Indexed OCR Text

Pages 501-520

صلاة الخوف
٥٠١٠_
وحديث ابن عباس انفرد به بكير بن الأخنس - وليس بحجة فيما
ينفرد به، والصلاة أولى ما احتيط فيه؛ ومن صلى ركعتين في خوفه
وسفره، خرج من الاختلاف الى اليقين. ووجه سادس وهو حديث
ابي بكرة، أن النبي صلى بهم في صلاة الخوف ركعتين بطائفة،
وركعتين بطائفة ؛ فكانت للنبي عليه السلام أربع، ولكل طائفة
ركعتان؛ رواه الأشعث وغيره عن الحسن، عن ابي بكرة؛ حدثنا عبد
الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا ابو داود قال
حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ قال حدثنا ابي حدثنا الأشعث، عن
الحسن، عن أبي بكرة، قال: صلى رسول الله وَّل الظهر في خوف،
فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو؛ فصلى ركعتين ثم سلم،
فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ؛ ثم جاء أولئك فصفوا
خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم؛ فكانت لرسول الله وَل أربع
ولأصحابه ركعتان، ركعتان (١)، وبذلك كان يفتي الحسن.
وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر مثله بمعناه ؛
حدثنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابو بكر بن ابي
شيبة، قال: حدثنا عفان، قال حدثنا أبان بن یزید، قال حدثني يحيى
ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر قال: أقبلنا
مع رسول الله وَل حتى اذا كنا بذات الرقاع - فذكر الحديث، وفيه
قال: فنودي بالصلاة، قال: فصلى رسول الله وَه بطائفة ركعتين ثم
(١) حم (٣٥/٥). د (٢ / ١٢٤٨/٤٠). ن (٤٣٧/٢-٨٣٥/٤٣٨) بمعناه مختصرا.
حب: الإحسان (١٣٥/٧-٢٨٨١/١٣٦).

فتح البر
٥٠٢
تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين؛ قال: فكانت لرسول الله
وَ ل أربع ركعات، وللقوم ركعتين (١).
قال ابو عمر: كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة،
وأجاز لمن صلى في بيته أن يؤم في تلك الصلاة غيره، وأجاز أن
تصلى الفريضة خلف المتنفل، يجيز هذا الوجه في صلاة الخوف؛ وهو
مذهب الأوزاعي، والشافعي، وابن علیة، وأحمد بن حنبل، وداود ؛
وصلاة الخوف إنما وضعت على أخف ما يمكن وأحوطه للمسلمين؛
ولا وجه لقول من قال: إن حديث أبي بكرة كان في الحضر، لان فيه
سلامه في كل ركعتين منها، وغير محفوظ عن النبي عليه السلام أنه
صلى صلاة الخوف في الحضر ؛ وقد حكى المزني عن الشافعي ؛
قال: ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين، ثم سلم فصلى بالطائفة
صَلَ اللَّهِ
عدد
وسيم
الأخری رکعتين ثم سلم، كان جائزا ؛ قال: وهكذا صلى النبي
ببطن نخلة.
قال ابو عمر: قد روي أن صلاته هکذا کانت یوم ذات الرقاع،
ويحتمل أن يكون صلاها مرتين على الهيئتين هناك؛ فهذه سبعة أوجه
كلها ثابتة من جهة النقل، قد قال بكل وجه منها طائفة من أهل
العلم .
وقال احمد بن حنبل، والطبري وبعض أصحاب الشافعي بجواز
كل وجه منها؛ والوجه المختار في هذا الباب على أنه لا يخرج
عندي - من صلى لغيره مما قد ثبت عن النبي وَّال هذا الوجه المذكور
في حديث ابن عمر: حديث هذا الباب، وما كان مثله لأنه ورد بنقل
(١) حم (٣٦٤/٣). وأخرجه: م (٨٤٣/٥٧٦/١) بمعناه. وأصل الحديث علقه البخاري في
صحيحه (٤١٢٥/٥٣٠/٧). وأخرجه: ابن خزيمة (١٣٥٢/٢٩٧/٢) وصححه.

صلاة الخوف
٥٠٣,
أئمة أهل المدينة، وهم الحجة على من خالفهم، ولانه أشبه بالأصول؛
لان الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة الا بعد خروج رسول الله
وَله من الصلاة، وهو المعروف من السنة المجتمع عليها في سائر
الصلوات؛ وأما صلاة الطائفة الأولى ركعتها قبل أن يصليها إمامها،
فهو مخالف للسنة المجتمع عليها في سائر الصلوات؛ ومخالف لقوله
وَله إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ وقد روى الثقات حديث صالح بن
خوات، عن سهل بن ابي حثمة على مثل معنى حديث ابن عمر ؛
فصار حديث سهل مختلفا فيه، ولم يختلف في حديث ابن عمر، الا
ماجاء من شك مالك رحمه الله، في رفعه، وقد رفعه من غير شك
جماعة عن نافع، ورفعه الزهري ؛ عن سالم والشك لا يلتفت اليه،
والیقین معمول عليه.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا ابن السكن، حدثنا محمد،
حدثنا البخاري، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أنه
سأله: هل صلى النبي وَله صلاة الخوف؟ فقال: أخبرنا سالم، أن عبد
الله بن عمر قال: غزوت مع رسول الله وَ طلال قبل نجد، فوازينا العدو،
فصففنا لهم، فقام رسول الله وَّه يصلي لنا، فقامت طائفة معه،
وأقبلت طائفة على العدو؛ فركع رسول الله وَخلال بمن معه ركعة،
وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ؛ فجاءوا
فركع رسول الله وَلُل بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم ؛ فقام كل
واحد منهم، فركع لنفسه ركعة، وسجد سجدتين (١).
وأما الرواية التي جاءت في حديث سهل بن ابي حثمة بنحو حديث
ابن عمر، فحدثنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية،
(١) خ (٩٤٢/٥٤٥/٢). ن (١٥٣٨/١٩١/٣).

فتح البر
٥٠٤
قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال اخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا
يحيى - يعني القطان، قال حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم،
عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن ابي حثمة، أن رسول
الله وَخّ صلى بهم صلاة الخوف، فصف صفا خلفه، وصفا مصافي
العدو، فصلى بهم ركعة ؛ ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك فصلى بهم
ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعة، ركعة (١).
فإن قيل إن يحيى القطان قد خولف عن شعبة في ذلك فالجواب أن
الذي خالفه لا يقاس به حفظا واتقانا وإمامة في الحديث.
وما اخترناه في هذا الباب، فهو اختيار أشهب، واليه ذهب
الأوزاعي، وقال به بعض أصحاب داود ؛ والحجة في اختيارنا هذا
الوجه من بين سائر الوجوه المروية في صلاة الخوف، أنه أصحها
اسنادا، وأشبهها بالأصول المجتمع عليها؛ وفي صلاة رسول الله وعَظله
في الخوف بأصحابه ركعة ركعة، وأتمت كل طائفة لنفسها ؛ - دليل
على أن حديث جابر في قصة معاذ وصلاته بقومه بعد صلاته مع النبي
وَلايّ تلك الصلاة، منسوخ؛ لأنه لو جاز أن تصلى الفريضة خلف
المتنفل، لصلى بهم رسول الله وَخله ركعتين ركعتين - والله أعلم.
قد احتج بهذا أبو الفرج وغيره من أصحابنا، ومن الكوفيين أيضا؛
الا أنه يعترض عليهم حديث أبي بكرة، وحديث جابر، وفي ذلك
نظر - وبالله التوفيق.
وقالت طائفة من أهل العلم، منهم: أبو يوسف، وابن علية، لا
تصلى صلاة الخوف بعد النبي وَلَّ بإمام واحد، وإنما تصلى بإمامين
(١) خ (٥٣٦/٧-٤١٣١/٥٣٧). ت (٥٦٦/٤٥٦/٢). ن (٣/ ١٥٣٥/١٩٠).

صلاة الخوف
٥٠٥
يصلي كل إمام بطائفة ركعتين، واحتجوا بقول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا
كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: (١٠٢)].
الآية، قالوا: فإذا لم يكن فيهم النبي عليه السلام، لم يكن
ذلك لهم؛ لان النبي وَ ل ليس كغيره في ذلك، ولم يكن من أصحابه
من يؤثر بنصيبه منه غيره، وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه؛
وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم
أو تتقارب؛ فلذلك يصلي الإمام بفريق منهم، ويأمر من يصلي
بالفريق الآخر، وليس بالناس اليوم حاجة الى صلاة الخوف اذا كان
لهم سبيل ان يصلوا فوجا، فوجا، ولا يدعوا فرض القبلة - ولهم
إليها سبيل.
قال ابو عمر: هذه جملة ما احتج به القائلون بأن لا تصلى صلاة
الخوف بإمام واحد لطائفتين بعد النبي وَلو؛ ومن الحجة عليهم لسائر
العلماء، أنه لما كان قول الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةٌ ﴾
[التوبة: (١٠٣)]. لا يوجب الاقتصار على النبي وَلهو وحده، وأن من بعده
يقوم في ذلك مقامه؛ فكذلك قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلَوَةَ﴾ سواء، ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة
قاتلوا من تأول في الزكاة مثل تأويل هؤلاء في صلاة الخوف.
قال ابو عمر: ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي
صَلَىالله
وسام
ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي بَال وصلى
غيره خلف غيره؛ لان أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس
في هذا فضل للمعطي كما في الصلاة فضل للمصلي خلفه.
وأما مراعاة القبلة للخائف في الصلاة فساقطة عنه عند أهل المدينة
والشافعي اذا اشتد خوفه، كما يسقط عند النزول الى الارض ؛ لقول
الله عز وجل: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: (٢٣٩)].

فتح البر
٥٠٦
قال ابو عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وهذا لا يجوز
المصلي الفرض في غير الخوف، ومن الدليل على أن ما خوطب به
النبي وَخلا دخلت فيه أمته، الا أن يتبين خصوص في ذلك ؛ قول الله
عز وجل: ﴿فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[الأحزاب: (٣٧)]. الآية. ومثل ذلك قول الله
حَرَجٌ فِى أَزْوَجْ أَدْعِيَآيِهِمْ﴾
عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: (٦٨)].
الآية هو المخاطب به، وأمته داخلة في حكمه؛ ومثل هذا كثير -
وبالله التوفيق.
وأما قول ابن عمر في حديثه هذا: فإن كان خوفا هو أشد من
ذلك، صلوا رجالا - قياسا- على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة
وغير مستقبليها، فإليه ذهب مالك والشافعي وأصحابهما وجماعة
غيرهم؛ قال مالك والشافعي: يصلي المسافر والخائف على قدر طاقته
مستقبل القبلة ومستدبرها، وبذلك قال أهل الظاهر ؛ وقال ابن ابي
ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه: لا يصلي الخائف الا الى القبلة، ولا
يصلي أحد في حال المسايفة .
وقول الثوري نحو قول مالك، ومن قول مالك والثوري أنه إن لم
يقدر على الركوع والسجود، فإنه يصلي قائما ويومئ.
قال الثوري: اذا كنت خائفا فكنت راكبا أو قائما، أومأت إيماء
حيث كان وجهك -ركعتين، تجعل السجود أخفض من الركوع،
وذلك عند السلة- والسلة المسايفة.
وقال الأوزاعي: اذا كان القوم مواجهي العدو - وصلى بهم إمامهم
صلاة الخوف، فإن شغلهم القتال، صلوا فرادى، فإن اشتد القتال،
صلوا رجالا وركبانا إيماء حيث كانت وجوههم، فإن لم يقدروا، تركوا

٥٠٧
صلاة الخوف
الصلاة حتى يأمنوا ؛ وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب في الصلاة
الضربة، ويطعن الطعنة؛ وإن تابع الضرب أو الطعن، أو عمل عملا،
بطلت صلاته.
واستحب الشافعي أن يأخذ المصلي سلاحه في الصلاة - ما لم يكن
نجسا أو يمنعه من الصلاة، أو يؤذي أحدا، قال: ولا يأخذ الرمح الا
أن يكون في حاشية الناس؛ وأكثر أهل العلم يستحبون للمصلي أخذ
سلاحه - إذا صلى في الخوف، ويحملون قوله: وخذوا أسلحتكم
على الندب، لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه، فكان الآمر به
ندبا .
وقال أهل الظاهر: أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب، لأمر الله
به الا لمن كان به أذى من مطر أو مرض، فإن کان ذلك، جاز له وضع
سلاحه .
قال ابو عمر: الحال التي يجوز فيها للخائف أن يصلي راكبا وراجلا
مستقبل القبلة وغير مستقبلها، هي حال شدة الخوف، والحال الأولى
التي وردت الآثار فيها، هي غير هذه الحال؛ وأحسن الناس صفة
للحالين جميعا من الفقهاء الشافعي رحمه الله، ونحن نذكر هنا قوله
في ذلك، لنبين به المراد من الحديث، وبالله التوفيق.
قال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يصلي صلاة الخوف الا بأن يعاين
عدوا قريبا غير مأمون أن يحمل عليه من موضع يراه، أو يأتيه من
يصدقه بمثل ذلك من قرب العدو منه ومسيرهم جادين اليه؛ فان لم
يكن واحد من هذين المعنيين، فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف؛
فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف، ثم ذهب لم يعيدوا.

فتح البر
٥٠٨
وقال ابو حنيفة: يعيدون، وقال الشافعي: ان كان بينهم وبين العدو
حائل يأمنون وصول العدو اليهم، لم يصلوا صلاة الخوف؛ وان كانوا
لا یأمنونھم، صلوا.
وقال الشافعي: الخوف الذي يجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا،
إطلال العدو عليهم فيتراءون صفا - والمسلمون في غير حصن حتى
تنالهم السلاح من الرمي وأكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن
والضرب؛ فاذا كان هكذا - والعدو من وجه واحد، أو محيطون
بالمسلمين - والمسلمون كثير والعدو قليل؛ تستقل كل طائفة وليها
العدو بالكر، وحتى تكون من بين الطوائف التي تليها يليها العدو في
غير شدة خوف منهم، صلى الذين لا يلونهم صلاة غير شدة الخوف،
لا يجزىء غير ذلك، ولغير الشافعي قريب من هذا المعنى في الوجهين
جميعا.
وقال مالك: ان صلی آمنا رکعة ثم خاف، رکب وبنی: وکذلك إن
صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن، نزل وبنى ؛ وهو احد قولي
الشافعي، وبه قال المزني.
وقال ابو حنيفة: اذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف، استقبل ولم يبن،
فان صلى خائفا ثم أمن، بنى .
وقال الشافعي: يبني النازل، ولا يبني الراكب.
وقال ابو يوسف: لا يبني في شيء من هذا كله.
وللفقهاء اختلاف فيمن ظن بالعدو أو رآه فصلى صلاة خائف، ثم
انكشف له أنه لم يكن عدو في الخوف من السباع وغيرها؛ وفي
الصلاة في حين المسايفة، وفي أخذ السلاح في الحرب مسائل كثيرة
من فرع صلاة الخوف، لا يجمل بي ايرادها، لخروجنا بذلك عن

صلاة الخوف
٥٠٩
تأليفنا، وفيما ذكرنا من الأصول التي في معنى الحديث ما يستدل به
على كثير من الفروع، وللفروع كتب غير هذه، وبالله العصمة
والتوفيق.
أخبرنا احمد بن محمد، قال حدثنا احمد بن الفضل، قال حدثنا
محمد بن جرير، قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن الرقي، قال حدثنا
عمرو بن ابي سلمة، قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثني سابق البربري،
قال: كنت مع مكحول بدانق، قال: فكتب الى الحسن يسأله عن
الرجل يطلب عدوه فلم يبرح حتى جاء كتابه، فقرأت كتاب الحسن:
إن كان هو الطالب، نزل فصلى على الأرض، وان كان هو المطلوب،
صلى على ظهر؛ قال الأوزاعي: فوجدنا الامر على غير ذلك.
قال شرحبيل بن حسنة لأصحابه: لا تصلوا الصبح الا على ظهر،
فنزل الأشتر فصلى على الأرض، فمر به شرحبيل فقال: مخالف
خالف الله به، قال: فخرج الأشتر في الفتنة، وكان الأوزاعي يأخذ
بهذا الحديث في طلب العدو.
قال ابو عمر: أكثر العلماء على ما قال الحسن في صلاة الطالب
والهارب، وما أعلم أحدا قال بما جاء عن شرحبيل بن حسنة في هذا
الحديث، الا الأوزاعي وحده - والله أعلم.
والصحيح ما قاله الحسن وجماعة الفقهاء، لان الطلب تطوع،
والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلى بالأرض حيثما أمكن ذلك، ولا
يصليها راكبا الا خائف شديد خوفه، وليس كذلك حال الطالب -
والله أعلم.

٥١٠
فتح البر
باب منه
٢- مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خواتت، عمن صلى مع النبي ◌َّر
يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وصفت طائفة وجاه
العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا
فصفوا وجاه العدو؛ وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت
من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سَلم بهم (١).
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحدیث ومتنه، ورواه أبو أویس
عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عن ابيه خوات بن جبير
- فذكر معناه.
ورواه عبد الله بن عمر، عن أخيه عبيد الله بن عمرو، عن القاسم
ابن محمد، عن صالح بن خوات، عن ابيه مختصرا بمعناه.
ورواه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح
ابن خوات، عن سهل بن ابي حثمة - مرفوعا ؛ ولم يختلف عن
شعبة في إسناده هذا، واختلف عنه في متنه على ما ذكرناه في باب
نافع من هذا الكتاب، وعند مالك فيه حديثه عن يحيى بن سعيد، عن
القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن ابي حثمة -
موقوفا .
والى حديث مالك عن يزيد بن رومان المذكور في هذا الباب،
ذهب الشافعي رحمه الله، وأصحابه في صلاة الخوف، وبه قال داود،
وهو قول مالك، إلا أن ابن القاسم ذكر عنه أنه رجع الى حديث
القاسم بن محمد في ذلك، والخلاف منه إنما هو موضع واحد ؛
(١) سبق تخريجه في الباب السابق.

٥١١
صلاة الخوف
وذلك أن الإمام عنده لا ينتظر الطائفة الثانية إذا صلى بها ركعة، ولكن
يسلم، ثم تقوم تلك الطائفة فتقضي لأنفسها؛ ذهب في ذلك الى
حديثه عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن
خوات عن سهل بن ابي حثمة .
قال ابن القاسم: كان مالك يقول: لا يسلم الإمام حتى تقوم
الطائفة الثانية فتتم لأنفسها، ثم يسلم بهم علی حدیث یزید بن
رومان، ثم رجع الى حديث القاسم بن محمد أن الإمام يسلم ثم تقوم
الطائفة الثانية فيقضون.
قال ابو عمر:
لأهل العلم أقاويل مختلفة ومذاهب متباينة في صلاة الخوف قد
ذكرناها وذكرنا الآثار التي بها نزع كل فريق منهم، ومنها قال واليها
ذهب ؛ وأوضحنا ذلك ومهدناه بحججه ووجوهه وعلله في باب نافع
من هذا الكتاب، والحمد لله.
وأما قوله: يوم ذات الرقاع، فهي غزاة معروفة عند جميع أهل
العلم بالمغازي، واختلف في المعنى الذي سميت به ذات الرقاع، فذكر
الأخفش عن ابي أسامة، عن يزيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن
أبي موسى، قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة، فكنا نمشي على
أقدامنا حتى نقبت، فكنا نشدها بالخرق ونعصب عليه العصائب،
فسميت غزوة ذات الرقاع، قال ابو بردة : فلما حدث ابو موسى بهذا
الحدیث ندم، وقال: ما كنا نصنع بذکر هذا، كأنه کره أن یذکر شیئا
من عمله الصالح (١).
وقال غيره: إنما سميت ذات الرقاع؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم؛
والرايات دون البنود وفوق الطرادات الى البنود ما هي، وقيل: كانت
أرضا ذات ألوان، وقيل: إن ذات الرقاع شجرة نزلوا تحتها وانصرفوا
يومئذ عن موادعة من غير قتال.
(١) خ (٧/ ٤١٢٨/٥٣٠). م (١٨١٦/١٤٤٩/٣).

٥١٢
فتح البر
باب منه
[٣] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات
الأنصاري - أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف: أن يقوم الإمام
ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو؛ فيركع الإمام ركعة
ويسجد بالذين معه ثم يقوم، فاذا استوى قائما ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة
الباقية، ثم يسلمون وينصرفون - والإمام قائم فيكونون وجاه العدو؛ ثم
يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة
ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم
يسلمون (١).
هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن
مالك، ومثله لا يقال من جهة الرأي، وقد روي مرفوعا مسندا بهذا
الإسناد عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن
ابي حثمة، عن النبي بَّر (٢) رواه عبد الرحمن بن قاسم، عن ابيه -
وعبد الرحمن أسن من يحيى بن سعيد وأجل.
ورواه شعبة عن عبد الرحمن كذلك - وكان مالك يقول في صلاة
الخوف بحديثه عن يزيد بن رومان، ثم رجع الى حديثه هذا عن يحيى
ابن سعيد، عن القاسم؛ وإنما بينهما انتظار الإمام الطائفة الثانية حتى
تتم - فیسلم بهم، هكذا في حدیث یزید بن رومان، وفي حديث
يحيى أنه يسلم اذا صلى بهم الركعة الثانية، ثم يقومون فيركعون
لأنفسهم، وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب يزيد بن رومان من
(١) د (١٢٣٩/٣١/٢). والحديث من غير طريق مالك رواه: خ (٤١٣١/٥٣٦/٧). ت
(٥٦٥/٤٥٥/٢). ن (١٥٥٢/١٩٨/٣). جه (١٢٥٩/٣٩٩/١).
(٢) م (١ / ٨٤١/٥٧٥). د (٢ / ٣٠ / ١٢٣٧).

٥١٣-
صلاة الخوف
هذا الكتاب، وذكرنا اختلاف الآثار واختلاف فقهاء الأمصار - في
صلاة الخوف ممهدا مبسوطا في باب نافع من هذا الكتاب، فلا وجه
لإعادة ذلك ههنا .
وأما حديث سهل بن ابي حثمة هذا، فاختلف فيه على خمسة
أوجه منها: الوجهان اللذان عند مالك عن يزيد بن رومان، عن يحيى
ابن سعيد - على ما ذكرنا من اختلافهما في انتظار الإمام الطائفة
الثانية حتى تتم رکعتها ثم يسلم بها.
والوجه الثالث هو أن الإمام ينتظر الطائفة الأخرى قاعدا، فاذا
كبروا خلفه قام وصلى بهم ركعة وسجدتين، ثم قعد حتى يقضوا
ركعة ثم يسلم بهم، وفي هذا الوجه وهذه الرواية أن الإمام ينتظر
الطائفة الأخرى قاعدا، واتفق حدیث یزید بن رومان ويحيى بن سعيد
هذا على أن الإمام إنما ينتظرهم قائما.
والوجه الرابع: أن الإمام يصف الطائفتين خلفه صفين، فيحرم بهم
ثم يركع ويسجد بالذين يلونه، ثم يقوم قائما حتى يصلي الصف الذي
خلفهم ركعة؛ ثم يتقدمون ويتأخر الذين كانوا قدامهم فيصلي بهم
ركعة ثم يجلس حتى يصلي الذين تخلفوا ركعة، ثم يسلم بهم.
والوجه الخامس: أن يصلي بكل طائفة ركعة ثم يسلم، فتقضي كل
واحدة من الطائفتين ركعة ركعة بعد سلامه بمعنی حديث ابن عمر.
وهذه الثلاثة الأوجه في حديث سهل بن ابي حثمة، اختلف فيها
أصحاب شعبة عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن
صالح، عن سهل عن النبي وَّله ولم يختلفوا في هذا الإسناد ولا في
رفع الحديث إلى النبي وَالـ

٥١٤
فتح البر
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا ابو
داود، قال حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال حدثنا ابي، قال
حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن قاسم، عن أبيه، عن صالح بن
خوات، عن سهل بن أبي حثمة - أن النبي ◌َّ صلى بأصحابه في
خوف فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم
يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا
قدامهم - فصلى بهم النبي ◌َّ ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين خلفه
رکعة ثم سلم (١).
حدثنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى، عن
شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن
خوات، عن سهل بن ابي حثمة - أن رسول الله وَ طله صلى بهم صلاة
الخوف، فصف صفا خلفه، وصفا مصافي العدو، فصلى بهم ركعة،
ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعة
ركعة (٢).
قال ابو عمر: هذا موافق لحديث نافع وسالم عن ابن عمر عن النبي
وَاجله، وقد اختلف على شعبة كما ترى، ولم يختلف على مالك في
حديثه هذا - وهو أصح شيء عندي في هذا الباب وأولى، والصواب
إن شاء الله؛ لما فيه من مطابقة ظاهر القرآن لاستفتاح الإمام ببعضها،
(١) و(٢) خ (٤١٣١/٥٣٦/٧). م (١ / ٨٤١/٥٧٥). د (٢ / ١٢٣٧/٣٠).
ت (٥٦٦/٤٥٦/٢). ن (١٩٠/٣-١٥٣٥/١٩١). جه (١٢٥٩/٤٠٠/١).

صلاة الخوف
٥١٥,
[النساء: (١٠٢)]. ثم قال:
فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾
وذلك قوله :
﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ [النساء: (١٠٢)] وفي
حديث مالك هذا: أن الطائفة الثانية لا تدخل في الصلاة إلاّ بعد
انصراف الطائفة الأولى بخلاف رواية يحيى عن شعبة، وفي حديث
مالك أن الثانية لا تنصرف عن الإِمام وعلى شيء من الصلاة، وهذا
أشبه بظاهر القرآن أيضاً، لما فيه من التسوية بين الطائفتين في
افتتاحهم.

٣٣ - كتاب
سجود السهو

سجود السهو
٥١٩
ما جاء في سجود السهو
[١] مالك، عن أيوب ابن ابي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن ابي
هريرة، أن رسول الله آل﴿ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين أقصرت
الصلاة يارسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله وَلخر أصدق ذو اليدين؟ فقال
الناس: نعم، فقام رسول الله پڼ فصلی ر کعتین أخریین، ثم سلم، ثم كبر،
فسجد مثل سجوده، أو أطول، ثم کبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم
رفع (١).
محمد بن سيرين، يكنى أبا بكر، وهو مولى لأنس بن مالك
الأنصاري، وهو أحد أيمة التابعين، من أهل البصرة، ولد قبل قتل
عثمان بسنتين، وتوفي سنة عشر ومائة، وقد ذكرنا الاختلاف في اسم
أبي هريرة، في كتابنا من الصحابة.
وفي هذا الحديث وجوه من الفقه والعلم، منها أن النسيان لا يعصم
منه أحد، نبيا كان أو غير نبي، قال وَظُله: نسي آدم فنسيت ذريته(٢).
وفيه أن اليقين لا يجب تركه للشك، حتى يأتي يقين يزيله، الا
ترى أن ذا اليدين، كان على يقين من أن فرض صلاتهم تلك أربع
ركعات، وكانت إحدى صلاتي العشي كما روى، فلما أتى بها رسول
الله وَله على غير تمامها، وامكن في ذلك القصر، من جهة الوحي،
وأمكن الوهم لزمه الاستفهام ليصير الى يقين، يقطع به الشك .
(١) حم (٢٤٨/٢). خ (٧١٤/٢٦١/٢). م (٥٧٣/٤٠٣/١). ت (٣٩٩/٢٤٧/٢). د
(١٠٠٩/٦١٤/١). ن (٢٦/٣ /١٢٢٤).
(٢) ت (٣٠٧٦/٢٤٩/٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

فتح البر
٥٢٠
وفيه أن الواحد اذا ادعى شيئا، كان في مجلس جماعة، لا يمكن
في مثل ما ادعاه أن ينفرد بعلمه، دون أهل المجلس، لم يقطع بقوله
حتى تستخبر الجماعة، فان خالفوه، سقط قوله، أو نظر فيه بما يجب،
وان تابعوه ثبت، وقد جعل بعض أصحابنا وغيرهم من الفقهاء هذا
أصلا في رؤية الهلال في غير غيم، وهو أصل يطول فيه الكلام،
وليس هذا موضعه.
وفيه دليل على أن المحدث اذا خالفته جماعة في نقله أن القول قول
الجماعة، وان القلب الى روايتهم أشد سكونا من رواية الواحد.
وفيه أن الشك قد يعود يقينا، بخبر أهل الصدق، وان خبر الصادق
يوجب اليقين، والواجب اذا اختلف أهل مجلس في شهادة، وتكافؤوا
في العدالة، ان تؤخذ شهادة من أثبت علما، دون من نفاه.
وفيه أن من سلم ساهيا في صلاته، لم يضره ذلك، وأتمها بعد
سلامه ذلك وسجد لسهوه، ولم يؤمر باستئناف صلاته، بل يبني على
ما عمل فيها ويتمها .
وفيه السجود بعد السلام، لمن عرض له مثل هذا، في صلاته، أو
لمن زاد فيها ساهيا، قياسا عليه، وسنذكر اختلاف الفقهاء في سجود
السهو، في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وفي باب ابن
شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، إن شاء الله.
وفيه أن سجدتي السهو يكبر فيهما، وأنهما على هيئة سجود
الصلاة، وليس في حديث مالك هذا، السلام من سجدتي السهو،
وذلك محفوظ في غيره، وسنذكر ذلك في هذا الباب إن شاء الله،
وقد كان ابن شهاب ينكر ان يكون رسول الله وَل، سجد يوم ذي
اليدين، ولا وجه لقوله ذلك؛ لأنه قد ثبت عن النبي وَّ في هذا
الحديث وغيره، أنه سجد يومئذ بعد السلام.