Indexed OCR Text

Pages 561-580

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٦١
قال أبو عمر:
ومن حجة من ذهب مذهب أبي المصعب: أن الوقوف بعرفة فرض
مجتمع عليه في موضع معين، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين، ولا يقين مع
الاختلاف .
قال أبو عمر: قد ذكرنا فرض الوقوف بعرفة بالليل والنهار وما في ذلك
من تنازع علماء الامصار ووجوه ذلك كله ومعانيه في باب ابن شهاب عن
سالم، وكذلك مضى القول في باب، ابن شهاب عن سالم في أحكام الوقوف
بالمزدلفة والمبيت بها ممهدا ذلك کله مبسوطا واضحا والحمد لله.
أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود،
حدثنا ابن نفيل، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله
ابن صفوان، عن يزيد بن سنان، قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن
بعرفة في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال: أنا رسول رسول الله وَله
إليكم يقول: قفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم(٢).
وروى هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: كانت قريش ومن
دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر الناس يقفون
بعرفة؛ قالت: فلما جاء الإسلام، أمر الله نبيه أن يأتي عرفات فيقف بها، ثم
يفيض منها، فذلك قوله: ((ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس (١)).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) د(١٩١٩/٤٦٩/٢)، ت (٨٨٣/٢٣٠/٣) وقال: حسن صحيح. ن في الكبرى
(٤٠١٠/٤٢٤/٢)، جه (٣٠١١/١٠٠١/٢)، ك (٤٦٢/١) وقال: صحيح الإسناد ووافقه
الذهبي. هق (١١٥/٥)، البغوي (١٩٢٧/١٥٧/٧).

=٥٦٢
فتح البر
وأما بطن محسر، فقد ثبت عن النبي وَ يول أنه أسرع السير في بطن
محسر.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال
حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثنا أبي، قال حدثنا وكيع، قال
حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر- أن النبي وَليل أوضع في وادي
محسر (٢).
ورواه أبو نعيم، والقطان، وابن مهدي، ومحمد بن کثیر، عن الثوري،
قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر، عن النبي وَلِّ مثله(٣).
قال أبو عمر:
الايضاع سرعة السير، وذكر ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن
سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه،
عن علي بن أبي طالب أن رسول الله وَله وقف بعرفة وقال: هذا الموقف-
وكل عرفة موقف - ثم دفع فجعل يسير العنق ويقول السكينة حتى جاء
المزدلفة فجمع بها بين الصلاتين، ثم وقف بالمزدلفة على قزح قال: هذا
الموقف، وكل المزدلفة موقف، ثم دفع فجعل يسير العنق - وهو يقول:
السکینة أيها الناس حتى وقف على محسر فعرج - راحلته فخبت به حتی
خرج عنه، ثم سار سيره الأول حتى رمى، ثم دخل المنحر فقال: هذا
المنحر، وكل منى منحر (١).
(١) خ (٤٥٢٠/٢٣٦/٨)، م (١٢١٩/٨٩٣/٢[١٥١])، د (١٩١٠/٤٦٦/٢)،
ت (٣/ ٨٨٤/٢٣١)، ن (٣٠١٦/٢٨١/٥)،. هق (١١٥/٥)،
البغوي (١٩٢٥/١٤٩/٧).
(٢) حم (٣٠١/٣)، ت (٨٨٦/٢٣٤/٣) وقال: حسن صحيح. ن (٣٠٥٣/٢٩٥/٥).
(٣) د (٢ / ٤٨٢ / ١٩٤٤).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٦٣
وفي حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر- الحديث الطويل في
الحج، رواه عن جعفر جماعة من أئمة أهل الحديث- وفيه، حتى أتى عرفة
فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها .
وفيه أنه أردف الفضل بن عباس حتى أتى محسر فحرك قليلا.
وروى هشام بن عروة، عن أبيه- أن عمر بن الخطاب كان يحرك في
محسر ويقول:
اليك تعدو قلقا وضينها مخالفا دين النصارى دينها
وزاد غير هشام :
معترضا في بطنها جنينها قد ذهب الشحم الذي یزینھا
(١) من طريق: زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي، أخرجه:
د (٢ / ٤٧٨/ ١٩٣٥) مختصراً. ت (٨٨٥/٢٣٢/٣) وقال: حديث علي حديث حسن صحيح.
جه (٢/ ٣٠١٠/١٠٠١) مختصرا.

٥٦٤
فتح البر
وقت الوقوف بعرفة والصلاة والخطبة
[١٩] مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنه قال: كتب عبد الملك بن
مروان الى الحجاج بن يوسف أن لا تخالف عبد الله بن عمر في أمر الحج، قال:
فلما كان يوم عرفة، جاءه عبد الله بن عمر حين زاغت الشمس -وأنا معه-
فصاح به عند سرادقه: أين هذا؟ فخرج اليه الحجاج - وعليه ملحفة معصفرة
فقال: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح - إن كنت تريد السنة. فقال:
أهذه الساعة؟ قال: نعم، قال: فانظرني حتى أفيض علي ماء ثم أخرج. فنزل
عبد الله حتى خرج الحجاج، فصار بيني وبين أبي، فقلت له: إن كنت تريد أن
تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الصلاة قال: فجعل ينظر إلى عبد الله بن
عمر کیما يسمع ذلك منه، فلما رأى ذلك عبد الله، قال: صدق(١).
قد ذكرنا عبد الله بن مروان في غير موضع من كتبنا. وأما الحجاج،
فهو الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، أمه فارعة بنت همام
ابن عقيل بن عروة بن مسعود الثقفي، كانت قبل أبيه تحت المغيرة بن شعبة .
کان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا أن لا یروی عنه، ولا يؤثر حديثه، ولا
يذكر بخير، لسوء سره، وإفراطه في الظلم، ومن أهل العلم طائفة تكفره،
وقد ذكرنا أخبارهم فيه بذلك في باب مفرد له، ولي الحجاز ثلاث سنين،
وولي العراق عشرين سنة، قدم علیھم سنة خمس وسبعین، ومات سنة خمس
وتسعین.
روى سفيان بن عيينة، عن سالم بن أبي حفصة، قال: لما أتى الحجاج
بسعید بن جبير، قال: إنه شقي بن کسیر. فقال: ما أنا الا سعيد بن جبير،
بذلك سماني أبواي، قال: لأقتلنك، قال: اذا أکون کما سماني أبي سعيدا،
وقال: دعوني أصلي ركعتين، فقال الحجاج: وجهوه الى قبلة النصارى،
فقال: سعید: ((فأینما تولوا فثم وجه الله)). قال: فضرب عنقه.
(١) خ (٣/ ١٦٦٠/٦٥١) و(١٦٦٣/٦٥٦/٣)، ن (٣٠٠٥/٢٧٨/٥) و(٣٠٠٩/٢٨٠/٥).

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٦٥
قال سفيان: فلم یقتل بعد سعید بن جبير الا رجلا واحدا .
قال أبو عمر:
هذا الحديث يخرج في المسند، لقول عبد الله بن عمر للحجاج:
الرواح هذه الساعة إن كنت تريد السنة ولقول سالم: إن كنت تريد أن
تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الصلاة. وقول ابن عمر: صدق.
وروى معمر عن الزهري أنه كان شاهدا مع سالم وأبيه هذه القصة مع
الحجاج، وذكر ذلك عبد الرزاق وغيره، عن معمر، عن الزهري، وذلك
عند أهل العلم وهم من معمر. وقال يحيى بن معين، وهم في ذلك معمر،
وابن شهاب لم یر ابن عمر ولا سمع منه شيئا. وقال احمد بن عبد الله بن
صالح: قد روی الزهري عن عبد الله بن عمر نحو ثلاثة أحاديث.
قال أبو عمر: هذا مما لایصححه أحد سماعا، وليس لابن شهاب
سماع من ابن عمر، غير حديث معمر هذا-إن صح عنه. وأما محمد بن
یحیی الذهلي النيسابوري، فقال: ممکن أن یکون الزهري قد شاهد ابن عمر
مع سالم في قصة الحجاج، واحتج برواية معمر، وفيها: فركب هو وسالم وأنا
معهما حین زاغت الشمس، وفيها قال الزهري: وكنت يومئذ صائما، فلقيت
من الحر شدة قال محمد بن يحيى: وقد روى ابن وهب، عن عبد الله
العمري عن ابن شهاب نحو رواية معمر في حديثه.
قال ابن شهاب: وأصاب الناس في تلك الحجة من الحر شيء لم
یصبنا مثله. واحتج أيضا بأن عنبسة روی عن یونس، عن ابن شهاب قال:
وفدت الی مروان۔ وأنا محتلم، قال: ومروان مات سنة خمس وستین، ومات
ابن عمر في تلك الحجة سنة ثلاث وسبعين، قال: وأظن مولد الزهري سنة
خمسين أو نحو هذا وموته سنة اربع وعشرين ومائة. فممكن ان يكون شاهد

=٥٦٦
فتح البر
ابن عمر في تلك الحجة، فلست أدفع رواية معمر، هذا كله كلام الذهلي.
وذكر الحلواني قال: سمعت أحمد بن صالح يقول: قد أدرك الزهري
الحرة وهو بالغ وعقلها- أظنه- قال: وشهدها وكانت الحرة في أول خلافة
یزید بن معاوية، وذلك سنة احدی وستین.
قال أبو عمر: أما رواية معمر لهذا الحديث- فيما ذكر عبدالرزاق-
قال: أنبأنا معمر عن الزهري، قال: كتب عبد الملك بن مروان الى الحجاج
أن اقتد بابن عمر في مناسك الحج، فأرسل اليه الحجاج يوم عرفة: إذا أردت
أن تروح فآذنا، فراح هو وسالم وأنا معهما حين زاغت الشمس، فوقف بفناء
الحجاج فقال ما يحسبه؟ فلم ينشب أن خرج الحجاج فقال: إن أمير المؤمنين
كتب الي أن أقتدي بك، وأن آخذ عنك. فقال له سالم: إن أردت السنة
فأوجز الخطبة والصلاة .
قال الزهري: وكنت يومئذ صائما، فلقيت من الحر شدة. وذكر الحسن
ابن علي الحلواني قال : حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري في
حديثه الذي ذكر أن عبد الملك بن مروان كتب الى الحجاج أن اقتد بابن عمر
في مناسك الحج. قال: وقال الزهري: وأنا يومئذ بینھما وکنت صائما،
فلقيت من الحر شدة.
وذكر الحسن بن علي، قال حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن
الزهري في حديثه الذي ذكر أن عبد الملك بن مروان كتب الى الحجاج: اقتد
بابن عمر في مناسك الحج. فأرسل إليه الحجاج قال: وقال الزهري: وأنا
يومئذ بينهما- وكنت صائما. فلقيت من الحر شدة قال عبد الرزاق فقلت
لمعمر: فرأى الزهري ابن عمر؟ قال: نعم، وقد سمع منه حدیثین، فسلني
عنهما أحدثکهما قال: فجعلت أتحین خلوته لأن أسأله عنهما ولا یکون معنا

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٦٧ :
احد قال: فلم یمکني ذلك حتى أنسیته فما ذكرت حتی نفضت يدي من
قبره، فندمت بعد ذلك، فقلت: وما ضرني لو سمعتهما وسمع معي غيري .
فهذا يدل على أن الحديث الثاني لم يسمع من معمر، ولا أنه ذكر فيما علمت
عند أحد من أهل العلم. قال أحمد بن خالد ان الحديث الآخر في الحج،
وهذا لا يوجد ولا يعرف- والله أعلم.
قال الحلواني: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال: أنبأنا شريك، عن
خالد بن ذؤيب عن الزهري، قال: رأيت ابن عمر يمشي أمام الجنازة،
قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: أنبأنا عنبسة بن خالد ابن أخي يونس بن
يزيد، عن الزهري، قال: وفدت الى مروان بن الحكم وأنا محتلم.
قال الحسن: ومات ابن مروان سنة أربع وسبعين في أولها، الا أنه حج
سنة ثلاث وسبعين، ومات بعد الحج. ومنهم من يقول: مات في آخر سنة
ثلاث وسبعین .
وفي هذا الحديث فقه، وآداب، وعلم من امور الحج كثير، فمن ذلك
مشي الرجل الفاضل مع السلطان الجائر فيما لا بد منه، ولا نقيصة عليه فيه.
وفيه تعلیم الرجل الفاجر السنن- إذا کان لذلك وجه ولعله ينتفع بها .
وتصرفه عن غيه وفيه الصلاة خلف الفاجر من السلاطين. ما كان اليهم
اقامته، مثل الحج والجمعة والاعياد، ولاخلاف بين العلماء ان الحج يقيمه
السلطان للناس، ويستخلف علی ذلك من یقیمه لهم على شرائعه وسننه،
ويصلي خلفه الصلوات كلها برا كان، أو فاجرا، أو مبتدعا، ما لم تخرجه
بدعته من الاسلام.
وفي هذا الحديث أن رواح الامام من موضع نزوله بعرفة الى مسجدها
حين نزول الشمس، وان الجمع بين الظهر والعصر في المسجد في اول وقت

-
: ٥٦٨
فتح البر
الظهر سنة. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكذلك فعل رسول الله
وَل﴿ه، ويلزم كل من بعد عن المسجد بعرفة أو قرب، الا أن يكون متصلا
موضع نزوله بالصفوف، فان لم يفعل وصلى بصلاة الامام وفهمها فلا حرج.
وروي عن النبي ﴾﴾ انه نزل بنمرة من عرفة(١)، وحیثما نزل من عرفة فجائز،
وكذلك وقوفه منها حيثما وقف فجائز، الا بطن عرفة، فاذا زاغت الشمس
راح إلى المسجد بعرفة، فصلى بها الظهر والعصر - جميعا مع الامام على ما قلنا
في أول وقت الظهر.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا أبو
داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا وكيع، قال: حدثنا نافع بن
عمر، عن سعيد بن حسان، عن ابن عمر، قال: لما قتل الحجاج ابن
الزبير، أرسل إلى ابن عمر: أية ساعة كان رسول الله وَل يروح في هذا اليوم؟
قال: إذا كان ذلك رحنا، فلما أراد ابن عمر ان يروح، قال: أزاغت
الشمس؟ قالوا: لم تزغ، ثم قال: زاغت الشمس؟ فلما قالوا: قد زاغت،
ارتحل(٢). وفي حديث جابر: ان النبي وَّ لما زاغت الشمس، أمر
بالقصوی، فرحلت له، واتی بطن الوادي وخطب الناس! ثم أذن بلال، ثم
أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم راح الى
الموقف(٣).
قال أبو عمر: هذا كله ما لا خلاف بين علماء المسلمين فيه، وأما وقت
الرواح من منى إلى عرفة، فليس هذا موضع ذكره، وكذلك قوله {وَ له : عرفة
(١) جزء من حديث جابر الطويل في وصفه حجة النبي ولهم وقد سبق تخريجه في باب " ما جاء في
التخيير في النسك عند الإهلال".
(٢) د (٢/ ١٩١٤/٤٦٨)، جه (٣٠٠٩/١٠٠١/٢).
(٣) ن في الكبرى (١٥٧٥/٤٩١/١)، هق (١١٤/٥)، وهو جزء من حديث جابر الطويل.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٦٩
=
كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرفة، وسيأتي ذكره، ونوضح القول فيه
بموضعه من کتابنا هذا، وذلك عند ذكر مراسل مالك- إن شاء الله.
واختلف الفقهاء في وقت أذان المؤذن بعرفة للظهر والعصر، وفي
جلوس الامام للخطبة قبلها، فقال مالك: يخطب الامام طويلا، ثم يؤذن
المؤذن وهو يخطب ثم يصلي، ذكر ذلك ابن وهب عنه، وهذا معناه أن
يخطب الامام صدرا من خطبته، ثم يؤذن المؤذن، فيكون فراغه مع فراغ الامام
من الخطبة، ثم ينزل فيقيم. وحكى عنه ابن نافع انه قال: الاذان بعرفة بعد
جلوس الامام للخطبة. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: إذا صعد
الامام المنبر، أخذ المؤذن في الاذان، فاذا فرغ المؤذن، قام الامام يخطب، ثم
ينزل ويقيم المؤذن للصلاة، وبمثل ذلك سواء.
قال أبو ثور: وقال الشافعي يأخذ المؤذن في الاذان إذا قام الإمام
للخطبة الثانية، فيكون فراغه من الاذان بفراغ الامام من الخطبة، ثم ينزل،
فيصلي الظهر، ثم يقيم المؤذن الصلاة.
وقال مالك - وسئل عن الامام إذا صعد المنبر يوم عرفة، أيجلس قبل
أن يخطب؟ قال: نعم، ثم يقوم فيخطب طويلا، ثم يؤذن المؤذن وهو
يخطب، ثم يصلي. ذكره ابن وهب عنه، قال: وقال مالك: يخطب
خطبتين. وفي قول أبي حنيفة وأصحابه مما قدمنا- ما يدل على أن الإمام
يجلس، فاذا فرغ المؤذن، قام فخطب.
وقال الشافعي: إذا أتى الامام المسجد، خطب الخطبة الاولى، ولم
يذكر جلوسا عند الصعود، فاذا فرغ من الاولى، جلس جلسة خفيفة، قدر
قراءة: ((قل هو الله أحد)) ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى. وأجمع العلماء على
أن الامام لا يجهر بالقراءة في الظهر والعصر بعرفة، لا في يوم الجمعة ولا

فتح البر
: ٥٧٠
غيرها، وأجمعوا أن رسول الله وَّيه كذلك فعل - لم يجهر.
وأجمعوا على أن الرسول وَيقول صلى الظهر والعصر يوم عرفة إذا جمع
بينهما ركعتين. وأجمعوا على أن الرسول وَ ال كان يومئذ مسافرا ولم ينو إقامة،
لانه أكمل عمل حجه، وعجل الانصراف واختلف في قصر الامام إذا كان
مكيا أو من أهل منى بعرفة، فقال مالك: يصلي أهل مكة ومنى بعرفة
ركعتين، ركعتين، ما أقاموا يقصرون بالصلاة، حتى يرجعوا الى أهليهم،
وأمير الحاج أيضا كذلك إذا كان من أهل مكة، قصر الصلاة بعرفة وايام
منى، قال: وعلى ذلك الامر عندنا، فان كان احد ساكنا بمنى مقيما، أتم
الصلاة إذا كان بمنى، وعرفة ايضا كذلك، قال مالك وأهل مكة: يقصرون
الصلاة بمنى، وأهل منى يقصرون الصلاة بعرفة، وأهل عرفة يقصرون
الصلاة بمنى، وهو قول الاوزاعي سواء.
ومن حجتهم، أن رسول الله وَلّر، وأصحابه رضي الله عنهم لم يصلوا
في تلك المشاهد کلها الا ركعتين، وسائر الأمراء هکذا لا يصلون الا ركعتين،
فعلم أن ذلك سنة الموضع، لأن من الامراء مكيا وغير مكي، واحتجوا أيضا
بما رواه يزيد بن عياض عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ان النبي وَّ
استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وأمره أن يصلي بأهل مكة ركعتين. وهذا
خبر عند أهل العلم بالحديث منكر، لا تقوم به حجة لضعفه ونكارته.
وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، الشافعي، وأبو ثور، وأحمد،
واسحاق، وداود: من كان من أهل مكة، صلى بمنى وعرفة أربعا، لا يجوز
له غير ذلك.
وحجتهم ان من کان مقیما، لا يجوز له ان یصلي ركعتين، وکذلك من
لم يكن سفره سفرا تقصر في مثله الصلاة، فحكمه حكم المقيم! وقد تقدم

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٧١ _
ذكرنا أن السنة المجمع عليها، الجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر- يوم
عرفة مع الامام. واختلف الفقهاء فيمن فاتته الصلاة يوم عرفة مع الامام.
هل له ان يجمع بينهما أم لا؟ فقال مالك: له أن يجمع بين الظهر والعصر إذا
فاته ذلك مع الامام، وكذلك المغرب والعشاء، يجمع بينهما بالمزدلفة، قال :
فان احتبس إنسان دون المزدلفة لموضع عذر، جمع بينهما أيضا قبل أن يأتي
بالمزدلفة، ولا يجمع بينهما حتى يغيب الشفق.
وقال الثوري: صل مع الامام بعرفات الصلاتین ان استطعت، ان
صليت في رحلك، فصل كل صلاة لوقتها. وكذلك قال أبو حنيفة: لا
يجمع بينهما الا من صلاهما مع الامام، واما من صلى وحده، فلا يصلي كل
صلاة منهما الا لوقتها، وهو قول إبراهيم ، وقال الشافعي، وأبو يوسف،
ومحمد، وأبو ثور، وأحمد، واسحاق: جائز أن يجمع بينهما من المسافرين من
صلى مع الامام، ومن صلى وحده - اذا كان مسافرا، وعلتهم في ذلك ان جمع
رسول الله ويقول انما كان من اجل السفر، ولكل مسافر الجمع بينهما لذلك،
وكان عبد الله بن عمر يجمع بينهما، وهو قول عطاء.
وأجمع العلماء ان الامام لا يجهر في صلاة الظهر ولا العصر يوم عرفة،
وفي ذلك دليل على صحة قول من قال: لا جمعة يوم عرفة، وهو قول مالك،
والشافعي، ومحمد بن الحسن.
واختلف العلماء في الأذان للجمع بين الصلاتين بعرفة: فقال مالك:
يصليهما بأذانين وإقامتين على ما قدمنا من قوله في صلاتي المزدلفة، والحجة
له قد تقدمت هناك، وقال الشافعي، والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو
ثور ، وأبو عبيد، والطبري: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين: إقامة لكل
صلاة .
واختلف عن أحمد بن حنبل، فروى عنه الكوسج، وعن إسحاق بن

فتح البر
٥٧٢
راهويه أيضا الجمع بين الصلاتين بعرفة بإقامة إقامة، وقال الأثرم، عن أحمد
ابن حنبل: من فاتته الصلاة مع الامام، فان شاء جمع بینھما بأذان واقامتین،
وإن شاء بإقامة إقامة .
وفي لبس الحجاج المعصفر وترك ابن عمر الانكار عليه مع امر عبد
الملك إياه أن لا يخالف عبد الله بن عمر في شيء من أمر الحج دليل على أنه
مباح، وان کان أکثر أهل العلم یکرهونہ، وانما قلنا إنه مباح، لانه لیس
بطيب، وإنما كرهوه لانه ينتفض. وذكر ذلك ابن بكير عن مالك، قال:
انما كره لبس المصبغات لانها تنتقض، وليس هذا عند القعنبي، ولا يحيى،
ولا مطرف، وكان مالك يكره لبس المصبغات للرجال والنساء، وخالف في
ذلك أسماء بنت أبي بكر، وروي عن عائشة مثل قول مالك، رواه الثوري عن
الاعمش، عن إبراهيم ، أن عائشة كانت تكره المثرد بالعصفر، وممن كان
يكره لبس المصبغات بالعصفر في الاحرام: الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه،
وأبو ثور، ورخص فيه الشافعي، لانه ليس بطيب .
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دینار، عن أبي جعفر
محمد بن علي، قال: أبصر عمر بن الخطاب على عبد الله ابن جعفر ثوبين
مضرجين يعني معصفرين وهو محرم، فقال ما هذا؟ فقال علي بن أبي
طالب: ما إخال احدا یعلمنا السنة، فسکت عمر.
أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد، أن أباه حدثه، قال: أنبأنا محمد
ابن فطيس، قال: حدثنا يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال حدثنا عبد الله
ابن مسلمة القعنبي، قال : حدثنا عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، انه قال: كنت اخرج وعلي
ثوبان مضرجان في الحرم مع ابن عمر فلا ینکر علي، وقد كان مالك فيما ذکر
عنه ابن وهب، وابن القاسم، يستحب إيجاب الفدية على من لبس المعصفر

بناء الكعبة وبقية المناسك
-٥٧٣
المصبغ في الاحرام، وهو قول أبي حنيفة والاصل في هذا الباب، أن الطيب
للمحرم بعد الاحرام، لا يحل بإجماع العلماء لنهي رسول الله وَّر المحرم عن
الزعفران والورس، وما صبغ بهما من الثياب المصبغات في الاحرام.
وقال بعض أهل العلم: انما كان ذلك من عمر خوفا من التطرق إلى ما
لا يجوز من الصبغ، مثل الزعفران، والورس، وما أشبههما مما يعد طيبا.
وقال غيره: إنما كان ذلك من عمر الى طلحة، لموضعه من الإمامة، ولانه ممن
يقتدى به، فوجب عليه ترك الشبهة، لئلا يظن به ظان ما لا يجوز أن يظن
بمثله، ویتأول في ذلك علیه .
وفي الحديث أيضا من الفقه، ما يدل على أن تأخير الصلاة بعرفة بعد
الزوال قليلا لعمل يكون من أعمال الصلاة، مثل الغسل والوضوء وما أشبه
ذلك، انه لا بأس به. وفيه الغسل للوقوف بعرفة، لأن قول الحجاج لعبد
الله بن عمر، انظرني حتى أفیض علي ماء، كذلك كان، وهو مذهب عبد
الله بن عمر، وأهل العلم يستحبونه. ذکر مالك عن نافع ان عبد الله بن
عمر، كان يغتسل لاحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوف عشية
عرفة .
وفيه اباحة فتوى الصغير بين يدي الكبير، الا ترى أن سالما علم
الحجاج السنة في قصر الخطبة، وتعجيل الصلاة وابن عمر ابوه الى جانبه.
وقصر الخطبة في ذلك وفي غيره سنة مسنونة، وتعجيل الصلاة في ذلك
الموضع سنة مجتمع عليها في أول وقت الظهر، ثم تصلي العصر بإثر السلام
من الظهر في ذلك اليوم. روینا عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله
وَل( يخطبنا بكلمات قليلة طيبات(١)، وقد ذكرنا هذا الخبر باسناده فيما سلف
من كتابنا هذا، اخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد
(١) د (١١٠٧/٦٦٣/١)، ك (٢٨٩/١) كلاهما بلفظ: كان رسول الله وّ ل ولا يطيل الموعظة يوم
الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات.

: ٥٧٤ :
=
فتح البر
ابن بکر، قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال
حدثنا أبي، قال أنبأنا العلاء، عن عدي بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار
ابن ياسر، قال أمرنا رسول الله وَ له باقصار الخطب(١).
وأنبأنا عبد الرحمن بن یحیی، قال : حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا
محمد بن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا سعيد بن عبدالرحمان المخزومي، قال:
حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن حبيب، عن عبد الله بن كثير، عن
عمار بن ياسر، قال امرنا رسول الله وَله أن نقصر الخطبة ونطيل الصلاة (٢)
وبه عن سفيان، عن الاعمش، عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل، قال:
من فقه الرجل، قصر الخطبة وطول الصلاة.
وأجمع الفقهاء جميعا على أن الامام لو صلى بعرفة يوم عرفة بغير خطبة،
أن صلاته جائزة، وانه يقصر الصلاة إذا كان مسافرا وان لم يخطب. وأجمعوا
ان الخطبة قبل الصلاة يوم عرفة، وأن رسول الله وَلهل قرأ فيها فأسر القراءة،
إنما هي ظهر، ولكنها قصرت من أجل السفر- والله أعلم.
وأما قوله في هذا الحديث: وعجل الصلاة، فكذلك رواه يحيى، وابن
القاسم، وابن وهب، ومطرف. وقال فيه القعنبي، واشهب: ان كنت ترید
الوقوف -وهو عندي غلط- والله أعلم، لأن أكثر الرواة عن مالك على
خلافه، وتعجيل الصلاة بعرفة سنة ماضية على ما قدمنا ذكره.
وقد يحتمل ما قاله القعنبي أيضا، لأن تعجيل الوقوف بعد تعجيل
الصلاة والفراغ منها سنة أيضا، وقد ذكرنا احكام الصلاة بعرفة، وذكرنا ما
أجمعوا عليه منها، وما اختلفوا فيه- والحمد لله.
(١) تقدم تخريجه .
(٢) د (١/ ١١٠٦/٦٦٢)، ك (٢٨٩/١) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٧٥
وأما الوقوف بعرفة، فأجمع العلماء في كل عصر وبكل مصر- فيما
علمت- انه فرض لا ينوب عنه شيء، وانه من فاته الوقوف بعرفة في وقته
الذي لا بد منه، فلا حج له. واختلفوا في تعیین ذلك الوقت، وحصره- بعد
إجماعهم على أن من وقف بعرفة قبل الزوال يوم عرفة - فهو في حكم من لم
يقف .
فقال مالك وأصحابه: الليل هو المفترض، والوقوف بعد الزوال،
حتى يجمع بين الليل والنهار سنة، دل على ما أضفنا اليه من ذلك مذهبه
وجوابه في مسائله في ذلك. ذكر ابن وهب وغيره عنه: ان من دفع من عرفة
قبل ان تغيب الشمس، ثم لم ينصرف اليها في ليلة النحر فيقف بها ان حجة
قد فاته، وعليه حج قابل، والهدي ينحره في حج قابل، وهو كمن فاته
الحج
وقال مالك فيما ذكره اشهب بن عبد العزيز عنه أن من دفع بعد
الغروب وقبل الامام، فلا شيء عليه. ولا نعلم احدا من فقهاء الأمصار قال
بقول مالك: إن من دفع قبل الغروب، فلا حج له، وهو قد وقف بعد
الزوال وبعد الصلاة، ولا روينا عن احد من السلف - والله أعلم.
وقال سائر العلماء: كل من وقف بعرفة بعد الزوال، أو في ليلة النحر،
فقد أدرك الحج. فإن دفع قبل غروب الشمس من عرفة، فعلیه دم عندهم،
وحجه تام. قال الكوفيون: فان رجع بعد غروب الشمس، لم يسقط عنه
ذلك الدم الذي کان قد وجب عليه وهو قول أبي ثور.
وقال الشافعي - وهو قول مالك: ان عاد الى عرفة حتى يدفع بعد
المغيب، فلا شيء عليه، وإن لم يرجع حتى يطلع الفجر، أجزأت عنه عند
الشافعي حجته وعليه دم. وحجة من قال بقول الشافعي في أن الليل والنهار

فتح البر
١ = ٥٧٦
بعد الزوال في الوقوف بعرفة سواء الا ما ذكرنا من الدم، حديث عروة بن
مضرس الذي قدمنا ذكره في باب حديث الصلاة بالمزدلفة: قوله پیژ وقد
أتی عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا. وقد ذكرنا هناك من قول اسماعيل ما فيه
بیان لما ذهب اليهمالك.
وقال أبو الفرج وغيره من أصحابنا: الدليل على أن الوقوف ليلا هو
الفرض دون النهار، حكم الجميع لمن أدرك بعض الليل بتمام الحج، وأن
ادراك أوله كإدراك آخره، وهذا يدل على أنه كله وقت للوقوف، ثم اتفقوا أنه
لا حج من دفع من عرفة قبل الزوال وقبل الظهر والعصر، فوجب ان یسوی
کما یسوی بین حکم سائر اللیل، لأنه ما انتفى في بعض الجنس فهو منتف
في سائره، وذکروا کلاما کثیرا لم أر لذكره وجها، وما قدمنا من قول اسماعیل،
وأبي الفرج، في الباب قبل هذا، هو المعتمد عليه في المذهب- والله أعلم.
وأجمعوا أن الوقوف ببطن عرنة من عرفة لا يجوز، لقول رسول الله وله :
وارتفعوا عن بطن عرنة. واختلفوا فيمن وقف بها - ولم يقف من عرفة بغيرها،
فقال مالك: يهريق دما وحجه تام- وقال الشافعي: لا يجزيه، وحجه
فائت. وبه قال أبو المصعب الذي قال: علیه حج قابل والهدي، کمن فاته
الحج.
حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا أحمد بن
شعیب، أنبأنا محمد بن عبد الله بن یزید المقرئ، قال: حدثنا سفيان، عن
بكير بن عطاء الليثي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت
رسول الله وَي يقول: الحج عرفات، فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر،
فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تجعل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٧٧
فلا إثم عليه(١).
قال أبو عمر: ذكر أهل السير والمعرفة بأيام الناس، منهم الزبير
وغيره، أن ابن عمر مات بعقب هذه الحجة بمكة، وان ابن عمر كان له
موقف معروف بعرفة، كان قد وقف فيه مع رسول الله وَليفي، أو رأى رسول
الله وَل قد وقف به عام حجة الوداع، فكان ابن عمر يتبرك بالموقف فيه،
وكان لا يدع الحج كل عام منذ قتل عثمان إلى أن مات بعد ابن الزبير، وكان
يلزم ذلك الموقف، فانطلق مع الحجاج بن يوسف يومئذ حتى وقف في
موقفه الذي كان يقف فيه، وكان ذلك الموقف بين يدي الحجاج، فأمر من
نخس بابن عمر حتى نفرت بن ناقته، فسكنها ابن عمر، ثم ردها الى ذلك
الموقف، فأمر الحجاج أيضا بناقته فنخست فنفرت، فسكنها ابن عمر حتى
سكنت، ثم ردها الى ذلك الموقف، فثقل على الحجاج أمره، فأمر رجلا معه
حربة - يقال أنها كانت مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة، لصق به ذلك
الرجل، وأمر الحربة على قدمه ونخسه بها، فمرض منها أياما، ثم مات
بمكة، وصلى عليه الحجاج يومئذ. وقد ذكرنا خبره بأكثر من هذا في كتاب
الصحابة .
قال أبو عمر: قوله وَله: الحج عرفات. معناه عند أهل العلم، أن
شهود عرفة، به ينعقد الحج، وهو الركن الذي عليه مدار الحج ألا ترى أن
من وطيء بعد الوقوف بعرفة أنه يجبر فعله ذلك بالدم، ومن أصاب أهله قبل
وقوفه بعرفة، فسد حجه عند الجميع، وعلى هذا اجماع العلماء، وهو قول
فقهاء الأمصار، الا ما ذكرنا عن مالك فيمن وطيء يوم النحر قبل جمرة
(١) حم (٣٠٩/٤ -٣١٠)، د (٢ / ٤٨٥ /١٩٤٩)، ت (٨٨٩/٢٣٧/٣- ٨٩٠)،
ن (٣٠٤٤/٢٩٢/٥)، جه (٣٠١٥/١٠٠٣/٢)، هق (١٥٢/٥)، ك (١/ ٤٦٤)،
حب: الإحسان (٩/ ٢٠٣/ ٣٨٩٢).

فتح البر
:٥٧٨
العقبة- على اختلاف عنه، على حسبما أوردناه في باب ابن شهاب، عن
عيسى بن طلحة من هذا الكتاب. وقد ذكرنا في هذا الباب في الوقوف بعرفة
ما فيه شفاء- ان شاء الله. وقد ذكرنا مسألة من اغمي عليه بعرفة قبل
الوقوف بها حتى انصدع الفجر في باب موسى بن عقبة من هذا الكتاب.
وإما الصلاة بعرفة، فلا أعلم خلافا بين علماء المسلمين، أن من لم يشهدها
مع الامام وادرك الوقوف على حسبما تقدم ذكرنا له، ان حجه تام ولا شيء
عليه، وان الوقوف بعرفة في الوقت المذكور- على حسبما ذكرنا- هو المفترض،
وجمع الصلاتين بها سنة مع الامام، وقد جاء في ذلك حديث خالفه الاجماع،
ذكره عبد الزراق قال: قلت للثوري، ان ابن عيينة، حدثني عن عبدة بن أبي
لبابة، عن سويد بن غفلة، ان عمر بن الخطاب قال: من فاتته الصلاة مع
الامام يوم عرفة، فلا حج له، فقال لي : إنها قد جاءت أحاديث لا يؤخذ بها
وقد تركت، هذا منها، وما يضره أن لا يشهدها مع الامام بعرفة قال
الكشوري: قلت لابن أبي عمر: أتعرف هذا الحديث لابن عيينة قال: لا
أعرف. قال: وأما قول القعنبي وأشهب عن مالك في هذا الحديث: وعجل
الوقوف، فان السنة التي لا اختلاف فيها، ان الامام إذا فرغ من الصلاتين
ركب معجلا، وراح الى الموقف، وكذلك يصنع كل من معه ما يركب، لأن
الوقف بعرفة راکبا افضل - ان شاء الله- لمن قدر عليه وقف رسول الله
راکبا، ومن وقف راجلا فلا شيء عليه .

بناء الكعبة وبقية المناسك
٥٧٩
الفطر أفضل من الصيام للحاج في عرفة
[٢٠] مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عمير مولى ابن عباس، عن
أم الفضل بنت الحارث، أن أناسا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله وَيالآن
فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت اليه بقدح
لبن- وهو واقف على بعيره- فشربه(١).
قال أبو عمر:
محمل هذا الحديث- عندنا- أنه كان بعرفة، وقد روي ذلك
منصوصا، وإذا كان بعرفة، فالفطر أفضل تأسيا برسول الله وَ له وقوة على
الدعاء. وقد قال وَله: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة(٢)، ونهى عن صوم
يوم عرفة بعرفة، وتخصيصه بعرفة دليل على أن غير عرفة ليست كذلك، وقد
روي عنه وَّلله فضل صوم عرفة، وأنه يكفر سنتين- والله أعلم.
وقد روي عن ميمونة في هذا الباب مثل حديث أم الفضل - سواء،
حدثناہ أحمد بن سعید، حدثنا ابن أبي دلیم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا
يعقوب بن حمید، حدثنا الدراوردي، عن إبراهيم بن عقبة، عن کریب،
عن ابن عباس، عن ميمونة أنهم تماروا في صيام رسول الله وَطير يوم عرفة:
فقالت ميونة، سأبعث اليه بشراب، فإن كان مفطرا لم يرده، فبعثت اليه
بقدح لبن فشرب والناس ينظرون- يعنى يوم عرفة(١).
وكان مالك ، والثوري، والشافعي يختارون الفطر يوم عرفة بعرفة. قال
(١) خ (٣/ ١٦٦١/٦٥٤)، م (٢/ ٧٩١ / ١١٢٣).
(٢) ت (٣٥٨٥/٥٣٤/٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: هذا حديث
غريب من هذا الوجه. وفي سنده حماد بن أبي حميد. قال ابن عدي: ضعفه بين على ما يرويه،
وحديثه مقارب، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. وباقي رجاله ثقات. البغوي (١٩٢٩/١٥٧/٧)
من طريق مالك عن زياد بن أبي زياد بن أبي عياش عن طلحة بن عبيد الله بن كزيز. وهذا إسناد
مرسل، لکن یتقوی بحديث الترمذي.

فتح البر
٥٨٠
اسماعيل عن ابن أبي أويس، عن مالك، أنه كان يأمر بالفطر يوم عرفة في
الحج، ويذكر أن رسول الله ي لهي كان ذلك اليوم مفطرا.
وقال الشافعي: أحب صوم يوم عرفة لغير الحاج، فأما من حج
فأحب إلي أن يفطر ليقويه الفطر على الدعاء.
قال أبو عمر:
قول الشافعي أحسن شيء في هذا الباب، وكان ابن الزبير وعائشة
يصومان يوم عرفة، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص مثل
ذلك، الا أنه قد جاء عن عمر أنه لم يصم يوم عرفة، وهذا عندي على أنه
بعرفة، لئلا تتضاد عنه الرواية في ذلك! روی سفيان بن عيينة، عن عمرو بن
دينار، عن عطاء، عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب لم يصم يوم عرفة،
وأما عثمان ابن أبي العاص فكان يصومه .
ذکر الفاکھي، قال: حدثنا حسین بن حسن، ويعقوب بن حميد،
قالا حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت حميدا يحدث عن الحسن، قال
لقد رأيت عثمان بن أبي العاص يرش عليه ماء في يوم عرفة- وهو صائم،
وهذا يحتمل أن يكون بغير عرفة أيضا .
قال: وحدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن
جابر، عن أبيه، عن عطاء، قال: صيام عرفة كصيام ألف يوم، وهذا أيضا
بغير عرفة- والله أعلم. وكان إسحاق بن راهويه يميل الى صومه بعرفة وغير
عرفة. وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، وكان عطاء يقول:
أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف، وهذا لئلا يضعفه صومه مع الحر
(١) خ (٤ / ٢٩٧/ ١٩٨٩) من طريق عمرو عن بكير عن كريب عن ميمونة بلفظ مختلف. م
(٢/ ١١٢٤/٧٩١) بنفس إسناد ولفظ البخاري.