Indexed OCR Text

Pages 161-180

الإحرام وصفاته
١٦١
=
ماجاء في الاشتراط عند الإحرام
[١] مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال حين خرج إلى مكة - معتمرا في
الفتنة -: ان صددت عن البيت، صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ◌َّر، فخرج
فأهل بعمرة، من أجل أن رسول الله وَ لقر أهل بعمرة يوم الحديبية، ثم ان عبد الله
بن عمر نظر في أمره، فقال: ما أمرهما إلا واحد، والتفت إلى أصحابه فقال: ما
امرهما إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة، ثم نفذ حتى جاء
البيت فطاف به طوافا واحدا، ورأى أنه مجزىء عنه وأهدى(١).
إلى هنا انتهت رواية يحيى، وعلى ذلك أكثر رواة الموطأ، وفي رواية علي
ابن عبد العزيز، عن القعنبي، عن مالك في هذا الحديث: وأهدى شاة،
فزاد ذكر الشاة، وهو غير محفوظ عن ابن عمر، ولم يذكر القعنبي أيضا في هذا
الحديث قوله من أجل أن رسول الله وَي أهل بعمرة يوم الحديبية.
وذكره یحیی، وابن بکیر، وابن القاسم، وغيرهم، والدلیل علی ان ذکر
الشاة في هذا الحدیث غلط، ان ابن عمر کان مذهبه فيما استيسر من الهدي:
بقرة دون بقرة، أو بدنة دون بدنة .
ذكر عبد الرزاق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: ما استيسر من الهدي: بدنة دون بدنة، وبقرة دون بقرة، قال: وأخبرنا
مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما استيسر من الهدي: البدنة
والبقرة .
قال أبو عمر:
روي عن عمر، وابن عباس، وعلي، وغيرهم، ما استيسر من الهدي:
(١) خ (٤ / ٤ /١٨٠٦)، م (٢ / ٩٠٣ / ١٢٣٠ [١٨٠]).

فتح البر
= ١٦٢
شاة، وعليه العلماء، وفي هذا الحديث معان من الفقه، منها: انه جائز
للرجل ان يخرج حاجا في الطريق المخوف إذا لم يوقن بالسوء ورجا
السلامة- وان كان مع ذلك يخاف ويخشى، وليس ذلك من ركوب الغرر.
ومنها: إباحة الاهلال والدخول في الاحرام على هذا الوجه، فان سلم ونجا،
نفذ لوجهه، وان منع وحصر، كان له حكم المحصر على ما سنة رسول الله
حَله وعمل به حين حصر عام الحديبية، ونحن نذكر ههنا من احكام
الاحصار بالعدو وبالمرض وغيره من الموانع، ما فيه شفاء وكفاية- بحول
الله، فهو أولى المواضع بذكر ذلك من كتابنا هذا- إن شاء الله، ثم ننصرف
إلى باقي معاني الحديث وتوجيهها والقول فيها، ولا ننال شيئا من ذلك الا
بعونه - لا شريك له، فمن ذلك: ان مالكا والثوري وابا حنيفة واصحابهم
قالوا: لا ينفع المحرم الاشتراط في الحج إذا خاف الحصر لمرض أو عدو.
قال أبو عمر:
والاشتراط أن يقول إذا أهل في الحال التي وصفنا: لبيك اللهم لبيك،
ومحلي حيث حبستني من الارض، قال مالك: والاشتراط في الحج باطل،
ويمضي على إحرامه حتى يتمه على سائر أحكام المحصر، ولا ينفعه قوله:
محلي حيث حبستني. وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو قول ابراهيم
النخعي، ومحمد بن شهاب الزهري، وهو قول ابن عمر أيضا.
ذكر ابن وهب عن يونس، وذكر عبد الرزاق عن معمر، جميعا عن ابن
شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ويقول:
أليس حسبكم سنة رسول الله وَي أنه لم يشترط؟ فان حبس احدكم حابس
عن الحج، فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر،

الإحرام وصفاته
١٦٣ -
ثم قد حل من كل شيء حتى يحج قابلا ويهدي، أو يصوم - إن لم يجد
ھدیا(١).
قال الشافعي: لو ثبت حديث ضباعة لم أعده، وكان محمل حيث
حبسه الله بلا هدي.
واختلف أصحابه في هذه المسألة إلى اليوم، فمنهم من يقول ينفعه
الاشتراط على حديث ضباعة، ومنهم من يقول الاشتراط باطل.
وقال أحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وأبو ثور: لا بأس أن
يشترط- وله شرطه على ما روي عن النبي بَّر، وعن غير واحد من أصحابه.
قال أبو عمر: جواز الاشتراط في الحج عن عمر، وعلي، وابن مسعود،
وعمار بن ياسر، وبه قال علقمة، وشريح، وعبيدة، والاسود، وسعيد بن
المسيب، وعطاء بن يسار، وعكرمة، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح،
وحجتهم في ذلك حديث ضباعة.
قال أبو عمر: حدیث ضباعة في ذلك، ما أخبرنیه عبد الله بن محمد،
قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا أحمد بن حنبل،
قال حدثنا عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن
عباس، أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، أتت رسول الله وعليه
فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أأشترط؟ قال: نعم، قالت: وكيف
أقول؟ قال: قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الارض حيث حبستني(٢).
(١) خ (٤ /١٨١٠/٩)، ن (٥/ ٢٧٦٨/١٨٣- ٢٧٦٨)، ت (٢٧٩/٣/ ٩٤٢) من طريق معمر
عن الزهري عن سالم عن أبيه .
(٢) م (٢ / ١٢٠٨/٨٦٨)، د (٢ / ٣٧٦ / ١٧٧٦)، ن (٢٧٦٦/١٨٢/٥)،
جه(٢/ ٢٩٣٨/٩٨٠).

١٦٤
فتح البر
قال أبو عمر:
الاحصار عند أهل العلم على وجوه، منها: الحصر بالعدو، ومنها
بالسلطان الجائر، ومنها بالمرض وشبهه، وأصل الحصر في اللغة الحبس
والمنع، قال الخليل وغيره: حصرت الرجل حصرا: منعته وحبسته، واحصر
الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه، هكذا قال: جعل الاول ثلاثیا
من حصرت، وجعل الثاني في المرض رباعيا، وعلى هذا خرج قول ابن
عباس: لا حصر الا حصر العدو، ولم يقل الا احصار العدو.
وقالت طائفة يقال: احصر فيهما جميعا من الرباعي، قال منهم
جماعة: حصر واحصر بمعنی في المرض والعدو جمیعا- ومعناه: حبس،
واحتج من قال بهذا من الفقهاء بقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ . وإنما
نزلت هذه الآية في الحديبية، وعلى نحو ذلك أهل العلم في أحكام المحبوس
بعدو، والمحبوس بمرض، الا أن أكثر علماء اللغة يقولون في هذا الفعل من
العدو حصره العدو، فهو محصور، وأحصره المرض، فهو محصر. وأما
اختلاف الفقهاء في هذا المعنى، فقال مالك والشافعي وأصحابهما كلهم
اتفقوا على أن من أحصره المرض فلا يحله الا الطواف بالبيت، ومن حصر
بعدو فإنه ینحر هدیه حیث حصر، ویتحلل وینصرف، ولا قضاء عليه، الا
أن يكون صرورة فحج حجة الفريضة، ولا خلاف بين الشافعي ومالك في
شيء من ذلك.
واحتج مالك بأن رسول الله وَ ليه لم يأمر أحدا من أصحابه عام
الحديبية بقضاء العمرة التي صد فيها عن البيت.
وقال ابن وهب وغيره عن مالك: من أحصر بعدو وحیل بينه وبين
البيت، حل من كل شيء ونحر هدیه وحلق رأسه حیث حبس، ولیس عليه

الإحرام وصفاته
١٦٥ =
قضاء إلا أن يكون لم يحج حجة قط، فعليه أن يحج حجة الاسلام، قال:
وأما من حصر بغير عدو، فإنه لا يحل دون البيت، قال وكذلك كل من
حبس عن الحج بعدما يحرم إما بمرض أو خطأ من العدد، أو خفي عليه
الهلال، فهو محصر، عليه ما على المحصر، وكذلك من أصابه كسر أو بطن
متحرق، وقال مالك: أهل مكة في ذلك كأهل الآفاق، لان الاحصار عنده
في المكي الحبس عن عرفة خاصة، قال: فإن احتاج المحصر بمرض - إلى
دواء تداوى به وافتدى، ويبقى على احرامه لا يحل من شيء منه حتى يبرأ من
مرضه، فإذا برىء من مرضه، مضى إلى البيت فطاف به سبعا، وسعى بين
الصفا والمروة، وحل من حجه أو من عمرته .
قال أبو عمر: وهذا كله قول الشافعي أيضا، قال مالك: وقد أمر عمر
ابن الخطاب أبا أيوب الانصاري، وهبار بن الاسود - حين فاتهما الحج وأتيا
يوم النحر- أن يحلا بعمرة، ثم يرجعان حلالين، ثم يحجان عاما قابلا
ويهديان، قال مالك: فمن لم يجد هديا، فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة
إذا رجع إلى أهله.
قال مالك: وبلغني أن رسول الله ◌َفي حل هو وأصحابه بالحديبية،
فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت،
وقبل أن يصل اليه الهدي، قال: ثم لم نعلم أن رسول الله وَليل أمر أحدا من
أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا لشيء، قال مالك:
وعلى هذا الامر عندنا فيمن أحصر بعدو، كما احصر النبي ◌َّل ۉ وأصحابه،
فأما من احصر بغير عدو، فإنه لا يحل دون البيت.
قال أبو عمر: بمثل هذا كله قال الشافعي أيضا، ذهبا جميعا فيمن
حصره العدو إلى قصة الحديبية، وأن النبي ◌ّ و نحر الهدي في مكانه الذي
أحصر فيه وحل ورجع، وذهبا في الحصر بمرض إلى ما روي عن عمر، وابن

فتح البر
١٦٦
عباس، وعائشة، وابن عمر، وابن الزبير- أنهم قالوا في المحصر بمرض أو
خطأ في العدد، أنه لا يحل الا الطواف بالبيت، وحكم من كانت هذه حاله
عند مالك وأصحابه، أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرض-
إن شاء أقام على احرامه إلى قابل، وإن أقام على احرامه ولم يواقع شيئا مما
نهي عنه الحجاج، فلا هدي عليه، ومن حجته في ذلك: الاجماع من
الصحابة على من أخطأ العدد، أنه هكذا حكمه لا يحله الا الطواف بالبيت،
قال مالك: اذا تحلل المريض والذي تفوته عرفة بالطواف بالبيت، فعليهما
القضاء- وان كانا متطوعين، وكذلك المعتمر، والحصر عند مالك ومن تابعه
انما يكون عن عرفة فقط، فاذا علم المحصر بعدو أو غيره، أنه قد فاته
الوقوف بعرفة في وقت، أو انكشف له العدو في زمن لا يصل فيه إلى البيت
الا بعد فوات عرفة، او غلب ذلك على ظنه، تحلل مكانه وانصرف، وأما من
وقف بعرفة وصد عن مكة، فهو على احرامه حتى ينكف العدو، ثم يطوف
ويتم حجه - فرضا كان أو تطوعا، وان خاف طول الزمان، انصرف إلى
بلده، فمتی أمكنه الرجوع إلى البیت عاد، فان کان مس النساء، دخل
محرما وطاف وأهدى، وإن لم يمس النساء ولا الصید، طاف وتم حجه،
وكان ابن القاسم يقول: ليس على من صد عن البيت، في حج أو عمرة-
هدي، الا أن يكون ساقه معه- وهو قول مالك: وقال أشهب: عليه الهدي
إذا صد عن البيت بعد أن أحرم، لا بد له منه ينحره كما نحر رسول الله وَله
الهدي بالحديبية، وهو قول الشافعي، ومن حجة من ذهب مذهب مالك
وابن القاسم في ذلك: ان النبي ◌َّ انما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره
وقلده حین أحرم بعمرته، فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد، أمر به رسول
الله ◌ُ ﴾ فنحر، لانه كان هديا قد وجب بالاشعار والتقليد وخرج لله، فلم
يجز الرجوع فيه، ولم ينحره رسول الله وّل من أجل الصيد، فلهذا لا يجب

١٦٧
الإحرام وصفاته
عنده على من صد عن البيت هدي.
وقال الشافعي : لو حصر موسر لا يجد هدیا مکانه، أو معسر بهدي،
ففيها قولان: أحدهما لا يحل الا بهدي، والآخر أنه مأمور بأن يأتي بما يقدر
عليه، فإن لم يقدر على شيء، خرج مما علیه، وكان عليه ان يأتي إذا قدر
علیه، ومن قال هذا قال لا يحل مكانه، ویذبح إذا قدر، فإن قدر على أن
یکون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح الا بها، وان لم يقدر، ذبح حیث قدر، قال
الشافعي: ويقال لا يجزيء الا هدي، ويقال يجزئه إذا لم يجد هديا طعام أو
صيام، فإن لم يجد طعاما كان كمن لم يجد هديا ولا وطعاما، واذا قدر، أدى
أي هدي كان عليه، فهذا يبين لك أن الهدي عند الشافعي على المحصر
واجب لاحلاله، وبه قال أشهب، وعليه أكثر العلماء، والحجة في ذلك: أن
رسول الله وَ ﴿ لم يحل يوم الحديبية، ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي، فدل
ذلك علی ان من شرط احلال المحصر بعدو، ذبح هدي متی وجده وقدر
عليه، والكلام في هذه المسألة يطول، وفيما ذكرنا كفاية.
وأما من أحصر بغیر عدو من موانع الامراض وشبهها، فحکمه عند
أهل الحجاز في ذلك ما قد روى مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد
الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: من حبس دون البيت بمرض، فإنه لا
يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإن اضطر إلى شيء
من لبس الثياب التي لا بد له منها، او إلى الدواء صنع ذلك وافتدى.
ومالك، عن أيوب بن أبي تميمة، عن رجل من أهل البصرة كان قديما
قال: خرجت إلى مكة حتى اذا كنت ببعض الطريق، كسرت فخذي،
فأرسلت إلى مكة- وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، والناس،
فلم يرخص لي أحد في أن أحل فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر، ثم
حللت بعمرة .

١٦٨
فتح البر
ومالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن ابن حزابة
المخزومي، صرع ببعض طريق مكة- وهو محرم بالحج، فسأل على الماء الذي
کان علیه، فوجد علیه عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير، ومروان بن
الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، فكلهم أمره أن يتداوی بما لا بد منه
ويفتدي: فاذا صح، اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه ان يحج قابلا
ويهدي. قال مالك: وعلى ذلك الامر عندنا فیمن حبس بغیر عدو، قال
مالك: والمحصر الذي أراد الله- عز وجل-بقوله: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ﴾ -هو
المريض، قال: وانما جعلنا للمحصر بالعدو أن يحل بالسنة، وذلك أن
رسول الله ◌ّلو حصره العدو فحل، قال مالك: ولم نجعل له الإحلال
بالكتاب، وإنما جعلناه بالسنة في ذلك، ذكر ذلك أحمد بن المعذل عن
مالك، وهو قول الشافعي، وذكر مالك عن یحیی بن سعيد، عن سليمان بن
يسار- قصة أبي أيوب اذ فاته الحج، وذکر عن نافع، عن سليمان بن يسار-
قصة هبار بن الاسود، إذ فاته الحج أيضا، فأمرهما عمر بن الخطاب كل
واحد منهما أن يحل بعمل عمرة، ثم يحج من قابل ويهدي، فمن لمن يجد،
صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وهذا أمر مجتمع عليه فيمن فاته
الحج بعد أن أحرم به ولم يدرك عرفة الا يوم النحر، والمحصر عن عرفة بمرض
عند مالك والشافعي کذلك، وهو قول الاوزاعي، ذكره الوليد بن مزید
عنه، قال: من أحصر بمرض فلا يحل من شيء حتي يحل بالبيت.
حدثنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرني علي بن ميمون الرقي، قال حدثنا سفيان، عن
أيوب السختياني، وأيوب بن موسى، واسماعيل بن أمية، وعبيد الله بن
عمر، عن نافع، قال خرج عبد الله بن عمر، فلما أتى ذا الحليفة، أهل
بالعمرة، فسار قليلا، فخشي أن يصد عن البيت، فقال: ان صددت،

الإحرام وصفاته
١٦٩ = ١١
صنعت كما صنع رسول الله وَّيه، قال: والله ما سبيل الحج الا سبيل
العمرة، أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجا، فسار حتی أتی قدیدا،
فاشترى منها هديا، ثم قدم مكة، فطاف بالبيت سبعا وبين الصفا والمروة،
وقال: هكذا رأيت رسول الله وَ ليل فعل(١).
وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال أخبرنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال أخبرنا اسحاق بن ابراهيم، قال أخبرنا عبد الرزاق،
قال سمعت عبيد الله بن عمر، وعبد العزیز ابن أبي رواد يحدثان عن نافع،
قال: خرج ابن عمر يريد الحج زمان نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن
كان بينهما قتال، خفنا أن نصد من البيت، فقال: لقد كان لكم في رسول
الله إسوة حسنة، إذن اصنع كما صنع رسول الله ◌َّيقر، أشهدكم أني قد
أوجبت عمرة، حتى اذا كان بظهر البيداء، قال: ما شأن الحج والعمرة الا
واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرة، واهدی هدیا اشتراه بقدید،
فانطلق فقدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك: لم
يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء كان أحرم منه، حتى كان يوم النحر نحر
وحلق، ورأى أن قد قضى طوافه للحج والعمرة بطوافه الاول، وقال: هكذا
صنع رسول الله وَليل (٢).
وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا ابراهيم بن حمزة، قال
حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر
أراد أن يحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: ان الناس كان بينهم
شيء، وإنا نخاف أن يصدونا، فقال: إذن نصنع كما صنع رسول الله وَل
(١) ن (٢٤٩/٥/ ٢٩٣٣).
(٢) ن (٥/ ٢٧٤٥/١٧٢).

فتح البر
١ - ١٧٠
أشهدكم أني قد أوجبت حجا مع عمرتي، قال: فانطلق يهل بهما جميعا حتى
قدم مكة، فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر،
ولم يقصر، ولم يحل من شيء حرمه الله عليه، حتى كان يوم النحر، فنحر
وحلق، ورأى أنه قد مضى طواف الحج والعمرة بطوافه ذلك الأول، ثم
قال: هکذا صنع رسول الله ێ .
فعلى هذا، وعلى ما ذكرنا عن الصحابة في هذا الباب من الآثار،
مذهب الحجازيين في الاحصار، وذكرنا ههنا رواية السختياني وأيوب بن
موسى، واسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر، وعبد العزيز بن أبي رواد،
وموسى بن عقبة، عن نافع لهذا الحديث؛ لأن في رواية جميعهم فيه عن
نافع، عن ابن عمر، أنه طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة وهو قارن،
ثم قال: هكذا صنع رسول الله وَير، وليس ذلك في رواية مالك عن نافع،
وهي زيادة قوم حفاظ ثقات، وفيها حجة قاطعة لمالك ومن تابعه في القارن،
انه لا يطوف الا طوافا واحدا، ولا يسعى الا سعيا واحدا، وسنذكر هذه
المسألة في موضعها من هذا الباب- ان شاء الله.
وقال أبو حنيفة: المحصر بالعدو والمرض سواء، يذبح هديه في الحرم
ويحل قبل يوم النحر- ان ساق هديا، وعليه حجة وعمرة، وهو قول
الطبري.
وقال أبو یوسف، ومحمد: ليس ذلك له، ولا يتحلل دون يوم النحر،
وهو قول الثوري، والحسن بن صالح، واتفق أبو حنيفة وأصحابه في المحصر
بعمرة، أنه يتحلل منها متى شاء، وينحر هديه سواء بقي الاحصار إلى يوم
النحر أو زال عنه .
هکذا روی محمد عن أبي یوسف، عن أبي حنيفة. وروی زفر عن أبي
حنيفة أنه ان بقي الاحصار إلى يوم النحر، أجزأ ذلك عنه، وكان عليه قضاء

الإحرام وصفاته
- ١٧١
حجة وعمرة، وان صح قبل فوت الحج لم يجزه ذلك، وكان محرما بالحج على
حاله، قال: ولو صح في العمرة بعد أن بعث بالهدي، فإن قدر على إدراك
الهدي قبل أن يذبح، مضى حتى يقضي عمرته، وإن لم يقدر، حل إذا نحر
عنه الهدي .
وقال سفيان الثوري: اذا أحصر المحرم بالحج بعث بهدي، فنحر عنه
يوم النحر، وإن نحر قبل ذلك لم يجزه. وجملة قول أصحاب الرأي أنه إذا
أحصر الرجل، بعث بهديه وواعد المبعوث معه يوما يذبح فيه، فإذا كان
ذلك اليوم، حلق عند أبي یوسف، أو قصر وحل ورجع، فإن کان مهلا
بحج، قضى حجة وعمرة، لان احرامه بالحج صار عمرة، وإن كان قارنا
قضى حجة وعمرتين، وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة، وسواء عندهم
المحصر بالعدو والمرض.
وذكر الجوزاني عن محمد بن الحسن، قال: قال أبو حنيفة، وأبو
يوسف، ومحمد: من أهل بحج فأحصر، فعليه ان يبعث بثمن هدي
فیشتری له بمكة، فیذبح عنه يوم النحر ويحل، وعليه عمرة وحجة، ولیس
عليه تقصير في قول أبي حنيفة ومحمد، لان التقصير نسك- ولیس علیه من
النسك شيء.
وقال أبو يوسف: يقصر، وإن لم يفعل فلا شيء عليه .
وقالوا: اذا بعث بالهدي، فإن شاء أقام مكانه، وان شاء انصرف، وان
کان مهلا بعمرة، بعث فاشتری له اهدي ویواعدهم یوما، فإذا كان ذلك
اليوم، حل وكانت عليه عمرة مكانها. وقالوا: إذا كان المحصر قارنا، فإنه
يبعث فيشترى له هديان فينحران ويحل وعليه عمرتان وحجة، فإن شاء
قضى العمرتين متفرقتين والحجة بعد ذلك، وإن شاء ضم احدى العمرتين
إلى الحجة.

١٧٢٠
فتح البر
وروي عن ابن مسعود وعلقمة - نحو قول أبي حنيفة فيمن أحصر
بمرض في الحج والعمرة سواء على اختلاف عنهما في ذلك أيضا، وهو قول
الحكم، وحماد، وابراهيم، وجماعة من الكوفيين.
وقال أبو ثور فيمن أحصر بعدو مثل قول مالك والشافعي - سواء،
وقال في المحصر بالكسر أو المرض، أو العرج إنه يحل في الموضع الذي عرض
له ذلك فيه- ولا هدي عليه، وعليه القضاء.
قال أبو عمر: من حجة من أوجب القضاء على المحصر بعدو، ما
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا النفيلي، قال حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن اسحاق، عن
عمرو بن ميمون، قال : سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن مميون بن
مهران قال: خرجت معتمرا حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة، وبعث معي
رجال من قومي بهدي، فلما انتهيت إلى أهل الشام، منعونا أن ندخل
الحرم، فنحرت الهدي مکاني، ثم حللت ثم رجعت، فلما كان من العام
المقبل، خرجت لأقضى عمرتي، فأتيت ابن عباس فسألته، فقال: أبدل
الهدي، فان رسول الله وَلهول أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام
الحديبية في عمرة القضاء(١).
وأما الحجة لابي ثور ومن ذهب مذهبه في المحصر بمرض يحل في
موضعه ولا هدي علیه، وعليه القضاء، فما حدثنا عبد الله بن محمد، قال
حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان،
قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بکر بن حماد، قالا جمیعا حدثنا
مسدد، قال حدثنا يحيى، عن حجاج الصواف، قال حدثني يحيى بن أبي
(١) د (٢ / ٤٣٤ / ١٨٦٤).

الإحرام وصفاته
١٧٣ =
کثیر، عن عكرمة، قال: سمعت الحجاج بن عمرو الانصاري قال قال
رسول الله وَلهو: من كسر أوعرج فقد حل وعليه الحج من قابل. قال
عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة، فقالا: صدق(١).
وأخبرنا أحمد بن محمد، قال أخبرنا أحمد بن الفضل، أخبرنا محمد بن
جرير، قال حدثني يعقوب بن ابراهيم، قال حدثنا اسماعيل بن ابراهيم،
عن الحجاج بن أبي عثمان، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثني
عكرمة، قال حدثني الحجاج بن عمرو، قال سمعت رسول الله زيالفل يقول:
من کسر أو عرج، فقد حل وعلیه حجة أخری، فحدثت به ابن عباس، وأبا
هريرة فقالا: صدق(١).
هكذا رواه الحجاج بن أبي عثمان الصواف، ورواه معاوية بن سلام
ومعمر، عن یحیی بن أبي کثیر، عن عكرمة. قال: قال عبد الله بن رافع مولى
أم سلمة: أنا سألت الحجاج بن عمرو عمن حبس وهو محرم، فقال: قال
رسول الله ﴾﴾ فذكر الحديث مثله سواء. قال: فحدثت بذلك ابن عباس،
وأبا هريرة، فقالا: صدق.
ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن
عبد الله بن نافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي بلو مثله بمعناه إلى
آخره من قول ابن عباس وأبي هريرة: صدق. فهذه حجة أبي ثور، ومن
ذهب مذهبه في أن المحرم إذا حبسه المرض، أو الكسر عن البيت، حل ولا
شيء عليه من هدي ولا غيره إلى القضاء في العام المقبل(١).
ومن الحجة عليه لسائر العلماء الذين أوجبوا عليه الهدي ولم يجيزوا له أن
(١) د (١٨٦٢/٤٣٣/٢-١٨٦٣)، ت (٩٤٠/٢٧٧/٣) وقال: حسن صحيح.
ن (٢٨٦٠/٢١٨/٥-٢٨٦١)، جه (٣٠٧٧/١٠٢٨/٢-٣٠٧٨).

١٧٤ =
فتح البر
يحل ويحلق حتى ينحر الهدي - القياس على حصر العدو، لأنه كله
منع عن الوصول إلى البيت، لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ
مِنَ اَلْهَدْيِّ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُ وسَكُمٍ حَتَّ بَلُغَ اَلْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: (١٩٦)] - فلما أمر الله
المحصر بأن لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله، علم بذلك أنه
لا يحل المحصر من إحرامه، إلاّ إذا حل له حلق رأسه، ولا يحل له
ذلك حتی ینحر الهدي.
واستدلوا بفعل رسول الله وقليلفي يوم الحديبية أنه لم يحلق رأسه حتى نحر،
ولم يحل حتى نحر الهدي.
أخبرنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال
حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي، قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال
حدثنا ميمون بن يحيى، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت نافعا
مولى ابن عمر يقول: اذا عرض للمحرم عدو، فإنه يحل حينئذ، وقد فعل
ذلك رسول الله وَ: حبسه كفار قريش في عمرة عن البيت، فنحر هديه
وحلق وحل هو وأصحابه، ثم رجعوا حتى اعتمروا من العام المقبل. قالوا:
ومعنى قول رسول الله وَّ ير في حديث الحجاج بن عمرو: من كسر أو عرج
فقد حل، أي فقد حل له أن يحل بما يحل به المحصر من النحر أو الذبح، لا
أنه قد حل بذلك من احرامه. قالوا: وانما هذا مثل قولهم قد حلت فلانة
للرجال إذا انقضت عدتها، والمعنى في ذلك أنها تحل لهم بما يجب ان تحل به
من الصداق وغيره من شروط النكاح.
قال أبو عمر:
لم يختلف العلماء فيمن كسر أو عرج انه يحل، ولكن اختلفوا فيما به
يحل، فقال مالك انه يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره، ومن خالف مالكا

الإحرام وصفاته
١٧٥ =
في ذلك من الكوفيين يقول يحل بالنية، وفعل ما يتحلل به على ماوصفنا
عنهم، وأبو ثور يقول بظاهر حديث الحجاج ابن عمرو على ما ذكرنا عنه،
ولم يقل أحد أنه بنفس الکسر یکون حلالا غیر أبي ثور، وتابعه داود وبعض
أصحابه .
قال أبو عمر: من زعم أن على المحصر بعمرة قضاء عمرته التي صد
فيها عن البیت بعدو کان حصره، أو بغیر عدو، زعم أن اعتمار رسول الله
وَ له وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية، إنما كان قضاء لتلك العمرة،
قالوا: ولذلك ما قيل لها: عمرة القضاء، واستدلوا بقوله وَّ من كسر أو
عرج، فقد حل وعليه حجة أخرى، أو عمرة أخرى، ومن زعم أن المحصر
بعدو ینحر هديه ويحلق رأسه- وقد حل بفعله ذلك من كل شيء، ولا شيء
عليه، احتج بأن رسول الله ومثله لم يقال لأحد منهم: عليكم قضاء هذه
العمرة، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل إن
عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها، ولم ينقل ذلك عنه أحد،
قالوا: والعمرة المسماة بعمرة القضاء، هي عمرة القضية عندنا، قالوا: وعمرة
القضاء وعمرة القضية سواء، وإنما قيل ذلك، لان رسول الله وَيقر قاضى
قریشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البیت، وقصده من قابل ان
شاء، فسميت بذلك عمرة القضية .
قال أبو عمر: كل ما ذكرنا قد قيل فيما وصفنا، وقد اختلف العلماء في
وجوب القضاء عن المحصر بعدو على حسبما قدمنا في هذا الباب واجتلبنا،
ومن جهة النظر إيجاب قضاء إيجاب فرض، والفروض لا تجب أن تثبت الا
بدلیل لا معارض له- وبالله التوفيق.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا النفيلي وقتيبة، قالا حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن

فتح البر
=١٧٦
عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اعتمر رسول الله وَله
أربع عمرة: عمرة الحديبية، والثانية حيث تواطئوا على عمرة قابل، والثالثة
من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته(١).
قال أبو عمر:
ليس في قوله حیث تواطئوا علی عمرة قابل، دليل على أنها على جهة
القضاء، وحسبك أنه قد جعل عمرة الحديبية- وهي التي حصر عنها رسول
الله ◌َّ﴾ عمرة من عمره، وقد أجمعوا على أن تلك عمرة من عمره، وإنما
اختلفوا في العمرة الرابعة، فمن زعم أن رسول الله ويلي كان مفردا، يقول لم
يعتمر رسول الله وَل والا ثلاث عمر: عمرة الحديبية، والعمرة من قابل،
وعمرة الجعرانة؛ وهو مذهب مالك، وعروة بن الزبير، وجماعة؛ وسنذكر
الآثار في ذلك في باب هشام بن عروة، وفي باب بلاغ مالك إن شاء الله؛
ومن زعم أن رسول الله وَير تمتع في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، أو قرن
الحج مع العمرة؛ زعم أن عمره كانت أربعا ◌َالر ؛ وقد ذكرنا ما اعتل به من
جهة الاثر من قال إنه كان مفردا، وما اعتل به من قال إنه تمتع، ومن قال إنه
قرن، کل ذلك في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا والحمد لله .
واختلف الفقهاء في المحصر بعدو أین ینحر هديه؟ فقال مالك: ینحر
هديه حيث حصر في الحرم وغيره، وبذلك قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة:
لا ينحره الا في الحرم، وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب أبي الزبير؛
وكذلك اختلفوا في وجوب الحلاق على المحصر، وسنذكر ذلك في الباب
الذي بعد هذا؛ وأما قول ابن عمر في حديث هذا الباب ما أمرهما إلا واحد
(١) د(٢/ ١٩٩٣/٥٠٦)، ت (٨١٦/١٨٠/٣) وقال: حسن غريب.
جه(٣٠٠٣/٩٩٩/٢)، هق (١٢/٥)، الدارمي (٢/ ٥١)،
حب: الإحسان (٣٩٤٦/٢٦٢/٩).

الإحرام وصفاته
١٧٧=
أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة؛ ففيه دليل على أن الحج ينعقد
بالنية، وأن العبارة عن تلك النية تكون بالتلبية وبغير التلبية؛ وقد تقدم هذا
المعنی مجودا في حديث نافع والحمد لله.

١٧٨
فتح البر
المواقيت المكانية للإحرام
[٢] مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ير دخل مكة عام
الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار
الكعبة، فقال رسول الله وَله: اقتلوه. قال مالك: قال ابن شهاب: ولم یکن
رسول الله وَ له يومئذ محرما(١).
اختلف في اسم ابن خطل هذا، فقيل: هلال بن خطل، وقيل عبد
العزى بن خطل، وقيل عبدالله بن خطل، هذا قول ابن اسحاق وجماعة.
وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر رسول الله وَيهر بقتله يوم فتح مكة
وان كان متعلقا بأستار الكعبة، فقتل على تلك الحال، هو هلال بن
عبدالله، بن عبد مناف، بن أسعد، بن جابر بن کبیر بن تيم، بن غالب،
ابن فهر. قال: وعبدالله، هو الذي يقال له خطل ولاخیه عبد العزى بن عبد
مناف أيضا خطل، هما جميعا الخطلان. قال: فبنو تيم بن غالب بن فهر،
يقال لهم بنو الادرم، وتيم هو: الادرم بن غالب.
قال أبوعمر:
المغفر: ما غطی الرأس من السلاح، کالبيضة وشبهها، من حدید کان
أو من غيره، وقد روى بشر بن عمر الزهراني عن مالك هذا الحدیث باسناده
وقال فيه: مغفر من حديد. وليس في الموطأ من حديد، ولا أعلم أحدا ذكر
ذلك عن مالك غير بشر بن عمر في هذا الحديث.
(١) حم (١٠٩/٣)، خ (١٨٤٦٨٢/٤)، م (١٣٥٧/٩٨٩/٢)، د(٣/ ٢٦٨٥/١٣٤)،
ت (١٦٩٣/١٧٤/٤)، ن (٥/ ٢٢١/ ٢٨٦٧)، جه (٢/ ٢٨٠٥/٩٣٨)، الدارمي
(٧٣/٢-٧٤)، هق(٧ / ٥٩)، البغوي (٧/ ٣٠٤/ ٢٠٠٦)، أبو يعلى (٣٥٣٩/٢٤٥/٦) من
طرق عن مالك به .

الإحرام وصفاته
١٧٩ -
حدثنا عبدالوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
أبوقلابة الرقاشي، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا مالك، عن ابن
شهاب، عن انس بن مالك أن رسول الله ◌َّله دخل مكة وعليه مغفر من
حديد، فلما نزعه، قيل له: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال:
اقتلوه(١).
وروى هذا الحديث، روح بن عبادة، عن مالك، باسناده هذا، وفيه
زيادة: وطاف وعليه المغفر- ولم يقله غيره عنه- والله أعلم. ورواه عبد الله
ابن جعفر المدني، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، قال: دخل رسول
الله ﴾ يوم الفتح مكة وعلى رأسه المغفر، واستلم الحجر بمحجن، وهذا
أيضا لم يقله عن مالك- والله أعلم - غير عبد الله بن جعفر. وهذا حديث
انفرد به مالك رحمه الله، لا يحفظ عن غيره، ولم يروه أحد عن الزهري سواه
من طريق صحيح.
وقد روى عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه عن أنس، ولا يكاد
يصح. وروي أيضا من غير هذا الوجه، ولا يثبت أهل العلم بالنقل فيه
إسنادا غیر حديث مالك.
وقد رواه عن مالك، واحتاج اليه فيه جماعة من الأئمة يطول ذكرهم،
وقد ذكرهم شيخنا أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ رحمه الله في کتاب
جمعه في ذلك، ومن أجل من رواه عن مالك ابن جريج:
حدثنا أبو محمد مسلمة بن محمد، قال: حدثنا أبو القاسم عبد السلام
ابن محمد بن أبي موسی، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله ابن أبي داود، قال
حدثنا محمد بن مصفی، قال حدثنا محمد بن حرب، قال حدثنا ابن جريج،
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
-

١٨٠
فتح البر
عن مالك، عن الزهري، عن انس، أن النبي وَ لفي دخل مكة وعلى رأسه
مغفر(١).
وفي هذا الحديث من الفقه: دخول مكة بغير احرام، وبالسلاح
وإظهار السلاح فيها؛ ولكن هذا عند جميع العلماء منسوخ ومخصوص بقوله
وَله: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، لم تحل لأحد قبلي، ولا
تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار - يعني يوم الفتح -. وقد
تكلمنا على معنى هذا الحديث في كتاب الأجوبة، عن المسائل المستغربة في
کتاب البخاري بما یغني عن اعادته ههنا .
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا سعيد بن السكن، قال حدثنا
محمد بن يوسف، قال حدثنا البخاري قال حدثنا محمد بن المثنى، قال :
حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي وَالو
قال: إن الله حرم مكة، فلا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي؛ وانما
أحلت لي ساعة من نهار، وذكر الحديث(٢).
ورواه منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس مثله: ان
رسول الله وّ﴾ قال يوم فتح مكة: ان هذا بلد حرام، لم يحل لأحد قبلي، ولا
يحل لأحد بعدي، وانما احل لي ساعة من نهار، ثم هو حرام إلى يوم
القيامة(٣). وروى أبو شريح الكعبي، وأبو هريرة، وجماعة، عن النبي ◌َّ
مثله(٤).
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.
(٢) حم (١/ ٢٥٣)، خ (٣/ ٢٧٤ / ١٣٤٩)، ن (٥/ ٢٣٢/ ٢٨٩٢)، هق (١٩٥/٥).
(٣) حم (١/ ٣١٥-٣١٦)، خ (٣/ ٥٧٣/ ١٥٨٧)، م (٩٨٦/٢/ ١٣٥٣)،
د (٢ / ٢٠١٨/٥٢١)، ت (٤/ ١٢٦/ ١٥٩٠)، ن (٥/ ٢٨٧٤/٢٢٣).
(٤) حم (٢/ ٢٣٨)، خ (٥/ ٢٤٣٤/١٠٩)، م (٢ / ٩٨٨/ ١٣٥٥)، و(٢/ ٢٠١٧/٥١٨)، ت
(١٤٠٥/١٤/٤)، ن في الكبرى (٣/ ٤٣٤/ ٥٨٥٥)، جه(٢/ ٤٧٧/ ٢٦٢٤) مختصرا.