Indexed OCR Text
Pages 341-360
الصيام ٣٤١ ولو قبل فأمذى، لم يكن عليه شىء عند الشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، وابن علية، والأوزاعي. وقال أحمد: من قبل فأمذى أو أمنى، فعليه القضاء؛ ولا كفارة عنده الا على من جامع فأولج ناسيا أو عامدا. وسيأتي ذکر کفارة المفطر في رمضان بجماع أو أکل في باب ابن شهاب عن حميد ان شاء الله عز وجل. وقال مالك: لا أحب للصائم أن يقبل، فان قبل في رمضان فانزل، فعليه القضاء والكفارة؛ وان قبل فأمذى، فعليه القضاء ولا كفارة. وقال ابن خواز بنداد: القضاء على من قبل فأمذی عندنا مستحب ليس بواجب. وأما الأحاديث عن أم سلمة في هذا الباب، فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن طلحة ابن يحيى، قال: حدثني عبد الله بن فروخ، أن امرأة سألت أم سلمة فقالت: ان زوجي يقبلني وهو صائم وأنا صائمة، فما ترين؟ فقالت: كان رسول الله وَلا يقبلني وهو صائم وأنا صائمة (١). وأخبرنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا محمد ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن فروخ، عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله وَله يقبلني وهو صائم وأنا صائمة. وعبد الله ابن فروخ هذا، كوفي، مولى آل طلحة بن عبيد الله، وقيل مولی عمر بن الخطاب، وهو تابعي، ليس به بأس. وأخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن (٢) حم (٦/ ٢٩١ - ٣٢٠)، الطحاوي في معاني الآثار: (٣٤٥/١). ذكره الألباني في الإرواء تحت رقم (٩٣٤) وقال: إسناد جيد على شرط مسلم. فتح البر ١ =٣٤٢ = حمدان بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، قال: سمعنا من يحيى بن أبي کثیر، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب ابنة أم سلمة حدثته قالت: حدثتني أمي أن رسول الله وَليل كان يقبل وهو صائم(١). وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا ابن حمدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو وعبد الصمد بن عبد الوارث، قالا: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، عن النبي وَليه مثله(١). وقرأت على أبي عثمان سعید بن نصر، أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال: حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال: حدثنا محمد بن سابق، قال حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب ابنة أم سلمة أخبرته عن أم سلمة حدثتها أن رسول الله وَلا ي كان يقبلها وهو صائم(١). ورواه الأوزاعي عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة، والقول قول من ذكرنا. وقد رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن شيبان، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وهذا -عندي- ان لم يكن إسنادا آخر، فهو خطأ، وما رواه هشام وهمام ومحمد بن سابق عن شیبان صحیح، وهشام الدستوائي، أثبت من روی عن یحیی بن أبي کثیر، وقد تابعه همام وغيره، وروايته لهذا الحدیث أولى من رواية من خالفه بالصواب، والله تعالى أعلم. (١) حم (٦ / ٣٠٠)، خ (٤ / ١٩٠ - ١٩٢٩/١٩١). الصيام ٣٤٣ وقد روي عن أم سلمة أيضا في هذا الحدیث غير هذا، وذلك ما حدثناه خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال: حدثنا بکر ابن سهل، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عبد الله بن عمرو ابن العاص أرسله الی أم سلمة: هل كان رسول الله ولا يقبل وهو صائم؟ فان قالت لا، فقل لها: ان عائشة تحدث أن رسول الله آل﴾ كان يقبل وهو صائم. قال أبو قيس: فجئتها، فقالت: أحر أم مملوك؟ فقلت: بل مملوك، فقالت: أدنه، فدنوت فقلت: ان عبد الله بن عمرو أرسلني اليك أسألك: هل كان رسول الله وَّلو يقبل وهو صائم؟ فقالت: لا، فقلت ان عائشة تحدث أن رسول الله ◌ّي﴿ كان يقبل وهو صائم، فقالت: لعله لم يتمالك عنها حبا(١). وهذا حديث متصل، ولكنه ليس يجيء الا بهذا الاسناد، وليس بالقوي، وهو منكر على أصل ما ذكرنا عن أم سلمة. وقد رواه عن موسى بن علي- عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن يزيد المقري، کما رواه عبد الله بن صالح سواء. وما انفرد به موسى بن علي فليس بحجة، والاحاديث المذكورة عن أبي سلمة معارضة له، وهي أحسن مجينا، وأظهر تواترا، وأثبت نقلا منه. وأما الأحاديث في هذا الباب عن عائشة، فأسانيدها لا مطعن لأحد فيها، وستراها في باب بلاغات مالك- ان شاء الله. واسناد حديث حفصة في ذلك أحسن، وبالله التوفيق. (١) حم (٦/ ٢٩٦ -٣١٧)، ن في الكبرى (٣٠٧٢/٢٠٣/٢ -٣٠٧٣)، طب في الكبير (٢٣/ ٧٨٩/٣٤٠). وفيه موسى بن علي وهو اللحفي المصري وان كان ثقة، واحتج به مسلم، فقد تكلم فيه بعضهم، قال ابن عبد البر: ما انفرد به موسى بن علي فليس بحجة. فتح البر ٣٤٤ باب منه [١٢] مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: إن كان رسول الله وَل﴿ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم ثم تضحك(١). قد مضى القول في القبلة للصائم في باب زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار من هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث أبو سلمة عن عروة عن عائشة وسماع أبي سلمة من عائشة صحيح وهو أسن من عروة. حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الحمصي القاضي، قال حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﴿ ﴿ كان يقبل وهو صائم(٢). (١) خ (٤ / ١٩٢٨/١٩٠) من طريق مالك. وأخرجه من طرق عن هشام بن عروة به: حم (١٩٢/٦)، خ (١٩٢٨/١٩٠/٤)، م (١١٠٦/٧٧٦/٢). ن: في الکبری (٣٠٥٤/٢٠٠/٢). (٢) حم (٦/ ٢٨٠)، م (٢/ ٧٧٨ / ١١٠٦ [٦٩]). الصيام ٣٤٥ = باب منه [١٣] مالك أنه بلغه أن عائشة زوج النبي وقال# كانت إذا ذكرت أن رسول الله ێ يقبل وهو صائم تقول: وأيكم أملك لأربه من رسول الله ؟. وهذا الحديث يتصل ويستند عن عائشة من وجوه صحاح- والحمد لله، فنذكر منها ما حضرنا مما فيه كفاية - إن شاء الله. حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بکر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا یحیی عن عبيد الله بن عمر، قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة، قالت: كان رسول الله وله يقبلني - وهو في رمضان صائم، قال: ثم تقول عائشة: وأيكم كان أملك لأربه من رسول الله (١). وحدثنا عبد الوارث، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ولم يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك أربه كما كان رسول الله وصلقه يملك أربه(١). أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا حمزة بن محمد بن علي، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا الربيع بن سليمان، قال حدثنا أسامة بن زيد، أن ابن شهاب حدثه عن عروة، عن عائشة أخبرته أن رسول الله وله كان يقبل وهو صائم، قالت عائشة: وأيكم كان أملك لأربه من رسول الله عَ ليه (١). (١) حم (٦/ ٤٤)، م (٢ / ٧٧٧ / ١١٠٦ [٦٤])، جه (١ /٥٣٨ /١٦٨٤)، حب: الإحسان (٣٥٤٣/٣١٣/٨)). فتح البر ١ = ٣٤٦ قال أبو عمر: رواه ابن أبي ذئب، ومعمر، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة، وقد رواه هشام الدستوائي، عن یحیی بن أبي کثیر، عن أبي سلمة، عن عروة، عن عائشة، فدل على أن الحديث لعروة عن عائشة، كما هو للقاسم عن عائشة، ولعلقمة عن عائشة، وللأسود عن عائشة. وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رواه مالك وغيره عن هشام، وقد ذكرناه في باب هشام بن عروة من هذا الكتاب- والحمد لله. أخبرنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: خرجنا حجاجاً، فتذاكر القوم الصائم يقبل، فلما قدمنا المدينة، دخلنا على عائشة، فقالوا لي: يا أبا شبل، سلها، فقلت: لا أرفث عندها سائر اليوم، فسمعت مقالتهم فقالت ما كنتم تقولون؟ إنما أنا أمكم؛ قالوا: يا أم المؤمنين الصائم يقبل؟ فقالت عائشة: كان رسول الله ﴿ و يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملککم لأربه. وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان، قال حدثنا الحسن بن يحيى القاضي، قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود، قال حدثنا محمد بن آدم، قال حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عائشة أن النبي ◌َ و كان يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لأربه(١). (١) حم (٦/ ٤٠-٤٢-١٢٦)، م (٢ / ٧٧٧ / ١١٠٦ [٦٦])، ت (٧٢٩/١٠٦/٣) وقال: حديث حسن صحيح. د (٢٣٨٢/٧٧٨/٢). الصيام ٣٤٧ _ أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن إبراهيم عن الاسود وعلقمة عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ لا يقبل وهو صائم، ویباشر وهو صائم، ولكنه أملك لأربه. قال أبو عمر: قولها أملك لأربه: يعني أملك لنفسه ولشهوته، وقد اختلف العلماء في كراهية القبلة للصائم على حسب ما قدمنا ذکره مبسوطا في باب زید بن أسلم من هذا الكتاب، فلا وجه لإعادته ههنا. وقد احتج بعض من كره القبلة للصائم بقول عائشة هذا: وأيكم أملك لأربه من رسول الله وَلهم وفتوى عائشة بجواز القبلة للصائم دليل على أن ذلك مباح لكل من أمن على نفسه إفساد صومه. ذكر مالك عن أبي النضر، عن عائشة بنت طلحة - أنها كانت عند عائشة، فدخل عليها زوجها هنالك- وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- وهو صائم، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها، فقال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم، وهي التي روت الحديث، وعلمت مخرجه، ومن خاف على أمة محمد ما لم يخفه عليها نبيها، فقد جاء من التعسف بما لا يخفى، ولما کان التأسي به مندوبا الیه، استحال أن يأتي منه ما يكون خصوصا أو يسكت عليه، وقد مضى من هذا الباب والمعنى ما فيه شفاء في باب زيد بن أسلم عن عطاء- والحمد لله. وأما حديث مالك أنه بلغه أن عائشة -رضي الله عنها- كانت تقول: کسر عظم المسلم ميتا ککسره حیا- تعنی في الإثم، فقد مضی ذکره في باب أبي الرجال من هذا الكتاب، وذكرنا هناك من أسنده ورفعه إلى النبي وَله وذلك عند حديثه في المختفي النباش - وصلى الله على محمد. = ٣٤٨ فتح البر ما جاء في الفطر في السفر [١٤] مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: ((سافرنا مع رسول الله وَطلال في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)) (١). هذا حديث متصل صحيح. وبلغني عن ابن وضاح رحمه الله أنه كان يقول ان مالکا لم یتابع علیه في لفظه، وزعم أن غيره یرویه عن حميد عن أنس أنه قال كان أصحاب رسول الله وَ القول يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ليس فيه ذكر رسول الله ﴿ ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذه. وهذا عندي قلة اتساع في علم الأثر. وقد تابع على ذلك مالكا جماعة من الحفاظ منهم أبو إسحاق الفزاري وأبو ضمرة أنس بن عياض ومحمد بن عبد الله الانصاري وعبد الوهاب الثقفي كلهم رووه عن حميد عن أنس بمعنى حديث مالك ((سافرنا مع رسول الله (﴾ ﴾)) سواء. وروي عن النبي ◌ُّ وأصحابه مثل ذلك من وجوه منها حديث ابن عباس، وحديث أبي سعيد الخدري، وحديث أنس هو حديث صحيح ثابت وبالله التوفيق. وما أعلم أحداً روى حديث أنس هذا على ما قال ابن وضاح الا ما رواه محمد بن مسعود عن القطان عن حميد عن أنس قال ((كنا نسافر مع أصحاب رسول الله یآل ولا أعلمه قال الا في رمضان منا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب هذا على هذا» هکذا حدث به ابن وضاح قال حدثنا محمد بن مسعود قال حدثنا يحيي بن سعيد القطان عن حميد عن أنس فذكره. (١) خ (٢٣٣/٤/ ١٩٤٧). م (٢ / ٧٨٧ / ١١١٨ (٩٨)). د (٢٤٠٥/٧٩٥/٢). الصيام ٣٤٩ قال أبو عمر: ليس هذا بشيء. والذي عليه الرواة ما ذكره مالك وسائر من سميناه من الحفاظ عن حميد عن أنس قال سافرنا مع رسول الله وسلم وهو الصواب ان شاء الله. وسنذكر الآثار في ذلك بالأسانيد الجياد في آخر هذا الباب بعد الفراغ من القول في معانيه واختلاف العلماء فيه بعون الله ان شاء الله. وفيه من الفقه وجوه كثيرة منھا: رد قول من زعم ان الصائم في رمضان في السفر لا يجزئه کما روي عن عمر وأبي هريرة وابن عباس. وقال بذلك قوم من أهل الظاهر. وروي عن ابن عمر أنه قال من صام في السفر قضى في الحضر. وروي عن عبد الرحمن بن عوف ان الصائم في السفر كالمفطر. وروي عن ابن عباس أيضا والحسن انهما قالا: ان الفطر في السفر عزمة لا ينبغي تر کھا. وحديث هذا الباب یرد هذه الأقاويل ویبطلها کلها. وقد روي عن ابن عباس في هذه المسألة: خذ بيسر الله وهذا منه اباحة للصوم والفطر للمسافر خلاف القولين اللذين ذكرناهما عنه. وعلى اباحة الصوم والفطر للمسافر جماعة العلماء وأئمة الفقه بجميع الامصار، الا ماذكرت لك عمن قدمنا ذكره ولا حجة في أحد مع السنة الثابتة هذا ان ثبت ما ذكرناه عنهم. وقد ثبت عن النبي ◌ُّخلو من وجوه أنه صام في السفر وأنه لم يعب على من أفطر ولا على من صام فثبتت حجته ولزم التسليم له، وانما اختلف الفقهاء في الافضل من الفطر في السفر أو الصوم فيه لمن قدر عليه؛ فروينا عن عثمان ابن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول الله وَلي أنهما قالا: الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. ونحو ذلك قول مالك والثوري لانهما قالا: الصوم في السفر أحب الينا لمن قدر فتح البر ٣٥٠ عليه فاستدللنا أنهم لم يستحسنوه الا أنه أفضل عندهم. وقال الشافعي ومن اتبعه هو مغیر ولم يفضل. و کذلك قال ابن علیة. وقد روي عن الشافعي ان الصوم أحب إليه ولم يختلف عن ابن علية انه لا يفضل. وهو ظاهر حديث أنس هذا وروي عن ابن عمر وابن عباس الرخصة أفضل وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي ومحمد بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كل هؤلاء يقولون ان الفطر أفضل لقول الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: (١٨٥)]. وروي عن ابن عباس من وجوه إن شاء صام وإن شاء أفطر. وهو الثابت عن النبي ◌ّ ﴾ من حديث أنس وابن عباس وأبي سعيد وحمزة بن عمرو الاسلمي حدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبدالعزیز قال حدثنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا اسرائيل عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قد صام رسول الله وَ طير في السفر فمن شاء صام ومن شاءأفطر(١). قال علي: وكذلك رواه أبو عوانة عن منصور بإسناده: حدثنا فضل بن عوف، قال حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ◌ّل﴿ فذكر الحديث قال ورواه شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس لم يذكر طاوسا حدثنا مسلم قال حدثنا شعبة فذكره. قال أبو عمر: كان حذيفة رحمه الله وسعيد بن جبير والشعبي وأبو جعفر محمد بن علي لا يصومون في السفر، وكان عمرو بن ميمون والاسود بن یزید وأبو وائل (١) خ (٤ / ١٩٤٨/٢٣٤). م (٢/ ١١١٣/٧٨٥). د (٢٤٠٤/٧٩٤/٢)، ن (٢٢٨٩/٤٩٦/٤). جه (١/ ١٦٦١/٥٣١). الصيام ٣٥١ = يصومون في السفر، وكان ابن عمر يكره الصيام في السفر. وعن سعيد بن جبیر مثله. حدثنا إبراهيم بن شاکر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعید بن عثمان قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقى قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن طاوس عن ابن عباس قال انما اراد الله برخصة الفطر في السفر التيسير عليكم فمن تيسر عليه الصوم فليصم ومن تيسر عليه الفطر فليفطر. فان قال قائل ممن يميل الى قول أهل الظاهر في هذه المسألة قد روي عن النبي وَ م أنه قال ((ليس البر، أو ليس من البر الصيام في السفر)) (١) وما لم يكن من البر فهو من الاثم، واستدل بهذا على أن صوم رمضان في السفر لا يجزئ، فالجواب عن ذلك أن هذا الحدیث خرج لفظه على شخص معين وهو رجل رآه رسول الله څ وهو صائم قد ظلل علیه وهو يجود بنفسه فقال ذلك القول أي لیس البر أن يبلغ الانسان بنفسه ذلك المبلغ والله قد رخص له في الفطر. والدليل على صحة هذا التأويل صوم رسول الله ويثير في السفر، ولو كان الصوم في السفر إثما كان رسول الله سليم أبعد الناس منه. حدثنا عبد الوارث ابن سفیان قال حدثنا أحمد بن دحیم قال حدثنا إبراهيم بن حماد قال حدثني عمي إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن زرارة قال، قال جابر بينا رسول الله صل ﴿ عام تبوك ليسير بعد أن أضحى اذا هو بجماعة في ظل شجرة فقال ما هذه الجماعة؟ فقالوا رجل (١) حم (٢٩٩/٣). خ (١٩٤٦/٢٢٩/٤). م (١١١٥/٧٨٦/٢). د (٢٤٠٧/٧٩٦/٢). ن (٤ / ٨٦ ٤ / ٥٦ ٢٢). فتح البر ١=٣٥٢ صام فجهده الصوم. فقال رسول الله وَ له ((ليس البر أن تصوموا في السفر))(١) قال إسماعيل وحدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة عن محمد ابن عبد الرحمن عن محمد بن عمرو بن حسن أو ابن حسين عن جابر بن عبد الله نحوه. وأخبرنا عبد الرحمن بن مروان قال حدثنا أبو محمد الحسن ابن یحیی القلزمي قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال حدثنا عبد الله ابن هاشم قال حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر بن عبد الله ((ان رسول الله * كان في سفر فرأى رجلا عليه زحام - وقد ظلل عليه - فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، قال: ليس من البر أو ليس البر أن تصوموا في السفر)) (١) هكذا قال محمد بن عمرو بن الحسن ويحتمل قوله صل و ليس البر الصيام في السفر أي ليس هو أبر البر؛ لأنه قد يكون الافطار أبر منه اذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه. وقد يكون الفطر في السفر المباح برا؛ لان الله اباحه. ونظير هذا من كلامه وَ ل قوله: ((ليس المسكين الطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان قيل فمن المسكين؟ قال الذي لا يسأل ولا يجد ما يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه)) (٢) ومعلوم أن الطواف مسكين وانه من أهل الصدقة اذا لم يكن له شيء غير تطوافه. وقد قال مَ ال ـ ((ردوا المسكين ولو بكراع محرق، وردوا السائل ولو بظلف محرق)) (٣) وقالت عائشة أن المسكين ليقف على بابي، الحديث. وقال [التوبة: (٦٠)] عز وجل ﴿﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَاَلْمَسَكِينِ ﴾ وأجمعوا أن الطوَّاف منهم، فعلم أن قوله وَل ليس المسكين (١) تقدم تخريجه. (٢) خ: (١٤٧٩/٤٣٤/٣)، م: (١٠٣٩/٧١٩/٢)، ن: (٢٥٧/٨٩/٥). (٣) حم: (٤٣٥/٦) د: (١٦٦٧/٣٠٧/٢)، ت: (٥٢/٣-٦٦٥/٥٣) وقال حديث أم بجيد حديث حسن صحيح ن: (٢٥٦٤/٨٦/٥)، حب: (الإحسان) (٣٣٧٤/١٦٨/٨). الصيام ٣٥٣ = | بالطواف عليكم معناه ليس السائل بأشد الناس مسكنة؛ لان المتعفف الذي لا يسئل الناس ولا يفطن له أشد مسكنة منه فكذلك قوله ((ليس البر الصيام في السفر)) معناه ليس البر كله في الصيام في السفر؛ لان الفطر في السفر بر أيضا لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى ذكره، واما قوله لیس من البر فهو کقوله لیس البر، ومن قد تكون زائدة كقولهم ما جاءني من أحد أي ما جاءني أحد والله أعلم. فأما من احتج بقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وزعم أن ذلك عزمة فلا دليل معه على ذلك. لأن ظاهر الكلام وسياقه إنما يدل على الرخصة والتخيير. والدليل على ذلك قوله عز وجل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ودليل آخر وهو إجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتم يومه إن ذلك مجزىء عنه فدل على أن ذلك رخصة له. والمسافر في التلاوة وفي المعنى مثله. والكلام في هذا أوضح من أن يحتاج فيه إلى إكثار والله المستعان. وحدثني أبو القاسم خلف بن القاسم قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين بن السندي قال حدثنا أبو الفضل قاسم بن محمد بن الخياط قال حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري قال حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: ((سافرنا مع رسول الله وَ ﴾ فصام قوم وأفطر قوم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)) (١) وحدثنا أحمد بن عبد الله ابن محمد بن علي قال حدثنا الميمون بن حمزة الحسيني قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال حدثنا المزني قال حدثنا الشافعي قال أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال ((سافرنا مع (١) تقدم تخريجه في هذا الباب فتح البر - ٣٥٤ رسول الله وَ* فمنا الصائم ومنا المفطر لا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)) (١) وبه عن الشافعي قال وحدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال ((كنا نسافر مع رسول الله وَ﴾ منا الصائم ومنا المفطر لا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم یرون أنه من وجد قوة فصام ان ذلك حسن جمیل ومن وجد ضعفا فافطر فكذلك حسن جميل)(٢) حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حكم قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: ((خرجنا مع رسول الله وَ ل حين فتح مكة لسبع عشرة أو لتسع عشرة بقين من رمضان فصام صائمون وافطر مفطرون فلم يعب على هؤلاء ولم يعب على هؤلاء))(٣). قال أبو عمر: هذا معنى حسن؛ لانه أضاف الاباحة الى النبي عليه السلام وانه لم يعب على واحدة من الطائفتين وهو من أصح إسناد جاء في هذا الحديث. رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة باسناده فقال فيه خرجنا مع النبي وَلّ لثنتي عشرة. وقال هشام عن قتادة فيه باسناده لثمان عشرة. وقد حدثنا خلف بن القاسم قال حدثنا ابن أبي العقب بدمشق قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو مسهر قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: ((آذننا رسول الله وَ القول بالرحيل عام الفتح لليلتين (١) تقدم تخريجه في هذا الباب (٢) حم (٢/ ١٣). م (٢/ ١١١٦/٧٨٧ (٩٦)). ت (٧١٣/٩٢/٣). وقال حديث حسن صحيح. ن (٤ / ٢٣٠٨/٥٠١). (٣) حم (٣/ ٥٠). م (٢/ ١١١٦/٧٨٦). ت (٧١٢/٩٢/٣). ن (٢٣٠٩٨/٥٠١/٤). الصيام ٣٥٥= خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا بالفطر فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر حتى بلغنا مر الظهران فآذننا بلقاء العدو وأمرنا بالفطر فأفطرنا جميعا))(١). قال أبو عمر: عند سعيد بن عبد العزيز في هذا الباب حديثان، أحدهما هذا عن عطية، والآخر عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء وهما صحيحان. وفي هذا الباب مسائل الفقهاء قد اختلفوا فيها وقد ذكرتها في باب ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله والحمد لله علی ذلك کثیرا. (١) تقدم تخريجه انظر قبله . - ٣٥٦ فتح البر باب منه [١٥] مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أن رسول الله ګ- خرج الی مکة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكدید، ثم أفطر فأفطر الناس، و كانوا يأخذون بالاحدث فالاحدث من امر رسول الله ◌َ له (١). قال أبو عمر: قوله في هذا الحدیث، وکانوا یأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله څټ يقولون انه من كلام ابن شهاب. وفيه دليل على أن في حديث رسول الله ◌َّام ناسخا ومنسوخا، وهذا أمر مجمع عليه، واحتج من ذهب الى الفطر في السفر بأن آخر فعل رسول الله وال* الفطر في السفر، وبقوله: ليس من البر الصيام في السفر(٢). وقد أوضحنا هذا المعنى في باب حميد الطويل، فلا معنى لإعادة ذلك ههنا. ورواية ابن جريج لهذا الحديث عن ابن شهاب، كرواية مالك سواء، وقال فيه معمر: قال الزهري: فكان الفطر آخر الأمرين. وفي هذا الحديث من الفقه، اباحة السفر في رمضان، وفي ذلك رد قول من قال: ليس لمن ابتدأ صيام رمضان في الحضر أن يسافر فيفطر. لقول الله (١) خ (١٩٤٤/٢٢٦/٤)، حب (الإحسان (٣٥٦٣/٣٢٩/٨). (٢) حم (٢٩٩/٣-٣١٧)، خ (١٩٤٦/٢٢٩/٤)، م (١١١٥/٧٨٦/٢)، د (٧٨٦/٢ /٢٤٠٧)، ن (٤ / ٤٨٦ / ٢٢٥٦). الصيام ٣٥٧ تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ وَمَنْ كَانَ مَرِ يضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرْ﴾ [البقرة: (١٨٥)]. ورد قول من قال: إن المسافر في رمضان - إن صام بعضه في الحضر، لم يجز له الفطر في سفر. روی حماد بن سلمة، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي - رضي الله عنه- قال: من أدركه رمضان وهو مقيم، ثم سافر بعد، لزمه الصوم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ وهو قول عبيدة وطائفة معه، رواه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد، عن عبيدة، قوله وتأول من ذهب مذهب هؤلاء في قوله ﴿ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ من أدركه رمضان وهو مسافر، ففي الحديث ما يبطل هذا القول كله، لأن رسول الله ◌َ ي سافر في رمضان بعد أن صام بعضه في الحضر مقيما. وكان خروجه بعد مدة منه، وقد ذكرناها وذکرنا اختلاف الآثار فيها في باب حميد الطويل - والحمد لله. وفيه جواز الصوم في السفر، وجواز الفطر في السفر، وفي ذلك رد على من ذهب الى ان الصوم في السفر لا يجوز، وان من فعل ذلك لم يجزه، وزعم أن الفطر عزمة من الله عز وجل في قوله: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَّ﴾[البقرة ١٨٤]. وهو قول یروی عن ابن عباس، وأبي هريرة، وقد ذكرنا في باب حميد الطويل من كتابنا هذا عن ابن عباس- خلافه من وجوه صحاح. وروي عن ابن عمر انه قال: إن صام في السفر، قضى في الحضر، وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر، كالمفطر في الحضر، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، على خلاف هذا الحديث وشبهه، عن النبي ◌ّ مما قدمنا ذكره في باب حميد، منها حديث أنس: سافرنا مع رسول الله وَلِّ، فمنا الصائم، ومنا فتح البر = ٣٥٨ المفطر، فلم يعب هذا على هذا، ولا هذا على هذا (١). وحديث حمزة بن عمرو الاسلمي: ان رسول الله و ﴿ ﴿ قال له في السفر: ان شئت فصم، وان شئت فأفطر(٢) . وهو مذكور في باب هشام بن عروة. وذكرنا في باب سمي حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، خرجنا مع رسول الله وَ﴾ والناس مختلفون: فصائم، ومفطر، والآثار بهذا كثيرة جدا. وأجمع الفقهاء ان المسافر بالخيار: ان شاء صام، وان شاء افطر، الا انهم اختلفوا في الأفضل من ذلك، وقد مضى القول فيه في باب حميد- والله أعلم. واختلف الفقهاء في الفطر المذكور في هذا الحديث، فقال قوم: معناه ان اصبح مفطراً نوى الفطر فتمادى عليه في ايام سفره، واحتجوا بحديث العلاء بن المسيب، عن الحكم بن عيينة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: صام رسول الله وَ ل﴿ من المدينة حتى اتى قديداً ثم افطر حتى أتى إلى مكة(٣). وهذا لا بيان فيه لما تأولوه. وقال آخرون: معناه: أنه افطر في نهاره بعد ما مضی منه صدر، وان الصائم جائز له ان يفعل ذلك في سفره. واحتج من قال هذا القول بحدیث جعفر بن محمد، عن أمه عن جابر، أن رسول الله ﴾﴾ خرج الی مکة عام الفتح في رمضان وصام حتى بلغ كراع (١) خ (٤/ ٢٣٣ / ١٩٤٧). (٢) حم (٤٦/٦-١٩٣ -٢٠٢ -٢٠٧)، خ (٤ / ١٩٤٣/٢٢٤)، م (٢ /٧٨٩/ ١١٢١)، د (٢٤٠٢/٧٩٣/٢)، ن (٢٣٠٥/٥٠٠/٤)، ت(٧١١/٩١/٣) وقال: حديث حسن صحیح. جه (١/ ٥٣١/ ١٦٦٢). (٣) ن (٢٢٨٧/٤٩٥/٤). الصيام ٣٥٩! الغمیم، فصام الناس وهم مشاة ورکبان، فقيل له: ان الناس قد شق عليهم الصوم، وانما ينظرون الى ما فعلت، فدعا بقدح من ماء، فرفعه حتی نظر اليه الناس ثم شرب، فأفطر بعض الناس، وصام بعض: فقيل للنبي وَل ـ: ان بعضهم قد صام، قال أولئك العصاة(١). حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا أحمد بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن حماد، قال حدثنا عمي إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا عبد الواحد بن غیاٹ، قال: حدثنا عبد العزیز بن المختار، قال حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر - فذكر الحديث. أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعیب، قال: أنبأنا محمد بن رافع، قال: حدثنا یحیی بن آدم، قال: حدثنا مفضل، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: سافر رسول الله ﴿﴿ فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بإناء فشرب نهاراً ليراه الناس. ثم أفطر حتى دخل مكة، وافتتح مكة في رمضان(٢). قال ابن عباس، فصام رسول الله ◌ٍَّ﴾ في السفر، وافطر، فمن شاء صام، ومن شاء افطر. واختلف الفقهاء في المسافر يفطر بعد دخوله في الصوم، فقال مالك: عليه القضاء والكفارة، لانه كان مخيرا في الصوم والفطر. فلما اختار الصوم، صار من أهله، ولم يكن له أن يفطر، وهو قول الليث: عليه الكفارة. ثم قال مالك مرة: لا كفارة عليه، وهو قول المخزومي، وأشهب، وابن كنانة، ومطرف. وقال ابن الماجشون: ان افطر بجماع كَفَّر؛ لانه لا (١)م (٢/ ١١١٤/٧٨٥)، ت (٧١٠/٨٩/٣)، ن (٤٨٨/٤٨٨/٤)، حب (الإحسان) (٣٥٤٩/٣١٨/٨). (٢) خ (٤/ ١٩٤٨/٢٣٤)، م(٢/ ٧٨٤/ ١١١٣[٨٨])، د(٢/ ٢٤٠٤/٧٩٤)، ن(٢٢٨٩/٤٩٦/٤). فتح البر =٣٦٠ يقوى بذلك على سفره، ولا عذر له. وقال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي والثوري: لا کفارة علیه. و کلھم یقول ليس له ان يفطر، الا البويطي حكى عن الشافعي: من اصبح صائما في الحضر، ثم سافر لم يكن له ان يفطر. وكذلك من صام في سفره، ليس له ان يفطر، الا ان یثبت حديث النبي آ﴾ انه افطر یوم الكدید، فان ثبت، كان لهما جميعا ان يفطرا. واختلفوا ايضا في الذي يخرج في سفره - وقد يبيت الصوم- فقال مالك: من اصبح في رمضان مقيما صائما ثم سافر فافطر، فعليه القضاء ولا كفارة. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وداود، والطبري، والأوزاعي، وللشافعي قول آخر انه يكفر إن جامع. وكره مالك للذي يصبح صائما في الحضر ثم یسافر- ان یفطر، ولم يره إثما ان افطر. و کذلك قال داود، والمزني. وقال أبو حنيفة والشافعي- في رواية المزني: لا يجوز له ان يفطر، فان فعل فقد اساء، ولا كفارة عليه. وقال المخزومي وابن كنانة: عليه القضاء والكفارة، وقولهما شذوذ في ذلك عن جماعة أهل العلم. وقال أحمد وإسحاق وداود: يفطر اذا برز مسافرا، وهو قول ابن عمر والشعبي وجماعة، وستأتي مسائل هذا الباب بأسد استيعاب، في باب سمي من هذا الكتاب- ان شاء الله.