Indexed OCR Text

Pages 81-100

الحج والعمرة
٨١ = ١١
إسماعيل، قال حدثنا حماد ابن زيد، قال حدثنا عمرو بن مالك النكري،
عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال حماد: لا أظنه الا رفعه- قال: عرى
الإسلام وقواعد الدين ثلاثة: بني الإسلام عليها، من ترك منهن واحدة فهو
حلال الدم: شهادة أن لا اله الا الله، والصلاة وصيام رمضان، قال ابن
عباس: نجده کثیر المال ولا یزکي، فلا نقول له بذلك کافر، ولا حلال دمه،
ونجده كثير المال ولا يحج، فلا نراه بذاك كافرا ولا حل دمه(١).
قال أبو عمر:
في حديث مالك من الفقه، انه لا فرض من الصلاة الا الخمس
صلوات في اليوم والليلة، وانه لا فرض من الصيام الا صوم شهر رمضان،
وفيه ان الزكاة فريضة على حسب سننها المعلومة، وقد بينا ذلك في غير موضع
من كتابنا هذا وفي سائر كتبنا، ولم یذکر في حديث مالك الحج، وقد قال
بعض من تكلم في الموطأ من أصحابنا ومن قبله منهم - ان الحج لم يكن
حينئذ مفترضا، وانه بعد ذلك نزل فرضه، ومن قال هذا القول، زعم ان
فرض الحج على من استطاع السبيل اليه يجب في فور الاستطاعة على حسب
الممکن، وهذه مسألة لیس فیها لمالك جواب- وقد اختلف فيها المالکیون،
فطائفة منهم قالت وجوب الحج على الفور ولا يجوز تأخيره مع القدرة علیه،
وإلى هذا ذهب بعض البغداديين المتأخرين من المالکیین، وهو قول داود.
(١) أبو يعلى (٢٣٤٩/٢٣٦/٤)، طب في الكبير (١٢٨٠٠/١٧٤/١٢)، ذكره الهيثمي (٣/ ٥٠)
وقال: ((رواه أبو يعلى بتمامه ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا
إله الا الله والصلاة وصيام رمضان فمن ترك واحدة منهن كان كافرا حلال الدم)» فاقتصر على
ثلاثة منها، ولم يذكر كلام ابن عباس الموقوف وإسناده حسن)). قال المنذري في الترغيب والترهيب
(١/ ٣٨٢): ((رواه أبو يعلى بإسناد حسن، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد عن عمرو بن
مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مرفوعا وقال فيه: من ترك منهن واحدة فهو بالله
کافر، ولا يقبل منه صرف، ولا عدل، وقد حل دمه وماله)).

٨٢
فتح البر
وقالت طائفة منهم: بل ذلك على التراخي، وعلى هذا القول أكثر المالكيين
من أهل المغرب وبعض العراقيين منهم ، واليه ذهب أبو عبد الله محمد بن
أحمد بن خواز بنداد البصري المالكي، وله احتج في كتاب الخلاف، وجاءت
الرواية عن مالك رحمه الله، أنه سئل عن المرأة تكون صرورة مستطيعة على
الحج، تستأذن زوجها في ذلك فيأبى ان يأذن لها، هل يجبر على اذن لها؟
قال: نعم، ولكن لا يعجل عليه ويؤخر العام بعد العام. وهذه الرواية عن
مالك تدل على أن الحج عنده ليس على الفور، بل على التراخي - والله
أعلم.
واختلف قول أبي يوسف في هذه المسألة، فروي عنه انه على الفور،
وروي عنه انه في سعة من تأخيره أعواما، وهو قول محمد بن الحسن،
والشافعي.
قال الشافعي: يجوز تأخير الحج بعد الاستطاعة العام بعد العام- ولم
يحد. وقال سحنون- وسئل عن الرجل يجد ما يحج به فيؤخر ذلك سنين كثيرة
مع قدرته على ذلك، هل يفسق بتأخيره الحج وترد شهادته؟ قال: لا يفسق
ولا ترد شهادته- وان مضى من عمره ستون سنة، فإن زاد على الستين، فسق
وردت شهادته .
قال أبو عمر: لا أعلم أحدا قال إنه يفسق وترد شهادته- إذا جاوز
الستين غير سحنون، وهذا توقيت لا يجب الا بتوقيف ممن يجب التسليم له،
وكل من قال بالتراخي في هذه المسألة لا يحد في ذلك حدا، والحدود في الشرع
لا تؤخذ الا عمن له أن یشرع- والله أعلم.
وقد اختلف في هذين الوجهین اصحاب مالك واصحاب أبي حنيفة
واصحاب الشافعي، الا ان جمهور اصحاب الشافعي انه على التراخي وهو
تحصيل مذهبه .

الحج والعمرة
٨٣ =
وقال أبو العباس أحمد بن عمر بن شريح محتجا لقول الشافعي ومن
تابعه على أن الحج ليس على الفور عند الاستطاعة، قال: وجه الأمر في
ذلك، أنا وجدنا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لا يفسقون من تأخر
عاما أو عامين بعد بلوغه مع استطاعته على الحج، ولا يسقطون شهادته،
ولا يزعمون إنه قد ترك أداء الحج في وقته، وانه ليس كتارك الصلاة حتى
خرج وقتها فیکون قاضيا لها بعد خروج وقتها، ووجدنا هذا من شأنهم لیس
مما يحدث في عصر دون عصر، فعلمنا أن ذلك ميراث الخلف عن السلف،
ووجدنا فرائض كثيرة سبيلها كسبيل الحج في ذلك، منها: قضاء الصوم
والصلاة، فلم نرهم ضيقوا على الحائض إذا طهرت في قضاء الصلاة في أول
وقتها، ولها أن تؤخره ما دام في وقتها سعة، ولا في قضاء ما عليها من
الصوم، ولا على المسافر إذا انصرف من سفره، وكلهم لا يؤمن عليه هجمة
الموت .
وقالت عائشة: إنه ليكون عليّ الصوم من رمضان فما اقضیه حتى
يدخل شعبان. فتبين بذلك ان هذه أمور لم يضيقها المسلمون، فبطل بذلك
قول من شذ فضيقها، ثم نظرنا في أمر الحج اذا اخره المرء المدة الطويلة،
كرجل ترك ان يحج خمسين سنة - وهو مستطيع في ذلك كله- فوجدنا ذلك
مستنكرا لا يأمر بذلك احد من أهل العم، غير انه اذا حج بعد المدة الطويلة
لم يكن قاضيا للحج، كقضاء من ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فقلنا
الوقت ممدود بعد- وإن كان قد اخر تأخيرا مستنكرا، فاذا مات، علمنا انه
قد أخر الفرض حتی فات بموته، وصار الموت علامة لتفریطه حین فات
وقت حجه، فان قال قائل: فمتى يكون عاصيا؟ وبماذا عصى؟ قلنا: أما
المعصية، فتأخيره الفرض حتى خرج وقته، ويقع عصيانه بالحال التي عجز
فيها من النهوض الى الحج، وبان ذلك بالموت، وكذلك قال عمر بن

= ٨٤
فتح البر
الخطاب: من مات ولم يحج، فليمت يهوديا- ان شاء أو نصرانيا. فعلق
الوقت بالموت، أي يموت كما يموت اليهودي والنصراني دون ان يحج،
والنصراني واليهودي يموت كافرا بكفره، وهذا يموت عاصيا بتركه الحج
مستطیعا له.
قال أبو عمر: الذي عندي في ذلك -والله أعلم- انه اذا جاز له
التأخیر وکان مباحا له وهو مغيب عنه موته، فلم یمت عاصيا اذا كانت نيته
منعقدة على أداء ماوجب من ذلك عليه، وهو کمن مات في آخر وقت
الصلاة لم يظن انه يفوته كل الوقت- والله أعلم.
وقد احتج بعض الناس لسحنون بما روي في الحديث المأثور عن النبي
وسلم أنه قال: معترك أمتي من الستين إلى السبعين(١)، وقل من يجاوز ذلك.
وهذا لاحجة فيه، لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمته- لو صح
الحديث. وفيه دليل على التوسعة الى السبعين، لأنه من الأغلب أيضا، ولا
ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته ودينه وأمانته بمثل هذا من
التأويل الضعيف- وبالله التوفيق.
ومما احتج به ابن خواز بنداد في جواز تأخير الحج، وانه ليس على
الفور، حديث ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن بكر، قدم على
النبي وَ له فسأله عن الاسلام، فذكر الشهادة والصلاة والزكاة وصوم رمضان
(١) أخرجه: من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة:
ت (٥/ ٥١٧/ ٣٥٥٠) وقال: ((هذا حديث حسن غريب من حديث محمد بن عمرو عن أبي
سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا
الوجه)). جه (٤٢٣٦/١٤١٥/٢)، ك (٤٢٧/٢) وقال هذا: ((حديث صحيح على شرط مسلم
ووافقه الذهبي)) هق (٣/ ٣٧٠) جميعهم بلفظ: ((أعمار أمتي)).
حب: الإحسان (٧/ ٢٤٦/ ٢٩٨٠)، أبو يعلى (٥٩٩٠/٣٩٠/١٠) وفيه عبد الرحمن بن محمد
المحاربي وصفه أحمد بالتدليس وقد عنعن .

٨٥
الحج والعمرة
والحج، وقال في آخر الحديث: هل علي غيرها؟ قال: لا، الا أن تطوع-
الحديث على نحو ما ذكره مالك من حديث طلحة بن عبيد الله في الاعرابي
من اهل نجد، الا أنه ليس في حديث مالك ذكر الحج.
وقد روی حدیث ضمام هذا- عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وانس
ابن مالك، وفيها كلها ذكر الحج، وحديث أنس أحسنها سياقة وأتمها،
ونحوه حديث ابن عباس، واختلف في وقت قدومه، فقيل: قدم ضمام بن
ثعلبة على رسول الله وير في سنة خمس، وقيل في سنة سبع، وقال ابن هشام
عن أبي عبيدة في سنة تسع : سنة وفد أكثر العرب.
وذكر ابن إسحاق قدوم ضمام بن ثعلبة على النبى وَ يهر ولم يذكر العام
الذي قدم فيه .
وقال الواقدي: قدم ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر عام الخندق
بعد انصراف الاحزاب، فأسلم فكان اول من قدم من وفد العرب، ويقال:
أول من قدم وافدا على النبي وّ بلال بن الحارث المزني من وفد مزينة.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان- قراءة مني عليه، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، وعبيد بن عبد الواحد البزار،
قالا حدثنا أحمد بن محمد بن ایوب، قال حدثنا ابراهيم بن سعد بن ابراهيم،
عن محمد بن محمد بن اسحاق، قال حدثني محمد بن الوليد بن نويفع مولى
الزبير، عن کریب مولی ابن عباس، عن ابن عباس، ان ضمام بن ثعلبة أخا
بني سعد بن بكر- لما أسلم، سأل رسول الله وَّقو عن فرائض الاسلام، فعد
عليه رسول الله وَلهير الصلوات الخمس، فلم يزد عليهن، ثم الزكاة، ثم
صيام رمضان، ثم حج البيت، ثم أعلمه بما حرم الله عليه، فلما فرغ ،
قال: أشهد أن لا إله الا الله وأنك رسول الله، وسأفعل ما أمرتني به ولا

فتح البر
أزيد ولا أنقص، ثم ولى، فقال رسول الله وَلالقول : ان يصدق يدخل
الجنة(١).
حدثنا محمد بن ابراهيم، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا أحمد بن
شعيب، وحدثنا عبد الله، حدثنا حمزة، حدثنا علي بن سعيد بن بشير، قالا
حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل، حدثنا أبو عمارة حمزة بن الحارث بن عمير،
قال سمعت أبي يذكر عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، عن أبي هريرة، قال: بينما النبي بَلّ مع أصحابه، جاءهم رجل
من أهل البادية فقال: أيكم بن عبد المطلب؟ قالوا: هذا الامغر المرتفق،
قال: إني سائلك فمشتد عليك في المسألة، قال: سل عما بدالك، قال:
أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك، آلله أرسلك؟ قال: اللهم نعم.
قال: فانشدك بالله، آلله أمرك ان نصلي خمس صلوات في كل يوم وليلة؟
قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله امرك أن تأخذ من أموال اغنيائنا
فترده على فقرائنا؟ قال: اللهم نعم. قال: وأنشدك بالله، آلله أمرك أن
نصوم هذا الشهر من اثني عشر شهرا؟ قال: اللهم نعم. قال: وأنشدك
بالله، آلله أمرك ان نحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال: اللهم
نعم. قال: فاني آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة(٢).
قال أبو عمر:
قوله في هذا الحديث: الامغر المرتفق، يريد: الأبيض المتكئ، والأمغر
هو الذي يشوب بياضه حمرة، واصل الامغر: الأبيض الوجه والثوب، وقد
(١) حم (١/ ٢٥٠)، د(١ / ٣٢٧/ ٤٨٧) مختصراً. طب (٨/ ٨١٤٩/٣٦٤)، ك (٣ / ٥٤) وصححه
ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي (١ / ٢٩٤) وقال: ((عزاه صاحب الأطراف إلى أبي داود، ولم أجد في
أبي داود الا طرفا من أوله، رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد موثقون».
(٢) ن (٤ / ٢٠٩٣/٤٢٩).

الحج والعمرة
II = ٨٧
يكون الاحمر كناية عن الابيض - كما قال - وَاج: بعثت إلى الأحمر
والأسود (١) - يريد الأبيض والأسود. وفي خبر ضمام هذا دليل على أن فرض
الحج قد كان تقدم قبل وقت وفادته على النبي ◌ّالر وان ذلك قد كان اشتهر
وانتشر في قبائل العرب، وظهر ظهور الصلاة والزكاة التي كان يخرج فيها
السعاة اليهم ويأخذونها منهم علي مياههم، وکظهور صوم شهر رمضان،
لأنه على ذلك كله وقفه وسأله عنه، لتقدم علم ضمام بأن ذلك كله دينه
الذي بعث به اليه يدعو، وانه الاسلام ومعانيه وشرائعه التي كان يقاتل من
أبى منها، وقد روى هذا الحديث أنس بن مالك، وعبد الله بن العباس
-باكمل سياقة من حديث طلحة، ومن حديث أبي هريرة أيضا.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد
ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا شبابة، عن سليمان
ابن المغيرة، عن ثابت، عن انس، قال: كنا قد نهينا ان نسأل رسول الله
وَ ﴿ وكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية العاقل - فيسأله- ونحن
نسمع، فجاءه رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا
انك تزعم ان الله أرسلك، فقال له رسول الله وَليل: صدق. فقال من خلق
السماوات؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن
نصب الجبال؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماوات وخلق الارض،
ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك ان علينا
(١) أخرجه من حديث أبي ذر: حم (١٤٨/٥)، ك (٤٢٤/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرجا ألفاظا من الحديث متفرقة، ووافقه الذهبي. الهيثمي
(٢٦١/٨) وقال: ((رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح)). حم (٥/ ١٦١- ١٦٢) عن شعبة عن
واصل الأحدب عن مجاهد عن أبي ذر. وإسناده منقطع لعدم سماع مجاهد من أبي ذر.
حب: الإحسان (١٤/ ٣٧٥/ ٦٤٦٢). وأخرجه: م (١ / ٣٧٠/ ٥٢١) من حديث جابر بهذا
السياق.

٨٨
فتح البر
خمس صلوات في يومنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي خلق السماء وخلق
الارض ونصب الجبال، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك ان
علينا صوم شهر في سنتنا؟ قال: صدق. قال فبالذي خلق السماء وخلق
الارض، ونصب الجبال، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك
ان علينا الحج من استطاع إليه سبيلا؟ قال: صدق، قال: فبالذي خلق
السماء وخلق الأرض ونصب الجبال، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. فقال:
والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها شيئا ولا انقص منها. فقال رسول الله وَله
: ان صدق دخل الجنة(١).
وحدثنا سعید بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد
ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن فضیل،
عن عطاء بن السائب، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، قال: جاء
اعرابي إلى النبي ◌َّير فقال السلام عليك يا غلام بني عبد المطلب، فقال
رسول الله ◌َّيقول: وعليك. فقال: إني رجل من أخوالك من بني سعد بن
بكر، وأنا رسول قومي اليك ووافدهم، وأنا سائلك فمشتدة مسألتي إياك،
وناشدك فمشتدة مناشدتي إياك، قال: قل يا أخا بني سعد. قال: من
خلقك؟ وهو خالق من قبلك وخالق من بعدك؟ قال: الله. قال:
فنشدتك بذلك، أهو أرسلك قال: نعم. قال: من خلق السماوت السبع
والأرضين السبع وأجرى بينهن الرزق؟ قال: الله، قال: فانشدك بذلك أهو
ارسلك؟ قال: نعم قال: وانا قد وجدنا في كتابك واتتنا رسلك أن نصلي في
اليوم والليلة خمس صلوات لمواقيتها، فانشدك بذلك، أهو أمرك به؟ قال:
نعم، فإنا قد وجدنا في كتابك واتتنا رسلك أن نأخذ من حواشي أموالنا فترد
(١) حم (١٤٣/٣)، خ (٦٣/١٩٧/١) تعليقا. م(١٢/٤١/١)، ت(٣/ ٦١٩/١٤)،
ن(٤/ ٢٠٩٠/٤٢٤)، البغوي (١/ ٤/١٥)، هق (٣٢٥/٤).

الحج والعمرة
٨٩=
على فقرائنا، فنشدتك بذلك أهو امرك بذلك؟ قال: نعم. قال: ووجدنا في
كتابك وأتتنا رسلك أن نصوم شهرا من السنة شهر رمضان، فنشدتك بذلك
آلله امرك به؟ قال: نعم، ثم قال: وأما الخامسة - يعنى الحج، فلست
أسألك عنها، قال: ثم قال: أما والذي بعثك بالحق لأعملن بها، ولآمرن
من أطاعني من قومي، ثم رجع. فضحك رسول الله وَله حتى بدت
نواجذه، ثم قال: والذي نفسي بيده، لئن صدق ليدخلن الجنة(١).
قال أبو عمر: في هذه الأحاديث كلها ذكر الحج، وهي أحاديث ثابتة
حسان صحيحة. وقوله في حديث ابن عباس: واما الخامسة فلا أسألك
عنها- يعنى الحج - بعد ان جعلها خامسة، ففيه دليل على ان الاسلام ودينه
على خمسة أعمدة عنده، فمنها الحج. والمعنى في قوله ذلك، ان العرب
كانت تعرف الحج وتحج كل عام في الاغلب، فلم ير في ذلك ما يحتاج فيه الى
المناشدة، وكان ذلك مما ترغب فيه العرب لأسواقها وتبررها وتحنفها، فلم
يحتج في الحج الى ما احتاج في غيره من السؤال والمناشدة - والله أعلم. واظن
سقوط ذکر الحج من حديث مالك- حدیث طلحة بن عبيد الله، کان على
ما في حديث ابن عباس، فلم یذكره احد رواته فیه- والله أعلم.
ومن الدليل على جواز تأخير الحج، إجماع العلماء على ترك تفسيق
القادر على الحج اذا أخره العام والعامين ونحوهما، وأنه اذا حج بعد أعوام
من حين استطاعته، فقد أدى الحج الواجب عليه في وقته، وليس عند
الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها، ولا
كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا عمن افسد حجه فلزمه
قضاؤه، فلما اجمعوا انه لا يقال لمن بعد اعوام من وقت استطاعته: أنت
(١) طب (٨١٥١/٣٦٦/٨)، الدارمي (١٦٥/١)، الهيثمي (١ /٢٩٥) وقال: ((رواه الطبراني في
الكبير وفي الأوسط وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط)).

٩٠
فتح البر
قاض لما كان وجب عليك، ولم يات بالحج في وقته، علمنا ان وقت الحج
موسع فيه، وأنه على التأخير والتراخي، لا على الفور- وبالله التوفيق.
ومما نزع به من رأه على التراخي، ما ذكر الله في كتابه من أمر الحج في
سورة الحج وهي مكية، ومن ذلك أيضاً أن قول الله عز وجل: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧]في سورة آل عمران،
ج
ونزلت في عام أحد وذلك سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحج رسول الله وَلّر الا
سنة عشر، فإن قيل ان مكة كانت ممنوعة منه ومن المسلمين، قيل: قد
افتتحها سنة ثمان في رمضان- ولم يحج حجته التي لم يحج بعد فرض الحج
علیه غيرها الا في سنة عشر، وأمر عتاب بن أسيد إذ ولاه مکة سنة ثمان ان
يقيم الحج للناس، وبعث أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- سنة تسع،
فأقام للناس الحج، وحج هو رَّة سنة عشر من الهجرة، فصادف الحج- في
ذي الحجة، وأخبر أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات
والارض، وان الحج في ذي الحجة الي يوم القيامة - إبطالا لما كانت العرب في
جاهلیتها عليه في تأخير الحج - المنسي الذي کانوا ینسونه له عاما بعد عام،
فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَِّىّءُ زِيَادَةٌ فِ اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُحِلُّونَهُمْ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: (٣٧)].
نقلت ذلك كله الكافة لم يختلفوا فيه، واستقر الحج من حجة النبي
الهر في ذي الحجة الى يوم القيامة - ان شاء الله.
وأما قوله في حديث مالك: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه،
فقال رسول الله وَلّر: أفلح ان صدق. ففيه دليل- والله أعلم على أن من
ادى فرائض الله، وجبت له الجنة إذا اجتنب محارمه، لان الفلاح معناه البقاء
في نعيم الجنة التي أكلها دائم وظلها، وفاكهتها لا مقطوعة ولا ممنوعة، وعلى

الحج والعمرة
٩١ =
أداء فرائض الله واجتناب محارمه، وعد الله المومنين بالجنة- والله لا يخلف
الميعاد.
كان عمر بن عبد العزيز-رحمه الله- يقول في خطبته: الا ان أفضل
الفضائل اداء الفرائض- واجتناب المحارم.
وشکا رجل الی سلمان الفارسي أنه لا يقدر على القيام بالليل، فقال له :
يا ابن أخي لا تعص الله بالنهار، تستغن عن القيام بالليل.
وأصل الفلاح في اللغة: البقاء والدوام، قال الشاعر:
لكل هم من الأمور سعه والمسي والصبح لا فلاح معه
أي لا بقاء معه .
وقال لبيد:
اعقلي ان كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
وقال الراجز:
لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح
أي لو کان احد یبقی ولا يموت، لكان ذلك ملاعب الاسنة- وهو أبو
البراء عامر بن مالك.
ومن المعنى الذي ذكرنا، قول المؤذن: حي على الفلاح، ومنه
قول الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَّكَّى﴾ [الأعلى: (١٤)]. وقوله: ﴿وَأَوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: (٥)].

= ٩٢
فتح البر
ما جاء في فضل الحج والعمرة
[٢] مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي
هريرة، أن رسول الله له قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور
ليس له جزاء الا الجنة (١).
هذا حديث انفردعن سمي ليس يرويه غيره، واحتاج الناس اليه فيه،
سمي عن أبيه أبي صالح.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدثنا جعفر بن
عمر، قال حدثنا شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن سمي، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَلي قال: الحج المبرور ليس له جزاء
الا الجنة، والعمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما(٢).
وحدثنا أحمد بن فتح، قال: حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال :
حدثنا بكر بن محمد بن عبد الوهاب البصري، قال حدثنا محمد بن عبد
الملك، قال حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهیل، عن سمي، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر قال: الحج المبرور ليس له جزاء الا
الجنة، والعمرة الى العمرة تكفر ما بينهما(٢).
قال أبو عمر:
قوله: العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، مثل قوله: الجمعة إلى الجمعة
كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في
(١) حم (٢/ ٤٦٢)، خ (٣/ ٨٧٦١ ١٧٧٣)، م (٢/ ٩٨٣ /١٣٤٩[٤٣٧])،
ن (٥/ ١٢١/ ٢٦٢٨)، جه (٢٨٨٨/٩٦٤/٢).
(٢) م (٢ / ٩٨٣ / ١٣٤٩)، ن (٢٦٢٢/١١٩/٥).

الحج والعمرة
٩٣ = ١١
باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي من هذا الكتاب.
وأما الحج المبرور، فقيل هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث فيه
ولا فسوق، ويكون بمال حلال- والله أعلم وبالله التوفيق.

= ٩٤
فتح البر
ما جاء في فضل العمرة في رمضان
[٣] مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن
يقول: جاءت امرأة الى رسول الله بَل فقالت: إني كنت تجهزت للحج فاعترض
لي، فقال رسول الله ◌َ له: اعتمري في رمضان، فإن عمرة فيه كحجة (١).
هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ وهو مرسل في ظاهره، الا
أنه قد صح أن أبا بكر سمعه من تلك المرأة فصار مسندا بذلك، والحديث
صحيح مشهور من رواية أبي بكر وغيره. وفيه من الفقه تطوع النساء بالحج،
وهذا اذا كانت الطرق مأمونة، وكان مع المرأة ذو محرم، أو كانت في جماعة
نساء يعين بعضهن بعضا، وينبغي أن ينضم الرجل اليهن عند الركوب
والنزول. وفيه أن الأعمال قد يفضل بعضها بعضا في أوقات، وأن الشهور
بعضها أفضل من بعض، والعمل في بعضها أفضل من بعض، وأن شهر
رمضان مما يضاعف فيه عمل البر، وذلك دليل على عظيم فضله. وفيه أن
الحج أفضل من العمرة، وذلك - والله أعلم - لما فيه من زيادة المشقة في
العمل والإنفاق. وقد روي عن النبي يطلق عمرة في رمضان تعدل حجة- من
وجوه كثيرة: من حديث علي بن أبي طالب، وأنس، وابن عباس، ووهب
ابن خنيس، وأبي طليق، وأم معقل- وهو حديثها، وقد قيل: أم سنان
والأشهر أم عقيل، وأحسنها إسنادا حديث ابن عباس، فمن أسانيد هذا
الحديث المسند ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي
بكر بن عبد الرحمن، عن امرأة من بني أسد بن خزيمة- يقال لها أم معقل،
قالت: قلت يا رسول الله، إني أردت الحج فضل جملي - أو قالت: بعيري،
فقال رسول الله وَيقول: اعتمري في شهر رمضان، فإن عمرة فيه تعدل
(١) ن في الكبرى (٥٢٢٧/٤٧٢/٢)، طب في الكبير (٣٦٩/١٥٤/٢٥).

٩٥
=
الحج والعمرة
حجة(١) . - هكذا قال الزهري في اسم المرأة: أم معقل، وهو المشهور
المعروف، وقد تابعه على ذلك جماعة، وقد ذكرناها في كتاب الصحابة،
وذكرنا الاختلاف فيه هناك بما يغني عن ذکره ههنا .
حدثنا محمد بن خلیفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق
ابن أحمد، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج
عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يخبر أن رسول الله وَ ي قال لامرأة من
الأنصار: إذا کان شهر رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة(٢). قال
ابن جريج: وسمعت دواد بن عاصم يحدث هذا الحديث عن أبي بكر بن
عبد الرحمن وقال: اسم المرأة أم سنان .
حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن ابراهيم بن الحداد، قال
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان، وعبد الجبار السمرقندي، قالا حدثنا
محمد بن الوزير الواسطي، قال حدثنا إسحاق الازرق، عن سفيان الثوري،
عن ابراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام- أنه
كان رسول مروان- إلى أم معقل يسألها عن الحديث، فقالت: كان علي
حجة، وكان أبو معقل - يعني زوجها - قد أعد بكرا له في سبيل الله في بني
كعب، فسألته البكر، فذكر لي ما صنع فيه، قالت: فسألته من صرام
النخل، فقال: قوت أهلي، فذكرت ذلك النبي ◌ُّ فقال: ادفع اليها البكر
فلتحج علیه، فإنه في سبيل الله، قالت: وقد كان حج مع رسول الله ێڼ
ماشيا فقال: يا رسول الله، إني قد كبرت- وعلي حجة، فما يجزي منها؟
(١) حم (٤٠٦/٦)، طب في الکبیر (٣٧١/١٥٤/٢٥)، ن في الکبری(٤٢٢٧/٤٧٢/٢)، قال
الشيخ ناصر في الإرواء (٣/ ٣٧٤): ((سنده صحيح على شرط الشيخين)).
(٢) حم (٢٢٩/١)، خ (١٧٨٢/٧٦٨/٣)، م(١٢٥٦/٩١٧/٢)، ن (٢١٠٩/٤٣٦/٤).

: ٩٦
فتح البر
فقال: عمرة في رمضان تجزيك من حجتك(١).
وحدثنا عبد الرحمن بن مروان، حدثنا الحسن بن یحیی، حدثنا ابن
الجارود، حدثنا عبد الله بن هشام، حدثنا یحیی بن سعيد، عن ابن جريج،
قال أخبرني عطاء، قال: سمعت ابن عباس قال: قال رسول الله وَلهول
لامرأة من الأنصار سماها ابن عباس فنسيت اسمها: ما منعك أن تحجي
معنا العام؟ قالت: يا نبي الله، إنه كان لنا ناضحان، فرکب أبو فلان
وابنه- تعني زوجها وابنها - ناضحا، وترك ناضحا ننضح عليه الماء، فقال
النبي ◌َّ هو : فإن كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة فيه تعدل حجة- أو
قال كحجة(٢).
وأخبرنا ابراهيم بن شاكر، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن
أيوب، حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يزيد بن
زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله وَله
قال: عمرة في رمضان تعدل حجة(٣).
قال أبو عمر:
أحسن الناس سياقة لهذا الحديث: محمد بن إسحاق، عن عيسى بن
معقل، عن یوسف بن عبد الله بن سالم، حدثنا عبد الله بن محمد، قال
حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عمرة
الطائي، وحدثنا قاسم بن محمد، قال: حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
(١) حم (٦ / ٤٠٥)، د (٢ / ٥٠٣/ ١٩٨٨) من طريق أبي عوانة به. ك (١ / ٤٨٢) من طريق شعبة
عن ابراهيم به، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ابن خزيمة
(٤/ ٣٦٠/ ٣٠٧٥) من طريق شعبة عن ابراهيم به .
(٢) سبق تخريجه في الباب نفسه .
(٣) م (٢ / ٩١٨ / ١٢٥٦ [٢٢٢]).

الحج والعمرة
٩٧=
أحمد بن عمرو بن منصور، قال: حدثنا محمد بن سنجر، واللفظ الحديثه
-وهو أتم - قالا حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال: حدثنا محمد بن
إسحاق، عن عيسى بن معقل بن أم معقل الاسدي - أسد خزيمة، قال
حدثني يوسف بن عبد الله ابن سلام، عن جدته أم معقل، قالت: لما حج
بنا رسول الله وَليفي حجة الوداع، أمر الناس أن يتهيئوا معه، قالت: ففعلوا،
قالت: وأصابتنا هذه القرحة الحصبة أو الجدري، قالت: فدخل علينا من
ذلك ما شاء الله - أن يدخل، فأصابني مرة وأصاب أبا معقل، فأما أبو
معقل، فهلك فيها، قالت: وكان لنا جمل ننضح علیه نخلات، فكان هو
الذي يريد أن يحج عليه، قالت: فجعله أبو معقل في سبيل الله، وشغلنا
بما أصابنا، وخرج رسول الله بَالر، فلما فرغ من حجته، جئته حين تماثلت
من وجعي، فدخلت، فقال: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي معنا في
وجهنا هذا؟ قالت: يا نبي الله، لقد تهيأ لنا ذلك، فأصابتنا هذه القرحة،
فهلك فيها أبو معقل، وأصابني فيها مرضي هذا حتی صححت منه، وكان
لنا جمل هو الذي نريد أن نخرج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله،
قال: فهلا خرجت عليه، فإن الحج من سبل الله، اذا فاتتك هذه الحجة
معنا فاعتمري عمرة في رمضان، فإنها كحجة، قالت: وكانت تقول: الحج
حجة، والعمرة عمرة، وقد قال لي رسول الله ويلي ذلك، والله ما أدري
أخاصة لي لما فاتني من الحج أم هي للناس عامة؟(١).
قال يوسف: فحدثت بهذا الحديث مروان بن الحكم - وهو أمير
المدينة- زمن معاوية، فقال: من سمع هذا الحديث معك؟ قلت: ابنها
معقل بن أبي معقل- وهو رجل صدق، فأرسل اليه فحدثه بمثل ما
(١) د(٢/ ١٩٨٩/٥٠٤)، الدارمي (٢/ ٥١).

: ٩٨
فتح البر
حدثني، قال: فقيل لمروان انها حية في دارها، فوالله ما اطمأن الی حدیثنا
حتى ركب اليها في الناس، فدخل عليها فحدثته هذا الحديث.
وحدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا أحمد
ابن عمرو، قال حدثنا ابن سنجر، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا محمد بن
اسحاق، عن يحيى بن عباد، عن الحارث بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام، عن أبيه، قال: كنت في الناس مع مروان حین دخل
عليها فسمعناها تحدث بهذا الحديث(١)، قال: فكان أبو بكر لا يعتمر الا في
العشر الأواخر من رمضان لذلك من حديث أم معقل، حدثنا محمد بن
خليفة، حدثنا محمد بن نافع، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا أبو عبيد
الله، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن يوسف بن عبد الله بن
سلام، قال بعثني مروان بن الحكم الى رجل من الانصار أسأله عن العمرة في
رمضان، فجئته فحدثني أن رسول الله وَّليل قال له ولامرأته: اعتمرا في شهر
رمضان، فإن عمرة فيه كحجة(٢).
قال أبو عمر:
القول في هذا الحديث قول ابن اسحاق- والله أعلم.
وقد حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد، قال حدثنا
أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر، قال حدثنا أبو المغيرة، قال
حدثنا الاوزاعي، قال حدثني یحیی بن أبي کثیر، عن أبي سلمة، قال حدثني
(١) حم (٤٠٦/٦)، طب (٣٦٧/١٥٣/٢٥). وفيه محمد بن اسحاق وهو مدلس وقد صرح
بالتحديث عند أحمد والطبراني فانتفت شبهة تدليسه .
(٢) حم (٣٥/٤)، ن في الكبرى (٤٢٢٤/٤٧٢/٢)، الحميدي (٨٧٠/٣٨٤/٢)،
طب (٧٣٥/٢٨٦/٢٢).

الحج والعمرة
٩٩ -
ابن أم معقل الاسدية، قال: قالت أمي: يا رسول الله، إني أريد الحج وجملي
أعجف، فقال: اعتمري في رمضان، فإن عمرة في رمضان كحجة(١).
ورواه الأسود بن يزيد عن أم معقل: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى،
قال: حدثنا أحمد بن سعید، قال: حدثنا محمد بن محمد بن بدر، قال حدثنا
الحسن بن حماد، قال حدثنا علي بن عابس، عن أبي اسحاق، عن الاسود،
عن أم معقل، قالت: أردت أن أحج فقلت لأبي معقل: اعطني بكرك
فأحج عليه أو تمر نخلك، فأبى علي، فقال رسول الله وَيقول: اعتمري في
رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة(٢).
وقد روى أنس عن النبي بَّر مثل حديث أم معقل هذا:
حدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق
ابن أحمد قال حدثنا أحمد بن صالح: قال حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال
حدثنا ابراهيم بن سويد، عن هلال بن يسار، عن أنس بن مالك، قال
رسول الله قالو: عمرة في رمضان كحجة(٣).
وقد ذكرنا حکم من اعتمر في رمضان فحل من عمرته في شوال،
وأحكام التمتع ووجوهها في باب ابن شهاب عن محمد بن عبد الله- والحمد
لله .
(١) حم (٤٠٥/٦)، ن في الكبرى (٤٢٢٦/٤٧٢/٢)، طب (٣٧٣/١٥٥/٢٥)،
هق (٤/ ٣٤٦).
(٢) حم (٦ / ٤٠٦) من طريق يحيى بن آدم حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي الأسود عن أبي
معقل عن أم معقل. ت (٩٣٩/٢٧٦/٣) من طريق نصر بن علي حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا
اسرائيل عن أبي اسحاق عن الأسود بن يزيد النخعي عن ابن أم معقل عن أم معقل وقال:
((حديث أم معقل حديث غريب من هذا الوجه)). جه (٢/ ٩٩٦/ ٢٩٩٣) من طريق جباره
بن مغلس، حدثنا إبراهيم بن عثمان عن أبي معقل عن النبي وقَد. أبو يعلى:
(١٢/ ٢٦٧ /٦٨٦٠).
(٣) طب (٧٢٢/٢٥١/١)، الهيثمي (٢٨٣/٣) وقال: ((رواه الطبراني في الكبير وفيه هلال مولى أنس
وهو ضعيف)».

١٠٠
فتح البر
عدد عمر الرسول زعي الخير
[٤] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله و الله لم يعتمر الا ثلاثا، إحداهن
في شوال، واثنتين في ذي القعدة (١).
وهذا حدیث مرسل أيضا عند جميع الرواة عن مالك، وقد روي مسندا
عن عائشة :
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا محمد بن بکر قال
حدثنا أبو داود، قال حدثنا عبد الاعلى بن حماد، قال حدثنا داود بن عبد
الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله وَليل اعتمر
عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال(٢). ورواه هكذا مسندا عن هشام،
عن أبيه، عن عائشة - يزيد بن سنان الزهاوي، ومسلم بن خالد الزنجي،
وليس هؤلاء ممن يذكر مع مالك في صحة النقل .
وحدثنا عمر بن حسین، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد
ابن زهير، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد،
قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، واذا ابن عمر جالس إلى حجرة
عائشة، فسألناه: كم اعتمر النبي ◌َّ؟ فقال: أربعا، إحداهن في رجب،
فكرهنا أن نرد عليه، فقال عروة: يا أم المؤمنين، أما تسمعين ما يقول أبو عبد
الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال يقول: اعتمر رسول الله وَيقول أربع عمر،
إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله
(١) هذا حديث مرسل وسيأتي موصولا إن شاء الله تعالى.
(٢) د (٢ / ٥٠٥/ ١٩٩١)، قال الحافظ في الفتح (٧٦٥/٣) باب كم اعتمر النبي وَظهر، روى
سعيد بن منصور عن الدراوردي عن هشام عن أبيه عن عائشة ثم ساق الحديث وقال: «إسناده
قوي)» .