Indexed OCR Text
Pages 141-160
صدقة التطوع ١٤١= ذلك ليس في رواية أكثر الرواة للموطأ، ولا يجيز مثل هذه العبارة أهل الحديث، ولكنها رواية من روى ذلك، والله أعلم، والمعنى فيه بين، والحمد لله. وروى هذا الحديث، عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية، ﴿لَن ثْثَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: (٩٢)]، جاء أبو طلحة، ورسول الله ◌َيفو، على المنبر، قال: وكانت دار ابن جعفر، والدار التي تليها، الى قصر ابن جديلة، حوائط لأبي طلحة، قال: وكان قصر ابن جديلة، حائطا، لأبي طلحة، يقال لها بيرحاء، وكان النبي وَلّ، يدخلها ويشرب من مائها، ويأكل من ثمرها، فجاء أبو طلحة، ورسول الله مَّي، على المنبر، فقال: ان الله عز وجل، يقول في كتابه، ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وأن أحب أموالي الي بيرحاء، فهي لله، ولرسوله، ارجو بره وذخره. اجعله یا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله وَي: بخ، ذلك يا أبا طلحة مال رابح، قد قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين، قال: فتصدق به أبو طلحة، على ذوي رحمه، فکان منهم أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، قال: فباع حسان نصيبه من معاوية، فقيل له يا حسان، تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال، الا أبيع صاعا من تمر، بصاع من دراهم(١). وذكر الطحاوي، حدثنا إبراهيم بن مرزوق، حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري، قال: حدثنا حميد، عن أنس، وأبي، عن ثمامة، عن أنس، وهذا لفظ حديثه، قال: قال أنس: كانت لأبي طلحة أرض، فجعلها الله عز وجل، فأتى النبي وَله، فقال: اجعلها في فقراء أقاربك فجعلها لحسان، وأبي (١) سبق تخريجه =١٤٢ فتح البر ابن كعب(١)، قال أنس: وكان أقرب إليه مني. وفي هذا الحديث من الفقه والعلم وجوه، فمنها أن الرجل الفاضل، العالم، قد يضاف إليه حب المال، وقد يضيفه هو الى نفسه، وليس في ذلك نقيصة علیه، ولا علی من أضاف ذلك إلیه، إذا كان ذلك من وجه حله، وما أباح الله منه، وكان أبو طلحة من خيار أصحاب النبي وَله، وقد أخبر الله عز وجل عن الانسان، إنه لحب الخير لشديد، قال المفسرون، الخير هاهنا المال، وفيه أباحة اتخاذ الجنات، والحوائط، وهي التي تعرف عندنا بالمنى في الحواضر، وغيرها، وفيه إباحة دخول العلماء والفضلاء البساتين وما جانسها من الجنات والكروم، وغيرها طلباً للراحة والتفرج، والنظر الى ما یسلی النفس، وما یوجب شكر الله عز وجل على نعمه، وفيه ما يدل على اباحة كسب العقار، وفي ذلك رد لما روى عن ابن مسعود، أنه قال: لا تتخذوا الضيعة، فترغبوا في الدنيا، وفي كسب رسول الله وَالت، العقار مما أفاء الله عليه من بني النضير، وفدك، وغيرها، وكسب الصحابة، رضي الله عنهم، من الأنصار والمهاجرين للأرضين، والحوائط، وكسب التابعين، بعدهم بإحسان لذلك، أکثر من أن يحصى. ولا خلاف علمته، في آن کسب العقار مباح، إذا کان من حله، ولم یکن سبب ذل وصغار، فان ابن عمر، رضي الله عنه، کره کسب أرض اخراج، ولم ير شراءها، وقال: لا تجعل في عنقك صغارا. وفيه إباحة الشرب من ماء الصديق بغير اذنه، وماء الحوائط والجنات والدور عندنا مملوك لأهله، لهم المنع منه، والتصرف فيه بالبيع وغيره، (١) الطحاوي في "شرح المعاني" (٥٣٩٩/٢٨٩/٣) و(٧٣٩٣/٣٨٦/٤). وهو عند البخاري من طريق مالك عن إسحاق بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول فذكر الحديث بطوله (١٤٦١/٤١٥/٣). صدقة التطوع ١٤٣ _ وسنذكر معنى نهيه، وَّة، عن بيع الماء، وعن بيع فضل الماء، في باب أبي الرجال، محمد بن عبد الرحمن، عند قوله ◌َ ﴾ ((لا تمنع نقع بئر)) ان شاء الله. واذا جاز الشرب من ماء الصديق، بغير اذنه، جاز الأكل من ثماره وطعامه، إذا علم ان نفس صاحبه تطيب به، لتفاهته ويسر مؤنته، ولما بينهما من المودة. وقد قال الله عز وجل: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَكُمْ جُنَاعُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: (٦١)]. ذكر محمد بن ثور عن معمر قال: دخلت بيت قتادة، فأبصرت رطباً، فجعلت آكله، فقال: ما هذا، قلت أبصرت رطباً في بيتك، فأكلت، قال: أحسنت، قال الله ج عز وجل ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. وذكر عبدالرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قال: إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، لم یکن بذلك بأس، قال معمر: ودخلت بيت قتادة، فقلت أأشرب من هذا الجب؟ لجب فيه ماء، فقال: أنت لنا صديق، قال معمر، وقال قتادة، عن عكرمة، قال: إذا ملك الرجل المفتاح، فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير، قال: وأخبرنا معمر، عن منصور عن أبي وائل قال: كنا نغزو فنمر بالثمار، فنأكل منها. قال أبو عمر: هذا على ما قلنا، والله أعلم، مما يعلم ان صاحبه تطيب به نفسه، و کان یسیرا، لا یتشاح في مثله، وقد كان لهم في سفرهم ضيافة، مندوب إليها، وقد يكون هذا منها، وقد قال رسول الله وَله: ((لا يحتلبن أحد ماشية أحد الا بإذنه))(١)، وقال: ((لا يحل مال امرئ مسلم، إلا بطيب (١) خ: (٢٤٣٥/١١١/٥)، م: (١٧٢٦/١٣٥٢/٣)، د: (٢٦٢٣/٩١/٣) من حديث ابن عمر. فتح البر : ١٤٤ نفسه)»(١). وسيأتي هذا المعنى، ممهدا في باب نافع عن ابن عمر إن شاء الله. وفيه إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض، بما فضله الله عز وجل في خلقته، قال الله عز وجل ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَبِغْ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحُ أُجَاجٌ [فاطر: (١٢)]. وقد روى عن النبي آلآل أنه كان يستعذب له الماء من بير السقيا، وفي هذا المعنی، والله أعلم، قول أنس في هذا الحدیث ان رسول الله ێ کان یآتي بيرحاء، ويشرب من ماء فيها طيب، فوصفه بالطيب. وفيه استعمال ظاهر الخطاب وعمومه، وان الصحابة رضي الله عنهم، لم يفهموا من فحوى الخطاب غير ذلك، ألا ترى أن أبا طلحة، حين سمع، ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان، عن الشيء الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى، أو سنة مبينة لذلك، فانهم يحبون أشياء كثيرة، وفي بدار أبي طلحة الى استعمال ما وقع علیه معنی حبه في الإنفاق منه، دليل على استعماله معنى العموم، وما احتمل الاسم الظاهر منه، في أقل ذلك أو أكثره. وفي هذا رد على من أبى من استعمال العموم، لاحتماله التخصيص، وهذا أصل من أصول الفقه كبير، خالف فيه أهلُ الكوفة، أهلَ الحجاز، وهو مذکور في کتب الأصول بحججه ووجوهه، والحمد لله. (١) حم: (٤٢٥/٥). حب: (الإحسان)(٥٩٧٨/٣١٦/١٣) من حديث حميد الساعدي. وذكره الهيثمي في المجمع وقال: ((رواه أحمد والبزار ورجال الجمیع رجال الصحيح))، قال ابن حجر في ((التلخيص الحبير)). ((رواه الدار قطني من طريق مقسم عن ابن عباس نحوه في حديث، وفي إسناده العَرْزَمي وهو ضعيف. ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي من حديث حميد الساعدي بلفظ: ((لا يحل لامرئ أن يأخذ عصى أخيه بغير طيب نفسه منه وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم)). وهو من رواية أبي سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حميد، وقيل عن عبد الرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي رواه أحمد والبيهقي وقوى ابن المدیني روایة سهیل ... )). صدقة التطوع ١٤٥ والاستدلال على ذلك بأن أبا طلحة، بدر مما يجب الى حائطه، فأنفقه وجعله صدقة لله: استدلال صحیح، وکذلك فعل زيد بن حارثة، بدر مما يجب الى فرس له، فجعلها صدقة؛ لأن ذلك كله، داخل تحت عموم الآية. ذکر أسد بن موسى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: لما نزلت ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قال زيدبن حارثة: اللهم انك تعلم، انه ليس لي مال أحب الی من فرسي هذا، وكان له فرس يقال له سبل، فجاء به الى النبي ◌َ﴿ فقال: هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد، اقبضه فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه، فقال رسول الله وَالله: ان الله قد قبلها منك(١). ورواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار عن ابن المنكدر، مثله. وذکر الحسن بن على الحلواني، قال: حدثنا إسحاق بن منصور بن حيان، قال: حدثنا عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: دخل عبد الله بن عمر، على صفية بنت أبي عبيد، فقال لها، أشعرت أني أعطيت بنافع ألف دينار أعطاني به عبد الله بن جعفر، قالت فما تنتظر أن تبيع؟ قال: فهلا خير من ذلك؟ قالت وما هو؟ قال هو حر لوجه الله، قال أظنه تأول قول الله عز وجل، ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . وروينا عن الثوري، أنه بلغه، أن أم ولد الربيع بن خثيم، قالت: كان إذا جاء السائل يقول لي، يا فلانة اعطي السائل سكرا، فان الربيع يجب السكر، قال سفيان يتأول ﴿ لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . حدثناه خلف بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد وأحمد بن مطرف، قالا: حدثنا سعيد بن (١) منقطع بهذا السند، وأخرجه: ابن جرير (٣٤٨/٣) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب فذكره. ومن طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن عمرو بن دينار وذكره. فتح البر - ١٤٦ عثمان، قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا المؤمل، قال: حدثنا سفیان،فذكره. وقال الحسن رحمه الله: انكم لا تنالون ما تحبون، الا بترك ما تشتهون، ولا تدرکون ما تاملون الا بالصبر على ما تكرهون. وفيه ان لفظ الصدقة، يخرج الشيء المتصدق به عن ملك الذي يملكه، قبل ان يتصدق به، فان أخر جها الى مالك، وملکه ایاها، استغنى بهذه اللفظة عن غيرها، ولم يكن له الرجوع في شيء منها؛ لأن لفظ الصدقة، يدل على أنه أراد الله بها معطيها، لما وعد الله ورسوله، على الصدقة، من جزیل الثواب، وما أريد به الله فلا رجوع فيه، وهذا مما أجمع المسلمون عليه. وفي هذا حجة لمالك، في اجازته للموهوب له، والمتصدق عليه، المطالبة بالصدقة، وان لم يحجزها، حتى يحوزها، وتصح له، ما دام المتصدق أو الواهب حيا، وان لم تقبض، وغيره لا يجعل اللفظ بالصدقة، ولا بالهبة، شيئا سواء كان لمعين، ولا لغير معين، حتى تقبض وليس للموهوب له عندهم، ولا للمتصدق علیه، أن یطالب و اهبها بإخراجها إليه، ولا يوجب عندهم لفظ الصدقة، أو الهبة من غیر قبض حكما. وممن ذهب الى هذا، الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وسنذكر اختلافهم في هذا المعنى، وما شاکله من معاني الهبات، في باب ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير، ان شاء الله، ونبین وجوه أقاویلهم، واعتلالهم لمذاهبهم هناك، بحول الله وعونه، لا شريك له. وفي هذا الحديث دليل على أن الكلام قد أوجب حكماً، أقله المطالبة على ما قال مالك، للمعين الموهوب له. ومن طريق القياس، لولا الكلام المتقدم، ما كان القبض یدری ما هو، وبالله التوفيق. ١٤٧ - صدقة التطوع فاذا قال المتصدق، مالي هذا صدقة لله عز وجل، ولا يملكه أحدا، جاز للإمام أن يصرفه في أي سبيل من سبيل الله شاء، غير أن الافضل من ذلك أولى، هذا إذا لم یبن مراد المتصدق، فان بان مراده، لم يتعد ذلك الوجه. وفيه أن الصدقة على الأقارب من أفضل أعمال البر؛ لأن رسول الله وَ لقتله لم يشر بذلك على أبي طلحة الا وهو قد اختار ذلك له، ولا يختار له الا الافضل لا محالة، ومعلوم أن العتق من أفضل اعمال البر، وقد فضل رسول الله وَلهو، الصدقة على الأقارب على العتق. حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال: حدثنا حمزة بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن شعیب قال: حدثنا هناد بن السري عن عبدة عن ابن إسحاق، عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار، عن ميمونة، قالت: كانت لي جارية، فأعتقتها، فدخل علي رسول الله وَلقر، فأخبرته، فقال آجرك الله، أما انك لو أعطيتها اخوانك، كان أعظم لأجرك (١). وروى مالك، هذا الحديث، عن ابن أبي صعصعة، لقريب من هذا المعنى، وقد ذكرناه في موضعه من کتابنا هذا. وقد قال رسول الله ( 8﴿ لزينب الثقفية، زوجة ابن مسعود، وزينب الأنصارية، حين أتتاه تسألانه عن النفقة على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما، هل يجزي ذلك عنهما من الصدقة، فقال رسول الله ويلقى: ((لكما أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة (٢)))، وروى الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أمه قالت: قال رسول الله وَل ليه: ((إن أفضل الصدقة على ذي (١) ك: (٢١٣/٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ووافقه الذهبي. وقد أخرجهخ: (٢٥٩٢/٢٧٢/٥). وم: (٢/ ٩٩٩/٦٩٤) بأسانيد أخرى. (٢) حم: (٦/ ٣٦٣)، خ: (١٤٦٦/٤١٨/٣)، م: (٢ /٦٩٤ /١٠٠٠)، ت: (٦٣٥/٢٨/٣-٦٣٦) ن: (٢٥٨٢/٩٧/٥) وجه: (١٨٣٤/٥٨٧/١). فتح البر = ١٤٨ = الرحم الكاشح (١)) قيل في تأويل الكاشح، هاهنا القريب وقيل: المبغض المعادي فانه طوى كشحه على بغضه وعداوته، وهو الصحيح، والله أعلم. وفيه اجازة تولي المتصدق قسم صدقته، وذلك عند أصحاب مالك، إذا کان منه اخراجا لها عن ملکه، ویده، وتملیکا لغيره. وفيه رد على من كره أكل الصدقة التطوع للغني من غير مسألة، لأن أقارب أبي طلحة، الذين قسم عليهم صدقته تلك، لم يبن لنا أنهم فقراء، ممن يحل لهم أخذ الصدقة المفروضة، وقد ذكر بعض أهل العلم، أن أبي بن كعب، كان من أيسر أهل المدينة، وهو أحد الذين قسم عليهم أبو طلحة صدقته هذه، وقد عارضه بعض مخالفيه، فزعم أن أبياً كان فقيرا، واحتج برواية من روى في هذا الحديث، فقسمها أبو طلحة بين فقراء أقاربه، وهي لفظة مختلف فيها، لا تثبت، وعلى أي وجه كان، فان الصدقة التّطوع جائز قبولها من غیر مسألة، لكل أحد، غنیا کان أو فقيرا، وان كان التنزه عنها أفضل عند بعض العلماء، وسنبین وجوه هذا المعنى في باب زید بن أسلم، من كتابنا هذا ان شاء الله. وفيه دليل على صحة ما ذهب إليه فقهاء الحجازيين، حيث قالوا فيمن تصدق على رجل، أو على قوم بصدقة حبس، ذكر فيها أعقابهم، أو لم يذكر، ولم يجعل لها بعدهم مرجعا، مثل ان يقول على المساكين، أو على ما لا يعدم وجوده، من صفات البر، فماتوا وانقرضوا أنها ترجع حبسا على أقرب (١) طب: في الكبير (ح ٣٩٢٣). وذكره الهيثمي في " المجمع" وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (١١٤/٣). وحم: (٣/ ٤٠٢) من طريق حكيم بن حزام أن رجلا سأل رسول الله ◌َ﴾ .. فذكره. وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير وإسناده حسن (١١٩/٣). وحم: (٤١٦/٥) من طريق أبي أيوب الأنصاري فذكره. وقال الهيثمي في "المجمع" (١١٩/٣): رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه الحجاج بن أرطاة وفيه كلام. صدقة التطوع ١٤٩ = ١١ الناس بالمحبس، يوم ترجع، لا يوم حبس، الا ترى أن أبا طلحة اذ جعل حائطه ذاك صدقة لله، ولم يذكر وجها من الوجوه التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، أمره رسول الله، وَلفي، ان يجعلها في أقاربه، فكذلك كل صدقة لا يجعل لها وجه، ولا يذكر لها مرجع، تصرف على أقارب المتصدق، بدلیل هذا الحديث، وهذا عند مالك، فيما لم يرد به صاحبه، حياة المتصدق عليه فانه إذا أراد ذلك، فهي عنده العمرى، ومذهبه في العمرى، أنها على ملك صاحبها، ترجع إليه عند انقضاء عمر العمر، أو الى ورثته ميراثا، وسنذكر قوله وقول غيره في العمری عند ذكر الحديث فيها، في باب ابن شهاب، من کتابنا هذا، ونبین وجوه ذلك ان شاء الله عز وجل. وقد اختلف قول مالك فیمن قال هذه الدار أو هذا الشيء حبس على فلان، أو على قوم، ولم يعقبهم، ولا جعل لها مرجعا الى المساکین، ونحوهم، فمرة قال ترجع ملكا الى ربها، إذا هلك المحبس عليه، كالعمرى، ومرة قال: لا ترجع إليه أبدا وهو تحصيل مذهبه عند أهل المغرب من أصحابه، وحكوا عنه نصوصاً فيمن حبس حبساً، على نفر ما عاشوا فانقرضوا، فالحبس راجع الى عصبة المحبس حبسا، ولا يرجع الی من حبسه، وان كان حيا، ويدخل النساء في الغلة معهم، والسكنى. ولو تصدق بصدقة حبس على ولده، وولد ولده ولم يجعل له مرجعا غير ذلك، فانقرض ولده، وولد ولده، الا رجل واحد فأراد بیعه، فلا سبيل له الى ذلك، فاذا انقرض، فهو حبس صدقة، على عصبة المحبس، لا يباع ولا یوهب. واذا انقرض أقرب الناس إليه، من عصبته، فإلى الذين يلونهم، فإذا انقرض كل من تمسه به رحم من عصبته، رجعت على ما علیه أحباس فتح البر =١٥٠ المسلمين، يجتهد الحاكم في وضع غلتها، وكرائها بعد صدقتها، ولا يباع ولا يورث شيء من العقار، إذا اجرى عليه اسم الصدقة الحبس، ولفظ الولد في التحبيس يدخل فيه ولد الولد ابدا، وكذلك لفظ البنات يدخل فيه بنات البنين ابدا، إذا اجتمعوا، ولا يفضل الاعيان، الا على قدر الحاجة، وليس ولد البنات من العقب، ولا من الولد، اذ ليسوا من العصبات، هذا كله تحصيل مذهب مالك واصحابه الا أن عن بعض البغداديين المالكيين خلافا في بعض هذا، والحمد لله. قال أحمد بن المعدل: قیل لمالك، فلو قال في صدقته، هذا حبس على فلان، هل تکون بذلك محبسة؟ قال: لا، لانها لمن ليس بمجهول، وقد حبسها على فلان، فهي عمرى، لأنه أخبر أن تحبيسها غير ثابت ولا دائم، وأنه الى غاية، قيل فلو قال هي صدقة محبسة، وفلان يأخذها ما عاش، قال إذا تكون محبسة، قال وكذلك لو قال لهم، هي صدقة على فلان، وهي محبسة. والألفاظ التي بها ينقطع ملك الشيء عن ربه، ولا يعود إليه ابدا، عند مالك واصحابه، أن یقول: حبس صدقة، أو حبس لا یباع، أو حبس على أعقاب ومجهولين مثل الفقراء والمساكين، أو في سبيل الله، فان هذا كله عندهم مؤبد، لا يرجع ملکا أبدا. وأما إذا قال سكنى، أو عمرى، أو حياة المحبس عليه، أو الى اجل من الآجال، فإنها ترجع ملكاً الى صاحبها، أو الى ورثته، ولا يكون حبساً مؤبداً، ومعنى قول مالك في أقرب الناس بالمحبس، يريد عصبته. واختلف قوله، كذلك اختلف اصحابه فيمن يدخل في ذلك من النساء، فقال ابن صدقة التطوع 1 ١٥١ = القاسم: كل من كان من النساء لو كان رجلا، كان عصبة وارثا، دخل في مرجع الحبس، ومن لم یکن منهن کذلك، فلا مدخل له فیه، وروی کذلك عن مالك، وقال ابن القاسم تدخل الأم في مرجع الحبس ولا تدخل الاخوات للأم، وقال ابن الماجشون: لا يدخل من النساء الا من يرث فأما عمة أو ابنة عم أو ابنة أخ فلا. وروى أشهب عن مالك أن الأم لا تدخل في مرجع الحبس ولهم في هذا الباب اضطراب يطول ذكره. وأما الشافعي فمذهبه نحو مذهب مالك في مرجع الحبس خاصة، قال الشافعي: واذا قال تصدقت بداري على قوم، أو على رجل، حي معروف يوم تصدق، أو قال صدقة محرمة، أو قال صدقة موقوفة، أو قال صدقة مسبلة، فقد خرجت من ملکه، فلا تعود ميراثا أبدا. قال: ولا يجوز أن يخرجها من ملكه، الا الى مالك منفعتها، يوم يخرجها إليه، وان لم يسبلها على من بعدهم، كانت محرمة أبدا، فاذا انقرض المتصدق بها علیه، کانت بحالها أبدا، ورددناها الى أقرب الناس بالذي تصدق بها، يوم ترجع، وهي على شرطه، من الأثرة والتقدمة، والتسوية بين أهل الغنى والحاجة، ومن اخراج من أخرج منها بصفة، أو رده إليها بصفة. قال أبو عمر: قول الشافعي ولا يجوز أن يخرجها من ملكه، الا الى مالك منفعتها، معناه عندي أن يكون المحبس عليه موجود العين، ليس بحمل، فاذا کان کذلك فجائز أن یتولا ها له غیره، إذا اخر جها المحبس من یده، على ان الشافعي يجوز عنده في الأوقاف، من ترك القبض، ما لا يجوز في الهبات والصدقات المملوكات؛ لأن الوقف عنده يجري مجرى العتق، يتم بالکلام دون القبض. فتح البر =١٥٢ قال ويحرم على الموقف ملكه، كما يحرم عليه ملك رقبة العبد إذا أعتقه، الا أنه جائز له ان يتولى صدقته وتکون بيده ليفرقها ویسبلها فيما اخر جها فيه؛ لان عمر بن الخطاب لم يزل يلي صدقته فيما بلغنا، حتى قبضه الله، قال و کذلك علي وفاطمة کانا یلیان صدقاتهما. قال أبو عمر: ليس هکذا مذهب مالك، بل مذهبه فیمن حبس أرضا، أو دارا، أونخلا، على المساکین، و کانت في یدیه، يقوم بها ویکريها، ويقسمها في المساکین، حتى مات، والحبس في یدیہ، انه لیس بحبس، ما لم يجزه غيره، وهو ميراث والربع عنده والحوائط والارض، لا ينفذ حبسها ولا يتم حوزها، حتی یتولاه غیر من حبسه، بخلاف الخيل، والسلاح، هذا تحصيل مذهبه، عند جماعة أصحابه. وأما أحمد بن حنبل فان عمر بن الحسين الخرقي، ذکر عنه، قال: إذا وقف وقفا ومات الموقف عليه، ولم يجعل آخره للمساكين، ولم يبق ممن وقف عليه احد، رجع الى ورثة الواقف، في احدى الروايتين عنه والرواية الاخرى تکون و قفا على أقرب عصبة الواقف. وزعم بعض الناس ان في هذا الحديث ردا على أبي حنيفة، وزفر، في إبطالهما الاحباس، وردهما الأوقاف، ولیس کذلك؛ لأن هذا الحدیث لیس فيه بيان الوقف، ويحتمل أن تكون صدقة أبي طلحة، صدقة تمليك للرقبة، بل الاغلب الظاهر من قوله فقسمها أبو طلحة بين أقاربه وبني عمه أنه قسم رقبتها، وملکهم ایاها، ابتغاء مرضات الله، واذا كان ذلك كذلك، فلا خلاف بين أبي حنيفة، وزفر، وسائر العلماء، في جواز هذه الصدقة، إذا حل المتصدق عليه فيها، محل المتصدق، وكان له أن يبيع وينتفع، ويهب ويتصدق، ويصنع ما أحب. صدقة التطوع ١٥٣ - وإنما أنكر أبو حنيفة وزفر، تحبيس الاصل على التمليك، وتسبيل الغلة والثمرة، وهي الاحباس المعروفة بالمدينة، وفيها تنازع العلماء، واجازها الاكثر منهم، وقد قال بجوازها، أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، رجع أبو يوسف عن قول أبي حنيفة في ذلك، لما حدثه ابن علية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه استأذن رسول الله وَ ل # في أن يتصدق بسهمه من خيبر، فقال له رسول الله، وَآل﴾ ((احبس الاصل، وسبل الثمرة (١))) وهو حديث صحيح، وبه يحتج كل من أجاز الاحباس. ذكر عيسى بن أبان، قال: أخبرت أنه لما بلغ أبا يوسف هذا الحديث عن ابن عون، لقی ابن علیة فسأله عنه، فحدثه به عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر أصاب ارضا بخيبر فأتى النبي ◌ّ فذكر الحديث. ومن حجتهم أيضاعلى جوازها حديث عمرو بن الحارث بن أخي جويرية بنت الحارث، زوج النبي وَلهي، أن رسول الله وَلقول، مات وتخلف أرضا موقوفة، وحديث أبي هريرة، وقد ذكرناه في كتاب بيان العلم، عن النبي، وَّل، أنه قال: ((ينقطع عمل المرء بعده الا من ثلاث، صدقة جارية بعده، و علم ينتفع به غيره، وولد يدعو له(٢)). فأما حدیث ابن عون، فحدثناه عبد الوارث بن سفيان، واحمد بن قاسم، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال حدثنا أشهل بن حاتم، قال: حدثنا ابن عون، عن نافع عن ابن عمر، قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي وَلّ، فاستأمره فيها، فقال: يارسول الله، اني (١) حم: (٢ / ١١٤ - ١٥٦)، ن: (٣٦٠٥/٥٤٢/٦-٣٦٠٦)، جه: (٢٣٩٧/٨٠١/٢). وذكره الألباني في الإرواء(ح١٥٨٣) وصححه. (٢) حم: (٢/ ٣٧٢)، م: (١٦٣١/١٢٥٥/٣)، د: (٢٨٨٠/٣٠٠/٣)، ن: (٣٦٥٣/٥٦١/٦)، وت: (١٣٧٦/٦٦٠/٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح. فتح البر =١٥٤ اصبت أرضا بخيبر، لم اصب مالا قط انفس عندي منه، فما تأمرني به؟ فقال: ان شئت حبست اصلها، وتصدقت بها قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، قال فتصدق بها في الفقراء والقرباء وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها، أن يأكل منها بالمعروف، أويطعم صديقا غير متأثل، أومتمول مالا(١). وهذا الحديث يقولون انه لم يروه عن نافع الا ابن عون، وهو ثقة، لم يروه مالك ولا غيره، الا أن مالكا، قد روى عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب، قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله وحلول واستأمرته، أونحو هذا، لرجعت عنها. قال مالك، مخافة أن يعمل الناس بذلك، فرارا من الحق، ولا يضعونها مواضعها، وليس هذا الحديث في أكثر الموطآت عن مالك، وممن رواه عنه، عبد الله بن يوسف، وهذه الصدقة، هي صدقة عمر، المذكورة في حديث ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، والله أعلم. وفي ابن عون هذا قال الشاعر: خذوا عن مالك وعن ابن عون ولا ترووا أحادیث ابن داب وأما حديث عمرو بن الحارث فحدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن اصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يوسف بن عدي قال: حدثنا أبو الاحوص عن أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث، قال: ما ترك رسول الله وَ لقر، دينارا، ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة، الا بغلته (١) حم: (٥٥/٢)، خ: (٢٧٧٢/٥٠١/٥)، م: (١٦٣٢/١٢٥٥/٣)، د: (٢٨٧٨/٢٩٨/٣) ت: (١٣٧٥/٦٥٩/٣) ن: (٣٦٠١/٥٤١/٦) وجه: (٢٣٩٦/٨٠١/٢). صدقة التطوع ١٥٥ البيضاء، التي كان يركبها، وسلاحه، وارضا جعلها صدقة في أبناء السبيل(١). وحديث أبي هريرة، قد ذكرناه، من طرق في كتاب العلم، فهذه الآثار، وما أشبهها، مما لا مدخل للتأويل فيها، بها احتج من أجاز الاوقاف، واما حديث أنس هذا، فمحتمل للتأويل الذي ذكرنا، والأغلب فیه عندنا ما وصفنا، والاحتجاج به في مرجع الحبس على أقارب المحبس، حبسا، حسن قوي، وبالله تعالى التوفيق. قال أبو عمر: كان مني هذا القول، قبل ان أرى حديث ابن أبي سلمة عن إسحاق، عن أنس هذا، وفيه فباع حسان نصيبه من معاوية، على ما ذكرناه، فیما تقدم ملحقا، فعاد ما ظننا یقینا، والحمد لله. واما قوله: بخ ذلك مال رابح، فانه أراد مال رابح صاحبه ومعطيه، فحذف، وذلك معروف من كلام العرب، يقولون، مال رابح، ومتجر رابح، کما قالوا ليل نائم، أي ينام فيه، وهكذا رواه يحيى، مال رابح، من الربح، وتابعه على ذلك جماعة، ورواه ابن وهب وغيره بالياء المنقوطة باثنين من تحتها، وقال في تفسيره أنه يروح على صاحبه بالأجر العظيم، وحقيقته عند أهل المعرفة باللسان على أنه على النصب أي مال ذو ربح كما يقولون هم ناصب، وعيشة راضية، أي هم ذو نصب و عيشة ذات رضی، وقال الأخفش: أصله من الروحة، اي هو مال يروح عليك ثمره وخيره متی شئت، والاول أولى عندي والله أعلم. قال أبو عمر: الأقارب الذين قسم أبو طلحة صدقته عليهم حسان بن ثابت، وأبی بن کعب، أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال حدثنا (١) خ: (٢٧٣٩/٤٤٨/٥) ون: (٣٥٩٦/٥٣٩/٦). فتح البر ١١ = ١٥٦ محمد بن بكر بن عبد الرزاق، قال: حدثنا سليمان بن الأشعث، قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، قال أبوطلحة، يا رسول الله أرى ربنا يسئلنا اموالنا، وإني اشهدك اني قد جعلت أرضى بيرحاء له، فقال رسول الله ﴿﴿ اجعلها في قرابتك، فقسمها بين حسان بن ثابت، وأبي بن کعب(١). قال أبو داود: وبلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري، أنه قال: أبو طلحة الأنصاري، زيد بن سهل، بن الأسود، بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في حرام وهو الأب الثالث. وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية، بن عمرو بن مالك بن النجار. قال الأنصاري: بين أبي طلحة وأبي، ستة آباء. قال: وعمرو بن مالك، يجمع حسان، وأبي بن كعب، وأبا طلحة. قال أبو عمر: وأما حسان، فيلقاه أبو طلحة، عند أبيه الثالث، وأما أبي فيلقاه أبو طلحة عند أبيه السابع. قال أبو عمر: وفي هذا أيضا ما يقضي على القرابة، أنها ما كانت في هذا العدد ونحوه، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة. (١) م: (٩٩٨/٦٩٤/٢[٤٣])، د: (١٦٨٩/٣١٨/٢)، ن: في الكبرى (١١٠٦٧/٣١٢/٦). صدقة التطوع 1 ١٥٧ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون [٥] مالك، عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب أنه قال: لا يؤخذ في صدقة النخل الجعرور، ولا مصران الفارة، ولا عذق ابن حبيق. قال: وهو يعد على صاحب المال، ولا يؤخذ منه في الصدقة. وهذا مروی عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النبي ۵۵. هكذا یرویه سفیان بن حسین، وسلیمان بن کثیر، عن ابن شهاب. أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن یحیی بن فارس، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: نهى رسول الله وي له عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة(١). قال الزهري: لونین من تمر المدينة. قال أبو داود: أسنده أيضا سليمان بن كثير، عن الزهري، حدثنا أبو الوليد عنه: حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا سليمان بن كثير، قال: حدثنا الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله وَل نهى عن لونين من التمر: الجعرور ولون الحبيق قال: ونزلت: ﴿وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: (٢٦٧)](٢) . (١) أخرجه د: (٢٦٠/٢-١٦٠٧/٢٦١). ون: (٢٤٩١/٤٥/٥) بنحوه، وهق: (١٣٦/٤). (٢) أخرجه البيهقي (١٣٦/٤) وقال: أسنده ابو الوليد وأرسله مسلم بن إبراهيم ومحمد بن كثير عن سليمان بن كثير. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢٨٤/٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. فتح البر : ١٥٨ قال الأصمعي: الجعرور: ضرب من الدقل، يحمل شيئا صغارا لا خير فیه. قال وعذق ابن حبيق ضرب من الدقل ردى، والعذق: النخلة- بفتح العين، والعذق - بالكسر - الكباسة، كأن التمر سمى باسم النخلة اذ كان منها. قال الأصمعي: وعذق ابن حبيق أو لون الحبيق: نحو ذلك؛ لان الدقل يقال له الالوان، واحدها لون. والمعنى أن لا يؤخذ هذان الضربان من التمر في الصدقة، لردائتهما. وكان الناس يخرجون شرار ثمارهم في الصدقة، فنهوا عن ذلك، وأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: (٢٦٧)]. وأخبرنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرنا يونس بن عبد الاعلى، والحارث بن مسكين- قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، قال: حدثني عبد الجليل بن حميد اليحصبى، أن ابن شهاب حدثه قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف- في هذه الآية التي قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: (٢٦٧)]. قال: هو الجعرور ولون حبيق، فنهى رسول الله وَالقر أن يؤخذا في الصدقة(١). وفي هذا الباب أيضا حدیث عوف بن مالك، حدثناه عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا نصر بن عاصم. وحدثنا محمد ابن إبراهيم، حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد بن شعیب، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قالا حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد ابن جعفر، قال: حدثني صالح مولی ابن أبي عریب، عن کثیر بن مرة، عن (١) ن: (٢٤٩١/٤٥/٥). صدقة التطوع ١٥٩ = عوف بن مالك، قال: دخل علينا رسول الله وَل المسجد، وبيده عصاه، وقد علق رجل قنا حشفا، فطعن بالعصا في ذلك التمر وقال: لو شاء رب هذه الصدقة، تصدق بأطيب منها؛ إن رب هذه الصدقة، يأكل حشفا يوم القيامة (١). وذكر وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال: كان الرجل يتصدق برذالة ماله، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: (٢٦٧)]. قال: وحدثنا عمران بن حدير، عن الحسن في قوله ﴿ وَلَسْتُم بِشَاخِذِیهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيةٍ﴾. قال: لو وجدتموه يباع في السوق، ما أخذتموه حتی یهضم لكم من الثمن. وذكر الفريابي عن قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل قال: نزلت في قوم أخرجوا في زكاة أموالهم الحشف والدرهم الرديء. قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلََّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ﴾. قال: ولو أن لك حقاً على رجل، لم تأخذ ذلك منه. قال: وحدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كانوا يتصدقون بالحشف، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتصدقوا بطيب. قال: وفي ذلك نزلت : وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: (٢٦٧)]. قال أبو عمر: هذا باب مجتمع عليه، لا اختلاف فيه أنه لا يؤخذ هذان اللونان من التمر في الصدقة إذا کان معھما غیر هما، فان لم یکن معھما غیر هما، اخذ منهما، (١) أخرجه أحمد(٢٨/٦) وأبو داود (١٦٠٨/٢٦١/٢) والنسائي (٢٤٩٢/٤٦/٥) وابن ماجه (١/ ١٨٢١/٥٨٣) وابن حبان (الإحسان (١٧٨/١٥ /٦٧٧٤). فتح البر = ١٦٠ و کذلك الردی کله لا يؤخذ منه إذا کان معه غيره؛ لانه حينئذ تیمم للخبيث إذا أخرج عن غيره. قال مالك : لا يأخذ المصدق الجعرور، ولا مصران الفارة، ولا عذق ابن حبيق، ولا يأخذ البردي- والبردي من أجود التمر. فأراد مالك أن لا يأخذ الردئ جدا، ولا الجيد جدا، ولكن يأخذ الوسط. قال مالك: ومثل ذلك السخال من الغنم، تعد مع الغنم على صاحبها، ولا تؤخذ.