
حدثنا يونس بن عبد الاعلى، حدثنا عبد الله بن یوسف، حدثنا الليث بن
سعد، عن یزید بن أبي حبیب، عن سعید بن يسار، عن أنس بن مالك، عن
رسول الله وَ الله قال: تكفلوا: لي ستا، أتكفل لكم الجنة. قالوا: وماهي
يارسول الله؟ قال: إذا حدث أحدكم فلا یکذب، واذا وعد فلا يخلف، واذا
اؤتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم.

العشرة وحسن الخلق
٤١٧ -١
وأما رواية من روى في حديث مالك هذا: لا تخبرنا على لفظ النهي.
فيجتمل عندي وجهين: أحدهما أن يكون قائل ذلك قاله على معنى
استنباطها واستخراجها أن يتركهم، وذلك على وجه التعليم والادراك
بالفكرة لها؛ أو يكون رجلا منافقا قال ذلك القول زهادة في سماع ذلك من
رسول الله وَل﴿ ورغبة عنه، وكانوا قوما قد نهاه الله عن قتلهم بما أظهروه من
الإيمان؛ والله أعلم أي ذلك كان؟ وكيف كان؟
وأما رواية من روى: ألا تخبرنا، فهي بينة في الاستفهام على وجه العرض
والاغراء والحث، كأنها لا التي للتبرئة، دخل عليها ألف الاستفهام، فصار
معناها ما ذکرنا.
وأما تكريره پڼ قوله: ما بین لحییه وما بین رجلیه ثلاث مرات، فیحتمل
أن يكون جوابا لتكرير قوله ((من وقاه الله شر اثنتين))، قال ذلك ثلاثا أيضا.
ويحتمل أن یکون على ما روي عنه أنه کان إذا تكلم بكلمة، کررها ثلاثا.
وفي هذا رخصة لمن کرر الكلام یرید به التأکید والبیان، ولا أريد لأحد إذا
كرر كلمة يريد تأكيدها أن يكررها أكثر من ثلاث وبالله التوفيق.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان.
وحدثناه خلف بن القاسم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قالا حدثنا علي
ابن سعيد بن بشير، حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا فضالة بن
جبیر، قال سمعت أبا أمامة الباهلي صاحب رسول الله ټ یآثر حديثا
سمعه من رسول الله وَالقول أنه كان يقول: اكفلوا لي بست خصال، أكفل لكم
بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، واذا وعد فلا يخلق، واذا اؤتمن فلا
يخن؛ واملكوا ألسنتكم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم. واللفظ
لحديث خلف.

=٤١٨
فتح البر
ما جاء في المقاطعة بغير عذر شرعي
[٢٩] مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله مَ الله قال: لا تباغضوا،
ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله اخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهاجر أخاه
فوق ثلاث ليال(١).
هكذا قال يحيى: يهاجر، وسائر الرواة للموطأ يقول: يهجر. واختصر
هذا الحديث أبو نعيم الفضل بن دكين، فخالف في لفظه جماعة الرواة عن
مالك، فقال فيه: حدثنا مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس، عن
النبي وّل﴾: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلقاه هذا فيعرض
عنه، وأيهما بدأ بالسلام، سبق إلى الجنة(٢).
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
محمد بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين فذكره.
وقد زاد سعيد بن أبي مريم في هذا الحديث عن مالك: ولا تنافسوا:
أخبرنا أحمد بن فتح، وعبد الرحمن بن يحيى، قالا: حدثنا حمزة بن محمد
الکناني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جابر، قال: حدثنا سعيد بن أبي
مریم، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول
الله ◌َي﴾ قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، وكونوا
عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. قال حمزة:
لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن مالك: ولا تنافسوا، غير سعيد بن
(١) خ (٦٠٧٦/٦٠٣/١٠)، م (٤/ ٢٥٥٩/١٩٨٣)، د(٤٩١٠/٢١٣/٥)،
ت (٤ / ١٩٣٥/٢٩٠).
(٢) سبق تخريجه: انظر ما قبله.

العشرة وحسن الخلق
٤١٩ _
أبي مريم، وقد روى هذه اللفظة: ولا تنافسوا عبد الرحمن بن إسحاق، عن
الزهري، عن أنس(١).
وفي هذا الحديث من الفقه، أنه لا يحل التباغض، لأن التباغض مفسدة
للدين، حالقة له، ولهذا أمر ◌َالله بالتواد والتحاب، حتى قال: تهادوا
تحابو(٢).
وروی مالك عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول:
ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح
ذات البين، وإياكم والبغضة، فإنها هي الحالقة. وكذلك لا يحل التدابر،
والتدابر: الاعراض وترك الكلام والسلام، ونحو هذا، وانما قيل
للاعراض تدابر، لأن من أبغضته أعرضت عنه، ومن أعرضت عنه وليته
دبرك، وكذلك يصنع هو بك، ومن أحببته، أقبلت عليه وواجهته، لتسره
ويسرك. فمعنى تدابروا وتقاطعوا وتباغضوا، معنى متداخل متقارب،
كالمعنى الواحد في الندب الى التواخى والتحاب، فبذلك أمر رسول الله وَالاله
في معنی هذا الحدیث وغيره، وأمر رسول الله پټ على الوجوب، حتى يأتي
دلیل یخرجه الى معنی الندب. وهذا الحديث وان كان ظاهره العموم، فهو
-عندي - مخصوص بحديث كعب بن مالك، حيث أمر رسول الله وَلهم
أصحابه أن يهجروه ولا يكلموه هو وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة،
لتخلفهم عن غزوة تبوك، حتى أنزل الله عز وجل توبتهم وعذرهم، فأمر
(١) سبق تخريجه في هذا الباب دون قوله: ((ولا تنافسوا)) (الفتح: ١٠/ ٥٩٣).
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: خ في الأدب المفرد (٥٩٤)، هق في السنن الكبرى (١٠٤/٤)، قال
المناوي في فيض القدير (٣٣٧٣/٢٧١/٣): ((رواه النسائي في الكنى، وسلطان المحدثين في
الأدب المفرد، قال الزين العراقي: والسند جيد، وقال ابن حجر: سنده حسن)).

فتح البر
٤٢٠
رسول الله وَ﴾ أصحابه ان يراجعوهم الكلام(١). وفي حديث كعب هذا،
دلیل علی انه جائز ان يهجر المرء اخاه إذا بدت منه بدعة أو فاحشة، يرجو
ان يكون هجرانه تأديبا له، وزجرا عنها - والله أعلم.
وكذلك قوله أيضا في هذا الحديث: لا تحاسدوا، يقتضى النهي عن
التحاسد وعن الحسد في كل شيء- على ظاهره وعمومه، الا أنه أيضا
-عندي - مخصوص بقوله وقالله: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن
فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ینفقه آناء الليل
وآناء النهار. هكذا رواه عبد الله بن عمر عن النبي وَل﴾(٢).
وروى ابن مسعود عن النبي وَلو انه قال: لا حسد الا في اثنتين: رجل
آتاه الله القرآن فهو یقوم به لیله، ورجل آتاه الله الحکمة فھو یقضی بها
ويعلمها(٣). فكأنه مَّل على ترتيب الاحاديث وتهذيبها - قال لا حسد،
ولكن الحسد ينبغي ان يكون في قيام الليل والنهار بالقرآن، وفي نفقة المال في
حقه، وتعلیم العلم أهله، ولا هجرة الا لمن ترجو تأدیبه بها أو تخاف من
شره في بدعة أو غيرها- والله أعلم.
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو جعفر
محمد بن يحيى بن عمر الطائي، قال: حدثنا علي بن حرب الطائي، قال
حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال النبي وَلّ:
لا حسد الا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء
(١) أخرجه خ: (٤٤١٨/٨)، م: (٢٧٦٩/٢١٢٠/٤)، من حديث كعب بن مالك الطويل.
(٢) خ (٧٥٢٩/٦١٤/١٣)، م (٨١٥/٥٥٨/١)، ت (١٩٣٦/٢٩١/٤)، ن في الكبرى
(٨٠٧٢/٢٧/٥)، جه (٤٢٠٩/١٤٠٨/٢).
(٣) خ (١ /٢١٩/ ٧٣)، م (٨١٦/٥٥٩/١)، ن: في الكبرى (٥٨٤٠/٤٢٦/٣)، جه
(٤٢٠٨/١٤٠٧/٢).