Indexed OCR Text

Pages 281-300

العشرة وحسن الخلق
٢٨١ =
على هضبات بینما هن أربع أنخن لتعریس فعدن ثمانیا
يعني أن هذه الناقة إذا رفعت قوائمها أربع، فإذا انحنت قوائمها
وانطوت صارت ثمانیا.
وقد روي هذا الخبر عن سعد بن أبي وقاص بخلاف هذا اللفظ.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا بكر بن عبد الرحمن،
قال حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد،
عن عامر بن سعد، عن سعد بن مالك أنه خطب أمرأة وهو بمكة مع
رسول الله ﴾﴾ فقال: ليت عندي من رآها ومن يخبرني عنها، فقال رجل
مخنث يدعى هيت: أنا انعتها لك، إذا أقبلت قلت تمشي على ست، وإذا
أدبرت قلت تمشي على أربع، فقال رسول الله وَ لقول ما أرى هذا إلا منكرا(١)،
ما أراه إلا يعرف أمر النساء؛ وكان يدخل على سودة، فنهاه أن يدخل
علیها، فلما قدم المدینة نفاه، فکان کذلك حتى أمر عمر فجلد فکان یرخص
له يدخل المدينة يوم الجمعة فيتصدق يعني يسأل الناس قاله ابن وضاح.
وأما الواقدي وابن الكلبي، فانهما قد ذكرا أن هيتا المخنث قال لعبد الله
ابن أبي أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة عمة رسول
الله ◌َ ◌ّة؛ قال له وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله وَ ﴿ يسمع: إن
افتتحتم الطائف، فعليك ببادية ابنة غيلان بن سلمة الثقفي، فإنها تقبل
بأربع، وتدبر بثمان؛ مع ثغر کالأقحوان، إن جلست تثنت، وإن تكلمت
(١) أخرجه أبو يعلى (٧٥٨/١٠٢/٢)، ذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٨٠) وقال: رواه أبو يعلى
والبزار وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف. قلت: يشهد له حديث أم سلمة وحديث عائشة
المتقدمين.

٢٨٢٠
=
فتح البر
تغنت، بين رجليها مثل الإناء المكفو، وهي كما قال قيس بن الحطيم:
كأنها شف وجهها نزف
تغترق الطرف وهي لا هية
قصدا فلا جبلة ولا قصف
بین شکول النساء خلقتها
قامت رويدا تكاد تنقصف
تنام عن كبر شأنها فإذا
فقال له النبي وتعليق: لقد غلغلت النظر إليها يا عبد الله، ثم أجلاء عن
المدينة إلى الحمى؛ قال: فلما افتتحت الطائف، تزوجها عبد الرحمن بن
عوف، فولدت له بريهة في قول ابن الكلبي؛ قال: ولم يزل هيت بذلك
المكان حتى قبض النبي وَّ، فلما ولي أبو بكر كلم فيه، فأبى أن يرده؛ فلما
ولي عمر کلم فيه فأبی، ثم كلم فيه بعد وقیل له إنه قد کبر وضعف، فأذن له
أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه؛ قال: وكان هيت مولى لعبد الله
ابن أبي أمية المخزومي وكان مونا له أيضا، فمن ثم قيل المخنث.
قال أبو عمر:
يقال بادية ابنة غيلان بالياء، وبادنة بالنون، والصواب عندهم بالياء
بادیة، وهو قول أكثرهم، و کذلك ذكره الزبير بالياء، فالله أعلم.
وأما قوله تغنت، فقالوا: إنه من الغنة لا من الغناء، أي كانت تتغنن في
کلامها من لینها ورخامة صوتها، يقال من هذه الكلمة: تغنن الرجل وتغنی
مثل تظنن وتظنی.
قال ابن إسحاق: وممن استشهد يوم الطائف عبد الله بن أبي أمية بن
المغيرة أخو سلمة من زمعة.

٢٨٣
العشرة وحسن الخلق
باب منه
[٨] مالك، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب
بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء؛
فجاءت رسول الله وَ ل﴿ فذكرت ذلك له؛ فقال: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن
تعتد في بیت أم شريك؛ ثم قال لها: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم
مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني؛ قالت: فلما حللت،
ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني؛ فقال رسول الله
وَالر: أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه؛ وأما معاوية، فصعلوك لا مال له،
انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته؛ ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، قالت:
فنکحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت به(١).
قال أبو عمر:
أم شريك هذه أمرأة من بني عامر بن لؤي، وقد ذكرناها في كتاب النساء
من كتاب الصحابة بما يغني عن ذكرها ههنا؛ وفي قوله في هذا الحديث،
فتضعي ثيابك ولا يراك، دليل على أن المرأة غير واجب عليها أن تحتجب
من الرجل الأعمى، وهكذا في حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن
فاطمة بنت قيس، أن النبي وسلم قال: لها: انتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنه رجل
قد ذهب بصره، فإن وضعت شیئا من ثيابك لم یر شیئا وهذا یرد حديث
نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة، قالت: دخل علي رسول الله وَله وأنا
(١) حم (٤١٦٠.٤١٢/٦)، م (٢ / ١١١٤ - ١١٢٠ / ١٤٨٠ [ ٣٦ .. ٤٥ - ٤٧ ٠٠ ٥١ ])،
د (٧١٢/٢ -٢٢٨٤/٧١٦ .. ٢٢٩٠)، ت (٤٨٤/٣ /١١٨٠)، ن (٣٢٤٤/٦ -٣٢٤٥
-٣٤٠٣-٣٤٠٤ -٣٤٠٥ -٣٥٥١٠.٣٥٤٧)، جه (٢٠٣٥/٦٥٦/١-٢٠٣٦)، هق
(١٣٥/٧-١٧٧-١٧٨-١٨١-٤٣٢-٤٧٢)، حب: الإحسان (٤٢٥٣٠.٤٢٥٠/١٠-٤٢٨٩
٤٢٩١٠٠)، من طرق عن فاطمة بنت قيس.

فتح البر
٢٨٤
ومیمونة جالستان، فاستأذن علیه ابن أم مكتوم الأعمى، فقال: احتجبا
منه، فقلنا: يا رسول الله: أليس بأعمى لا يبصرنا؟ قال: أفعمياوان أنتما لا
تبصرانه(١)؟ ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب
عن الأعمى، ويشهد له ظاهر قول الله عز وجل: ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ
مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ [النور: (٣١)]. الآية، فمن ذهب إلى حديث نبهان هذا
احتج بما ذكرنا وقال: ليس في حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه، وقال
مكروه للمرأة أن تنظر إلي الرجل الأجنبي الذي ليس بزوج ولا ذي محرم؛
قال وكما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، فكذلك لا يجوز للمرأة أن تنظر
إلى الرجل، لأن الله يقول: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾
[النور: (٣١)]. كما قال: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: (٣٠)].
وقد قال بعض مشيخة الأعراب: لأن ينظر إلى وليتي مائة رجل، خير
من أن تنظر هي إلى رجل واحد.
ومن ذهب إلى حدیث فاطمة هذا على ظاهره، دفع حدیث نبهان عن أم
سلمة، وقال نبهان: مجهول لم يرو عنه غیر ابن شهاب؛ وروى عنه ابن
شهاب حديثين لا أصل لهما، أحدهما: هذا، والآخر حديث المكاتب أنه إذا
كان معه ما يؤذي، وجب الاحتجاب منه؛ قال: وهما حديثان لا أصل لهما
ودفعهما وقال: حديث فاطمة بنت قيس حديث صحيح الإسناد، والحجة
به لازمة؛ قال: وحدیث نبهان لا تقوم به حجة.
(١) حم (٢٩٦/٦)، د(٤١١٢/٣٦١/٤)، ت(٢٧٧٨/٩٤/٥) وقال: حسن صحيح. ن في
الكبرى (٩٢٤٢/٣٩٣/٥)، هق (٩١/٧ -٩٢)، وفي سنده نبهان مولى أم سلمة لم يوثقه غير ابن
حبان، والحديث معارض بأحاديث صحاح، كحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم حين أمرها
رسول الله ﴾ بأن تعتد عند ابن أم مكتوم، وهو رجل أعمى.

٢٨٥
العشرة وحسن الخلق
قال أبو عمر:
حدیث نبهان هذا حدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا
عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني نبهان
مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله صل وعند ميونة،
فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمر بالحجاب فقال رسول الله وقلت:
احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله إنه مكفوف لا يبصرنا؛ قال: أفعمياوان
أنتما لا تبصرانه(١)؟
وأخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا
محمد بن العلاء، حدثنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال حدثني
نبهان مولى أم سلمة؛ عن أم سلمة فذكره.
قال أبو داود: هذا لأزواج النبي وَلّ خاصة، واستدل بعض أصحابه
بهذا الحديث علي أن كلام المرأة ليس بعورة، وهذا ما لا يحتاج إليه لتقرر
الأصول علیه.
وأما قوله: يغشاها أصحابي، فمعلوم أنها عورة كما أن فاطمة عورة إلا
أنه علم أن أم شريك من الستر والاحتجاب بحال ليست بها فاطمة؛ ولعل
فاطمة من شأنها أن تقعد فضلا لا تحترز كاحتراز أم شريك، ولا يجوز أن
تكون أم شريك وإن كانت من القواعد أن تكون فضلا، ويجوز أن تكون
فاطمة شابة ليست من القواعد، وتكون أم شريك من القواعد، فليس
عليها جناح ما لم تتبرز بزينة؛ فهذا كله فرق بين حال أم شريك وفاطمة وإن
كانتا جميعا أمرأتين العورة منهما واحدة، ولاختلاف الحالتين أمرت فاطمة
(١) انظر ما قبله.

فتح البر
= ٢٨٦
=
بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته
ذلك.
وأما وجه قوله لزوجته ميمونة وأم سلمة إذا جاء ابن أم مكتوم: احتجبا
منه، فقالتا: أليس بأعمى؟ فقال رسول الله (وَ ل﴿ أَفعمياوان أنتما؟ فإن
الحجاب على أزواج النبي ◌ّل و ليس كالحجاب على غيرهن، لما هن فيه من
الجلالة، ولموضعهن من رسول الله وَله؛ بدليل قول الله تعالى:
يَنِسَآءُ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ أَتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: (٣٢)]. الآية،
وقد يجوز للرجل أن ينظر لأهله من الحجاب بما أداه إليه اجتهاده حتى
يمنع منهن المرأة فضلاً عن الأعمى.
وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة وبين عائشة إذ أباح لها النظر إلى
الحبشة، فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة، لأنه نكحها
صبية بنت ست سنين أو سبع، وبنى بها بنت تسع؛ ويجوز أن يكون قبل
ضرب الحجاب مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العیون، ولیس
الصبايا كالنساء في معرفة ما هنالك من أمر الرجال.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن شاذان، قال حدثنا معلى، قال حدثنا ليث بن سعيد، عن أبي الزبير،
قال: سألت عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص عن طلاق جده
فاطمة بنت قيس؛ فقال عبد الحميد: طلقها البتة، ثم خرج إلى اليمن ووكل
بها عياش بن أبي ربيعة، فأرسل إليها عياش ببعض النفقة، فسخطتها؛ فقال
لها عياش: مالك علينا من نفقة ولا مسكن، وهذا رسول الله وُ ل﴾ فسليه؛
فسألت رسول الله و ﴿ عما قال، فقال: ليس لك نفقة ولا مسكن، ولكن
متاع بالمعروف، اخرجي عنهم، فقالت: أخرج إلى بيت أم شريك، فقال: إن

العشرة وحسن الخلق
٢٨٧ =
بيتها يوطأ؛ فانتقلي إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فهو أقل واطية
وأنت تضعين ثيابك عنده، فانتقلت اليه حتى حلت، فخطبها معاوية بن
أبي سفيان، وأبو جهم بن حذيفة؛ فذكرت ذلك لرسول الله وفض له فقال: أما
معاوية، فغلام من غلمان قريش لا يملك شيئا وأما أبو جهم، فإني أخاف
عليك عصاه؛ ولكن إن شئت دللتك على رجل: أسامة بن زيد؛ قالت: نعم
يا رسول الله، فزوجها أسامة بن زيد(١).
ففي حديث مالك في أم شريك، تلك أمرأة يغشاها أصحابي، وفي
حديث مجالد عن الشعبي: تلك أمرأة يتحدث عندها، وفي حديث أبي بكر
ابن أبي الجهم وقد مضى ذكره آن بیت أم شريك يغشى، وفي حديث أبي
الزبير أن بيتها يوطأ؛ وفي هذا كله دليل على أن القوم إنما كانوا يتحدثون
بالمعاني وإياها كانوا يراعون؛ وفيما ذكرنا دليل على ما وصفنا من جواز
غشيان النساء الصالحات المتجالات في بيوتهن، والحديث معهن.
(١) تقدم تخريجه (( انظر حديث الباب)).

٢٨٨
فتح البر
لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون
ناكحا أو ذا محرم
[١٠] مالك،، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كان
رسول الله 3 39 إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه،
وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله وَ ليم يوما،
فأطعمته، وجلست تفلي رأسه، فنام رسول الله پتا ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت: فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي، عرضوا علي غزاة
في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على
الأسرة، يشك إسحاق. قالت: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم،
فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك، قالت: فقلت يا رسول الله
ما یضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، ملو کا على
الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، كما قال في الأول، قالت: فقلت يا رسول الله
ادع الله أن يجعلني الله منهم، قال أنت من الأولين، قال: فركبت البحر، في زمن
معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن دابتها، حين خرجت من البحر،
فهلکت(١).
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ، فيما علمت، جعلوه من
مسند أنس بن مالك، ورواه بشر بن عمر الزهراني عن مالك، عن إسحاق
عن أنس، عن أم حرام بنت ملحان، قالت: استيقظ رسول الله وَالچ،
الحدیث، جعله من مسند أم حرام، هذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار.
وأم حرام هذه خالة أنس بن مالك، أخت أم سليم، بنت ملحان، أم
أنس بن مالك وقد ذكرناهما، ونسبناهما، وذكرنا أشياء من أخبارهما، في
(١) خ (٦/ ٢٧٨٨/١٢-٢٧٨٩)، م (١٥١٨/٣-١٩١٢/١٥١٩)، د (٢٤٩٠/١٤/٣-٢٤٩١)،
ت (١٧٨/٤ - ١٦٤٥/١٧٩)، ن (٤٠/٦-٤١)، جه: (٢٧٧٦/٩٢٧/٢).

العشرة وحسن الخلق
٢٨٩ =
كتابنا كتاب الصحابة، فأغنى عن ذكره هاهنا، وأظنها أرضعت رسول الله
تلقى، أو أم سليم أرضعت رسول الله، وماهو فحصلت أم حرام، خالة به من
الرضاعة، فلذلك كانت تفلی رأسه، وینام عندها، و کذلك كان ينام عند أم
سليم، وتنال منه ما يجوز لذى المحرم، أن يناله من محارمه، ولا يشك مسلم
أن أم حرام، كانت من رسول الله وَلقر، المحرم، فلذلك كان منها ذكر في هذا
الحديث، والله أعلم.
وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي محمد الباجي عبد الله بن
محمد بن علي، ان محمد بن فطيس اخبره عن يحيى بن إبراهيم بن مزین،
قال: انها استجاز رسول الله ێے، ان تفلی أم حرام رأسه، لانها كانت منه
ذات محرم، من قبل خالاته، لأن أم عبد المطلب بن هاشم كانت من بني
النجار، وقال يونس بن عبد الأعلى، قال لنا ابن وهب، أم حرام خالات
النبي ◌َ﴾، من الرضاعة، فلهذا كان يقيل عندها وينام في حجرها، وتفلى
رأسه.
قال أبو عمر: أي ذلك كان فأم حرام محرم من رسول الله ێ، والدلیل
علی ذلك، ما حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا حمزة بن محمد،
قال: حدثنا أحمد بن شعیب، قال: حدثنا على بن حجر، قال: أخبرنا هشیم،
عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((ألا لا يبيتن رجل عند
أمرأة، إلا أن يكون ناكحا، أو ذا محرم(١))، وروى عمر بن الخطاب عن
النبي پڼ قال: «لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما(٢))، وروى ابن
(١) م (٤ / ١٧١٠/ ٢١٧١).
(٢) ت (٤/ ٤٠٤ /٢١٦٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ك (١/ ١١٤)
وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فإني لا أعلم خلافا بين أصحاب عبد الله بن
المبارك في إقامة هذا الإسناد عنه ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

فتح البر
٢٩٠
عباس ان رسول الله ﴾ ﴾ قال: «لا يخلون رجل بامرأة الا أن تکون منه ذات
محرم(١)) وروى عبد الله بن عمرو بن العاص، ان رسول الله وَ لي قال: ((لا
يدخلن رجل على مغيبة، إلا ومعه رجل أو رجلان(٢))، وحدثنا محمد بن
إبراهیم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال:
حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي
الخير، عن عقبة بن عامر، ان رسول الله وَل﴾، قال: ((اياكم والدخول على
النساء))، فقال رجل من الأنصار، أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت (٣).
وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أن یاتي رسول الله گلے، ما ینھی
عنه.
وفي هذا الحديث أيضا، اباحة أكل ما قدمته المرأة الى ضيفها، في بيتها،
من مالها، ومال زوجها، لأن الأغلب، ان ما في البيت من الطعام، هو
للرجل، وان يد زوجته فيه عارية، وقد اختلف العلماء في هذا المعنى،
لاختلاف الآثار فيه، واحسن حديث في ذلك، وأصحه من جهة النقل، ما
رواه ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عبادة بن عبد الله بن الزبير، عن
أسماء بنت أبي بكر، أنها جاءت رسول الله ﴾﴾، فقالت يا نبي الله، ليس لي
شيء إلا ما ادخل عليّ الزبير، فهل عليّ جناح، ان ارضخ مما يدخل علي؟
فقال: ارضخي ما استطعت، ولا توكي، فيوكي الله عليك.(٤))
(١) خ (٣٠٠٦/١٧٦/٦) و(٥٢٣٣/٤١٣/٩)، م (٩٧٨/٢ /١٣٤١).
(٢) م (٤ / ١٧١١/ ٢١٧٣).
(٣) خ (٩/ ٥٢٣٢/٤١٣)، م (٢١٧٢/١٧١١/٤)، ت (٣/ ٤٧٤ /١١٧١).
(٤) خ (٣/ ٣٨٢/ ١٤٣٣)، م (٢/ ٧١٣ - ١٠٢٩/٧١٤)، ن (٧٤/٥).

العشرة وحسن الخلق
٢٩١
وروى الأعمش ومنصور بن المعتمر، جميعا، عن شقيق أبي وائل، عن
مسروق، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَلايقول: ((إذا انفقت أمرأة من بيت
زوجها، غیر مفسدة، كان لها اجر بما انفقت، ولزوجها اجر ما کسب،
وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا(١)».
وهذان حدیثان صحیحان، مشهوران، لا يختلف في صحتها، وثبوتهما،
تركت الإتيان بطرقهما، خشية التطويل، اخبرنا عبدالرحمن بن مروان، قال:
أخبرنا أبو محمد الحسن بن يحيى بن الحسن القلزمي القاضي، في داره
بمصر، سنة ثمان وستين قال: حدثنا أبو غسان عبد الله بن محمد بن يوسف
القاضي القلزمي، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمذاني، قال: حدثنا إسحاق
ابن الفرات، عن نافع بن زيد، عن ابن الهادي، عن مسلم بن الوليد بن
رياح، عن أبيه، عن أبي هريرة، انه سمع رسول الله وَّة، يقول: لا يحل
لامرأة تصوم، وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن لرجل في بيتها وهو له
كاره، وما تصدقت مما كسبه فله اجر نصف صدقة، وانما خلقت المرأة من
ضلع، فلن يصاحبها إلا وفيها عوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرك
إياها فراقها(٢).
واما الآثار الواردة في الكراهة لذلك، فروى ابن المبارك، عن عبد الرحمن
ابن زيد بن جابر عن سعيد بن أبي سعيد، قال: حدثني من سمع النبي ◌َّ،
يقول: ((لا تنفقن امرأة من بيتها شيئا إلا بإذن زوجها)) فقال رجل من
الطعام يا رسول الله؟ قال: (( وهل أموالنا إلا الطعام(٣)؟)).
(١) خ (٤ / ٢٠٦٥/٣٧٧)، م (٢ / ١٠٢٤/٧١٠)، د (١٦٨٥/٣١٥/٢)، جه: (٢٢٩٤/٧٧٠/٢).
(٢) خ (٤ / ٢٠٦٦/٣٧٧)، م (٢ / ١٠٢٦/٧١١)، د (٢/ ٣١٧ / ١٦٨٧).
(٣) انظر بعده.

فتح البر
=٢٩٢
=
وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا محمد بن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش،
عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول:
سمعت رسول الله وهو يقول في خطبته عام حجة الوداع: (( ان الله قد اعطى
كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث.))، وذكر الحديث، وفيه: (( لا تنفق
أمرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها)) قيل يا رسول الله، ولا الطعام؟
قال: (( ذلك افضل أموالنا))، وساق تمام الحديث(١).
وحدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح،
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن لیث، عن
عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: اتت امرأة النبي
وَله، فقالت يا نبي الله، ماحق الزوج على زوجته؟ قال: (( لا تمنعه نفسها،
ولو كانت على ظهر قتب)) فقالت يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟
قال: ((لا تصوم إلا بإذنه، إلا الفريضة، فإن فعلت أثمت، ولم يقبل منها»
قالت يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال: (( لا تصدق بشيء من
بيته إلا باذنه، قال: فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر)» قالت يا رسول
الله ما حق الزوج على زوجته؟ قال: ((لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت
لعنتها ملائكة الله، وملائكة الرحمة، وملائکة الغضب حتى تتوب، أو
تراجع)) قلت يا رسول الله وإن كان لها ظالما؟ قال: ((وإن كان لها ظالما))
قالت: والذي بعثك بالحق، لا يملك علي أمرى أحد بعدها أبدا ما
بقيت(٢).
(١) د (٣/ ٣٥٦٥/٨٢٤)، ت (٧٥/٣- ٦٧٠/٧٦) وقال: حديث حسن صحيح. جه
(٢٢٩٥/٧٧٠/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة: (١٧١٢٤/٥٥٧/٣).

العشرة وحسن الخلق
٢٩٣
فإن كان ما أطعمته أم حرام، رسول الله وَطلق من مال زوجها عبادة بن
الصامت، ولم يكن من مالها، ففي هذا الحديث أيضا إباحة أكل مال
الصدیق بغير إذنه، وقد اختلف فیه العلماء إذا کان یسیرا، لیس مثله يدخر،
ولا يتمول، ولم يختلفوا في الكثير الذي له بال، ويحضر النفس عليه الشح به،
انه لا يحل إلا عن طیب نفس من صاحبه.
واختلفوا في تأويل قول الله عز وجل: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ
ج
عَيَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: (٦١)]. وقد ذكرنا
هذا المعنى، فیما تقدم من كتابنا هذا والحمد لله.
ومن اجاز اكل مال الصديق بغير اذنه، فإنما أباحه ما لم يتخذ الآكل
خبنة، ولم يقصد بذلك وقاية ماله، و کان تافها یسیرا، ونحو هذا.
وأما قوله، ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، فإنه اراد والله
أعلم، انه رأى الغزاة في البحر، من أمته ملوكا، على الأسرة في الجنة.
ورؤياه وحي وَلقر، ويشهد لقوله، ملوكاً على الأسرة، ما ذكر اللهعز وجل
في الجنة: ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكِّمُونَ﴾ [يس: (٥٦)]. قال أهل التفسير الأرائك
السرر في الحجال، ومثله قوله عز وجل: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُنَقَِّينَ﴾ [الصافات: ٤٤].
وهذا الخبر، انما ورد تنبيها على فضل الجهاد، في البحر وترغيبا فيه وفي هذا
الحديث أيضا اباحة ركوب البحر في الجهاد، وفيه اباحة الجهاد للنساء، وقد
روى عن أم عطية، قالت: كنا نغزو مع رسول الله ◌َّ﴾، فنمرض المرضى،
ونداوى الجرحى، وكان يرضخ لنا من الغنيمة (١).
واختلف الفقهاء في الإسهام للنساء من الغنيمة، إذا غزون، فقال ابن
(١) م (٣ / ١٤٤٧ / ١٨١٢)

فتح البر
٤ ٢٩٤
وهب، سألت مالك عن النساء، هل يجزين من المغانم في الغزو؟ قال: ما
علمت ذلك، وقد أجاز قوم من أصحابنا، ان يرضخ للنساء ما أمكن على
ما يراه الامام، وقال الثوري، وأبو حنيفة، والليث والشافعي، وأصحابهم
لا يسهم لامرأة، ويرضخ لها، وقال الأوزاعي: يسهم للنساء، وزعم ان
رسول الله ولو أسهم للنساء بخيبر، قال الأوزاعي وأخذ بذلك المسلمون
عندنا.
قال أبو عمر: احسن شيء في هذا الباب ما کتب به ابن عباس، الى نجدة
الخارجي، ان النساء كن يحضرن فيداوين المرضى، ويجزين من الغنيمة ولم
يضرب لهن بسهم.
وفيه اباحة ركوب البحر للنساء، وقد كان مالك رحمه الله، یکره للمرأة
الحج في البحر، فهو في الجهاد لذلك اكره، والله اعلم. وقال بعض أصحابنا
من أهل البصرة، انما كره ذلك مالك، لأن السفن بالحجاز صغار، وان
النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها، لضيقها، وتزاحم الناس
فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا، فلذلك کره ذلك
مالك، قال: واما السفن الكبار، نحو سفن اهل البصرة، فليس بذلك بأس،
قال: والأصل ان الحج فرض على كل من استطاع إليه سبيلا، من الاحرار
البالغين، نساء كانوا أو رجالا، إذا كان الاغلب من الطريق الأمن، ولم
يخص برا من بحر، فاذا كان طريقهم على البحر، أو تعذر عليهم طريق البر،
فذلك لازم لهم مع الاستطاعة.
وفي هذا الحديث ما يدل على ركوب البحر للحج، لانه إذا ركب البحر
للجهاد، فهو للحج المفروض أولی واو جب، وذکر مالك رحمه الله ان عمر
ابن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر، فلم يركبه أحد طول

العشرة وحسن الخلق
٢٩٥ ==
حیاته، فلما مات استأذن معاوية عثمان في ركوبه، فأذن له، فلم يزل يركب
حتى كان ايام عمر بن عبد العزيز، فمنع الناس عمر بن عبد العزيز من
رکوبه، ثم رکب بعده، الى الآن، وهذا انما كان من عمر، وعمر رضي الله
عنهما، في التجارة وطلب الدنيا، والله أعلم.
وأما في أداء فريضة الحج فلا، والسنة قد أباحت ركوبه للجهاد، في
حديث إسحاق عن أنس، وحديث غيره، وهي الحجة، وفيها الأسوة،
فرکوبه للحج اولی قیاسا ونظرا، والحمد لله.
ولاخلاف بين أهل العلم، ان البحر إذا ارتج، لم يجز ركوبه لأحد بوجه
من الوجوه، في حين ارتجاجه ذكر أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع،
قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: لا
يسئلني الله عن جيش ركبوا البحر أبدا. يعنى التغرير.
وفيه التحرى في الإتيان بألفاظ النبي وَ﴾، فقد ذهب الى هذا جماعة،
ورخص آخرون في الاتیان بالمعاني، وقد أوضحنا هذا المعنى في باب افردناه
له في کتاب جامع العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، وسيأتي من
هذا الباب ذکر، في مواضع من هذا الكتاب ان شاء الله.
وفيه ان الجهاد تحت راية كل أمام جائز ماض الى يوم القيامة، لانه ◌َلآ،
قد رأى الآخرین ملوکا على الأسرة، کما رأی الأولین، ولا نهاية للآخرين
إلى يوم قيام الساعة، قال الله عز وجل: ﴿قُلّ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينُّ
٤٩
[الواقعة: (٤٩-٥٠)]. وقال عز وجل :
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِقَتِ يَوْمِ مَّعْلُوم
ثُلّةٌ
[الواقعة: (٣٩ - ٤٠)]. وهذا على الأبد.
٤٠
مِّنَ الْأَوَّلِينَ جَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ
وفيه فضل لمعاوية رحمه الله، إذا جعل من غزا تحت رايته من الأولين،

فتح البر
١ = ٢٩٦
ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، الدليل على ذلك قول إبراهيم عليه
السلام: ﴿أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ﴾ [الصافات: (١٠٢)]
فأجابه ابنه: ((قال: يا أبت افعل ما تؤمر)) وهذا بين واضح، وقالت عائشة:
أول ما بدئ به رسول الله وَّل، من الوحي، الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى
رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح (١).
وفي فرح رسول الله ◌َآلتي، واستبشاره وضحكه، بدخول الأجر على امته
بعده، سرورا بذلك، بيان ما كان عليه رسول الله و له من المناصحة لأمته،
والمحبة فيهم، وفي ذلك دليل على ان من علامة المؤمن، سروره لأخيه، بما
یسر به لنفسه.
وانما قلنا، إن في هذا الحديث دليلا على ركوب البحر، للجهاد وغيره،
للنساء والرجال، الی سائر ما استنبطنا منه، لاستيقاظ رسول الله ێ وهو
يضحك فرحا بذلك، فدل على جواز ذلك كله، واباحته وفضله، وجعلنا
المباح مما یرکب فيه البحر، قياسا على الغزو فيه.
ويحتمل بدليل هذا الحديث، أن يكون الموت في سبيل الله والقتل سواء،
أو قريبا من السواء في الفضل، لأن أم حرام لم تقتل، وانما ماتت من صرعة
دابتها، وقال لها رسول الله وَ لفي (( أنت من الأولين)) وانما قلت أو قريب من
السواء، لاختلاف الناس في ذلك، فمن أهل العلم من جعل الميت في سبيل
الله والمقتول سواء، واحتج بقول الله عز وجل: ﴿ وَاَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْلَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقَا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨].
الاثنين جميعاً، وبقول تبارك اسمه: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وبقول النبي عليه السلام في
(١) خ (٣/٢٨/١)، م (١/ ١٣٩ - ١٤٠ / ١٦٠).

٢٩٧ =
العشرة وحسن الخلق
حدیث عبد الله بن عتيك ( من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله، فخر عن
دابته فمات، أو لدغته حية فمات أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله،
ومن مات قعصا فقد استوجب المئاب(١)».
ويقول فضالة بن عبيد ما أبالي من أي حفرتیھما بعثت، ذكر ذلك ابن
المبارك، عن ابن لهيعة، عن سلامان بن عامر، عن عبدالرحمن بن جحدم
الخولاني، عن فضالة بن عبيد، في حديث ذكر فيه رجلين، أحدهما أصيب في
غزاة بمنجنیق، والآخر مات هناك، فجلس فضالة عند الميت، فقيل له
تركت الشهید، ولم تجلس عنده،فقال: ما أبالي من أي حفرتیھما بعثت، ثم
تلا قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ
مَاتُواْ﴾ الآية كلها.
قال أبو عمر رحمه الله قد ثبت عن رسول الله آلټ انه سئل أي الجهاد
أفضل؟ فقال ((من أهريق دمه، وعقر جواده))(٢) ولم يخص براً من بحر،
رواه أبو ذر وغيره.
وحدثنا سعید بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا عبد
العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن مسلم بن عائذ، عن
عامر بن سعد، عن سعد،ان رجلا جاء ورسول الله ماټ يصلي، فقال حين
انتهى الى الصف، اللهم آتني أفضل ماتؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى
رسول الله وَ﴾ صلاته، قال: من المتكلم آنفا؟ قال أنا يا رسول الله، قال: إذا
(١) حم (٣٦/٤)، ك (٢/ ٨٨) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والهيثمي في المجمع
(٢٧٦/٥-٢٧٧) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وبقية رجاله ثقات.
(٢) حم (٣ / ٣٠٠ - ٣٠٢ - ٣٤٦ - ٣٩١ - ٤١٢)، د (٢ / ١٤٦ / ١٤٤٩)، جه (٢ / ٩٣٤ / ٢٧٩٤)،
حب: ( الإحسان: (٤٩٦/١٠ /٤٦٣٩)).

فتح البر
:٢٩٨
يعقر جوادك، وتستشهد في سبيل الله(١)).
حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن
وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا و کیع، قال: حدثنا
المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث،عن عبد الله بن
عمرو، قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ قال: ((من عقر
جواده وأهرق دمه)) وبهذا الاسناد، عن وكيع، عن الاعمش، عن أبي
سفيان، عن جابر، عن النبي ◌َِّ مثله(٢).
واذا كان من هرق دمه، وعقر جواده، أفضل الشهداء، علم انه من لم
يكن بتلك الصفة فهو مفضول، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
يضرب من يسمعه يقول من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ويقول لهم قولوا
من قتل في سبيل الله فهو في الجنة.
قال أبو عمر: لأن شرط الشهادة شديد، فمن ذلك ألايغل، ولا يجبن،
وأن يقتل مقبلا، غير مدبر، وأن يباشر الشريك، وينفق الكريمة، ونحو
هذا، كما قال معاذ، والله أعلم.
وروينا في هذا المعنى، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: لاتغل
ولا تخف غلولا، ولا تؤذ جارا، ولا رفيقا ولا ذميا ولا تسب أماما، ولاتفر
من الزحف، يعنى ولك الشهادة إن قتلت.
واختلفوا أيضا في شهيد البحر، أهو أفضل أو شهيد البر؟ فقال قوم
شهيد البر أفضل، واحتجوا بقوله، وَ ﴾ (( أفضل الشهداء من عقر جواده
(١) ك (٢/ ٧٤) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، حب: (الإحسان:
(٤٩٦/١٠ -٤٩٧ /٤٦٤٠)).
(٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

العشرة وحسن الخلق
٢٩٩=
واهرق دمه(١) وقال آخرون شهيد البحر أفضل، والغزو في البحر أفضل،
واحتجوا بحديث منقطع الاسناد، عن النبي ◌ّلو أنه قال: ((من لم يدرك
الغزو معي، فليغز في البحر، ان غزاة في البحر، أفضل من غزوتين في البر،
وان شهيد البحر له اجر شهيدي البر، وان أفضل الشهداء عند الله يوم
القيامة، أصحاب الوكوف)»، قالوا يا رسول الله، وما أصحاب الوكوف؟
قال: (( قوم تكفأ بهم مراكبهم في سبيل الله)).
وعن عبد الله بن عمرو، انه قال: غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات
في البر، ذكره ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن يحيى بن
سعيد، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، قال: غزوة في البحر،
أفضل من عشر في البر، والمائد فيه، كالمتشحط في دمه.
وعن عبد الله بن عمرو أيضا انه قال: لأن اغزو في البحر غزوة، أحب الى
من ان انفق قنطارا متقبلا في سبيل الله، و اسناده ليس به بأس، ذكره ابن
وهب عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون، عن أبي سالم الجيشاني،
عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وذكر ابن وهب أيضا، عن عمرو بن
الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن كعب الأحبار، أنه قال:أفضل
الشهداء الغريق، له أجر شهيدين، وانه يكتب له من الأجر، من حين يركبه
حتى يرسى، كأجر رجل ضربت في الله عنقه،فهو يتشحط في دمه.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود،
قال: حدثنا محمد بن بکار العیشی، حدثنا مروان، أخبرنا هلال بن ميمون
الزملى، عن يعلى بن شداد، عن أم حرام، عن النبي ◌ّ قال: المائد في البحر،
الذي يصيبه القيء له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين(٢).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) د (٢٤٩٣/١٦/٣)، وحسنه الألباني في الإرواء (١١٩٤/١٦/٥).

فتح البر
= ٣٠٠
قال أبو عمر: قد ذكرنا ما بلغنا في ذلك، وروی من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص، عن النبي عليه السلام، انه قال: (( لا يركب البحر رجل
إلا غزيا أو حاجا أو معتمرا، فإن تحت البحر نارا)) (١) وهو حديث ضعيف،
مظلم الإسناد، لا يصححه أهل العلم بالحديث، لأن رواته مجهولون، لا
یعرفون، وحدیث أم حرام هذا یرده.
وفيما رواه يعلى بن شداد عن أم حرام كفاية في رده، وقد ذكر أبو بكر بن
أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ليث عن مجاهد قال: لا يركب
البحر إلا حاج، أو معتمر أو غاز واكثر أهل العلم يجيزون ركوب البحر، في
طلب الحلال، إذا تعذر البر، وركب البحر في حين يغلب عليه فيه السكون
وفي كل ما اباحه الله، ولم يحظره، على حديث أم حرام وغيره، لا أنهم
یکرهون ر کوبه في الاستغزار من طلب الدنیا والاستكثار من جمع المال،
وبالله التوفيق.
ذكر أبو بكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الاعلى، عن يونس، عن
الحسن، ان عمر بن الخطاب، قال: عجبت لراكب البحر. وقوله في حديث
إسحاق في هذا الباب، يركبون ثبج هذا البحر، يعنى ظهر هذا البحر،
أخبرنا عبد الوارث بن سفیان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا عفان بن مسلم، واخبرنا سعيد بن نصر قال
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد بن وضاح، قال : حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة قال: حدثنا عفان وأخبرنا عبيد بن محمد، واللفظ لحديثه،
قال: أخبرنا عبد الله بن مسرور، قال: حدثنا عیسی بن مسکین، قال: حدثنا
محمد بن سنجر، قال: حدثنا حجاج بن منهال، قالا: حدثنا سلمة، عن يحيى
(١) د: (٢٤٨٩/١٣/٣) وبشر وبشير مجهولان.