Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
صلاة السفر
عباس، قال: صلى بنا رسول الله وَ له بالمدينة ثمانيا وسبعا الظهر
والعصر، والمغرب والعشاء (١) ؛ ولم يقل سليمان ومسدد - بنا .
قال ابو عمر: رواه ابن عيينة - وهو أثبت الناس في عمرو بن دينار
- عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - مثله وزاد: قال عمرو: قلت
لأبي الشعثاء: أظن أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل
العشاء؟ قال: وأنا أظن ذلك(٢)؛ فهذا على ما ذكرنا، ومن روى
حديثا كان أعلم بمخرجه وسنذكر حديث ابن عيينة - فيما بعد - إن
شاء الله .
واختلفوا أيضا في جمع المريض بين الظهر والعصر، والمغرب
والعشاء، فقال مالك: اذا خاف المريض أن يغلب على عقله، جمع
بين الظهر والعصر عند الزوال، وبين العشاءين عند الغروب . قال:
فأما ان كان الجمع أرفق به لشدة مرض أو بطن - يعني ولم يخش أن
يغلب على عقله، فليجمع بينهما في وسط وقت الظهر، وعند غيبوبة
الشفق؛ قال مالك: والمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره، لشدة
ذلك عليه . قال مالك : وان جمع المريض بين الصلاتين وليس
بمضطر إلى ذلك، أعاد ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت، فلا شيء
عليه .
وقال أحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه: يجمع المريض بين
الصلاتين، وكان الشافعي رحمه الله لا يرى أن يجمع المريض بين
الصلاتين، وقال الليث: يجمع المريض والمبطون.
(١) خ (٥٤٣/٢٩/٢). م (١ / ٧٠٥/٤٩١[٥٦]). د (٢ / ١٦ / ١٢١٤).
(٢) خ (١١٧٤/٦٥/٣). م (٧٠٥/٤٩١/١[٥٥]). ن (١ / ٥٨٨/٣١١).

٤٨٢
فتح البر
وقال ابو حنيفة : يجمع المريض بين الصلاتين، كجمع المسافر
عنده - على ما قدمنا ذكره في هذا الباب قبل هذا عنه: يصلي الظهر
في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، لا يجوز له ولا للمسافر عنده
وعند أصحابه غير هذا. وأما في المطر فلا يجمع عندهم على حال.
ومن حجتهم ما حدثناه محمد بن ابراهيم، قال حدثنا أحمد بن
مطرف، قال حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا اسحاق بن اسماعيل،
قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد،
عن ابن عباس، قال: صلينا مع النبي وَُّلّ ثمانيا جميعا، وسبعا
جميعا، قال عمرو: قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل
العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء: قال: أنا أظن ذلك (١)، رواه
قتيبة بن سعيد، عن ابن عيينة باسناده - مثله، فأقحم في الحديث قول
ابي الشعثاء، وعمرو بن دينار.
أخبرنا عبدالله بن محمد، قال أخبرنا حمزة بن محمد، قال حدثنا
أحمد بن شعيب، قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا سفيان عن عمرو بن
دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس؛ قال: صليت مع النبي وَالله
بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا ، أخر الظهر وعجل العصر واخر
المغرب وعجل العشاء (١).
قال ابو عمر: الصحيح في حديث ابن عيينة هذا، غير ما قال قتيبة
حين جعل التأخير والتعجيل في الحديث، وإنما هو ظن عمرو وابي
الشعثاء .
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن اسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان قال حدثنا
(١) تقدم تخريجه في الباب نفسه.

صلاة السفر
=
٤٨٣
عمرو بن دينار قال اخبرني جابر بن زيد، قال سمعت ابن عباس
يقول: صليت مع النبي وَّجُلّ بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا؛
قلت له: يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب
وعجل العشاء؟ قال: وأنا أظن ذلك .
قال ابو عمر: هذا جمع مباح في الحضر والسفر - اذا صلى الأولى
في آخر وقتها، وصلى الثانية في أول وقتها، لان رسول الله وَظله قد
صلى به جبريل عليه السلام، وصلى هو بالناس في المدينة عند سؤال
السائل عن وقت الصلاة فصلى في آخر وقت الصلاة بعد أن صلى في
أوله، قال للسائل: ما بين هذين وقت (١).
وعلى هذا تصح رواية من روى: لئلا يحرج أمته، ورواية من
روى: للرخصة ؛ وهذا جمع جائز في الحضر وغير الحضر - وان
كانت الصلاة في أول وقتها أفضل، وهو الصحيح في معنى حديث
ابن عباس لم يتأول فيه المطر، وتأول ما قال ابو الشعثاء وعمرو بن
دینار - وبالله التوفيق.
(١) حم (٣٣٣/١)، د (١/ ٢٧٤ -٣٩٣/٢٧٨)، ت (١/ ٢٧٨ - ٢٨٠ /١٤٩) وقال: حسن
صحيح.

٤٨٤
فتح البر
باب منه
[٨] مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب - أنه قال: ما صلى
رسول الله ◌َ - الظهر والعصر يوم الخندق حتى غابت الشمس (١).
وهذا يستند من حديث ابن مسعود، وحديث أبي سعيد الخدري،
وحديث جابر، وبعضها أتم معنى من بعض، وقد يجوز أن يكون هذا
النسيان وارد شغل عظيم.
روى هشام عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر،
قال: جعل عمر بن الخطاب، يسب كفار قريش يوم الخندق ويقول: يا
رسول الله، والله ما صليت العصر حتى غابت الشمس أو كادت
تغيب؛ فقال رسول الله وَّ له والله ما صليتها، ونزلنا معه الى بطحان،
فتوضأ للصلاة، وتوضأنا معه، فصلى العصر بعدما غربت الشمس،
ثم صلى بعدها المغرب (٢).
وأما قوله ◌َّجله، يوم الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة
العصر حتى غربت الشمس، فقد ذكرنا طرق هذا الحديث في باب زيد
ابن اسلم، وذكرنا حديث أبي مسعود الخدري، وحديث ابن مسعود
في باب مرسل زيد أيضا، وفي حديثهما أن رسول الله وَجله شغل
يومئذ عن أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وفي
حديث جابر: العصر وحدها وفي مرسل سعيد: الظهر والعصر،
والمعنى في ذلك كله سواء - والحمد لله.
(١) أخرجه: ابن عدي في الكامل (١٠٤٩/٣) من طريق زياد البكائي عن يحيى بن سعيد عن
سعيد بن المسيب عن عمر نحوه، وفيه زياد البكائي ولا بأس بحديثه في المغازي كما قال ابن
حجر في التقريب (٢٠٩١/٣٢١/١). وهذا الحديث منها. ويشهد له ما يأتي.
(٢) خ (٨٦/٢ -٥٩٦/٨٧). م (١/ ٤٣٨ /٦٣١). ت (٣٣٨/١/ ١٨٠). ن (٣/ ٩٤ /١٣٦٥).

٤٨٥
صلاة السفر
قرأت على عبد الله بن محمد بن يوسف، أن محمد بن أحمد بن
يحيى حدثهم، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، قال حدثنا احمد
ابن عبدالجبار، قال حدثنا يونس بن بكير، قال حدثنا هشام بن سنبر،
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جابر بن
عبدالله، قال: جعل عمر بن الخطاب يسب كفار قريش يوم الخندق
ويقول: يا رسول الله، ما صليت العصر حتى كادت الشمس تغيب؛
فقال رسول الله وَله والله ما صليتها، فنزلنا معه الى بطحان، فتوضأ
للصلاة، وتوضأنا معه، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى
بعدها المغرب، وقد تقدم القول في معاني هذا الحديث في باب زيد بن
أسلم.

٣٢ - كتاب
صلاة الخوف

صلاة الخوف
٤٨٩
ما جاء فى صفة صلاة الخوف
[١] مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان اذا سئل عن صلاة الخوف، قال:
يتقدم الإمام بطائفة من الناس، فيصلي بهم ركعة، وتكون طائفة منهم بينه
وبين العدو لم يصلوا؛ فاذا صلى الذين معه ركعة، استأخروا مكان الذين
لم يصلوا - ولا يسلمون؛ ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم
ينصرف الإمام - وقد صلى ركعتين؛ فيقوم كل واحد من الطائفتين
فیصلون لأنفسهم ر کعة ر کعة بعد أن ينصرف الإمام، فیکون کل واحد من
الطائفتین قد صلوا ر کعتین، فان کان خوفا هو أشد من ذلك، صلوا رجالا
قياما على أقدامهم، أو ركبانا - مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.
قال مالك: قال نافع: لا أرى ابن عمر حدثه الا عن رسول الله وَل و (١).
هكذا روى مالك هذا الحديث عن نافع - على الشك في رفعه،
ورواه عن نافع جماعة - ولم يشكوا في رفعه؛ وممن رواه كذلك -
مرفوعا- عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ ابن أبي ذئب،
وموسى بن عقبة، وأيوب بن موسى، وكذلك رواه الزهري، عن
سالم عن ابن عمر عن النبي وَل.
وكذلك رواه خالد بن معدان، عن ابن عمر، عن النبي وَله.
أخبرنا عبدالوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال
حدثنا عبيد الله بن عبدالواحد، قال حدثنا محبوب بن موسى قال
حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن
ابن عمر، قال: قام رسول الله وَجالو بطائفة من أصحابه خلفه، وقامت
طائفة بينه وبين العدو؛ فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين ثم
(١) خ (٢٥١/٨-٤٥٣٥/٢٥٢).

فتح البر
٤٩٠
انطلقوا، فقاموا في مقام أولئك ؛ وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة
وسجدتين، ثم سلم رسول الله وَّله وقد تمت صلاته ؛ ثم صلت
الطائفتان كل واحدة منهما ركعة ركعة (١).
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا
ابو داود، وحدثنا عبدالوارث قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
بکر بن حماد، قالا: حدثنا مسدد، قال حدثنا یزید بن زريع، وحدثنا
محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا احمد بن
شعيب، قال حدثنا اسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن رزيع، قال
حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله وعَظله
صلى بإحدى الطائفتين ركعة - والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم
انصرفوا فقاموا في مقام أولئك ؛ وجاء أولئك فصلى بهم ركعة
أخرى، ثم سلم عليهم ؛ ثم قام هؤلاء يقضون ركعتهم، وقام هؤلاء
يقضون ركعتهم (٢).
قال أبو داود: وکذلك روی نافع، وخالد بن معدان، عن ابن
عمر؛ قال: وكذلك قول مسروق، ويوسف بن مهران، عن ابن
عباس، وكذلك روی الحسن، عن ابي موسى أنه فعله.
ورواه أبو حرة، عن الحسن عن أبي موسى، عن النبي - عليه
السلام- قال: وكذلك رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي عليه
السلام.
(١) حم (١٥٥/٢)، م (١/ ٨٣٩/٥٧٤[٣٠٦]). ن (١٩٣/٣ /١٥٤١).
(٢) حم (٢/ ١٤٧-١٤٨). خ (٤١٣٣/٥٣٧/٧). م (٣٠٥/٥٧٤/١). د (٢/ ٣٥/ ١٢٤٣).
ت (٢/ ٥٦٤/٤٥٣). ن (١٥٣٧/١٩١/٣).

٤٩١.
صلاة الخوف
قال ابو عمر: وروى أبو العالية الرياحي عن ابي موسى مثله:
حدثنا عبدالوارث بن سفيان وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة، قال
حدثنا محمد بن بشر، قال حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية
الرياحي، أن ابا موسى كان بالدار من أصبهان - وما كان بها يومئذ
كبير خوف، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم وَّ فجعلهم
صفين، طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها، وطائفة من ورائه؛
فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام
الآخرين يتخللونهم ؛ وجاء الآخرون حتى قاموا وراءه، فصلى بهم
ركعة اخرى ثم سلم ؛ فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة ركعة،
ثم سلم بعضهم على بعض، فتمت للإمام ركعتان في جماعة وللناس
ركعة، ركعة (١).
قال ابو عمر: يعني مع الإمام وقضوا ركعة ركعة، وبحديث ابن
عمر هذا المذكور في هذا الباب وما كان مثله، مثل: حديث أبي
موسى هذا وشبهه في صلاة الخوف ؛ قال جماعة من أهل العلم،
منهم: الأوزاعي، واليه ذهب أشهب بن عبدالعزيز صاحب مالك.
وأما مالك وسائر أصحابه غير أشهب، فإنهم كانوا يذهبون في
صلاة الخوف- الى حديث سهل بن ابي حثمة، وهو ما رواه مالك عن
يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات
الانصاري، أن سهل بن ابي حثمة حدثه أن صلاة الخوف: أن يقوم
الإمام - ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة للعدو، فيركع الإمام
(١) ابن أبي شيبة (٤/٣٤٩/٢). وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١٩٧/٢) وقال: رواه الطبراني
في الكبير والأوسط بنحوه، ورجال الكبير رجال الصحيح.

٤٩٢
فتح البر
ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم ؛ فاذا استوى قائما ثبت وأتموا
لأنفسهم الركعة الباقية، ثم سلموا وانصرفوا - والإمام قائم، وكانوا
وجاه العدو؛ ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام
يركع بهم ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية
ويسلمون.
وقال ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وغيرهم - عن مالك أنه
سئل فقيل له: أي الحديثين أحب إليك أن يعمل به: حديث صالح بن
خوات، أو حديث سهل بن ابي حثمة؟ فقال: أحب الي أن يعمل
بحديث سهل بن ابي حثمة، يقومون بعد سلام الإمام فيقضون الركعة
التي عليهم، ثم يسلمون لأنفسهم.
وقال ابن القاسم: العمل عند مالك في صلاة الخوف على حديث
القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، قال: وقد كان مالك يقول
بحدیث یزید بن رومان، ثم رجع الى هذا .
قال ابو عمر: حدیث القاسم، وحدیث یزید بن رومان، كلاهما
عن صالح بن خوات، الا أن بينهما فصلا في السلام: ففي حديث
القاسم أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية، ثم يقومون فيقضون الركعة ؛
وفي حديث يزيد بن رومان: أنه ينتظرهم ويسلم بهم، وقد تقدم في
هذا الباب حديث القاسم من رواية مالك عن يحيى بن سعيد عن
القاسم.
وأما حديث يزيد بن رومان، فذكره أيضا في الموطأ مالك، عن
يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي وَل
صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، أن طائفة صلت معه - وطائفة وجاه
العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ؛ ثم

صلاة الخوف
٤٩٣
جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم، ثم ثبت جالسا فأتموا لأنفسهم ثم
سلم بهم (١). وبهذا الحديث قال الشافعي واليه ذهب، قال الشافعي:
حديث صالح بن خوات هذا أشبه الاحاديث في صلاة الخوف بظاهر
كتاب الله عز وجل، وبه أقول. ومن حجته: أن الله عز وجل - ذكر
استفتاح الإِمام ببعضهم لقوله: ﴿ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾؛ ثم قال:
﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَابِكُمْ﴾ [النساء: (١٠٢)]. وذكر انصراف
الطائفتين والإِمام من الصلاة معاً بقوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ ﴾
[النساء: (١٠٣)]. وذلك للجميع لا للبعض، ولم يذكر أن على واحد
منهم قضاء؛ وفي الآية أيضاً دليل على أن الطائفة الثانية لا تدخل
في الصلاة إلاّ بعد انصراف الطائفة الأولى، بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ
أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيَُلُوا ﴾ وهو خلاف ظاهر حديث أبي عياش
الرزقي، وما كان مثله في صلاة الخوف؛ وفي قوله: ﴿ فَلَيُصَلُواْ مَعَكَ﴾
دليل على أن الطائفة الثانية تنصرف ولم يبق عليها من الصلاة
شيء تفعله بعد الإمام ؛ بهذا كله نزع بعض من يحتج للشافعي،
لأخذه بحديث يزيد بن رومان، لما فيه من انتظار الإمام الطائفة الثانية
حتى يسلم بهم؛ ومن حجة مالك في اختياره حديث القاسم بن
محمد - في سلام الإمام قبل الطائفة الثانية وقضائها الركعة الثانية
بعد سلامه، القياس على سائر الصلوات في أن الإمام ليس له أن
ينتظر أحدا سبقه بشيء، وأن السنة المجتمع عليها أن يقضي المأمومون
ما سبقوا به بعد سلام الإمام.
(١) خ (٤١٢٩/٥٣٦/٧). م (٥٧٥/١-٨٤٢/٥٧٦). د (٢ / ١٢٣٨/٣٠).
ت (٢/ ٥٦٧/٤٥٦). ن (١٥٣٦/١٩١/٣).

فتح البر
٤٩٤
وقول أبي ثور في ذلك، كقول مالك بحديث سهل بن ابي حثمة
في رواية القاسم، عن صالح بن خوات، قال: يسلم الإمام ثم تقوم
الطائفة الأخرى فتقضي ركعتها ؛ ولم يختلف مالك والشافعي وأبو
ثور - أن الإمام اذا قرأ في الركعة الثانية بأم القرآن وسورة قبل أن تأتي
الطائفة الأخرى، ثم أتته فركع بها حين دخلت معه قبل أن يقرأوا
شيئا، أنه يجزيهم ؛ الا أن الشافعي قال: اذا أدركوا معه ما يمكنهم فيه
قراءة أم القرآن، فلا يجزيهم الا أن يقرؤوها؛ وقول احمد بن حنبل
في صلاة الخوف كقول الشافعي سواء على حديث يزيد بن رومان -
هو المختار عند أحمد، وكان لا يعيب من فعل شيئا من الأوجه المروية
في صلاة الخوف.
قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: صلاة الخوف يقول فيها
بالاحاديث كلها، كل حديث في موضعه؟ أم يختار واحدا منها؟
فقال: أنا أقول: من ذهب الى واحد منها، أو ذهب اليها كلها
فحسن.
وأما حديث سهل بن ابي حثمة، فأنا اختاره؛ لأنه أنكأ للعدو؛
قلت له حديث سهل بن ابي حثمة تستعمله مستقبلي القبلة كان العدو
أو مستدبريها؟ قال: نعم، هو أنكأ فيهم؛ لانه يصلي بطائفة ثم
يذهبون، ويصلي بطائفة أخرى - ثم يذهبون.
واختار داود وطائفة من أصحابه حديث سهل بن ابي حثمة أيضا
في صلاة الخوف، وكان عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى
النيسابوري، يختارون في صلاة الخوف حديث سهل بن ابي حثمة.
رواه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح ابن
خوات، عن سهل بن ابي حثمة، عن النبي عليه السلام، مثل حديث

٤٩٥
صلاة الخوف
مالك عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات - سواء حرفا بحرف
(١)؛ كذلك رواه معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة ؛ وأما أبو حنيفة
وأصحابه الا أبا يوسف، فإنهم ذهبوا الى ما رواه الثوري، وشريك
وزائدة، وابن فضيل، عن خصيف، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن
مسعود، عن أبيه، قال: صلى رسول الله وَله صلاة الخوف بطائفة،
وطائفة مستقبلي العدو، فصلى بالذين وراءه ركعة وسجدتين وانصرفوا
ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدو؛ ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم،
فصلى بهم ركعة ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلموا
وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك الى
مراتبهم، فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلموا (٢).
وروى أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، عن مروان، عن أبي
هريرة، قال: صليت مع رسول الله وَخلال عام نجد صلاة الخوف، قال:
فقامت طائفة معه، وطائفة أخرى مقابل العدو- وظهورهم الى القبلة
- فذكر مثل حديث ابن مسعود سواء(٣)؛ الا أنه ليس في حديث ابن
مسعود: وظهورهم إلى القبلة، ولا ما يخالف ذلك، فالمعنى - عندي
- في حديث ابن مسعود، وحديث ابي هريرة، وحديث ابن عمر
المذكور في هذا الباب، واحد في أن الطائفتين كلتيهما لا تقضي كل
واحدة منهما ركعتها الا بعد سلام الإمام ؛ وكان الثوري مرة يقول
بحديث ابن مسعود كقول أبي حنيفة، ومرة بحديثه عن منصور عن
(١) خ (٥٣٦/٧-٤١٣١/٥٣٧). م (١ / ٨٤١/٥٧٥). ت (٢/ ٤٥٦ / ٥٦٦).
د (٢ / ٣٠/ ١٢٣٧). ن (٣/ ١٥٣٥/١٩٠). جه (١/ ٤٠٠) تعليقا.
(٢) حم (٣٧٥/١-٣٧٦). د (١٢٤٤/٣٧/٢). ابن أبي شيبة (٥/٣٤٩/٢). وضعفه الألباني
في الإرواء (٤٩/٣).
(٣) د (٢/ ٣٢/ ١٢٤٠). ن (١٩٣/٣ / ١٥٤٢).

٤٩٦
فتح البر
مجاهد، عن أبي عياش الرزقي، قال: كنا مع رسول الله وعَظله
بعسفان- وعلى المشركين خالد بن الوليد، فذكر الحديث - وفيه:
والعدو بينهم وبين القبلة؛ قال: فأمرهم رسول الله وَّله فأخذوا
السلاح. ثم قاموا خلفه صفين: صف بعد صف، فكبر رسول الله
ێے و کبروا جمیعا؛ ثم رکع ورکعوا جميعا، ثم رفع ورفعوا جميعا،
ثم سجد وسجد الذين يلونه - والآخرون قيام يحرسونهم ؛ فلما
سجدوا سجدتين، قاموا وسجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم
تأخر الذين سجدوا مع رسول الله وَخ الى مقام الذين كانوا
يحرسونهم، وتقدم الآخرون فقاموا في مقامهم؛ ثم ركع النبي وَالطّ
وركعوا، ثم رفع فرفعوا جميعا؛ ثم سجد وسجد الذين يلونه في
الصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم؛ فلما رفع رسول الله
حَلخلقه رأسه من سجوده وجلس، سجد الآخرون؛ ثم جلسوا جميعا،
ثم سلم عليهم، قال: فصلاها رسول الله وَله مرة بعسفان، ومرة
بأرض بني سليم (١).
قال سفيان: وحدثنا أبو الزبير عن جابر، أن النبي وَلَّ صلاها
بنخلة مثل ذلك (٢).
قال ابو عمر: رواه أيوب وجماعة عن ابي الزبير عن جابر،
كما رواه الثوري، وكذلك رواه عبد الملك بن ابي سليمان، عن
عطاء، عن جابر (٣). وكذلك رواه داود بن حصين، عن عكرمة،
(١) د (١٢٣٦/٢٨/٢). ن (١٩٦/٣ / ١٥٤٨).
(٢) خ (٤١٣٠/٥٣٦/٧). م (١ / ٨٤٠/٥٧٥[٣٠٨]). ن (١٥٤٧/١٩٦/٣). جه
(٤٠٠/١ / ١٢٦٠).
(٣) م (١ / ٨٤٠/٥٧٤ [٣٠٧]). ن (١٥٤٦/١٩٥/٣).

صلاة الخوف
٤٩٧
عن ابن عباس (١)، وكذلك رواه قتادة، عن الحسن، عن حطان
الرقاشي، عن ابي موسى فعله؛ ومن مرسل مجاهد وعروة - مثله.
والى هذا الوجه في صلاة الخوف ذهب ابن أبي ليلى، قال الثوري:
وبلغنا أن رسول الله وَ له صلى بذي قرد، فصف خلفه صفا، وقام
صف بإزاء العدو؛ فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرفوا فقاموا مقام
أصحابه؛ وجاء الاخرون فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم؛ فكانت
للنبي عليه السلام، ركعتان، ولكل صف ركعة ؛ قال سفيان: قد جاء
هذا وهذا، وأي ذلك فعلت رجوت أن يجزىء.
قال ابو عمر: فخير الثوري في صلاة الخوف على ثلاثة أوجه،
أحدها: حديث ابن مسعود الذي ذهب اليه ابو حنيفة، والثاني حديث
ابي عياش الرزقي، واليه ذهب ابن ابي ليلى جملة ؛ وذهب اليه ابو
حنيفة وأصحابه - اذا كان العدو في القبلة . والثالث: الوجه الذي
بلغه أن رسول الله وَله صلى صلاة بذي قرد - وهو وإن كان أرسله
في جامعه، فإنه محفوظ من حديثه عن الأشعث بن سليم، عن
الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم، أنهم كانوا مع سعيد بن
العاص بطبرستان، فسأل سعيد حذيفة عن صلاة الخوف، فقال حذيفة
شهدت رسول الله وَجالا صلاها بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة - ولم
يقضوا (١).
وروى الثوري أيضا عن ابي بكر بن ابي الجهم، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس-مثل حديث حذيفة(٢)، وذكر
(١) د (١٢٤٦/٣٨/٢). ن (١٥٢٨/١١٨٧/٣). حم (٣٨٥/٥). ك (٣٣٥/١) وقال: صحيح
الإسناد ووافقه الذهبي.
(٢) ن (١٥٣٢/١٨٩/٣). ابن خزيمة (١٣٤٤/٢٩٣/٢) وصححه. ابن أبي شيبة
(١/٣٤٨/٢).

فتح البر
٤٩٨
أن ذلك كان بذي قرد، فبلاغ الثوري قد بان أنه مسند عنده صحيح،
ورواه مجاهد عن ابن عباس.
وروى سماك الحنفي عن ابن عمر مثله، والقاسم بن حيان، عن
زيد بن ثابت، عن النبي وَ ق مثله، الا أن بعض رواة حدیث یزید
الفقير قال فيه: إنهم قضوا ركعة، وقال احمد بن حنبل: لا أعلم أنه
روي في صلاة الخوف الا حديث ثابت، هي كلها ثابتة ؛ فعلى أي
حديث صلى المصلي صلاة الخوف، أجزأه - إن شاء الله، وكذلك قال
الطبري .
قال ابو عمر: في صلاة الخوف عن النبي عليه السلام وجوه كثيرة،
منها: حديث ابن عمر المذكور في أول هذا الباب، وما كان مثله على
حسبما تقدم في هذا الباب ذكره ؛ ومن القائلين به من أئمة فقهاء
الأمصار: الأوزاعي، واليه ذهب أشهب صاحب مالك، ووجه ثان -
وهو حديث صالح بن خوات من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد،
عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات؛ ومن روايته أيضا عن
يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات - على حسبما بينهما من
الاختلاف في انتظار الإمام الطائفة الأخرى بالسلام؛ ومن القائلين
بذلك: مالك والشافعي، وأبو ثور - على اختلاف ما بينهم في السلام
على حسبما وصفناه. ووجه ثالث وهو حديث ابن مسعود على ما
تقدم ذكره في هذا الباب، من القائلين به: أبو حنيفة وأصحابه الا أبا
يوسف، وهو أحد الوجوه التي خير الثوري فيها، وبه قال بعض
أصحاب داود أيضا؛ ووجه رابع وهو حديث أبي عياش الرزقي، وما
كان مثله على حسبما ذكرناه في هذا الباب ؛ ومن القائلين به: ابن
أبي ليلى، والثوري، أيضا في تخيره؛ وقد قالت به طائفة من الفقهاء
اذا كان العدو في القبلة .

صلاة الخوف
٤٩٩
ووجه خامس -وهو حديث حذيفة وما كان مثله على ما قد مضى
في هذا الباب ذكره، وهو أحد الأوجه الثلاثة التي خير الثوري -
رحمه الله - في العمل بها في صلاة الخوف، ومن حجة من قال بهذا
الوجه، ما رواه بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:
فرض الله عز وجل الصلاة على لسان نبيكم وَخلال في الحضر أربعا،
وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة(١)؛ وزعم بعض من قال هذا
الوجه من الفقهاء، أن للقصر في الخوف خصوصا ليس في غير
الخوف، لقول الله عز وجل: ﴿إِنْ خِفْثُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ ﴾
[النساء: (١٠١)]. قال: فينبغي أن تكون الصلاة في السفر بشرط الخوف،
خلاف الصلاة في السفر في حال الأمن.
وذكروا عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عباس، وزيد بن
ثابت، وجابر بن عبدالله، أنهم قالوا: الصلاة في الحضر أربع، وفي
السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة ؛ قالوا: ولو كان القصر في حال
الأمن وحال الخوف سواء، ما كان لقوله ((إن خفتم)) معنى، وقد جل
الله عز وجل عن ذلك.
قال ابو عمر: هذا القول خلاف ما عليه جمهور الفقهاء وقد يجوز
في حكم لسان العرب أن يكون المسكوت عنه في معنى المذكور، كما
يجوز أن يكون بخلافه، وقد بينا ذلك في مواضع - والحمد لله.
ومما يدل على أن صلاة السفر في الخوف وفي الأمن سواء، حديث
ابن عمر حين قال له رجل من آل خالد بن أسيد: يا أبا عبدالرحمن،
إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر -
يعني في حال الأمن؛ فقال: يا ابن اخي، إن الله بعث إلينا محمدا
(١) م (١ / ٤٧٩ / ٦٨٧). د (٢ / ١٢٤٧/٤٠). ن (١ / ٢٤٥ /٤٥٥). جه (١٠٦٨/٣٣٩/١).

فتح البر
٥٠٠
وَ له ونحن لا نعلم شيئا، فإنما نفعل، كما رأيناه يفعل؛ (١)- أي رأيناه
يفعل في حال الخوف وحال الأمن في السفر فعلا واحدا، فنحن نفعل
كما كان ◌َي* يفعل ؛ وفي ذلك ما يدل على أن مراد الله عز وجل في
ذلك من عباده واحد ببيان السنة في ذلك، كما صار قتل الصيد خطأ
بالسنة يجب فيه من الجزاء كما يجب على من قتله عمدا، مع قول الله
- عز وجل: ﴿وَمَنْ قَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: (٩٥)].
وقد عجب عمر بن الخطاب، ويعلى بن أمية من هذا المعنى أيضا
حين قال يعلى لعمر: يا أمير المؤمنين، ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا،
والله عز وجل يقول: ((إن خفتم))؟، فقال: عجبت مما عجبت منه،
فسألت رسول الله وَّلو عن ذلك، فقال: تلك صدقة تصدق الله بها
عليكم، فاقبلوا صدقته (٢)، وهذا أيضا بين في أن صلاة السفر في
الأمن وفي الخوف سواء؛ وبذلك جرى العمل والفتوى في أمصار
المسلمین عند جمهور الفقهاء، وقد یحتمل أن تكون رواية من روى أن
رسول الله وَخلا صلى بهم ركعة ولم يقضوا - أي في علم من روى
ذلك، لأنه قد روى غيره أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها،
وشهادة من زاد أولى؛ ويحتمل أن يكون أراد بقوله لم يقضوا أي لم
يقضوا اذ أمنوا، وتكون فائدته أن الخائف اذا أمن لا يقضي ما صلى
على تلك الهيئة من الصلوات في الخوف؛ وقد يحتمل قوله: صلوا
في الخوف ركعة، أي في جماعة مع رسول الله وَطله وسكت عن
الثانية، لأنهم صلوها أفذاذا.
(١) تقدم تخريجه في باب (ما جاء في مشروعية صلاة السفر وصفاتها).
(٢) تقدم تخريجه في ((كتاب صلاة السفر)). وهو من رواية الشيخين وأصحاب السنن إلا ابن
ماجه. وانظر الإرواء (٥٦٣/٣/٣).