Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الأشربة
وأمر باجتنابها، كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الْرّْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ
﴾
[الحج: (٣٠)].
ثم زجر وأوعد من لم ينته أشد الوعيد، في كتابه، وعلى لسان
رسوله وَّلة، وسماها رجسا، وقرنها بالميتة والدم ولحم الخنزير بقوله:
﴿ قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَمَا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: (١٤٥)]، والرجس
النجاسة، وقال في الخمر رجس من عمل الشيطان، فقرنها بلحم
الخنزير .
وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير خبرا، وفي الخمر نهيا
وزجرا، وهو أقوى التحريم وأوكده عند العلماء، وفي إجماع أهل
الصلاة على هذا التأويل، ما يغنى عن الاكثار فيه، وقد مضى في باب
إسماعيل بن أبي حكيم، ذكر معنى التحريم في اللغة، وأنه المنع،
وكل ما منعت منه فقد حرم عليك، دليل ذلك، قول الله عز وجل:
* وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: (١٢)]، أي منعناه من رضاع
غير أمه، وقال الله عز وجل: ﴿﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ
فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: (٢١٩)] وقال تبارك اسمه ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَقِىَ
اَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ﴾ [الأعراف: (٣٣)] ... الآية.
فحصل بهاتين الآيتين أيضا تحريم الخمر، نصا، قرأت على سعيد
ابن نصر، فأقر به، ان قاسم بن أصبغ، حدثهم قال: حدثنا إسماعيل
ابن إسحاق القاضي قال: حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس، قال:
حدثنا أبو شهاب عن الحسن بن عمرو عن طلحة بن مصرف عن ابن
عباس، قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب النبي وَيَّ، بعضهم

٤٤٢
فتح البر
إلى بعض وقالوا: حرمت الخمر، وجعلت عدلا للشرك(١).
قال أبو عمر:
يعنى والله أعلم، أنه قرنها، وعدلها بالذبح للانصاب، وذلك
شرك، وحدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبدالله الكجي قال: حدثنا أبو
عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو
ابن الوليد، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله
وَله: ((من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار(٢)))، وأن الله
ورسوله حرما الخمر والميسر، والكوبة، والغبيرا.
حدثنا عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن
شعبة، قال حدثني سلمة بن كهيل، قال سمعت أبا الحكم، قال
سألت ابن عباس، عن نبيذ الجر، فقال: نهى رسول الله وَله، عن
نبيذ الجر، والدباء(٣)، وقال ابن عباس: من سره ان يحرم ما حرم
الله، فليحرم النبيذ. وذكر يحيى بن سلام، عن شريك، عن سماك
ابن حرب، عن عكرمة، قال: ما أحلت الغنيمة لأحد قبلكم، ولا
حرمت الخمر على قوم قبلكم.
(١) طب (١٢٣٩٩/٣٧/١٢)، وذكره الهيثمي (٥٥/٥) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال
الصحيح.
(٢) أخرجه من طريق أبي كبشة عن عبد الله بن عمرو: حم (٢٠٢/٢-٢١٤)،
خ (٣٤٦١/٦١٤/٦)، ت (٢٦٦٩/٣٩/٥).
(٣) حم (٢٧/١-٢٢٩)، ن (٥٦٣٢/٧٠٣/٨). وقد صحح الألباني إسناده في صحيح سنن
النسائي (٥١٨٩/١١٣٩/٣).

٤٤٣
كتاب الأشربة
ولما اختلف العلماء فيما تقدم ذكرنا له من مسكر الانبذة، وجب
الرجوع عند تنازعهم في ذلك، الى ما ورد به الكتاب، أو قام دليله
منه، أو ثبتت به سنة، عن النبي وَلو، وقد ذكرنا ما يوجبه إطلاق
اسم الخمر، وما يعرفه أهل اللسان من اشتقاقها .
وأما السنة فالآثار الثابتة كلها في هذا الباب، تقضي على صحة
قول أهل الحجاز، وقد روى أهل العراق، فيما ذهبوا إليه آثارا لا يصح
شيء منها، عند أهل العلم بالحديث، وقد أكثر الناس في تعليل تلك
الأحاديث، وفي الاستظهار بتكرير الآثار في تحريم المسكر، ونحن
نذكر منها في هذا الباب، ما يغنى، ويكفى، عن التطويل.
وقد مضى في هذا الباب عن عمر، رضي الله عنه، أن الخمر من
خمسة أشياء، وحسبك به عالما باللسان والشرع، وروى يحيى بن أبي
کثیر، عن أبي کثیر الغبری السحیمی، واسمه یزید بن عبدالرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّله، قال: ((الخمر من هاتين
الشجرتين، النخلة والعنبة(١)) وفي هذا ما يبين لك أن الخمر من غير
العنب، رواه عن يحيى جماعة من أصحابه، وقد جاء عن النبي وَل،
وعن عمر بن الخطاب أيضا في تأويل الخمر حديثان، مبينان موضع
الصواب فيما اختلف فيه، هما جميعا عند الشعبي، احدهما عن
النعمان بن بشير، عن النبي وَجُلّ، والآخر عن ابن عمر عن عمر
قوله: أخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال: أخبرنا محمد بن
بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا
(١) حم (٢٧٩/٢)، م (١٩٨٥/١٥٧٣/٣[١٣])، د (٨٤/٤ / ٣٦٧٨)،
ت (١٨٧٥/٢٦٣/٤)، ن (٨/ ٥٥٨٩/٦٩٢)، جه (٣٣٧٨/١١٢١/٢).

٤٤٤
فتح البر
يحيى بن آدم، قال: حدثنا اسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن
الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله وَّجله، ((إن من
العنب خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من
الشعير خمرا، وإن من التمر خمرا(١)) قال أبو داود: وحدثنا مالك عن
عبدالواحد المسمعى، قال: حدثنا معتمر، قال: قرأت على الفضيل،
عن أبي جرير، عن عامر أخبره، ان النعمان بن بشير، قال: سمعت
رسول الله وَله، يقول: ((إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر،
والحنطة، والشعير، والذرة، واني انهاكم عن كل مسكر(٢)).
حدثنا عبدالرحمن بن مروان، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن
سلیمان البغدادي، قال: حدثنا عبدالله بن محمد البغوى، قال: حدثنا
أحمد بن حنبل، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا
أبو حيان التيمي، قال: حدثنا الشعبي، عن ابن عمر، قال: سمعت
عمر يخطب على منبر المدينة قال: يا أيها الناس، إلا إنه قد نزل تحريم
الخمر يوم نزل، وهي من خمسة، من العنب، والتمر، والعسل،
والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل(٣).
وهذا أبين ما يكون، في معنى الخمر، يخطب به عمر بالمدينة، على
المنبر، بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان، ولم يفهموا من
الخمر إلا المعنى الذي ذكرنا، وبالله توفيقنا.
(١) حم (٢٦٧/٤)، د (٤ / ٨٣ - ٨٤ / ٣٦٧٦)، ت (٢٦٢/٤ / ١٨٧٢) وقال: حديث غريب. جه
(٣٣٧٩/١١٢١/٢).
(٢) د (٤ / ٨٤ / ٣٦٧٧)، قط (٤/ ٢٥٢)، حب: الإحسان (١٢ / ٥٣٩٨/٢٢٠)، وذكره الحافظ
في الفتح (٥٤/١٠) وقال: أخرجه أبو داود بسند حسن.
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

كتاب الأشربة
٤٤٥.
وحدثنا عبدالرحمن بن مروان، قال: حدثنا أحمد بن عمرو قال:
حدثنا البغوي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، وجدى أحمد بن منيع،
قالا: حدثنا عبدالله بن ادريس، قال: سمعت المختار بن فلفل، قال:
قال أنس: الخمر من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير،
والذرة، فما خمرت من ذلك فهو الخمر(١).
أخبرنا عبدالله بن محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن يحيى بن
عبدالعزيز، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا علي بن
عبدالعزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن
علي بن زيد، عن صفوان بن محرز، قال: سمعت أبا موسى
الاشعري، يخطب فقال: خمر المدينة من البسر، والتمر، وخمر أهل
فارس من العنب، وخمر أهل اليمن من البتع، وهو من العسل،
وخمر الحبش السكركة، من الذرة. وثبت عن النبي وَ لا أنه قال: ((كل
مسكر خمر، وكل خمر حرام(٢)) وقوله: ((كل شراب أسكر فهو
حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام(٣)).
وأصح شيء في ذلك وأثبته، وأشده استقامة في الاسناد: حديث
مالك وغيره، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن رسول
الله وَّله، سئل عن البتع، فقال: ((كل شراب أسكر فهو حرام(٤)).
والبتع شراب العسل، لا خلاف في ذلك، فدل على أن الخمر
(١) حم (١١٢/٣)، ذكره الهيثمي (٥٩/٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال
الصحيح. وذكره الحافظ في الفتح (٥٥/١٠) وقال: وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
(٢) حم (٢٩/٢)، م (٢٠٠٣/١٥٨٧/٣[٧٤]).
(٣) حم (٣٦/٦)، خ (٢٤٢/٣٦٦/١)، م (٢٠٠١/١٥٨٥/٣)، د (٨٨/٤/ ٣٦٨٢)،
ت (٤ / ٢٥٨ / ١٨٦٥).
(٤) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

فتح البر
٤٤٦
صىالله
وستر،
المحرمة، قد تكون من غير العنب، وحديث ابن عمر، عن النبي :
في ذلك صحیح ثابت.
حدثنا محمد بن إبرهيم بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن معاوية
الأموي، قال: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، قال: حدثنا سويد بن
نصر، قال: حدثنا عبدالله بن المبارك، عن حماد بن زيد، عن أيوب،
عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي بَيّ، قال: ((كل مسكر خمر،
وكل خمر حرام(١)).
أخبرنا عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن، قال: حدثنا محمد بن بكر
التمار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن داود، ومحمد
ابن عيسى، في آخرين، قالوا: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَ له: ((كل مسكر خمر،
وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر في الدنيا، لم يشربها
في الآخرة(٢)).
حدثنا عبدالرحمن بن مروان، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن
سلیمان البغدادي، قال: حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: حدثنا
أحمد بن حنبل: قال: حدثنا روح بن عبادة، قال حدثنا ابن جريج،
قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَله: كل مسكر خمر، وكل خمر حرام(٣). حدثنا إسماعيل
ابن عبدالرحمن القرشي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان،
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) م (٣/ ٢٠٠٣/١٥٨٧)، د (٣٦٧٩/٨٥/٤)، ت (١٨٦١/٢٥٦/٤)،
ن (٨/ ٥٥٩٨/٦٩٤)
(٣) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

٤٤٧
كتاب الأشربة
قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا الحسن بن منصور، قال:
حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبدالرحمن بن مهدی قال: حدثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول
الله وَّظله: ((كل مسكر حرام، كل مسكر خمر)). قال الحسين بن
منصور، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث صحيح.
قال أبو عمر:
هكذا روى هذا الحديث أبو حازم بن دينار وليث وأبو معشر،
وإبراهيم الصائغ، والاحلج وعبدالواحد بن قيس، وأبو الزناد،
ومحمد بن عجلان، وعبيد الله بن عمر العمرى، كلهم عن نافع عن
ابن عمر، عن النبي وَّ، مرفوعا. كما رواه أيوب السختياني،
وموسى بن عقبة، وكان عبيد الله بن عمر، ربما وقفه، وكان يقول
أحيانا: لا أعلمه إلا عن النبي وَلاّ.
ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر، موقوفا، والحديث ثابت
مرفوع، لا يضره تقصير من قصر في رفعه، لرفع الحفاظ الاثباب له،
ولاجتماع الجماعة من رواة نافع على رفعه، منهم أيوب، وموسى،
وسائر من ذكرنا. ومما يدل على صحة رفعه، رواية محمد بن عمرو له
عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام مرفوعا، وكذلك
رواه زيد بن أسلم، وعبدالله بن دينار عن ابن عمر مرفوعا، وكذلك
رواه جماعة عن سالم، عن ابن عمر، مرفوعا، فكيف يحل لأحد أن
يتأول في الانبذة المسكرة انها حلال؟ والنبي عليه السلام، قد بين أن
كل مسكر خمر، وكل خمر حرام! نعوذ بالله من الخذلان، ومن
سلوك سبيل الضلال.

٤٤٨
فتح البر
وأخبرنا عبدالله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن بكر، قال:
حدثنا سليمان بن الاشعث، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا
إسماعيل يعني ابن جعفر، عن داود بن بكر بن أبي الفرات، عن
محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((ما أسكر
كثيره، فقليله حرام(١)))، وأخبرنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا
محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمد بن رافع
النيسابوري، قال: حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني، قال: سمعت
النعمان يعنى ابن المنذر الصنعاني، يقول: عن طاوس عن ابن عباس،
عن النبي وَجُلّ، قال: ((كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام (٢)) وذكر
تمام الحدیث.
وهذه كلها نصوص في موضع الخلاف لمن أراد الله في المسكر، أن
یهدیه ویشرح صدره.
والآثار في تحريم ما أسكر كثيره كثيرة جدا، يطول الكتاب بذكرها،
وقد ذكرها جماعة من العلماء، منهم ابن المبارك وغيره، وقال أحمد
ابن شعيب في كتابه، أن أول من أحل المسكر من الانبذة، إبراهيم
النخعي، وهذه زلة من عالم، وقد حذرنا من زلة العالم، ولا حجة
في قول أحد مع السنة.
وقد زعمت طائفة، أن أبا جعفر الطحاوي، وكان إمام أهل زمانه،
ذهب إلى إباحة الشرب من المسكر، ما لم يسكر، وهذا لو صح عنه
لم يحتج به على من ذكرنا قولهم، من الأئمة المتبعين في تحريم
(١) حم (٣٤٣/٣)، د (٤ / ٨٧/ ٣٦٨١)، ت (١٨٦٥/٢٥٨/٤) وقال: حسن غريب.
جه (٣٣٩٣/١١٢٥/٢).
(٢) د (٤ /٨٦/ ٣٦٨٠)، ذكره الحافظ في الفتح (١٠ / ٥٤) وجود إسناده.
.

كتاب الأشربة
٤٤٩
المسكر ما ثبت من السنة، وانا أذكر ما حكاه الطحاوي ليتبين لك ان
الأمر ليس كما ظنوا، قال أبو جعفر، في كتابه الكبير، في
الاختلاف: اتفقت الامة ان عصير العنب إذا اشتد وغلا، وقذف
بالزبد، فهو خمر، ومستحله كافر، واختلفوا في نقيع التمر إذا غلا
وأسكر، قال: فهذا يدل على أن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي
كثير عن أبي هريرة، عن النبي عليه السلام أنه قال: ((الخمر من هاتين
الشجرتين، النخلة والعنبة(١))، غير معمول به عندهم، لانهم لو قبلوا
الحديث، لكفروا مستحل نقيع التمر، فثبت انه لم يدخل في الخمر
المحرمة غير عصير العنب، الذي قد اشتد وبلغ ان يسكر، قال: ثم لا
تخلو الخمر، من أن يكون التحريم معلقا بها فقط، غير مقيس عليها
غيرها، أو يجب القياس عليها، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها نقيع
التمر، إذا غلا وأسكر كثيره، وكذلك نقيع الزبيب، قال: فوجب
قياسا على ذلك ان يحرم كل ما أسكر من الاشربة، قال: وقد روى
عن النبي وَّ أنه قال: ((كل مسكر حرام(١)))، واستغنى عن ذكر
سنده، لقبول الجميع له، وإنما الخلاف بينهم في تأويله، فقال بعضهم
أراد به ما يقع السكر عنده، كما لا يسمى قاتلا الا مع وجود القتل،
وقال آخرون أراد به جنس ما يسكر، قال: وقد روى أبو عون الثقفي،
عن عبدالله بن شداد، عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها القليل
منها والكثير، والسكر من كل شراب(٢). قال في هذا الحديث ان غير
الخمر لم يحرم عينه، كما حرمت الخمر بعينها. هذا آخر قوله، وفيما
مضی کفایة، والحمد لله.
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) ن (٨/ ٥٧٠١/٧٢٥)، قط (٢٥٦/٤).

فتح البر
٤٥٠
أخبرنا عبدالرحمن بن مروان، قال: أخبرنا أحمد بن عمرو بن
سليمان، قال: حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: حدثنا أحمد بن
حنبل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن أبي عدى جميعا، عن
حميد، عن أنس، قال: كنت في بيت أبي طلحة، وعنده أبي بن
كعب وأبو عبيدة بن الجراح، وسهيل بن بيضاء، وأنا أسقيهم شرابا،
حتى إذا أخذ فيهم، إذا رجل من المسلمين ينادي: إلا أن الخمر قد
حرمت، فوالله ما انتظروا، حتى يعلموا، أو يسألوا عن ذلك، قال:
فقالوا يا أنس أكفئ ما في انائك، قال: فكفأته، قال: فما عادوا فيها
حتى لقوا الله، وشرابهم يومئذ خليط البسر والتمر(١).
قال أبو عمر:
هذا يبين لك أن الفضيخ المذكور، في حديث إسحاق عن انس انه
خليط البسر والتمر، وهذا على نحو ما فسره أهل اللغة، والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث عن أنس، جماعة يطول ذكرهم، منهم
سليمان التيمي، وقتادة، وعبدالعزيز بن صهيب، والمختار بن فلفل،
وثابت البناني، وأبو التياح، وأبو بكر بن انس، وخالد بن الفزر، لم
يذكر واحد منهم كسر الجرار، إلا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة
وحده، وانما في حديثهم، انه كفأها، ولا بأس بالاستمتاع بظروف
الخمر، بعد تطهيرها، وغسلها بالماء وتنظيفها، الا أن الزقاق التي قد
بالغتها الخمر وداخلتها، ان عرف ان الغسل لا يبلغ منها مبلغ التطهير
لها، لم ينتفع بشيء منها.
(١) حب: الإحسان (٥٣٦١/١٨٤/١٢) من طريق إسماعيل بن جعفر عن حميد الطويل.
معاني الآثار (٦٤٢٩/٢١٣/٤).

٤٥١
كتاب الأشربة
وفي هذا الحديث أيضا، قبول خبر الواحد، لأنهم قبلوا خبر المخبر
لهم، وهو رجل من المسلمين، ولا شك انهم قد عرفوه، ولذلك قبلوا
خبره، وعملوا به، وأراقوا شرابهم، وقد كان ملكا لهم قبل التحريم.
وفيه أن المحرم لا يحل ملكه، وأن الخمر لا يستقر عليها ملك مسلم
بحال، وفيه انها كانت مباحة معفوا عنها، حتى نزل تحريمها، قال
سعيد بن جبير رحمه الله: كان الناس على أمر جاهليتهم، حتى
يؤمروا، أو ينهوا، وقد كانت الشدة والاسكار موجودين في الخمر قبل
تحريمها، ولم يكن ذلك بموجب لتحريمها، لان العلة في التحريم، ما
يقرع السمع من الكتاب والسنة، وانما كانت الشدة وصفا من أوصاف
الخمر، فلما ورد الشرع بتحريم المسكر، صار الاسكار والشدة فيها
علما للتحريم، بدليل الاعتبار في ذلك، وهذا موضع تنازع فيه من
نفى القياس ومن أثبته، والكلام فيه يطول.
وفي هذا الحديث أيضا، ما كان القوم عليه من البدار الى الطاعة،
والانتهاء عما نهوا عنه.
وفيه حجة لمن قال: ان الخمر لا تخلل، لانه لو جاز تخليلها
والانتفاع بها لكان في اراقتها اضاعة المال، وقد نهى عن اضاعة المال،
ولا يقول أحد فيمن أراق خمرا لمسلم، انه أتلف له مالا، وقد أراق
عثمان بن أبي العاص خمر اليتيم، وأريقت بين يدي رسول الله وَظله .
ومن حديث أنس، ان أبا طلحة، سأل النبي ◌َّو، عن ايتام، ورثوا
خمرا، يجعله خلا، فكرهه(١). وروى مجالد بن سعيد، عن أبي
(١) د (٤ / ٨٢ - ٨٣ / ٣٦٧٥).

فتح البر
٤٥٢
الوداك جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان عندي خمر
لأيتام، فلما نزل تحريم الخمر أمرنا رسول الله وَ له أن نهرقها(١).
وروى سفيان الثوري، عن السدى، عن أبي هبيرة، واسمه يحيى بن
عباد، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي وَلّ في حجره
يتيم، وكان عنده خمر له، حين حرمت الخمر، فقال يا رسول الله،
نصنعها خلا؟ قال: ((لا(٢)). وسنذكر آثار هذا الباب بأسانيدها في باب
زيد بن أسلم، عن أبي وعلة، من هذا الكتاب، فبهذا احتج من كره
تخليل الخمر، ولم يبح أكلها، إذا تخللت. وقالوا: لو جاز تخليلها،
لم يأمر رسول الله وَخلال باراقتها. وقد استؤذن في تخليلها، فقال: لا .
ونھی عن ذلك.
ذهب إلى هذا طائفة من العلماء، من أهل الحديث والرأي، وإليه
مال سحنون بن سعید.
وقال آخرون، لا بأس بتخليل الخمر، ولا بأس بأكل ما تخلل
منها، بمعالجة آدمي، وبغير معالجته، على كل حال، وهو قول
الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والكوفيين.
ومن حجة هؤلاء إجماع العلماء على أن العصير من العنب قبل أن
يسكر حلال، فإذا صار مسكرا حرم، لعلة ما حدث فيه من الشدة
والاسكار، فإذا زال ذلك، عادت الاباحة، وزال التحريم، وسواء
تخللت من ذاتها، أو تخللت بمعالجة آدمي، لا فرق بين شيء من
ذلك، إذا ذهب منها حال الاسكار.
(١) حم (٢٦/٣)، ت (١٢٦٣/٥٦٣/٣) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) م (٣/ ١٥٧٣/ ١٩٨٣)، ت (١٢٩٤/٥٨٩/٣).

٤٥٣
كتاب الأشربة
وأجاز أبو حنيفة وأصحابه مع تخليلها، ان يصنع من الخمر المربى
وغيره، وبأي وجه أفسدت وزالت علة السكر منها طابت عندهم،
وطهرت، وأما غيرهم ممن ذكرنا عنهم اجازة تخليل الخمر، فانهم
لا يجيزون منها غير الخل على أصلها .
ولم يختلف قول مالك وأصحابه، ان الخمر إذا تخللت بذاتها، ان
أكل ذلك الخل حلال.
واختلف قوله في تخليلها فكرهه مرة، وأجازه أخرى، والاشهر عنه
كراهية ذلك، وتحصيل مذهبه انه لا ينبغي لمسلم أن يمسك خمرا، ولا
مسكرا، ليتخلل، ولا ينبغي لاحد ان يخللها، فان فعل أكلها، وكره
له فعل ذلك، وقد روى عن عمر بن الخطاب، وقبيصة، وابن شهاب،
وربيعة، كراهية تخليل الخمر، واجازة أكلها إذا تخللت بذاتها، وهو
احد قولى الشافعي، وهو تحصيل مذهبه، عند أكثر أصحابه، وعلى
هذا أكثر العلماء، لانه يجتمع على هذا القول، مذهب من أجاز
تخليلها بكل وجه فيه ومذهب من أباحها إذا تخللت من ذاتها، وقد
روى عن ابن عمر، جواز تخليل الخمر، من وجه فيه لين، والصحيح
عنه اجازة اكلها، إذا صارت خلا، ذكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن
عبدالله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، انه کان لا یری بأسا، ان
يأكل مما كان خمرا فصار خلا، قال: وأخبرنا عبدالرحمن بن مهدى
عن أبيه، عن مسربل العبدى، عن أمه، قالت: سألت عائشة رضي
الله عنها عن خل الخمر، قالت: لا بأس به، هو ادام.
وروى عن علي رضي الله عنه، انه كان يصطبغ في خل خمر،
وهذا يحتمل ان يكون أراد خل عنب، وذكر ابن أبي شيبة قال: حدثنا

٤٥٤
فتح البر
أزهر، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، انه كان يكره ان يقول
خل خمر، وكان يقول خل عنب وكان يصطبغ فيه .
وقال رسول الله وَالله: ((نعم الادام الخل(١))) وهذا على عمومه.
قال أبو عمر:
وأعدل شيء في هذا الباب، ما روى عن عمر رضي الله عنه فيه،
أخبرنا عبدالوارث، حدثنا قاسم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا سحنون،
أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن
القاسم بن محمد، عن اسلم مولى عمر بن الخطاب، عن عمر بن
الخطاب، انه قال: لا يؤكل خل من خمر افسدت، حتى يبدأ الله
افسادها، فعند ذلك يطيب الخل، قال: ولا بأس على امرئ ان يبتاع
خلا وجده مع أهل الكتاب، ما لم يعلم انهم تعمدوا افسادها، بعدما
عادت خمرا.
قال ابن وهب: وأخبرني يونس، عن ابن شهاب، انه كان يقول:
لا خير في خل من خمر افسدت، حتى يكون الله يفسدها، عند ذلك
يطيب الخل. قال ابن وضاح: ورأيت سحنون يذهب إلى أن الخمر إذا
خللت، لم يؤكل خلها، تعمد ذلك، أو لم يتعمد .
قال أبو عمر :
ليس في النهي عن تخليلها والامر باراقتها، ما يمنع من أكلها، إذا
تخللت من ذاتها، لانه یحتمل ان يكون ذلك كان عند نزول تحريمها،
(١) حم (٣٠١/٣)، م (٢٠٥٢/١٦٢٢/٣)، د (١٦٩/٤ /٣٨٢٠)،
ت (٤/ ٢٤٥/ ١٨٣٩)، جه (٣٣١٧/١١٠٢/٢).

٤٥٥
كتاب الأشربة
لئلا يستدام حبسها، لقرب العهد بشربها، ارادة قطع العادة، ولم يسأل
عن خمر تخللت فنهی عنها .
وقال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم، كان مالك بن أنس يقول
بقول عمر بن الخطاب: لا يؤكل خل من خمر أفسدت، حتى يكون
الله هو الذي بدأ افسادها، قال محمد: وبه أقول، قال: ثم رجع
مالك فقال ان فعل ذلك جاز أكلها، على تكره منه، قال: وقول عمر
أحب إلي.
قال أبو عمر: قد ذكرنا قول من زعم ان العلة في تحريمها الشدة فإذا
زالت حلت، ولکل قول وجه يطول شرحه، والاحتجاج له، وقد زدنا
هذه المسألة بسطا وبيانا في باب زيد بن أسلم، عن أبي وعلة،
والحمد لله.

فتح البر
٤٥٦
باب منه
[٢] مالك، عن زيد بن أسلم عن ابن وعلة المصري : أنه سأل ابن عباس عما
يعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجل لرسول الله وَلآم راوية
خمر، فقال له النبي وَليّ: ((أما علمت أن الله حرمها؟)) قال: لا، قال: فساره
انسان الى جنبه، فقال ◌َله: ((بم ساررته؟)) قال: أمرته ببيعها، فقال رسول
الله ◌َّ: ((ان الذي حرم شربها، حرم بيعها))، قال: ففتح المزادتين حتى
ذهب ما فيهما(١).
ابن وعلة هذا اسمه عبدالرحمن بن وعلة السبئي أصله من مصر،
ثم انتقل إلى المدينة وسكنها، وهو في أهل المدينة معدود، وكان ثقة
من ثقات التابعین، مأمونا على ما روی وحمل. روى عنه زيد بن
أسلم، والقعقاع بن حكيم، وأبو الخير اليزني، وغيرهم.
ذكر إسحاق بن منصور، عن ابن معين، أنه قال: عبدالرحمن بن
وعلة ثقة .
وفي هذا الحديث من الفقه ان ما يعصر من العنب يسمى خمرا في
لسان العرب لكن الاسم الشرعي لا يقع عليها الا أن تغلي وترمى
بالزبد، ويسكر كثيرها، أو قليلها. وفي اللغة قد يسمى العنب خمرا،
لكن الحكم يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي.
وفيه: أن النهي من قبل الله إذا ورد فحكمه التحريم، الا أن يزيحه
عن ذلك دليل يبين المراد منه، ألا ترى إلى قول رسول الله وَالخلال: أما
علمت أن الله حرمها، ثم قال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها،
(١) م (٣/ ١٥٧٩/١٢٠٦)، ن (٣٥٣/٧ - ٣٥٤/ ٤٦٧٨)،
حب: الإحسان (٤٩٤٢/٣١٧/١١).

٤٥٧
كتاب الأشربة
فاطلق عن الله تحريمها .
ولا خلاف بين علماء المسلمين أن تحريمها إنما ورد في سورة
المائدة بلفظ النهي في قوله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى:
فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: (٩٠)]، وإلى: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ﴾. وهذه
الآية نسخت كل لفظ ورد بإباحتها نصاً، أو دليلاً، فنسخت ما جرى
من ذكرها في سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة النحل.
وأجمعت الأمة على أن خمر العنب حرام في عينها قليلها وكثيرها،
فأغنى ذلك عن الاكثار فيها، وقد تقدم في كتابنا هذا في باب الألف
من ذلك ما فيه كفاية، ان شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث دليل أن الخمر لم تكن حراما حتى نزل تحريمها.
وفي سياقة الحديث ما يدل على أن ما سكت الله عن تحريمه
فحلال، وأن أصل الاشياء على الإباحة حتى يرد المنع، ألا ترى أن
المهدى لراوية الخمر في هذا الحديث إنما أهداها اعتقادا منه للإباحة.
ولا خلاف بين أهل الاسلام أن الخمر لم ينزل الله في كتابه انه أمر
بشربها، ثم نسخ ذلك بتحريمها، وفي إجماعهم على ذلك دليل على
صحة ما قلنا، وأن ما عفا الله عنه وسكت، فداخل في باب الإباحة،
الا ترى الى قول سعيد بن جبير حيث قال: كان الناس على أمر
جاهلیتهم حتی یؤمروا أو ینهوا.
وسؤال الصحابة رسول الله وَ له عن الخمر في أول الاسلام، انما
كان لما كانوا يجدونه من الشر، والسفه، عند شربها، على ما جاء
منصوصاً في الآثار في تفسير قوله عز وجل: ﴿﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ

٤٥٨
فتح البر
وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: (٢١٩)] الآية .
وفيه أيضا دليل على ان كل ما لا يجوز أكله، أو شربه، من
الماكولات، والمشروبات، لا يجوز بيعه، ولا يحل ثمنه، لقوله عليه
السلام: ((ان الذي حرم شربها حرم بيعها)) ويوضح ذلك أيضا قول
رسول الله وَّ جله حيث قال: ((لعن الله اليهود - ثلاثا - حرمت عليهم
الشحوم فباعوها، وأكلوا اثمانها، وأن الله إذا حرم على قوم أكل شيء
حرم ثمنه(١))).
وقد احتج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمثل هذا حين بلغه أن
سمرة باع خمرا، فقال: قاتل الله سمرة، أو ما علم، أو ما سمع أن
رسول الله وَّله، قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم
فجملوها فباعوها، وأكلوا أثمانها(٢)).
حدثنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا
أبو داود، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي
حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبدالله: انه سمع
رسول الله وَخلّ يقول عام الفتح- وهو بمكة: ((إن الله حرم بيع الخمر،
والميتة، والخنزير، والأصنام(٣)).
وحدثنا عبدالله بن محمد، حدثنا محمد، حدثنا أبو داود، حدثنا
أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا معاوية بن
(١) حم (٢٤٢/١-٢٩٣-٣٢٢)، د (٣/ ٣٤٨٨/٧٥٨)، حب: الإحسان (٤٩٣٨/٣١٢/١١).
(٢) حم (٢٥/١)، خ (٤/ ٢٢٢٣/٥٢١)، م (٣ /١٢٠٨/ ١٥٨٢)،
ن (٧/ ٢٠٠/ ٤٢٦٧)، جه (٢/ ٣٣٨٣/١١٢٢).
(٣) خ (٤/ ٢٢٣٦/٥٣٣)، م (١٢٠٧/٣/ ١٥٨١)، د (٣٤٨٦/٧٥٦/٣)،
ت (١٢٩٧/٥٩١/٣)، ن (١٩٩/٧- ٤٢٦٧/٢٠٠)، جه (٢١٦٧/٧٣٢/٢).

كتاب الأشربة
٤٥٩
صالح، عن عبدالوهاب بن بخت عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة، قال: ان الله حرم الخمر، وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه (١).
وجميع العلماء على تحريم بيع الدم، والخمر.
وفي ذلك أيضا دليل على تحريم بيع العذرات، وسائر النجاسات
وما لا يحل أكله، ولهذا - والله أعلم - كره مالك بيع زبل الدواب،
ورخص فيه ابن القاسم، لما فيه من المنفعة.
والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وظاهر هذا الحديث
شاهد لصحة ذلك، فلم أر وجها لذكر اختلاف الفقهاء في بيع
السرجين، والزبل، ههنا، لان كل قول تعارضه السنة، وتدفعه، ولا
دليل عليه من مثلها، لا وجه له. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ
وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمُّ﴾
[الأحزاب: (٣٦)].
حدثني عبدالوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا عبيد بن عبدالواحد، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال:
حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف المدني، قال: حدثني زيد بن أسلم
مولى عمر عن عبدالرحمن بن وعلة رجل من أهل مصر انه جاء الى
عبدالله بن عباس، فقال: ان لنا كروما فكيف ترى في بيع الخمر؟
فقال ابن عباس: رأيت رجلا من دوس جاء الى رسول الله وَ ظله، فقال
يا رسول الله، اني أهديت لك هدية، فقال رسول الله صلخلال وما هي؟
قال راوية خمر، فقال رسول الله وَله: ((شعرت ان الله تعالى قد حرم
الخمر بعدك؟)) فأمر الدوسي بها غلامه يبيعها، فلما ولى بها قال
(١) د (٣٤٨٥/٧٥٦/٣).

فتح البر
٤٦٠
رسول الله وَله: ((ماذا أمرت بها؟)) قال: أمرت ببيعها، فقال رسول
الله وَّه: ((شعرت أن الذي حرم شربها، حرم بيعها)).
وفي هذا الحديث أيضاً دليل على أن الإِثم مرفوع عمن لم
يعلم، قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
١٥
[الإسراء: (١٥)].
ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم، آثم - والله أعلم.
وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن الخمر لا يجوز لاحد تخليلها،
ولو جاز لأحد تخليلها ما كان رسول الله وَجله ليدع الرجل أن يفتح
المزادتين حتى ذهب ما فيهما، لأن الخل مال، وقد نهى رسول الله وَ له
عن إضاعة المال(١)، بل كان رسول الله وَ ظله يأمره ان يخللها لقوله
وَالر: ((نعم الادام الخل(٢)). ولأنه وَخلال أنصح الناس للناس، وأدلهم
على قليل الخير وكثيره.
وذكر ابن وضاح ان سحنون كان يذهب هذا المذهب.
وقد اختلف الفقهاء في تخليل الخمر: فقال مالك فيما روى عنه ابن
القاسم، وابن وهب لا يحل لمسلم أن يخلل الخمر، ولكن يهريقها فإن
صارت خلا بغير علاج فهو حلال لا بأس به وهو قول الشافعي،
وعبيد الله بن الحسن البصري، وأحمد بن حنبل. وروی اشهب عن
مالك قال: إذا خلل النصراني خمرا فلا بأس بأكله، وكذلك ان خللها
(١) لعل المصنف أشار بهذا القول إلى حديث رسول الالله وَيقول: ((إن الله كره لكم ثلاثا قيل
وقال: وإضاعة المال وكثرة السؤال)). أخرجه:
حم (٢٤٩/٤)، خ (٣/ ١٤٧٧/٤٣٤)، م (٣/ ١٣٤١/ ٥٩٣ [١٣]).
(٢) حم (٣٠١/٣)، م (٢٠٥٢/١٦٢٢/٣)، د (٣٨٢٠/١٦٩/٤)،
ت (٤ / ١٨٣٩/٢٤٥)، جه (٣٣١٧/١١٠٢/٢).