Indexed OCR Text
Pages 201-220
الإحرام وصفاته ٢٠١= وأما القفازان، فاختلفوا فيهما أيضا، فروي عن سعد بن أبي وقاص، أنه كان يلبس بناته وهن محرمات القفازين، ورخصت فيهما عائشة أيضا؛ وبه قال عطاء، والثوري، ومحمد بن الحسن وهو أحد قولي الشافعي؛ وقد يشبه أن يكون مذهب ابن عمر، لانه كان يقول: إحرام المرأة في وجهها . وقال مالك: إن لبست المرأة القفازين افتدت، وللشافعي قولان في ذلك، أحدهما تفتدي، والآخر لا شيء عليها . قال أبوعمر: الصواب عندي قول من نهى المرأة عن القفازين، وأوجب عليها الفدية، لثبوته عن النبي ◌َيقر ؛ ولا خلاف بين العلماء بعد ما ذكرنا في أنه جائز للمرأة المحرمة لباس القمص، والخفاف، والسراويلات، وسائر الثياب التي لا طيب فيها، وأنها ليست في ذلك كله کالرجل. وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها، وأنها تخمر رأسها، وتستر شعرها وهي محرمة . وأجمعوا أن لها ان تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها وهي محرمة إلا ما ذكرنا عن أسماء. روى مالك، عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر، أنها قالت: كنا نخمر وجوهنا- ونحن محرمات- مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. وقد يحتمل أن يكون ما روي عن أسماء في ذلك، کنحو ما روي عن عائشة أنها قالت: کنا مع رسول الله ﴾ ونحن محرمون، فإذا مر بنا راكب، سدلنا الثوب من قبل رؤوسنا، واذا جاوزنا الراكب رفعناه . وأجمعوا أن الرجل المحرم لا يخمر رأسه على ما تقدم ذكرنا له، واختلفوا في تخميرة وجهه، فروي عن ابن عمر أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس على فتح البر ٢٠٢٠ المحرم أن لا يغطيه. وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني؛ وروي عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وزید ابن ثابت، وعبدالله بن الزبير، أنهم كانوا يغطون وجوههم وهم محرمون: ذكر مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: أخبرني الفرافصة بن عمير الحنفي، أنه رأى عثمان بن عفان بالعرج يغطي وجهه وهو محرم. وعن عبدالله بن أبي بكر، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة ارجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لاصحابه: كلوا، فقالوا: ولا تأكل؟ فقال: إني لست کھیٹتکم، إنما صيد من أجلي . وعن سعيد بن أبي وقاص، وجابر بن عبدالله، والقاسم بن محمد، وطاوس، أنهم أجازوا للرجل المحرم أن يغطي وجهه. وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبوثور. وقال ابن القاسم: كره مالك للمحرم أن يغطي وجهه وأن يغطي ما فوق ذقنه؛ لأن إحرامه عنده في وجهه ورأسه قيل لابن القاسم: فان فعل؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، ولا أری علیه شيئا لما جاء عن عثمان. وقد روي عن مالك فیمن غطى وجهه- وهو محرم- أنه يفتدي. وفي موضع آخر من كتاب ابن القاسم، قيل: أرأيت محرما غطى وجهه ورأسه في قول مالك؟ قال: قال مالك: إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن ترکه فلم ینزعه مكانه حتی انتفع بذلك افتدى . الإحرام وصفاته ٤ ٢٠٣ = قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم، إلا أن مالكا كان يوسع للمرأة ان تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، وأن كانت لا تريد سترا، فلا تسدل. وأجمعوا ان للمحرم أن يدخل الخباء والفساط، وإن نزل تحت شجرة أن یرمي عليها ثوبا . واختلفوا في استظلاله على دابته، أو على المحمل : فروي عن ابن عمر انه قال أصح لمن أحرمت له، وبعضهم يرفعه عنه؛ وكره مالك وأصحابه أن يستظل المحرم على محمله، وبه قال عبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل؛ وروي عن عثمان بن عفان انه كان يستظل وهو محرم، وأنه أجاز ذلك للمحرم؛ وبه قال عطاء بن ابي رباح، والاسود بن یزید؛ وهو قول ربيعة، والثوري، وابن عيينة، والشافعي وأصحابه؛ وقال مالك: إن استظل المحرم في محمله افتدى، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لاشيء عليه . قال: ولا بأس ان يستظل إذا جافى ذلك عن رأسه؛ وأجمعوا ان المحرم إذا وجد إزارا، لم يجز له لبس السراويل. واختلفوا فيه إذا لم يجد إزارا هل له لبس السراويل، وإن لبسها على ذلك، هل عليه فدية أم لا ؟ . وفي الموطأ سئل مالك عما ذكر عن النبي وقيل أنه قال: من لم يجد إزارا، فليلبس سراويل؟ فقال مالك: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل، لان رسول الله وَيقول نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، قال: ولم يستثن فيها، کما استثنى في الخفين، وقول أبي حنيفة في ذلك کقول مالك، ویرون على من لبس السراويل - وهو محرم- الفدية، وسواء عند مالك وجد الازار أو لم يجد . - ٢٠٤ فتح البر وقال عطاء بن أبي رباح، والشافعي، وأصحابه، والثوري، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وأبوثور، وداود: إذا لم يجد المحرم إزارا، لبس السراويل، ولا شيء عليه؛ وحجة من ذهب إلى هذا، ما حدثناه عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبوداود، قال حدثنا سليمان ابن حرب، قال حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ◌ّهو يقول: السراويل لمن لم يجد الازار، والخف لمن لم يجد النعلين(١). وأخبرنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد؛ وحدثنا سعيد بن نصر، وعبدالوارث، قالا: حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن اسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا عمرو بن دینار، قال أخبرني أبو الشعثاء جابر بن زيد، قال: سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله وَلهول وهو يخطب على المنبر يقول: من لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل(١). وروى زهير عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي وَ ل﴿ مثله(٢). واختلفوا فيمن لم يجد نعلين هل يلبس الخفين ولا يقطعهما: فذهب عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن سالم القداح، وطائفة من أهل العلم غيرهما إلى أن من لم يجد نعلين لبس خفين ولم يقطعهما، وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل، قال عطاء: وفي قطعهما فساد؛ وقال أكثر أهل العلم: إذا لم يجد المحرم نعلين، (١) حم (٢١٥/١-٢٢١-٢٢٨-٢٧٩-٢٨٥-٣٣٦ -٣٣٧)، خ (٤ / ٧٠/ ١٨٤١)، م (٢ / ٨٣٥/ ١١٧٨[٤])، د(٢/ ١٨٢٩/٤١٣)، ت(١٩٥/٣/ ٨٣٤)، ن (٥/ ١٤٢/ ٢٦٧٠- ٢٦٧١)، جه (٢/ ٩٧٧/ ٢٩٣١)، الحميدي (٤٦٩/٢٢٢/١). (٢) حم (٣/ ٣٢٣)، م (٢ / ١١٧٩/٨٣٦)، هق (٥١/٥). الإحرام وصفاته :٢٠٥ =1 لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين؛ وممن قال بهذا مالك بن أنس، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وجماعة من التابعين. وقال الشافعي: ابن عمر قد زاد على ابن عباس شيئا نقصه ابن عباس، وحفظه ابن عمر، وذلك قوله: وليقطعهما أسفل من الكعبين، والمصير إلى رواية ابن عمر أولى. وروى ابن وهب عن مالك، والليث، أن من لبس خفين مقطوعين أو غير مقطوعين إذا كان واجدا للنعلين، فعليه الفدية. وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه إذا لبسهما مقطوعين وهو واجد للنعلين. قال: ومن لبس السراويل، افتدى على كل حال وجد إزارا أو لم يجد، إلا أن يفتق السراويل. واختلف قول الشافعي فيمن لبس الخفين مقطوعين وهو واجد للنعلين، فمرة قال: عليه الفدية، ومرة قال: لا شيء عليه؛ وقال مالك: من ابتاع خفین وهو محرم فجربهما وقاسهما في رجله، فلا شيء عليه، وإن ترکهما حتی منعه ذلك من حر أوبرد أو مطر افتدى. قال أبوعمر: كان ابن عمر يقطع الخفين حتى للمرأة المحرمة، وهذا شيء لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت، ولا بأس بلباس المحرمة الخفاف عند جميعهم، وقد روي عن ابن عمر أنه انصرف عن ذلك: حدثنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن اسحاق، عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم أن عبد الله بن عمر کان يقطع الخفين للمرأة المحرمة؛ ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها، أن رسول الله وَل قد كان أرخص للنساء في الخفين(١)، فترك ذلك. (١) د (٢ / ٤١٤ / ١٨٣١). :٢٠٦ = فتح البر قال أبوعمر: هذا إنما كان من ورع ابن عمر وكثرة اتباعه، ومع هذا، فإنه استعمل ما حفظ علی عمومه حتی بلغہ فیہ الخصوص. ومما وصفت من ورعه وتوقفه، ما حدثناه عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبوداود، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه وجد القر فقال: يا نافع ألق علي ثوبا، قال: فألقيت عليه برنسا؛ فقال: أتلقي علي هذا وقد نهى رسول الله له أن يلبسه المحرم؟ ألا ترى أنه كره أن يلقى عليه البرنس، وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه؛ ولكنه رحمه الله استعمل العموم في اللباس، لان التغطية والامتهان قد يسمى لباسا؛ ألم تسمع إلى قول أنس: فقمت إلی حصیر لنا قد اسود من طول ما لبس. قال أسد، وأبو ثابت، وسحنون، وأبو زيد: قلت لابن القاسم: هل کان مالك یکره للمحرم أن يدخل منکبه في القباء من غير ان يدخل يديه في كميه ولا يزره عليه؟ قال: نعم، قلت: فكان يكره له أن يطرح قميصه على ظهره یتردی به من غير أن يدخل فيه؟ قال: لا، قيل له: فلم كره أن يدخل منكبيه في القباء إذا لم يدخل فيه ولم يزره؟ قال: لان ذلك دخول في القباء ولباس له، فلذلك کرهه. قال أبوعمر: کان أبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور یقولون: لا بأس ان يدخل منكبيه في القباء، وهو قول ابراهيم النخعي؛ وكره ذلك الثوري، واللیث بن سعد، والشافعي. وقال عطاء: لا بأس أن يتردى به. وجملة قول مالك وأصحابه: أن المحرم إذا أدخل كتفيه في قباء افتدى، وإن لم يدخل كتفيه، فلا شيء عليه، وهو قول زفر وقول الشافعي. الإحرام وصفاته = ٢٠٧ = وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه الا ان يدخل فيه يديه، وقال مالك: إن عقد إزاره على عنقه افتدى. وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا شيء عليه . قال أبوعمر: روي عن ابن عمر أنه كره الهميان والمنطقة للمحرم، وروي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك للمحرم. وكذلك روي عن عائشة أنها قالت: اوثق عليك نفقتك، وأجاز ذلك جماعة فقهاء الامصار متقدموهم ومتأخروهم، وعن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق مثل ذلك؛ وقال إسحاق بن راهويه: ليس له أن يعقد السيور، ولکن يدخل بعضها في بعض. وقال مالك: أحب ما سمعت الي في ذلك، ما حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول في المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه: إنه لا بأس بذلك إذا جعل في طرفيها جميعا سيورا يعقد بعضها إلى بعض. وقال ابن علية: قد أجمعوا على أن المحرم ليس له أن يعقد الهميان والازار على وسطه، والمنطقة مثل ذلك. واختلفوا في المحرم يعصب رأسه وجسده عن ضرورة، فقال مالك: لا يفعل ذلك أحد إلا من ضرورة، فان فعل ذلك من غير ضرورة فعليه الفدية، وسواء في ذلك عنده الرأس والجسد. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن عصب رأسه يوما إلى الليل فعليه صدقة، وإن عصب بعض جسده، فلا شيء عليه . قال الشافعي : من عصب رأسه فعليه الفدية، وكذلك إذا شد السير على رأسه أو حمل خرجه على رأسه؛ قال ولا بأس أن يضع يده على رأسه. فتح البر ٢٠٨٥ وقال مالك: لا بأس أن يحمل المحرم خرجه وجرابه على رأسه إذا كان فيه زاده واحتاج إلى ذلك، كما أرخص له في حل منطقة نفسه؛ قال: وأما لو تطوع بحمله، أو آجر نفسه على ذلك، لكان عليه الفدية؛ قال: والاطباق والغراير والاحرجة في ذلك سواء. وجملة قول مالك أنه سواء في المحرم لبس ناسيا أو عامدا، أو تطيب أو حلق ناسيا أو عامدالضرورة أو غير ضرورة، عليه في ذلك كله الكفارة؛ وهو مخير فيها إن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء أطعم ستة مساكين مدين، مدين، لكل مسكين، وإن شاء ذبح شاة؛ قال مالك: وإنما يكون الصيام والطعام مكان الهدي في فدية الاذى وجزاء الصيد لا غير، قال: وأما دم المتعة أو الهدي الواجب على من عجز عن المشي، أو وطيء أهله، أو فاته الحج؛ أو رجل ترك شيئا من الحج فجبره بالدم، أي شيء كان المتروك من حجه؛ فان هذا كله إذا لم يجد الهدي فيه من وجب عليه، صام فقط وليس في شيء من ذلك إطعام؛ قال ابن القاسم والصوم في هذا كله، كصوم المتمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، هذا كله إذا لم يجد الهدي. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما: كل من لبس عامدا، أو تطيب عامدا، فليس بمخير في الكفارة، وإنما عليه الدم لا غير؛ قالوا: فإن کان ذلك من ضرورة، فهو مخير على حسبما تقدم عن مالك: إن شاء صام، وإن شاء نسك بشاة، وإن شاء أطعم ستة مساكين مدين، مدين على حديث كعب بن عجرة، وللشافعي فيمن لبس أو تطيب ناسيا قولان أحدهما لا فدية عليه، والآخر: عليه الفدية. وقال أبو حنيفة، والثوري، والليث بن سعد: الناسي والعامد في وجوب الفدية سواء. وقال داود: لا فدية عليه إن لبس من ضرورة، وإنما عليه الفدية إن الإحرام وصفاته ٢٠٩ = لبس عامدا؛ وإن حلق رأسه لضرورة، فعليه الفدية؛ وإن حلق شعر جسده، فلا فدية عليه لضرورة ولا لغير ضرورة. قال أبوعمر: من لم ير على اللابس الناسي والجاهل شيئا، استدل بحديث يعلى بن أمية في الاعرابي الذي احرم وعليه جبة وصفرة خلوق، فأمره رسول الله وَّه بنزع الجبة، وغسل الخلوق، ولم يأمره بفدية؛ وقد ذكرنا هذا الخبر وأحكامه في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا، ومن أوجب الفدية على الناسي وغيره، فحجته أن الفدية إنما وردت فيمن فعلها من ضرورة، وذلك محفوظ في قصة كعب بن عجرة، فالضرورة وغير الضرورة والنسيان وغيره في ذلك سواء، لانه إذا وجبت على من فعل ذلك من ضرورة فأحرى أن تجب على من فعل ذلك من غير ضرورة؛ والناسي قياس على المضطر، والعامد أحرى بذلك وأولى. واختلفوا فيمن لبس أو تطيب في مواطن، فقال مالك: إن لبس القميص والسراويل والعمامة والقلنسوة وما أشبه ذلك من الثياب في فور واحد، وكانت حاجته إلى ذلك كله في فور واحد، فعليه كفارة واحدة؛ وكذلك إن تطيب مرارا في موطن واحد، وفور واحد، فعليه فدية واحدة؛ وإن كان ذلك في أحوال مختلفة، فعليه لكل مرة فدية، فدية؛ وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والليث، وهو أحد قولي الشافعي؛ وقال محمد بن الحسن، والاوزاعي وهو أحد قولي الشافعي أيضا: ليس عليه إلا كفارة واحدة ما لم يكفر، فإن كفر ثم صنع شيئا من ذلك، فعليه كفارة أخرى؛ وقد روي عن مالك أنه عليه في كل ما يلبس أو يتطيب فدية بعد فدية أبدا. وأما الثوب المصبوغ بالورس والزعفران، فلا خلاف بين العلماء أن لباس ذلك لا يجوز للمحرم على ما جاء في حديث ابن عمر هذا، فان غسل ذلك الثوب حتى تذهب ريح الزعفران منه وخرج عنه، فلا بأس به عند جميعهم أيضا . ٢١٠ = فتح البر وكان مالك فيما ذكر ابن القاسم عنه يكره الثوب الغسيل من الزعفران والورس إذا بقي فيه من لونه شيء، وقال : لا يلبسه المحرم وإن غسله إذا بقي فيه شيء من لونه، إلا ان لا يجد غيره؛ فان لم يجد غيره، صبغه بالمشق وأحرم فيه . وقد روی یحیی بن عبد الحميد عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ ﴿ هذا الحديث، فقال فيه: ولا تلبسوا ثوبا مسه ورس أو زعفران، إلا أن يكون غسيلا(١). وقال الطحاوي عن ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين وهو يتعجب من الحماني كيف يحدث بهذا الحديث؟ فقال له عبد الرحمن بن مهدي: هذا عندي، ثم وثب من فوره فجاء بأصله، فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما قال الحماني؛ والورس نبات یکون بالیمن کشبه العصفر، صبغه ما بين الصفرة والحمرة، ورائحته طيبة . واختلفوا في العصفر، فجملة مذهب مالك وأصحابه: أن العصفر لیس بطيب، ویکرهون للحاج استعمال الثوب الذي ينتفض في جلده، فان فعل، فقد أساء ولا فدية عليه عندهم، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: العصفر طيب، وفيه الفدية على من استعمل شيئا منه في اللباس وغيره إذا استعمله وهو محرم؛ فهذه جمل ما في هذا الحدیث من الاحكام والحمد لله على عونه، لا شريك له. (١) ابن خزيمة (٤/ ٢٥٩٧/١٦٢) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. الإحرام وصفاته ٢١١ باب منه [٧] مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: نهى رسول الله وَل أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بزعفران أو ورس، وقال: من لم يجد نعلین فليلبس خفين، وليقطعهما اسفل من الكعبين(١). وقد مضى القول في معنى هذا الحدیث کله في باب نافع، عن ابن عمر، من كتابنا هذا، فلا معنى لاعادة شيء من ذلك ههنا . (١) حم (٢/ ٤٧)، خ (٣٧٩/١٠/ ٥٨٥٢)، م (٢ / ٨٣٥/ ١١٧٧[٣])، جه (٢٩٣٠/٩٧٧/٢). ٢١٢ فتح البر باب منه [٨] مالك، عن حميد بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح أن أعرابيا جاء إلى رسول الله وَل وهو بحنين وعلى الاعرابي قميص وبه اثر صفرة فقال: يا رسول الله، اني أهللت بعمرة فکیف تأمرني أن أصنع، فقال له رسول الله وَلقر: انزع قميصك هذا واغسل هذه الصفرة عنك وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك(١). هذا حديث مرسل عند جميع رواة الموطأ فيما علمت ولكنه يتصل من غير رواية مالك من طرق صحيحة ثابتة عن عطاء بن أبي رباح، وهو محفوظ من حديث يعلى بن أمية، عن النبي وَلقول، رواه عن عطاء بن أبي رباح جماعة، منهم: أبو الزبير وعمرو بن دینار وقتادة وابن جريج وقیس بن سعد وهمام بن یحیی ومطر وابراهيم بن یزید وعبد الملك بن أبي سلیمان ومنصور بن المعتمر وابن أبي ليلى والليث بن سعد. وأحسنهم رواية له عن عطاء. وأتقنهم ابن جريج وعمرو بن دینار وإبراهیم بن یزید وقیس بن سعد وهمام ابن یحیی، فان هؤلاء کلهم رووه عن عطاء عن صفوان بن یعلی بن أمیة عن أبيه عن النبي وَّر، وهو الصواب فيه. وغيرهم رواه عن عطاء عن يعلى وليس بشيء. حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن عثمان بن السکن، قال حدثنا محمد بن یوسف، قال حدثنا محمد بن اسماعيل البخاري؛ وحدثنا سعيد بن نصر - واللفظ بحديثه- قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا حدثنا أبو نعيم الفضل بن دکین، قال حدثنا همام قال حدثنا عطاء، قال (١) هذا حديث مرسل وسيأتي مسندا. الإحرام وصفاته ٢١٣ = حدثنا صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه أن رجلا أتى النبي ونَ *و وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخلوق، أو قال صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي، قال فأنزل على النبي ◌َّيقر واستتر بثوب. قال وکان یعلى يقول وددت أني قد رأيت رسول الله ◌َّ ﴾ وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: يا يعلى، أيسرك أن تنظر الى رسول الله وَله وقد أنزل عليه، قال: قلت نعم، فرفع طرف الثوب فنظرت اليه ف إذا له غطيط وأحسبه كغطيط البكر، قال فلما سرى عنه قال: ((أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة واغسل عنك اثر الخلوق أو قال أثر الصفرة، واصنع في عمرتك كما صنعت في حجك)) قال: ((وأتاه رجل آخر قد عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته التي عض بها، فابطله النبي (وٍَّ))(١) حدثنا عبد الله بن محمد ابن عبد المؤمن بن یحیی قال حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن کثیر قال حدثنا همام، قال سمعت عطاء، قال أخبرنا صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، أن رجلا أتى النبي حملة وهو بالجعرانة فذكره سواء(١). وذكر عبد الرزاق، قال أخبرنا إبراهيم بن يزيد أنه سمع عطاء يقول: أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أن يعلى قال لعمر: وددت أني رأيت رسول الله وَّ ل حين يوحى اليه، فلما كان بالجعرانة أتاه أعرابي وعليه جبة وهو متضمخ بخلوق وقد أحرم بعمرة، فقال : افتني يا رسول الله، وأوحى إلى النبي ێے ، فذكر مثل حدیث همام بن يحيى(٢) في هذه القصة الى آخرها، ولم يذكر قصة العاض يد الرجل. أخبرني أبو محمد (١) حم (٤ / ٢٢٢ - ٢٢٤)، خ (٣ / ٧٨٣ / ١٧٨٩)، م (٢ / ١١٨٠/٨٣٦)، د (٢ / ٤٠٧ / ١٨١٩)، ت (٣/ ٨٣٥/١٩٦-٨٣٦)، ن (٢٦٦٧/١٣٩/٥)، هق (٥٦/٥)، الحميدي (٢/ ٣٤٧/ ٧٩٠ - ٧٩١)، الطحاوي (١٢٦/٢/ ٣٥٦٣)، ابن خزيمة (٤ / ١٩٢ / ٢٦٧١)، من طرق عن عطاء عن صفوان عن أبيه به . (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه . = ٢١٤ : فتح البر عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حضرة بن محمد بن على، قال حدثنا محمد بن شعيب بن علي، قال أخبرني محمد بن اسماعيل بن ابراهيم، قال حدثنا وهب بن جریر، قال حدثني أبي، قال سمعت قيس بن سعد يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، قال أتى رسول الله وَل رجل وهو بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه فقال : يا رسول الله اني أحرمت بعمرة وانا كما ترى، قال: ((انزعك عنك الجبة واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك)) (١) حدثنا سعيد بن نصر قراءة مني عليه ان قاسم بن أصبغ حدثهم، قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال حدثنا محمد بن سابق، قال حدثنا ابراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ◌َل متضمخا بالخلوق وعليه مقطعات فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله ﴿ وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال: فقال رسول الله وَالى: ((أين السائل عن العمرة؟ فقال له: الق عنك ثيابك، واغتسل واستنق ما استطعت، وما كنت صانعه في حجك فاصنعه في عمرتك(٢)» هكذا جاء في هذا الحديث صفوان بن أمية نسبة الى جده وهو صفوان بن يعلى بن أمية، رجل تميمي وليس بصفوان بن أمية الجمحي، وقد نسبناهما في كتاب الصحابة والحمد لله. وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، قال كنت عند النبي ◌َلّ بالجعرانة فأتاه رجل عليه مقطعة يعنى جبة وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله، (١) تقدم تخريجه . (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه . الإحرام وصفاته ٢١٥ اني أحرمت بالعمرة، وعلي هذه، فقال النبي ◌َّو ((ما كنت تصنع في حجك؟ قال: كنت أنزع هذه وأغسلها بالخلوق فقال النبي وَله: ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك))(١) حدثنا عبد الرحمن بن مروان، قال حدثنا الحسن بن يحيى القاضي القلزمي بالقلزم قال حدثنا عبد الله بن علي ابن الجارود، قال حدثنا علي بن خشرم، قال حدثنا عیسی بن یونس، عن ابن جريج، عن عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر بن الخطاب ليتني أرى رسول الله وَلقل حين ينزل عليه، فبينا هو مع رسول الله في ناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب اذ جاءه رجل عليه جبة وهو متضمخ بطیب، فقال: يا رسول الله، کیف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة معه بعدما تضمخ بطيب، فسكت ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر إلى يعلى بيده ان تعال، فجاءه وادخل رأسه، فإذا النبي ◌َّ محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال: أين السائل عن العمرة فالتمس الرجل فأتى به، فقال النبي وَلّر ((أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، واما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك))(٢) قال ابن جريج: كان عطاء يأخذ في الطيب بهذا الحديث، فكان يكره الطيب عند الاحرام ويقول: ان كان به شيء منه فليغسله، وكان يأخذ بشأن صاحب الجبة، وكان صاحب الجبة قبل حجة الوداع. قال ابن جريج : والاخر فالاخر من أمر رسول الله أحق. وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان، قال أخبرنا الحسين بن يحيى، قال أخبرنا ابن الجارود، قال حدثنا محمد بن يحيى، قال حدثنا عثمان بن الهيثم، قال (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه . (٢) تقدم تخريجه في الباب نفسه . --- ٢١٦ فتح البر حدثنا ابن جريج، قال كان عطاء يأخذ بشأن صاحب الجبة، وكان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع؛ قال: والآخر فالآخر من أمر رسول الله ﴿ ﴿ أحق. قال ابن جريج: وكان شأن صاحب الجبة ان عطاء أخبرني ان صفوان بن يعلى بن أمية أخبره ان يعلى كان يقول لعمر: ليتني أرى نبي الله حين ينزل عليه، فلما كان النبي ويقوم بالجعرانة وعلى النبي ◌ّ﴾ ثوب قد ظلل به، معه ناس من أصحابه اذ جاءه رجل عليه جبة متضمخ بطيب فذكر الحدیث بتمامه. قال أبو عمر: روى هذا الحديث عن ابن جريج جماعة، منهم يحيى بن سعيد القطان وقال فيه نوح بن حبيب عن القطان عن ابن جريج بإسناده كما ذكرنا. واما الجبة فاخلعها واما الطیب فأغسله ثم أحدث احراما، ذكره أحمد بن شعيب النسائي عن نوح بن حبيب وقال: لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث ثم أحدث احراما غير نوح بن حبيب، قال ولا أحسبه محفوظا، والله أعلم. قال أبو عمر: اما قوله في حديث مالك ان أعرابيا جاء الى رسول الله وَ ل وهو بحنين، فالمراد منصرفه من غزوة حنين، والموضع الذي لقى فيه الاعرابي رسول الله ﴿﴿و هو الجعرانة، وهو بطريق حنين بقرب ذلك معروف، وفيه قسم رسول الله و 184 غنائم حنين. والاثار المذكورة كلها تدلك على ما ذكرناه، ولا تنازع في ذلك ان شاء الله. واما قوله وعلى الاعرابي قميص فالقميص المذكور في حديث مالك هوالجبة المذكورة في حدیث غيره، ولا خلاف بين العلماء ان المخيط كله من الثياب لا يجوز لباسه للمحرم لنهى رسول الله ◌َ و المحرم عن لباس القمص والسراويلات، وسياتي ذكر هذا ٢١٧ - الإحرام وصفاته المعنى في حديث نافع ان شاء الله. واما قوله: وبه أثر صفرة فقد بان بما ذكرنا من الاثار انها كانت صفرة خلوق، وهو طيب معمول من الزعفران، وقد نهى رسول الله وَ﴾ المحرم عن لباس ثوب مسه ورس أو زعفران. وأجمع العلماء على أن الطيب كله محرم على الحاج والمعتمر بعد احرامه، وكذلك لباس الثياب. واختلفوا في جواز الطيب للمحرم قبل الاحرام بما يبقى عليه بعد الاحرام، فأجاز ذلك قوم، وکرهه آخرون. واحتج بهذا الحديث كل من كره الطيب عند الاحرام، وقالوا لا يجوز لاحد إذا أراد الاحرام أن يتطيب قبل أن يحرم ثم يحرم، لأنه كما لا يجوز للمحرم بإجماع أن يمس طيبا بعد أن يحرم فكذلك لا يجوز له أن يتطيب ثم يحرم. لأن بقاء الطیب علیه کابتدائه له بعد احرامه سواء لا فرق بينهما. واحتجوا بان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص كرهوا أن يوجد من المحرم شيء من ريح الطيب ولم يرخصوا لاحد أن يتطيب عند احرامه ثم يحرم، وممن قال بهذا من العلماء: عطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله على اختلاف عنه، ومالك بن أنس وأصحابه، ومحمد بن الحسن، رواه ابن سماعة عنه. وهو اختيار أبي جعفر الطحاوي. ومن حجة من قال بهذا القول من طريق النظر ان الاحرام يمنع من لبس القمص والسراويلات والخفاف والعمائم، ويمنع من الطيب ومن قتل الصيد وامساكه، فلما اجمعوا ان الرجل إذا لبس قميصا أو سراويل قبل أن يحرم ثم أحرم وهو عليه انه يومر بنزعه، وان لم ينزعه وتركه كان كمن لبسه بعد احرامه لبسا مستقبلا ويجب عليه في ذلك ما يجب عليه لو استأنف لبسه بعد احرامه. وکذلك لو اصطاد صيدا في الحل وهو حلال فأمسکه في يده ثم أحرم وهو في يده أمر بتخلیته، وإن لم يخله کان إمساكه بعد أن أحرم کابتدائه الصید وإمساكه في إحرامه، قالوا فلما کان ما ذکرنا فتح البر ١ -٢١٨ وكان الطيب محرما على المحرم بعد احرامه كحرمة هذه الاشياء كان ثبوت الطيب عليه بعد إحرامه وان كان قد تطيب به قبل احرامه كتطيبه بعد احرامه. ولا يجوز في القياس والنظر عندهم غير هذا. واعتلوا في دفع ظاهر حديث عائشة بما رواه ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال سألت ابن عمر عن الطيب عند الاحرام فقال: لان أطلى بالقطران أحب إلي من أن أصبح محرما تنضخ مني ريح الطيب. قال فدخلت على عائشة فأخبرتها بقول ابن عمر فقالت: طيبت رسول الله وَّي فطاف على نسائه ثم أصبح محرما(١). قالوا: فقد بان بهذا في حديث عائشة ان رسول الله وَل ﴾ طاف على نسائه بعد التطيب وإذا طاف عليهن اغتسل لا محالة، فكان بين احرامه وتطيبه غسل. قالوا فكأن عائشة انما ارادت بهذا الحديث الاحتجاج على من کره ان یوجد من المحرم بعد احرامہ ریح الطیب کما کره ذلك ابن عمر. واما بقاء نفس الطیب على المحرم فلا . قال أبو عمر: هذا ما احتج به من كره الطيب للمحرم من طريق الاثار ومن طريق النظر. وقال جماعة من أهل العلم: لا بأس أن يتطيب المحرم عند احرامه قبل أن يحرم بما شاء من الطيب مما يبقى عليه بعد إحرامه ومما لا يبقى. وممن قال بهذا من العلماء: أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وأبو ثور وجماعة. وجاء ذلك أيضا عن جماعة من الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبو سعيد الخدري وعائشة وأم حبيبة وعبد الله بن الزبير ومعاوية، فثبت الخلاف في (١) خ (١ / ٢٧٠/٥٠٢)، م (٢ / ٨٥٠/ ١١٩٢[٤٩])، ن (١/ ٤١٥/٢٢٢). الإحرام وصفاته ٢١٩ - هذه المسألة بين الصحابة ومن بعدهم. وكان عروة بن الزبير وإبراهيم النخعى وسعيد بن جبير والحسن البصرى وخارجة بن زيد لا يرون بالطيب كله عند الاحرام بأسا. والحجة لمن ذهب هذا المذهب حديث عائشة. قالت طيبت رسول الله وَله لحرمه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت(١). هذا لفظ القاسم بن محمد عن عائشة. ومثله رواية عطاء عن عائشة في ذلك. وقال الاسود عن عائشة انها كانت تطيب النبي يتميز بأطيب ما تجد من الطیب. قالت حتى أني لأری وبیص الطيب في رأسه ولحيته(٢) وروی موسی ابن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله رَّ بالغالية الجيدة عند احرامه. رواه أبو زيد بن أبي الغمر عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن موسى بن عقبة(٣). وروى هشام بن عروة عن أخيه عثمان بن أبي عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ◌َلاّ عند احرامه بأطيب ما أجد، وربما قالت: بأطيب الطيب لحرمه وحله(٤). وقالوا: لا معنى لحديث ابن المنتشر لانه ليس ممن يعارض به هؤلاء الائمة. فلو کان مما يحتج به ما کان في لفظه حجة لان قوله طاف على نسائه يحتمل أن يكن طوافه لغير جماع، وجائز أن يكون طوافه عليهن ليعلمهن كيف يحرمن، أو لغير ذلك. والدليل على ذلك ما رواه إبراهيم عن الاسود (١) حم (٦/ ١٨١)، خ (٣/ ١٥٣٩/٥٠٥)، م(٢/ ١١٩١/٨٤٩)، د(٢/ ١٧٤٥/٣٥٨)، ت (٩١٧/٢٥٩/٣)، ن (٢٦٨٥/١٤٨/٥)، جه (٢٩٢٦/٩٧٦/٢). (٢) حم (٣٨/٦)، خ (١ / ٥٠٢/ ٢٧١)، م (٢/ ١١٩٠/٨٤٧)، د (٢/ ٣٥٩/ ١٧٤٦)، ن (٥/ ١٥٠/ ٢٦٩٢)، جه (٢/ ٩٧٧/ ٢٩٢٨) من طريق الأسود عن عائشة . (٣) هق (٣٥/٥)، الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٣٥٩٥/١٣٠) من طريق موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما. (٤) حم (٦ / ٢٠٠)، خ (١٠/ ٤٥٢/ ٥٩٢٨)، م (٢/ ٨٤٧ /١١٨٩ [٣٧])، ن (١٤٩/٥/ ٢٦٨٨)، هق (٣٤/٥)، الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣٥٩٦/١٣٠/٢)، الدارمى (٣٣/٢) من طرق عن عثمان بن أبي عروة عن أبيه عروة بن الزبير. فتح البر ٢٢٠ عن عائشة قالت: كان يرى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ◌َ لا بعد ثلاث وهو محرم. قالوا والصحيح في حديث ابن المنتشر ما رواه شعبة عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه سأل ابن عمر عن الطيب عند الاحرام فقال: لان أتطيب بقطران أحب الى من أن أفعل، قال: فذكرته لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله وعلى فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضخ طيبا(١). قالوا: والنضخ في كلام العرب اللطخ والجري والظهور قال الله عز وجل: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ﴾ [الرحمن: (٦٦)] قال النابغة: من کل نهكتة نضخ العبير بها لا الفحش یعرف من فیھا ولا الزور يريد لطخ العبير بها، قالوا: ولا معنى لحديث الاعرابي في هذا لمعان. منها أنه يحتمل أن يكون الاعرابي تطیب بعد ما أحرم، ومنها انه كان عام حنين وتطيب رسول الله يقول عند احرامه في حجة الوداع، فلو كان ما تطيب به الاعرابي يومئذ مباحا للرجال في حال الاحلال محظرا عليهم في الاحرام كان ذلك منسوخا بفعله عام حجة الوداع وَالظاهر. قالوا: وقد صح وعلم ان الطيب الذي كان على الاعرابي يومئذ كان خلوقا، والخلوق لا يجوز للرجال في حال الحل ولا في حال الاحرام. واحتجوا فیما ذهبوا إليه من هذا بحدیث عبد العزیز بن صھیب، عن أنس أن رسول الله (ێآ نهى أن يتزعفر الرجل(٢). رواه حماد بن زيد وشعبة واسماعيل بن علية وهشيم، كلهم عن (١) تقدم تخريجه في الباب نفسه. (٢) حم (٣ / ١٠١)، خ (١٠/ ٣٧٤/ ٥٨٤٦)، م (٣/ ١٦٦٣ / ٢١٠١)، د (٤ / ٤٠٤ / ٤١٧٩)، ت (٥ / ١١١/ ٢٨١٥)، ن (٥/ ٢٧٠٥/١٥٤) من طرق عن عبدالعزيز ابن صهيب به .